غراس العلم لدراسة العلوم الشرعية يقدم شرح دليل الطالب لنيل المطالب للإمام مرعي الكرمي الحنبلي مع الشيخ إبراهيم رفيق الطويل.
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله الذي علم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم، أحمده سبحانه وتعالى، حمده للذاكرين الشاكرين، وأصلي وأسلم على المبعوث رحمة للعالمين، ومحجة للسالكين، نبينا وحبيبنا وقرة أعيننا محمد ﷺ وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً مباركاً إلى يوم الدين.
حياكم الله أحبتي إلى مجلس جديد نعقده في شرح كتاب دليل الطالب لنيل المطالب للإمام مرعي بن يوسف الكرمي على مذهب السادة الحنابلة رضوان الله تعالى عليهم. وفي البداية أحببت أن أشحذ الهمم وأن أبين لكم أن طريق التفقه في الدين طريق يحتاج إلى جد وكد وتعب من طالب العلم، قال سبحانه وتعالى: ﴿يَا يَحْيَىٰ خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ﴾ [مريم: 12]، أي بجد واجتهاد ومواصلة واستمرار ومذاكرة وحفظ وتفهم وتحليل.
كثير من الطلبة أحبائي اليوم، للأسف، يبحثون عن الوجبات السريعة -إذا صحت التسمية- في طلب العلم؛ يبحثون عن الاختصار المخل، يبحثون عن كتب يقرؤونها في الشهر وفي الشهرين وتنقضي، وهذا في الحقيقة ليس سبيل طلب العلم الذي سار عليه العلماء الكبار. لم يتخرج العلماء إلا بعد طول زمن، وكما قال الشافعي وصحبه: "أستاذ وطول زمان"، هكذا ينمو العلم، هكذا تتلاقح الأفكار، هكذا تثبت المسائل، هكذا يكون التحليل لكلمة كلمة ولجملة جملة.
أحبائي، إياكم أن تنخدعوا بهذا العصر الذي تحيون فيه، إياكم أن تنخدعوا بالأنظمة الجامعية وبغيرها من المعاهد التي لربما لا تعطي العلم حقه، ولا تعطي الكتب حقها في التدريس والمذاكرة. الكتاب ينتهي في أسبوعين وفي شهر، بينما كتاب كبير كان العلماء يجلسون عليه سنة أو أقل أو أكثر. هذا هضم للكتاب في الحقيقة، وعدم إيصال أفكاره بشكل صحيح للطالب، وهذا بالتالي ستظهر آثاره في المنتجات المستقبلية. كيف ننتج الفقيه لهذه الأمة إذا لم يتعب الفقيه منذ صغره ومنذ نشأته في طلب العلم ومنذ بداية دراسته على المشايخ؟ إذا لم يتعب ولم يأخذ العلم حظه، كيف يخرج هذا الرجل ليكون فقيهاً متقناً يعرف وضع المسألة في موطنها الصحيح؟
الذين يأخذون العلم جملة يذهب منهم العلم جملة، الذين يأخذون العلم بالتقصير وفي الفترات الوجيزة، علمهم -أحبتي وهذا من تجربة ومن واقع ومن مما نقله العلماء قبلنا ونقلوه لنا- الإنسان الذي يأخذ العلم بالأيام المعدودة ولا يريد أن يتعب ولا أن يسهر، يريد أن يجعل الدورات الشرعية مجرد تعبئة أوقات فراغ. هكذا نظرته للموضوع؛ أن الآن نحن الحمد لله عندنا عطلة جامعية وفي العطلة الصيفية دعونا نعبي أوقات الفراغ، فإذا بدأت الجامعة انتهى كل شيء، ما عاد هناك أي مكان للدورات ولا لطلب العلم الحق ولا لتحصيل كتب التراث، وإنما ينكب من جديد على كتب جامعية في أغلبها تكون هزيلة.
بعد ذلك تأتي العطل ليستغلها في شيء من الدورات في قراءة جزء من الكتب، ثم انظر في بناء هذا الطالب مع مضي السنوات، فإذا بناؤه متآكل مهزوز غير مكتمل، والسبب أنه كان يعتمد -كما قلت لكم- على أجزاء من هنا ومن هنا، على قطفات سريعة، عقله لم يصغ على مائدة الأوائل، لم يتربى على المصنفات القديمة كتاب تلو كتاب، لم يأخذ الكتاب والعلم وقته في ذهنه ليحلل ويناقش ويسأل ويستفسر.
أخبروني أحبائي، كيف نخرج طالب علم نظرته للعلم هذه النظرة المحدودة الضيقة؟ اقرؤوا أحبائي في سير الأوائل لتعرفوا كيف طلبوا العلم، اقرؤوا لإبراهيم الحربي ولغيره كيف كانوا يجلسون بين يدي إمام المذهب الإمام أحمد بن حنبل ليتعلموا على يديه ولترتقي أفهامهم بين يدي هذا العالم الكبير. هذه نصيحة أوجهها كما قلت لكم لكل من يبحث عن الاختصار، لكل من يبحث عن السرعة، لكل من يريد الاختزال والتقصير، لكل من يكثر منه الملل والتكاسل وعدم حضور المجالس العلمية ومتابعة حل الأسئلة والمواظبة على المذاكرة الأسبوعية.
هذه رسالة أوجهها لهم أحبتي، هذا العلم نحن نقدمه إلى ربنا سبحانه وتعالى، هذه بضاعة تقدمها لربك سبحانه وتعالى، فانظر ماذا تقدم لله؟ أحدنا إذا أراد أن يقدم شيئاً لمسؤول من مسؤولي الحياة الدنيا أو لشخص يحبه حرص على أن تكون هذه البضاعة التي يقدمها نفيسة، فكيف بهذا العلم ونحن نقدمه لربنا سبحانه وتعالى ونرجو منه أن يجعله ذخراً لنا حين نلقاه، ونرجو به رفعة الدرجات: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ [المجادلة: 11]. تريد أن تدخل في هذه الآية وتكون من أهلها؟ عليك أن تأخذ العلم بجد.
صدقوني أحبتي، ليس كل إنسان يصدق عليه أنه طالب علم بمجرد أن يحمل كتاباً أو يشترك في دورة أو يدخل في غمار بعض المعاهد الشرعية، كلا. طالب العلم إنسان سبرته الليالي والأيام، إنسان صبغ العلم فكره وعقله وروحه، فهو يتنفس العلم وعقله مشغول بالعلم حتى وهو يعمل في أعمال الدنيا، سرعان ما ينتهي من عمله ليعود إلى هذه المجالس ليقرأ وليتفكر وليلخص وليزداد معرفة، وليرتقي بعمله إلى الله سبحانه وتعالى، يجمع بين العلم وبين العمل بهذا العلم. هكذا نصنع للأمة الجيل المرتقب، هكذا نصنع طلبة العلم ونصنع الدعاة والعلماء، وما سوى ذلك أحبائي فهي عشوائية فوضوية لربما لا نكون فيها صادقين مع أنفسنا.
نسأل الله العظيم رب العرش العظيم أن يعيننا على الجد والمواظبة والاستمرار، وأن يوفقنا للنفس الطويل، وأن يمنحنا الهمة العالية والعزيمة الماضية لإكمال المسير، إنه ولي ذلك والقادر عليه.
نشرع الآن أحبتي في محاضرة اليوم، والباب الذي معنا باب المسح على الخفين، أو باب مسح الخفين. وهذا الباب في الحقيقة ليس باباً أصلياً في كتاب الطهارة، بل هو باب تبعي لباب الوضوء، باب تبعي وليس باباً أصلياً، جميل، هذه أولاً.
ثانياً: بعض الحنابلة يسمون هذا الباب باب المسح على الحوائل، والبعض يسميه باب المسح على الخفين ونحوه، ليدخل أي المسح على العمامة والمسح على خمار المرأة. ففي الحقيقة الحنابلة لا يخصصون هذا الباب بالمسح على الخفين فقط، بل يدخلون فيه عموم الحوائل، يدخلون فيه الخفاف والعمامة للرجال والخمار للنساء، فهذه الحوائل كلها يمسح عليها عند الحنابلة بشروط وقيود وضوابط. فلذلك كما قلت لكم بعض الحنابلة يسمي هذا الباب باب المسح على الحوائل ليدخل كل الحوائل: الخف والعمامة والخمار. طبعاً الجبيرة ستأتي معنا في هذا الباب أيضاً، وهي من الحوائل، لكن الجبيرة حكمها مختلف قليلاً عن حكم الخفاف والعمامة والخمار، لذلك يعقدون لها فصلاً مستقلاً عادةً، لكنها أيضاً من الحوائل وسيتطرق إليها الشيخ مرعي في فصل مستقل، لكن المهم أن الشيخ مرعي رحمه الله عليه لم يقل باب المسح للحوائل.
لم يعمم ولم يقل باب المسح للخفين ونحوه ليدخل العمامة والخمار، لماذا؟ لأنه اختصارًا اقتصر على ذكر الخفين فقط، ولم يتطرق لذكر العمامة ولا لذكر خمار المرأة، وكيف يمسح على العمامة وعلى الخمار وما ضوابط وشروط ذلك، اقتصر فقط على الخفين؛ لذلك قال: «باب مسح الخفين».
أما عند غير الشيخ مرعي، سواء من الكتب حتى المختصرة، ستجدون باب المسح للحوائل أو باب المسح للخفين ونحوه؛ لإدخال العمامة والخمار كما قلنا.
إذا عرفنا أن هذا الباب تبع لباب الوضوء، وعرفنا أن غير الشيخ مرعي يسميه باب المسح على الحوائل أو باب المسح على الخفين ونحوه، يضيف كلمة «ونحوه». الآن دعوني أتكلم عن الخف؛ ما هو الخف؟ الخف أحبائي عند العرب هو ما صنع من الجلد، وأما ما يصنع من الخيوط فهذا لا يسمى خفًا وإنما يسمى جوربًا، فعليه علينا أن نفرق ابتداءً بين الخف وبين الجورب؛ لأن بعض الناس يخلط، فالخف ما صنع من الجلد، وأما الجورب فهو ما صنع من الخيوط، ونحن في حياتنا اليومية أو في واقعنا المعاصر كثير منا يستعمل الجوارب ولا يستعمل الخفاف.
الحنابلة رحمه الله تعالى عليهم لما يقولون «باب مسح الخفين»، هم يدخلون الجوارب تحت هذا الباب أيضًا، وهذا مخالف لما عليه المذاهب الأخرى؛ فالمذاهب الأخرى يشترطون المسح على الخف فقط، أي على المصنوع من الجلد، ولا يجيزون المسح على الجوارب، بل يقولون الأحاديث جاءت بالمسح على الخفين، والخف هو المصنوع من الجلد فنقتصر على ما ورد.
أما الحنابلة فهم الذين توسعوا في هذا الباب، فقاسوا الجوارب على الخفين في جواز المسح عليها. وليست القضية مجرد قياس، بل هناك أيضًا حديث أن النبي ﷺ توضأ ومسح على الجوربين والنعلين، حديث رواه الخمسة إلى النسائي وصححه الترمذي، لكن هذا الحديث المذاهب الأخرى إما مضعفه وإما متأول له، والحنابلة يقولون: نحن نقيس الجورب على الخف في جواز المسح، وثانيًا هناك حديث يعضد وهو حديث أن النبي ﷺ توضأ ومسح على الجوربين والنعلين، فهذا يدل على أصل جواز المسح على الجوارب أيضًا كما يمسح على الخفاف.
إذا عرفنا الفرق بين الخف وبين الجورب، وعرفنا أن الحنابلة يدخلون الجورب تحت الخفين في جواز المسح عليها أيضًا قياسًا واعتمادًا على حديث ورد في المسألة، الآن دعونا ندخل فيما ذكره الشيخ مرعي رحمه الله؛ قال الشيخ مرعي: «يجوز بشروط سبعة». ما الذي يجوز؟ يجوز مسح الخفين، لأنه قال «باب مسح الخفين يجوز بشروط سبعة».
وكلمة الجواز أحبائي -وهذه فائدة على الهامش- كلمة الجواز أحيانًا تستعمل بمعنى عام يدخل تحتها الواجب والمندوب والمباح، وأحيانًا تستعمل الجواز بمعنى خاص مرادف للمباح، فيكون معنى الجواز الإباحة. ما هو حكم مسح الخفين عند الحنابلة؟ دعونا نبحث في هذه المسألة؛ إذا استكملت الشروط السبعة، ما حكم مسح الخفين؟ يقول الحنابلة -اسمعوا ماذا يقولون، هذه عبارتهم-: «المسح على الخفين أفضل من غسل القدمين لمن كان لابساً لهما، ولا يسن لبسهما ليمسح».
ما معنى هذا الكلام؟ الحنابلة يقولون إذا كان الشخص الآن لابسًا للخفين أو للجوربين بعد استكمال الشروط، ففي هذه الحالة الأفضل والأولى أن يمسح على الخفين ولا ينزعهما ليغسل قدميه؛ لأن بعض الناس يقول لك: يا شيخ أنا لا أريد أن أمسح على الخفين، نقول: أخي إذا كنت لابسًا لهما فالأفضل والأولى أن تمسح عليهما لأن هذه سنة أبي القاسم ﷺ.
أما إذا كنت غير لابس لهما، لم تلبس خفين أو لم تلبس جوربين، فهل يسن أن تلبسهما لتمسح؟ تقول: والله يا شيخ أنا أريد الآن أن ألبس خفين مع الشروط حتى أحقق سنة المسح على الخفين؛ أقول لك: لا يسن أن تتقصد لبس الخفين أو الجوربين لتمسح عليهما، لا يسن، أعيد وأكرر: لا يسن أن تتقصد لبس الخفين أو الجوربين لتمسح عليهما، لكن إن كنت لابسًا لهما لحاجة الحياة واستكملت شروط المسح، فحينئذ يقول الحنابلة: الأفضل والأولى أن تمسح ما دمت لابسًا واستكملت الشروط؛ لماذا تخلع؟ طبق سنة النبي ﷺ.
الأفضل أن تمسح على الخفين ولا تخلعهما من أجل أن تغسل قدميك، الأولى أن تتبع سنة النبي ﷺ في ذلك. وهذه المسألة أصبحت شعارًا لأهل السنة؛ لأن أهل البدع من الروافض ومن لحقهم لا يرون المسح على الخفين، لذلك عندما تقرأ في العقيدة الطحاوية وفي غيرها من عقائد أهل السنة تجدهم كثيرًا ما يقولون: ومن شعار أهل السنة المسح على الخفين.
تقول: ما علاقة هذه المسألة بالعقيدة؟ نقول: نعم هي ابتداءً مسألة فقهية، لكن لما خالف فيها أهل البدع وردوا الأحاديث الصحيحة الواردة عن رسول الله ﷺ والتي بلغت التواتر المعنوي، أصبحت شعارًا لأهل السنة والجماعة عند علماء السلف أنهم يمسحون على الخفاف. فإذا كنت لابسًا لخفيك فالأفضل والأولى أن تمسح عليهما تحقيقًا لشعار أهل السنة والجماعة واتباعًا لهدي النبي ﷺ، وأما إذا لم تكن لابسًا لهما فلا تتقصد لبسهما من أجل أن تمسح.
هذا حكم المسح عمومًا. الآن دعونا ندخل في الشروط؛ عرفنا حكم المسح، قال: «يجوز»، وعبارة «يجوز» بمعناها هنا الذي يظهر لي والله أعلم أنه يقصد أنه يباح، لكن علينا أن نقيد بما ذكرناه أنه ليست مجرد إباحة مطلقة، بل هناك أفضلية لمسح الخفين في حال كان الشخص لابسًا لهما، وأما إذا لم يكن لابسًا فلا يسن أن يتقصد لبسهما من أجل أن يمسح.
ما هي الشروط السبعة حتى يجوز لك أن تمسح على الخفين أو على الجوربين؟ قال: «بشروط سبعة». أول شرط أحبائي قال: «لبسهما بعد كمالة الطهارة بالماء». هذا أول شرط؛ لبسهما بعد كمال الطهارة بالماء، وكلمة «كمال» ضع تحتها خط، هذا قيد؛ «كمال الطهارة»، وكلمة «الماء» ضعوا تحتها خط، هذا قيد آخر. ما معنى هذا الشرط الأول؟ يقول:
يشترط الحنابلة لمن يريد أن يمسح على الخفين أو الجوربين أن يلبسهما بعد كمال الطهارة بالماء. ومفهوم هذا الكلام أحبائي أن الإنسان إذا لبس خفيه أو جوربيه قبل أن يكمل الطهارة فلا يجزئه أن يمسح عليهما ولا يصح المسح عليهما.
كيف يعني يا شيخ؟ لبسهما قبل اكتمال الطهارة؟ خذوا هذا المثال: شخص توضأ أحبائي، فغسل وجهه ويديه ومسح رأسه، ثم غسل رجله اليمنى، ثم غسل رجله اليمنى ولم يغسل اليسرى؛ غسل رجله اليمنى ولبس الجورب الأول، فلاحظ أنه ابتدأ بلبس الخفين قبل أن يكمل الطهارة، فلبس الجورب الأول ثم غسل رجله اليسرى ثم لبس الجورب الثاني. هنا نقول له: لا يجزئك، كأن تمسح على خفيك، عليك أن تخلعهما مجددًا وأن تعيد لبسهما حتى تلبسهما على كمال الطهارة؛ لأن الجورب الأول أو الخف الأول لبسته قبل أن تكمل طهارتك.
والشرط في المسح على الجوربين أو الخفين أن يلبسا بعد اكتمال الطهارة؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: «فإني أدخلتهما طاهرتين». فدل هذا على أنه صلى الله عليه وسلم أكمل طهارته بالماء ثم لبس الخفين بعد ذلك، فإذن لا يجزئ لبس الخفين قبل اكتمال الطهارة. فقال لك: لبسهما بعد كمال الطهارة، تكملها مئة بالمئة ثم بعد ذلك تشرع في لبس الخفين.
ويشترط في هذه الطهارة قيد آخر، سميه قيدًا آخر؛ أن تكون هذه الطهارة التي اكتملت طهارة بالماء. أما إذا كانت هذه الطهارة التي اكتملت طهارة بالتيمم بسبب عذر قام بمنعك من استعمال الماء أو فقدت الماء فتيممت، فهذه أيضًا لو لبست الخفاء لا يجزئك أن تمسح عليهما. يعني شخص احتاج أن يتيمم لفقده الماء أو لتعذر استعماله لمرض أو نحو ذلك، فبعد أن تيمم في وجهه وكفيه لبس خفيه وقال: أريد أن أمسح عليهما، أقول لك: صح أنت أكملت طهارتك، لكن هذه الطهارة التي اكتملت ليست بالماء، هذه طهارة بالتراب، فلا يجزئ المسح على الخفين بها؛ لابد أن تكون طهارة بالماء وتلبس الخفين بعد اكتمالها.
فهناك قيدان: اكتمال الطهارة، وأن تكون بالماء. إذا اختل قيد من هذه القيود ذهب الشرط الأول فلا يجزئ المسح. فإذا لبست الخفين أو لبست أحدهما قبل اكتمال الطهارة، أو لبستهما بعد اكتمال الطهارة لكنها لم تكن بالماء كانت بالتيمم بالتراب، فهذا لا يجزئ.
لكن هناك حالة فرعية أريد أن أنبهكم عليها ستأتي معنا إخواني، صورة لربما في الجبيرة، صورة يجمع فيها بين الطهارة بالماء وبين التيمم؛ هذه ستأتي معنا إن شاء الله في الجبيرة. في حالة محددة أو في بعض الصور يضطر الإنسان أن يجمع بين الطهارة بالماء وبين التيمم. فإذا شخص وقع في حالة احتاج فيها أن يجمع بين الماء وبين التيمم كما ستأتي معنا الصور، فهل يصح بعد اكتمال طهارته -وهي طهارة بالماء لكن تخللها تيمم- أن يلبس الخف بعدها ثم يمسح عليه؟ الخف المستقبَل؟ قال الحنابلة: نعم؛ لأن أساس هذه الطهارة ماء والتراب دخل عرضًا لشيء عرضي، وليس كل الطهارة بالتراب، فتلحق هذه باكتكمال الطهارة بالماء، فلا حرج في أن يلبس الخف بعدها ويمسح عليه.
إذاً نستطيع أن نقول: الشرط الأول، لبسهما -أي الخفين أو الجوربين- بعد كمال الطهارة بالماء، وأضيف الآن: ولو تخللت هذه الطهارة بالماء تيمم؛ لندخل هذه الصورة الفرعية التي تكون فيها الطهارة أساسًا بالماء لكن يضطر أن يتيمم لمسألة فرعية ستأتي في حينها.
فإذا كانت طهارة الإنسان كاملة بالتراب ثم لبس الخفي لا يجزئه أن يمسح، أو كانت طهارته بالماء لكنه لبس الخفين قبل أن يكمل لا يجزئه أن يمسح، وأما إذا توفر القيدان: اكتملت الطهارة وكانت بالماء، ولو تخللها استعمال التيمم، فهذه تكون طهارة صحيحة للبس الخفين بعدها، ويستطيع أن يمسح عليهما مع استكمال باقي الشروط إذا لبسهما بعد كمال الطهارة بالماء.
نذهب إلى الشرط الثاني، قال: «وسترها لمحل الفرض ولو بربطهما». الشرط الثاني أحبائي للمسح على الخفين أو الجوربين أن يكونا ساترين لمحل الفرض ولو بالربط. فيشترط الحنابلة إذا كان الخف أو الجورب الذي يلبس ليمسح عليه أن يكون ساتراً لمحل الفرض، ومحل الفرض من أصابع القدم حتى الكعبين، أليس كذلك القدم؟ ما هو محل فرضها في الغسل؟ إننا نأخذ في فروض الوضوء أنها تغسل من الأصابع حتى الكعبين؛ إذاً يشترط في الخف أن يكون ساتراً لكل محل الفرض.
قالوا: «ولو بربطه»، ما فائدة هذه الزيادة؟ أحياناً أحبائي قد يكون الخف أو الجورب واسعًا من شدة اتساعه لا يستر محل الفرض، أو يكون الخف ربما فيه ثقوب أو شقوق فلا يكون ساتراً لمحل الفرض. فقال الحنابلة: إذا استطعت أن تجعل هذا الخف أو الجورب الواسع الذي لا يستر محل الفرض بسبب اتساعه، أو الذي فيه شقوق أو ثقوب، إذا استطعت أن تجعله ساتراً لمحل الفرض بربطه أو برقعة أو ما شابه ذلك، فلا إشكال عندنا، يجزئ بالتالي.
الحنابلة أحبائي انتبهوا لهذه الجزئية، لا يشترطون في الجورب أو الخف أن يكون صحيحًا سليمًا لا ثقوب فيه، لا، ليس هذا تعبيرهم؛ يقولون نحن نتسامح ونتساهل في لبس الخف الذي فيه ثقب أو واسع يظهر منه محل الفرض، بشرط أنك تربط محل الثقب بحيث يستر محل الفرض، أو تربط محل الشقوق أو محل الاتساع بحيث يستر محل الفرض. فنحن لا نطالبك بأن تشتري خفًا أو جوربًا سليمًا صحيحًا، نحن نطالبك أن يكون خفك أو جوربك ساتراً لمحل الفرض ولو بالربط.
والحنابلة أحبائي هنا أذكر هذه القضية؛ في الحقيقة لا يشترطون في الخف أو الجورب أن يكون مانعًا لنفاذ الماء. نعم، هناك مذاهب أخرى تشترط ذلك، أما الحنابلة فلا يشترطون، فيجوز لبس الخف الذي ينفذ الماء ما دام توفرت فيه الشروط التي تأتي معنا. لا يشترط في الخف أو الجورب أن يمنع نفاذ الماء، يجوز أن ينفذ الماء ما عندنا مشكلة، لكن لا بد أن تتوفر الشروط السبعة التي نذكرها؛ فليس من الشروط أن لا يكون منفذاً للماء، لكن من الشروط أن يكون ساتراً لمحل الفرض ولو بربطه.
الشرط الثالث، قالوا: «إن كان المشي به عرفاً». فيقول الحنابلة: الخف أو الجورب الذي لا يصلح للمشي به في العرف فهذا لا يجزئ المسح عليه. والمشي به أحبائي لا يقصد المشي في داخل المنزل، لا؛ المشي حتى في الطرقات، هذا في الحقيقة الذي يقصدونه على الإطلاق؛ الخف الذي لا يصلح لأن يمشى به، والجورب الذي لا يصلح.
لأن يمشى به في العرف؛ هذا لا يجزئ المسح عليه. وهذا القيد في الحقيقة أحبائي، وهذا الشرط الثالث سيخرج أغلب الجوارب اليوم؛ لأن كثيرًا من الجوارب تجدها رديئة أو خفيفة جدًا لا يصلح أن يمشى بها في الساحات وفي الطرقات.
لكن الجوارب السميكة، هناك جوارب سميكة خاصة تلبس في الشتاء، الجوارب السميكة هذه والله أعلم لا إشكال فيها لأنه يمكن المشي بها، نحن لا نعتاد المشي بها لكن يمكن المشي بها في العرف، تستطيع أن تمشي بها في شوارع من دون أن تثقب. لكن الجوارب الخفيفة جدًا لا، هذه لا تصلح أحبائي في الحقيقة لأن يمسح عليها؛ لذلك قالوا: «كانوا يمشي بهما ما عُرِفا».
الشرط الرابع: ثبوتهما بنفسهما. هذا شرط انتبهوا عليه، الشرط الرابع أن يكون الخفان أو الجوربان ثابتين بنفسهما. ماذا يعني يا شيخ؟ إذا كان الخف أحبائي أو الجورب إذا وضعته في قدمك لا يثبت بنفسه، كلما وضعته في قدمك إذا به يسقط، هذا لا يصلح لأن يمسح عليه؛ فلا بد أن يكون الخف ثابتًا بنفسه.
طيب يا شيخ، ممكن أحط عليه خيط وأربطه؟ ما ينفع، لذلك قالوا: «فلو كان يحتاج إلى شد أو إلى ربط حتى يثبت لا يصلح». طيب يا شيخ، إيش الفرق بين هذا الشرط والشرط الثاني؟ أنت قلت: «وسترتهما لمحل الفرض ولو بربطهما فباح»، هناك أبحتم الربط، لكن هنا في قولك: «وثبوتهما بنفسهما» قلت: «فإن كان يثبتان بالربط لا يجزئ ذلك».
لماذا فرقت بين هذه وهذه إخواني؟ ذاك الشرط وهذا الشرط؛ في الشرط الثاني كنا نتكلم عن خف هو ثابت بنفسه لكن فيه ثقوب أو شقوق يظهر منها محل الفرض، فقلنا هذه الشقوق أو الثقوب اربطها، أما هو ثابت بنفسه. في هذا الشرط الرابع لا، الخف نفسه غير ثابت، كلما وضعته في القدم يسقط، فقال الحنابلة: إذا كان الخف بهذه النوعية وبهذه الرداءة لا يصلح لأن يمسح عليه، فلا بد أن يكون ثابتًا بنفسه، فإذا كان يحتاج إلى ربط أو إلى شد ليثبت فهذا ليس هو الخف أو الجورب الشرعي باختصار.
لكن استثنى الحنابلة صورة واحدة لخف لا يثبت بنفسه ومع ذلك يجوز المسح عليه، قال الحنابلة: يجوز المسح على الخف الذي لا يثبت بنفسه إذا لبس نعلين فثبتا بالنعلين، يعني إذا كان الخف لا يثبت بنفسه لكن إذا لبست النعال عليها ثبتت، قالوا هذه حالة استثنائية نجوز فيها المسح على هذا الخف، فأضافوا وكتبوا: «ثبوتهما بنفسهما أو بنعلين» حتى ندخل هذه الصورة التي يستثنيها الحنابلة. يقول ابن عوض رحمه الله عليه: «لكن لو ثبت الخف بالنعلين صح المسح»، فهذه حالة استثنائية يجوز فيها المسح على خف لا يثبت بنفسه لكنه يثبت بالنعلين، وأما إذا ثبت بالربط أو ما شابه ذلك فهذا لا يصلح لا بد بنعل.
طيب إذا نأتي على هذه الحالة الاستثنائية: إذا إنسان لبس خفًا لا يثبت بنفسه ثم لبس عليه نعلين، فعلى أيهما يمسح؟ القاضي أبو يعلى قال: يجب أن يمسح عليهما معًا، يجب أن تمسح على النعل وعلى الخف، يجب أن يمسح عليهما معًا. لكن المجد ابن تيمية وابن قدامة قالوا: لا، يجزئ أن يمسح على أحدهما، يعني يكفي إما أن تمسح على هذا النعل وإما أن تمسح على الخف، ولا يلزمك أن تمسح عليهما معًا.
والمرداوي في الإنصاف أحبائي قال عن هذا القول الثاني: «ينبغي أن يكون هذا هو المذهب»، يعني الأقرب في المذهب هو القول الثاني؛ أنه يجزئ المسح على الخف أو النعل الذي لبسته حتى تثبت الخف، يجزئ المسح على أحدهما ولا يلزمك أن تمسح عليهما، فيمكنك أن تدخل يدك مثلاً تحت النعل وتمسح على الخف فقط، ويمكن أن تمسح على الخف فقط أو تمسح على النعل فقط، ويمكن أن تمسح عليهما؛ إما أن تدخل يدك من تحت النعل وتمسح على الخف فقط، وإما أن تمسح على النعل فقط، وإما أن تجمع وتمسح عليهما. القول الأول القاضي قال: لا، لا بد من أن يمسح عليهما جميعًا ولا يجزئ المسح على أحدهما، ونحن نختار القول الثاني لأن الإمام المرداوي قال: «ينبغي أن يكون هذا هو المذهب».
إذن هذا هو الشرط الرابع. الشرط الخامس قال: «وأباحتهما»، وأباحتهما، وهذا الشرط لاحظوا أنه يتكرر معنا؛ الماء الطهور المباح، وفي الاستجمار أن يكون الحجر طهورًا مطهرًا مباحًا، وها هنا الآن يأتي في المسح على الخفين أن يكون الخف مباحًا. وعرفنا إذاً ما هو المباح بناءً على ما سبق؛ ألا يكون محرمًا.
والتحريم إما أن يكون لحق الله، كأن يكون مثلاً هذا الخف للذكر ومصنوع من حرير، أو أن يكون التحريم لحق الآدميين، كخف مثلاً مسروق أو خف مغصوب، فهذا أيضًا خف حرام. فالخف المحرم لحق الله كالخف المصنوع من حرير للرجال، أو الخف المحرم لحق الآدميين، هذا لا يجوز المسح عليه، يعني يحرم المسح عليه وإن مسحت لا يصح.
طيب ليش لا يصح؟ لنفس العلة التي ذكرناها في الحجر؛ لماذا الحجر الحرام قلنا لا يصح الاستجمار به؟ لأن الاستجمار رخصة والرخص لا يصح فعلها بالمعصية، وكذلك المسح على الخفين رخصة، والرخصة لا يجزئ فعلها بالمعصية، نفس الفكرة. لاحظوا عليكم أن تحفظوا هذه التعاليل لأنها تساعدكم غدًا في التخريج؛ يقول الحنابلة: «الرخص لا يجوز فعلها بالمعاصي»، فالمسح على الخفين رخصة من الشارع، فإذا كان الخف حرامًا لا يجزئ المسح عليه.
الشرط السادس قال: «وطهارة عينهما»، فإذا كان الخف نجساً، نجساً العين، مصنوعاً من مادة مثلاً من شحم خنزير فرضاً، إذا كان يُصنع منه هذا لا يجوز المسح عليه. أما إذا كان الخف متنجساً فهذا فرق، يعني الخف مصنوع من مادة طاهرة لكن وقعت عليه نجاسة، فهذا ليس في العين. لذلك الشيخ مرعي دقيق قال: «وطهارة عينهما»، يعني أن يكون الخف مصنوعًا من مادة طاهرة.
أما إذا كان مصنوعًا من مادة طاهرة ووقعت عليه نجاسة فهذا متنجس، فهذا في الحقيقة أحبائي يجزئ المسح عليه. يعني أنا لو توضأت ثم لبست خفًا عليه نجاسة، مثلاً في أسفل نجاسة فرضًا دعست على شيء فلصقت النجاسة بأسفل الخف، لما أتى وقت الصلاة أحدثت ثم جاء وقت الصلاة الأخرى فأردت أن أتوضأ، فلما توضأت مسحت على الخفين مع أنه عليهما نجاسة من الأسفل، في مشكلة؟ ما في مشكلة. لكن ها لما بدك تصلي، إذا أردت أن تدخل في الصلاة لا بد ترفع النجاسة عن أسفل الخف.
أجل الصلاة، أما من حيث المسح على الخفين، فيقول الحنابلة: يجزئ المسح على الخف المتنجس؛ يجزئ المسح على الخف المتنجس والمصنوع من مادة طاهرة لكن جاءت عليه نجاسة. وأما العين المصنوعة من مادة، فهذا الذي لا يجزئ المسح عليه.
وصلنا إلى الشرط السابع، قال: والشرط السابع عدم وصفهما بالبشرة، هذا هو الشرط السابع؛ عدم وصفهما بالبشرة. فإذا كان الخفان يصفان البشرة، أو إذا كان الجوربان يصفان البشرة، فلا يجزئ المسح عليهما أحبائي. ولذلك نقول لأخواتنا النساء: الجوارب هذه الخفيفة التي تلبسنها وتكون تشف القدم، لا يجوز المسح عليها، لا يجوز ولا يجزئ، أن نقول لا يجزئ المسح عليها؛ الجوارب الخفيفة التي تلبسها النساء وتصف البشرة هذه لا يجزئ المسح عليها. اتفقنا تمام؟ لأن من شرط الخف أو الجورب ألا يصف البشرة، فأي جورب للذكر أو للأنثى كان يصف البشرة لا يجزئ المسح عليه.
انتهينا إذا من الشروط السبعة للمسح على الخفين. إذا توفرت الشروط السبعة حينئذ يجوز المسح على الخفين والجوارب. انتقل الشيخ مرعي أحبائي إلى بيان مدة المسح على الخفين وعلى الجوربين، ومثلها عمامة الرجل وخمار المرأة، لكنه لم يتطرق إليها: ما مدة المسح على الخفين وعلى الجوربين؟ هل هي مدة مفتوحة أم هناك توقيت شرعي؟ الصحيح أحبائي أن هناك توقيتاً شرعياً للمسح على الخفين وعلى الجوربين.
والحنابلة رحمه الله عليهم، قبل أن أقرأ كلام الشيخ مرعي، يقسمون الناس بالنسبة إلى هذه المسألة -مسألة مدة المسح- إلى أربعة أقسام. القسم الأول: شخص مقيم حاضر في وطنه، نسميه الشخص الحاضر المقيم. الشخص الثاني: شخص سافر سفراً بقصد المعصية، يعني هو أنشأ هذا السفر من أجل أن يعصي، يريد أن يذهب إلى بلاد يشرب فيها الخمر -والعياذ بالله- أو يفجر بالنساء، أو يريد أن يسافر بقصد تجارة محرمة، فهذا يسمى سفر معصية. وعليكم أن تفرقوا بين رجل سافر سفراً بقصد المعصية، وبين رجل سافر سفراً مباحاً أو مندوباً أو طاعة لكن فعل المعصية في خلاله؛ فهذه الصورة الثانية ليست داخلة معنا وليست مرادة، وإنما المراد الصورة الأولى؛ الرجل الذي أنشأ سفراً وقصد سفراً من أجل المعصية يريد أن يسافر بقصد فعل الحرام، فهذا هو الشخص الثاني المسافر سفر بقصد المعصية.
الشخص الثالث: رجل مسافر سفراً مباحاً أو مندوباً أو واجباً، يعني ليس سفراً حراماً ولا مكروهاً. هذا السفر المباح عند الحنابلة -قالوا ما ليس حراماً ولا مكروهاً- رجل سافر سفراً مباحاً، ويدخل فيه المندوب والواجب، ولكن هذا السفر دون مسافة القصر، وسآتي لتحرير مسافة القصر عند الحنابلة إن شاء الله في وقتها. رجل سافر سفراً مباحاً ليس مكروهاً ولا حراماً، لكن هذا السفر دون مسافة القصر.
هؤلاء الثلاثة أحبائي: المقيم الحاضر، والمسافر سفر معصية، والمسافر سفراً مباحاً لكن دون مسافة القصر؛ الحنابلة رحمه الله عليهم يوقنون لهم في المسح على الخفين مدة أربع وعشرين ساعة، يعني يوماً وليلة من الحدث بعد اللبس، كما قال الشيخ مرعي؛ قال: «فيمسح المقيم...». هكذا قال، انظروا ماذا قال الشيخ مرعي: «فيمسح المقيم والعاصي بسفره»، وأنا أضفت لكم صورة ثالثة: الشخص المسافر سفراً مباحاً دون مسافة القصر، هذا أضيفوه؛ يمسح المقيم والعاصي بسفره والمسافر سفراً مباحاً دون مسافة القصر. قال: «يمسحون من الحدث بعد اللبس يوماً وليلة».
فابتداء المدة إخواني عند الحنابلة من أول حدث بعد لبس الخف على كمال طهارة بالماء؛ يعني شخص تطهر طهارة كاملة بالماء ثم لبس الخف، وكان هذا الخف مستوفياً للشروط بحمد الله. الآن متى يبدأ هذا الشخص بحساب الأربع وعشرين ساعة المأذون له أن يمسح فيها؟ قالوا: من أول حدث. ركزوا، ليس من أول مسح، من أول حدث بعد اللبس. فأنت مثلاً توضأت للظهر وضوءاً كاملاً بالماء ثم لبست الخفين، ممتاز، عند العصر بالضبط أحدثت، فعند العصر نبدأ نحسب لك مدة أربع وعشرين ساعة، من العصر إلى أربع وعشرين ساعة من اليوم التالي يجوز لك أن تمسح فيها، بعد ذلك لا يصلح. وهذا التوقيت لمدة أربع وعشرين ساعة من أول حدث بعد اللبس هو لهؤلاء الثلاثة: للشخص المقيم في وطنه، وللعاصي بسفره، وللمسافر سفراً مباحاً دون مسافة القصر.
وأما المسافر سفراً مباحاً مسافة القصر فصاعداً، فهذا له ثلاثة أيام بلياليهن. قال الشيخ مرعي: «والمسافر...»، اكتبوا: سفر مباح بثلاثة أيام، مسافته مسافة القصر فصاعداً، بهذين القيدين يمسح ثلاثة أيام بلياليهن، وابتداء المدة نفس الشيء من أول حدث بعد اللبس.
إذا عرفنا أن الحنابلة حساب المدة عندهم يبدأ من أول حدث، والناس عندهم أربعة أشخاص: حاضر في وطنه، مسافر سفر معصية، مسافر سفر مباح دون مسافة القصر؛ هؤلاء الثلاثة يوم وليلة. مسافر سفر مباح مسافة القصر فصاعداً يعطونه ثلاثة أيام بلياليهن، أي اثنتين وسبعين ساعة بحساب الساعات.
الآن إخواني، الشيخ مرعي سينتقل إلى مسائل ثلاث عليكم أن تنتبهوا إليها، أن بينها وبين المسألة السابقة فرق دقيق وكثير من الطلاب يخطئون فيها. هذه المسائل الثلاث أعطاها حكماً واحداً، فقال: «لو مسح...»، فلو مسح في السفر ثم أقام، ولاحظوا كلمة الفاء تدل على أن هذه المسائل تفريع على المسائل السابقة، على قضية المقيم والمسافر، على قضية التوقيت؛ فالفاء هذه تفريعية تدل على أن هذه المسائل متفرعة على التفريق في مدة المسح بين المقيم وبين المسافر. قال: «فلو مسح في السفر ثم أقام، أو في الحضر ثم سافر، أو شك في ابتداء المسح، لم يزد على مسح مقيم». لاحظوا هذه الصور الثلاث أعطاها حكماً واحداً: صورة لو مسح في السفر ثم أقام، أو في الحضر ثم سافر، أو شك في ابتداء المسح؛ الحكم في الثلاث واحد: لم يزد على مسح مقيم.
الآن إخواني، هذه المسائل الثلاث فكرتها مبنية على أصل واحد، وهو أن الأصل في الإنسان أنه مقيم حاضر وليس مسافراً مرتحلاً؛ الأصل الحالة الأصلية للإنسان الإقامة وليس السفر، بناءً على أنها هي الحالة الأصلية يا بني. الحنابلة حكم هذه المسائل الثلاث، دعونا نبدأ فيها مسألة مسألة وصورة صورة ونتعرف عليها، وانتبهوا كما قلت لكم لأنها دقيقة.
الصورة الأولى: «لو مسح في السفر ثم أقام»، اكتبوا «سواء»؛ يعني بعد هذه المسألة اكتبوا حتى تكتمل لكم: لو مسح في السفر ثم أقام سواء كان حدثه الأول أول حدث له وهو حاضر قبل أن يسافر أو وهو مسافر. فهذه الصورة الأولى في الحقيقة تدخل تحتها حالتان: حالة أنه أحدث في حضر ثم سافر قبل أن يمسح فمسح في السفر، وصورة إنسان أول حدث له كان في السفر ومسح.
في السفر خلوني أتكلم عن كل حالة بالتفصيل؛ لأنه هنا الباب دقيق. إذا مسح في السفر ثم أقام، تكتب وتحتها صورتان أو حالتان.
الحالة الأولى: رجل أحدث في الحضر، وركزوا كيف يفكر الحنابلة. رجل أحدث في الحضر بعد صلاة العصر. الآن بما أنه أحدث، الصورة أنه رجل أكمل طهارته بالماء ثم لبس الخفين، وكان أول حدث له وهو حاضر مقيم بعد صلاة العصر. بما أنه حاضر مقيم وصار أول حدث، سيبدأ العداد يعد عليه 24 ساعة فقط، هذا هو الأصل.
الحنابلة ماذا يقولون؟ يقولون لو أن إنسانًا أحدث في الحضر، إنسان لبس خفين على كمال طهارة بالماء ثم أحدث في الحضر لكنه لم يمسح، أحدث بس ما مسح وترك المسح حتى سافر، يعني هذا صاحبنا أحدث بعد العصر، فبدأ العداد يعد عليه 24 ساعة، لكن سبحان الله طرأ له سفر بعد العصر مباشرة، سفر مباح طويل، فركب في الطائرة وفي الطائرة قرر أن يمسح أول مسحة على الخف.
الحنابلة يقولون هذا الشخص له أن يكمل مسح مسافر، لكن طبعًا مسح المسافر 72 ساعة، وهذه الـ 72 ساعة بدأ العد لها من أول حدث في الحضر. يعني هو الآن أحدث بعد العصر وهو مقيم، فالأصل أنه العداد يعد 24 ساعة، لكنه لم يمسح وسافر وفي الطائرة مسح أول مسحة على هذا الجورب. الحنابلة يقولون نعطيك بما أنه أول مسحة لك كانت وأنت مسافر 72 ساعة، ثلاثة أيام بلياليها، لكن هذه الثلاثة أيام بلياليها سيبدأ عدادها من أول حدث وأنت مقيم.
فهناك اتفاق عند الحنابلة في المعتمد من المذهب أن العداد يبدأ من أول حدث. لكن إذا الإنسان كان مقيمًا وأحدث أول حدث فبدأ العداد يعد، لكنه لم يمسح ثم سافر فكانت أول مسحة له وهو مسافر، يعطيك الحنابلة 72 ساعة كأن العداد قلب؛ كان العداد يريد أن يعد 24 ساعة، لكن لأنه أول مسحة لك كانت وأنت مسافر قلب العداد وأصبح يعد لك 72 ساعة، لكن ابتداء المدة من أول حدث.
الآن هذا صاحبنا كما قلنا هو في الطائرة ومسح أول مسحة فمعه 72 ساعة يكملها، قدر الله سبحانه وتعالى أن هذه الطائرة سافر بها وذهب له خمس أو ست ساعات، المهم سافر صاحبنا وعاد إلى أرض الوطن قبل أن يكمل الـ 72 ساعة، عاد مقيمًا. لاحظوا الأمور فيها عدة إشكاليات، عاد مقيمًا، الآن لما عاد مقيمًا أتى وسأل الشيخ: يا شيخ حدث معي كذا، أحدثت في الحضر وكانت أول مسحة لي في السفر، فقال لي الحنابلة إنه معي 72 ساعة، وقبل أن أكمل الـ 72 ساعة عدت مقيمًا إلى أرض الوطن فكم أمسح؟
هنا الشيخ يريد أن يقول له: عاد مسحك مسح مقيم. فيقول له الشيخ: أنت الآن، هل مر عليك 24 ساعة من أول حدث؟ فممكن يقول: نعم يا شيخ مر علي 24 ساعة من أول حدث. فيقول له الشيخ: إذا أنت الآن عليك أن تنزع الخفين وتعيد الطهارة بالماء على رجليك، يعني خلص ما عاد لك قدرة أن تمسح على خفيك.
إذا قال: والله يا شيخ لا، أنا ما صار لي 24 ساعة منذ أول حدث، أحدثت عند وقت العصر وسافرت بعد العصر بساعتين مثلا، وفي الساعة الواحدة ليلاً عدت إلى أرض الوطن، هذا كان سفري ذهابًا وإيابًا سريعًا، فهنا سيقول له الشيخ: بما أنك لم تكمل الـ 24 ساعة، معك أن تكمل الـ 24 ساعة فقط، أي إلى عصر اليوم التالي.
فهذه كلها الحالة الأولى من الصورة الأولى، صورة لو مسح في السفر ثم أقام؛ هذه يدخل تحتها أنه أحدث في الحضر ثم كانت أول مسحة له في السفر فأعطيناه 72 ساعة ثم بعد ذلك أقام، فلما أقام قلنا له لا، بما أنك أقمت الآن بدك تكمل على مسح المقيم، فبنيجي نقول له: أنت الآن من أول حدث هل مضى عليك 24 ساعة؟ إن قال نعم، مضى عليه 24 ساعة بالتالي بنقول له انتهت مدة المسح على الخفين عندك. فيقول: يا شيخ أنتم أعطيتموه 72 ساعة! بنقول: نحن أعطيناك إياها لأنك مسافر، بما أنك عدت إلى أرض الوطن بدنا نرجع للعداد الأول، عداد الـ 24 ساعة، فهل مضى عليك 24؟ إذا قال نعم بنقول له لا يجزئ المسح على الخف. إذا قال: لا لسه ما أكملت 24 ساعة من أول حدث، بنقول له: أكمل حتى تكمل الـ 24 ساعة.
الصورة والحالة الثانية، أن صاحبنا أول حدث له كان وهو مسافر، يعني شخص توضأ طهارة كاملة بالماء وركب الطائرة مباشرة، في الطائرة كان أول حدث له، الآن بما أنه مسافر سفر طويل مباح نعطيه أيضًا مسح 72 ساعة، لكن صاحبنا سافر بالطائرة وعاد قريبًا إلى أرض الوطن، فلما عاد إلى أرض الوطن قال: يا مشايخ كنت مسافرًا وما أكملت الـ 72 ساعة، فهل أكملها في حالة إقامتي الآن؟
نقول له: لا، قضية الـ 72 ساعة هي انتهت، أنت الآن سنحسبك على حساب الـ 24، فهل مر عليك منذ أول حدث 24 ساعة؟ قال: والله أنا أصلاً صار لي يومين بمسح بس ما كملت اليوم الثالث. بنقول: بما أنه مر عليك يومان وأنت تمسح على الخف، أنت الآن حسابك حساب المقيم، وأصلًا مر عليك يومان وأنت تمسح على الخف في السفر، فالآن وأنت مقيم لا يجزئك أن تمسح على الخف، بدك تخلع. إذا قال: لا، أنا لسه ما مر علي من أول حدث 24 ساعة، ما زال ضائع من الـ 24 ساعة ثمان ساعات أو تسع ساعات، بنقول له: إذاً تكمل الـ 24 ساعة وبعد ذلك تنزع الخف، فإن مسحك.
تحول إلى مسح مقيم الآن إخواني. هذه القضية التي يتعب فيها كثير من الطلبة، قضية كما أسميها لهم "انقلاب العدادات"؛ أنه كان عداد 24 صار 72، ثم متى يعود 24؟ هذه يخطئ فيها كثير من الطلبة.
الصورة الأولى عند الحنابلة، اختصرها الشيخ مرعي في هذه الكلمات: "لو مسح في السفر ثم أقام لم يزد على مسح المقيم"، وهيك الحكم. لكن أنا بينت لكم أنها هي الصورة الأولى لها حالتان: حالة أن يكون أحدث في الحضر ثم سافر، فكانت أول مسحة في السفر. الحنابلة سيقولون له: معك 72 ساعة، ثم عاد مقيماً بعد ذلك، الحنابلة سيقولون له: عدت على نظام الـ 24 ساعة.
انظروا، هو أحدث في الحضر بنظام الـ 24 ساعة، سافر فكانت أول مسحة في السفر تحول لنظام الـ 72 ساعة، عاد إلى أرض الوطن فعاد إلى نظام الـ 24 ساعة. لما يرجع في الحالة الأولى إلى أرض الوطن، سيقول له الحنابلة: من أول حدث لك؟ والحدث قلنا في الحالة الأولى وهو مقيم، من أول حدث لك؟ هل مضى 24 ساعة ولا ما مضى؟ قال: مضى 24 ساعة، يقولون له: أنت الآن في أرض الوطن، يجب أن تخلع خفك وتتوضأ من جديد على الأقدام بالغسل. وإذا ما مضى 24 ساعة من أول حدث فبتنتظر مرور 24 ساعة، يعني معك تكملهم، ثم بعد ذلك تنزع.
الحالة الثانية أن يكون أول حدث وأول مسح كلاهما في السفر. فالحالة الأولى أول حدث في الحضر وأول مسح في السفر ثم عاد مقيماً، والحالة الثانية أول حدث وأول مسح كلاهما كان في السفر ثم عاد مقيماً. وكذلك في الحالة الثانية نفس التطبيق؛ لما يرجع إلى أرض الوطن يقول له الفقيه: من أول حدث لك؟ والذي هو الآن في الحالة الثانية في السفر، من أول حدث لك؟ هل مضى 24 ساعة ولا ما مضى؟ قال: مضى، سيقول له: أنت الآن أصبحت مقيماً فالتغى مسحك على الخف. إذا قال: لسه ما انتهت 24 ساعة من أول حدث، يقول له: كمل الـ 24 ساعة وبعد ذلك توقف. هذه الصورة الأولى: لو مسح في السفر ثم أقام، وأضفت لكم سواء كان أول حدث له في الحضر أو في السفر، هكذا نكمل المسألة أو الصورة الأولى بحالتيها.
خلونا ننتقل للصورة الثانية. أنا أطيل في المسألة، لكنني أريد أن أفهمكم المسألة بصورها وحالاتها، لا أريد أن يخرج الطالب بجزء المسألة أو بصورة وبحالة وينسى الحالات كلها، فأحياناً أضطر أن آخذ راحتي في بيان حالات هذه الصور. إذا لو مسح في السفر ثم أقام، تقول لي هذه يا شيخ لها حالتان وانتهينا منهم، الصورة الثانية هي: في الحضر ثم سافر.
الصورة الثانية: شخص كان أول حدث له في الحضر وأول مسحة له في الحضر، ثم بعد ذلك سافر. ركزوا، شخص تطهر طهارة كاملة بالماء ثم لبس الخفين، فكان أول حدث له بعد العصر ومسح وهو مقيم، فكانت أول مسحة له وهو في الإقامة، ثم سافر. فقال الحنابلة: هذا الرجل في السفر، ولكن سنقول له: ما لك 72 ساعة؛ لأن أول مسحة لك كنت مقيماً، فبتكمل في السفر على الـ 24 ساعة. والـ 24 ساعة متى بدأ عدها؟ من أول حدث، نقول له: بتكمل الـ 24 ساعة، بعد ذلك عليك أن تنزع. ثم إن كنت بقيت مسافراً وتوضأت وضوءاً جديداً وأكملت طهارة بالماء ثم لبست الخفين بعد ذلك، سنعطيك مدة 72 ساعة، لكن بما أن أول حدث لك وأول مسحة كانت وأنت مقيم، فلما تسافر في أثناء السفر سنقول لك أيضاً: تكمل مسح مقيم 24 ساعة من أول حدث. هذه صورتها واحدة وواضحة.
الصورة الثالثة أحبائي: أو شك في ابتداء المسح، إيش صورتها هذه؟ صورتها إخواني أن شخصاً أحدث في الحضر، ثم سافر، الآن هو في السفر متأكد أنه مسح على الخف، لكن وقع عنده شك: هل مسحت على الخف في الحضر قبل أن أخرج في الطائرة، أم مسحت على هذا الخف في السفر؟ وقع في شك في متى كانت أول مسحة له. هو متأكد أنه مسح هذا الخف، لكن شك هل أنا مسحت عليه قبل أن أسافر أو مسحت عليه في الطائرة بعد أن سافرت؟ نسي أو شك.
فإذا وقع في الشك، قال الحنابلة: يعتبر نفسه قد مسح عليه وهو مقيم ويتم مسح مقيم. خلص، يقول لك بما أنك شككت، فلا نعاملك معاملة المسافر لأن الحالة الأصلية هي الإقامة، فنرجعك للحالة الأصلية؛ الحالة الأصلية لك أنك مقيم، فنعاملك كأنك مقيم بما أنك وقعت في الشك، فبنعتبر أول مسحة وقعت لك في الحضر وتتم أيها المسافر مسح مقيم 24 ساعة من أول حدث. إذا هذه أيضاً واضحة؛ من شك في ابتداء المسح، شخص أحدث في الحضر وسافر وهو في أثناء السفر متأكد أنه مسح على خفيه لكن شك هل كانت هذه المسحة الأولى على الخف في الحضر قبل أن يسافر أم بعد أن سافر؟ فنقول له: بتعتبرها كانت في الحضر وتتم مسح مقيم 24 ساعة منذ أول حدث.
إذا في هذه الصور الثلاث، لاحظوا أن الحنابلة ألزموا الإنسان بأن يمسح مسح المقيم. الصورة الأولى: صورة من مسح في سفر ثم أقام، يجب أن يرجع يمسح على عداد الـ 24 ساعة، سواء في الصورة الأولى هناك حالتان، سواء كان حدثه الأول في حال الحضر قبل أن يسافر أو كان حدثه الأول في حال السفر، المهم أنه مسحه كان في السفر. في الصورة الأولى لا يهمنا أين أول حدث لك، في الحضر أو في السفر، ما دام أن أول مسحة لك بعد الحدث كانت في السفر، هذا المهم: أين أول مسحة؟ فبما أن أول مسحة لك كانت وأنت مسافر، فالآن نحن نريد أن نعطيك مسح مسافر 72 ساعة، لكنك أقمت قبل أن تنهي مدة الـ 72 ساعة، فبنرجعك لعداد الـ 24 ونعاملك معاملة مقيم؛ نسألك: هل مر عليك 24 ساعة من أول حدث أو لم يمر عليك؟ فإن مر عليك نقول لك: طبت، الله يعطيك العافية، والآن ما ينفع تمسح. وإذا لم يمر عليك نقول لك: أكمل الـ 24 ساعة.
الصورة الثانية: شخص أول حدث وأول مسح له كلاهما كان في الحضر ثم سافر، فهذا يعطيه في السفر مسح مقيم فقط لأن الأصل الإقامة. والصورة الثالثة: شخص أحدث في الحضر لكنه شك في أول مسحة له هل كانت في الحضر أو في السفر، فاعتبرناها في الحضر أيضاً، وألحقناه بالصورة السابقة وقلنا: بدك تتم مسح مقيم.
أيضا 24 ساعة من أول حدث، لاحظوا أحبائي كيف المسألة دقيقة؛ أن بعض الطلاب تدخل عليه قضية أول حدث وقضية أول مسحة فلا يفرق بينهما. يجب أن تفرق أن أول حدث يبدأ العداد يعد من عنده، فالعداد دائما في جميع الصور والأحوال يبدأ العد من أول حدث.
لكن قضية كيف نعاملك؟ هل نعاملك على أنك مقيم ولا مسافر؟ هذه في الحقيقة عند الحنابلة لا تعتمد على أول حدث، بل تعتمد على أول مسحة بعد الحدث. معاملتك معاملة مقيم أو مسافر تعتمد في الحقيقة ليس على أول حدث، بل تعتمد على أول مسحة؛ فإذا كان أول حدث في الحضر والمسح كان في السفر، يتم مسح مسافر عند الحنابلة، ألم نذكر ذلك؟
لكن إذا سافرت ثم عدت أقمت، بتيجي مسألتنا وكذلك العكس. نحن قلنا إذا أحدث في الحضر ثم مسح في السفر، يتم مسح ماذا؟ يتم مسح مسافر. أما الصورة العكس، لو أنه أحدث في السفر ثم مسح في الحضر، فهذا بالتأكيد سيتم مسح مقيم، ففي العكس يتم مسح مقيم، وهذه واضحة لأن الأصل الإقامة.
لكن في الصورة الأولى إذا أحدث في الحضر ثم سافر فمسح في السفر أول مسحة، سيتم مسح المسافر. إذا لو مسح في السفر ثم أقام، سواء كان حدثه الأول قبل أن يسافر أو في أثناء السفر، فإنه في كلا الحالتين سيتم مسح مقيم ما دام أنه عاد إلى حالة الإقامة. والصورة الثانية، أو في الحضر ثم سافر، والصورة الثالثة، أو شك في ابتداء المسح، فكل الصور الثلاث لم يزد على مسح المقيم.
الآن بعد أن بين لنا شروط الخف الذي يمسح عليه وبين لنا مدة المسح، سينتقل إلى كيفية المسح فقال: «ويجب مسح أكثر أعلى الخف». فلما تأتي تمسح حتى نقول إن مسحك مجزئ، يجب أن تمسح أعلى الخف أكثره؛ لاحظوا هناك قيدان: أكثر، وأعلى. فيجب مسح أكثر أعلى، بس ليس أكثر من أسفل الخف ولا من العقب، بل من الأعلى؛ فيجب مسح أكثر أعلى الخف.
فإذا مسح الأكثر لكن من الأسفل أو من العقب ما ينفع، ولو مسح أعلى الخف لكن جزء يسير ما ينفع. لا بد وجوباً أن يمسح أكثر أعلى الخف حتى يكون مجزئاً؛ لذلك قال: «ولا يجزئ مسح أسفله وعقبه». يعني لو شخص اقتصر على مسح أسفل الخف من تحت أو العقب من خلف الرجل لا يجزئه لو اقتصر على ذلك.
وقال: «ولا يسن»، اكتبوا عندكم، «ولا يسن أن يمسح أسفل الخف وعقبه ما أعلى له». فالمسألة السابقة «ولا يجزئ مسح أسفله وعقبه» هذه إرادة؛ إذا أراد أن يقتصر على الأسفل والعقب فلا يجزئ، وإذا أراد أن يمسح الأعلى والأسفل والعقب، فيقول لك الحنابلة: لا يسن لك أن تجمع بين الأعلى والأسفل والعقب؛ لأن سنة أبي القاسم ﷺ أنه يمسح أعلى الخف. فيجزئ الاختصار على أسفل الخف وعقبه، ولا يسن الجمع بين أعلى الخف وأسفله وعقبه؛ أعلى الخف فقط، اقتصر على ذلك. إذًا يجب مسح أكثر أعلى الخف، ولا يجزئ مسح أسفله وعقبه، ولا يسن أن يجمع بين أعلى الخف وأسفله وعقبه.
الآن انتقل الشيخ مرعي ليبين لنا أحبائي متى ينتقض المسح على الخف؟ فذكر إخواني ثلاث صور ينتقض فيها المسح على الخف. يعني رجل توضأ ولبس الخف وأحدث ومسح على الخف، نحن الآن مسحك صحيح لكنه ينتقض في ثلاث أحوال:
الحالة الأولى: قال متى حصل ما يوجب الغسل؟ إذا قام بحدث أكبر يوجب أن تغتسل، حينئذ أخي الكريم انتقض مسحك على الخفين؛ لأن المسح على الخفين إنما يجزئ عن الحدث الأصغر، لكنه لا يصلح للحدث الأكبر. فما ينفع تغتسل وتقول لي أمسح على الخفين، ما ينفع؛ المسح على الخفين خاص بالوضوء بالحدث الأصغر وليس له علاقة بالحدث الأكبر، فمن قام به حدث أكبر يوجب الغسل انتهى مسحه على خفيه ويجب عليه أن ينزع الخفين للغسل.
الحالة الثانية: قال، أو ظهر بعض محل الفرض. شخص مسح على خفيه وهو في الطريق انثقب الخف فظهرت القدم، إذا ظهر بعض محل الفرض إخواني ولو يسيراً، قال الحنابلة ولو يسيراً انتقض المسح عليه. وإذا انتقض المسح عند الحنابلة يجب أن يعيد الوضوء بأكمله، مش فقط بقول خلص برجع بغسل الأقدام، ما ينفع عليه أن يعيد الوضوء بأكمله.
فشخص توضأ ثم لبس الخفين ثم أحدث ثم توضأ مرة أخرى فمسح على الخفين، والآن وهو في الطريق انثقب الخف، هنا الحنابلة يلزمونك بإعادة كل الوضوء من جديد. فلو شخص قال: طب أنا يا شيخ ما زلت لم أرتكب أي سبب من أسباب الحدث الأصغر، لم أذهب إلى دورة المياه لغائط أو لم أنم، لماذا تلزمونني بإعادة الوضوء بأكمله؟ نقول لك الآن: أنت مسحت على خفيك، الخف انثقب فظهر محل الفرض، وبالتالي يقول الحنابلة بمجرد أن يظهر محل الفرض يعود الحدث الأصغر من جديد على الإنسان؛ فإذا ظهر محل الفرض يعود الحدث الأصغر من جديد على الإنسان فعليه أن يتوضأ من جديد.
ومن هنا قالوا إن المسح على الخف في الحقيقة لا يرفع الحدث الأصغر بالتمام، يقولون يرفع الحدث الأصغر رفعاً مؤقتاً، وهذه معلومة اكتبوها عندكم: المسح على الخف لا ينتج رفع الحدث الأصغر بالتمام، وإنما يرفع الحدث رفعاً مؤقتاً؛ بدليل أنه إذا انثقب الخف، أو الصورة الثالثة، أو انقضت مدة المسح، حتى لو لم ترتكب ناقضاً من نواقض الوضوء الثمانية التي ستأتي معنا، يجب عليك أن تعيد الوضوء. فيقول لك الشخص: لماذا أوجبتم عليه إعادة الوضوء مع أنه لم يرتكب ناقضاً من نواقض الوضوء؟ فنقول له إن المسح على الخفين عندنا الحنابلة لا يرفع الحدث رفعاً كاملاً، وإنما يرفعه رفعاً مؤقتاً، فبمجرد انثقب هذا الخف عاد الحدث من جديد فبدك ترجع تتوضأ وضوءاً كاملاً.
ثالثاً: قالوا، أو انقضت المدة بطل الوضوء. الصورة الثالثة انقضاء المدة، يعني شخص أحدث على العصر فمسح على خفيه، يعني كان أول حدث بعد لبس الخفين على كمال طهارة كان عند العصر، الآن عند عصر اليوم التالي مرت 24 ساعة، بمجرد أن تنتهي الـ 24 ساعة، حتى لو لم ترتكب ناقضاً من نواقض الوضوء، عند الحنابلة يقولون لك وضوءك انتهى وعليك أن تنزع خفيك وأن تعيد الوضوء من جديد بمجرد انتهاء المدة.
إذا عاد الحدث الأصغر ليقوم بك من جديد، فعليك أن تعيد الوضوء من جديد كاملاً. كثير من الناس يقول لك: يا شيخ أنا خلص انتهت المدة، أخلع الخف وأكمل، ولما أحدث حدثًا جديدًا أتوضأ، يقول لك: لا، بمجرد أن تنتهي الـ 24 ساعة عاد بك الحدث الأصغر، فما ينفع تصلي الآن، ولا تمس مصحفًا، ولا تطوف؛ بل تذهب مباشرة تعيد الوضوء من جديد إذا أردت طبعًا أن تصلي أو أن تمس المصحف أو أن تطوف. فإذا هذه المدة الثلاث ينقطع فيها المسح على الخفين وعليك أن تعيد من جديد.
قال: ومتى حصل ما يوجب الغسل؟ انتهى إذا ظهر بعض محل الفرض؛ انتهى، وتعيد الوضوء من جديد إذا انقضت المدة 24 ساعة للحاضر ومن في حكمه، و72 ساعة للمسافر سفرًا مباحًا قصرًا، فحينئذ إذا قضت المدة يبطل الوضوء أيضًا.
جميل، الآن دعونا ننتقل أحبائي لهذا الفصل؛ فصل في حائل من الحوائل، لكن أحكامه في الحقيقة تختلف عن أحكام الخف في الكثير من التفاصيل. ما بدي أقول في بعض التفاصيل، هذا الحائل هو الجبيرة. والجبيرة أحبائي هو كتعريف: ما يشد على الكسر أو على الجرح أو على نحوهما من خشب، ونحن اليوم عندنا الجبس أو خرقة أو نحوها حتى يبرأ هذا الجرح أو هذا الكسر. كل ما تشده على جرح أو على كسر من خرقة أو خشب أو جبس أو ما شابه ذلك يسمى جبيرة عند العرب؛ لأنهم يقولون نتفاءل أن هذا الشيء الذي وضعته سيجبر الكسر وسيكون سببًا في برء الجرح، ومن هنا سموها جبيرة من باب التفاؤل.
إذا هذه الجبيرة عرفناها، الجبيرة بالتأكيد هي حائل من الحوائل، لأن الحائل هو ما يمنع وصول الماء إلى العضو، وهي حائل. ما أحكام المسح عليها؟ وبماذا تفترق عن المسح على الخفين؟ أول قضية لم يذكرها الشيخ مرعي؛ قضية أن المسح على الجبيرة إخواني عزيمة وليست رخصة، بخلاف المسح على الخفين فإنه رخصة عند الحنابلة. لماذا؟ افهموا هذا الضابط بين الرخصة والعزيمة عند الحنابلة من الآن حتى يسر عليكم في المستقبل أن تفرقوا بينها.
في الرخصة، تستطيع أن تفعل الحالة الأصلية لكنك لا تفعلها باختيارك، وتذهب إلى الصورة التسهيلية التي سهل فيها الشرع؛ هذه هي الرخصة باختصار. أنا ابتعدت عن التعريفات الأصولية حتى أسهل عليكم صورتها؛ في الرخصة أنت تستطيع أن تفعل الحالة الأصلية لكنك عدلت عنها إلى الصورة التخفيفية من الشارع. ففي المسح على الخفين، أنت تستطيع أن تنزع الخف وتغسل الأقدام على الصورة الطبيعية، لكنك باختيارك أردت أن تمسح على الخف لما استكملت الشروط، فبالتالي بما أن الحالة الأصلية (العزيمة) أستطيع فعلها وأنا باختياري عدلت إلى الصورة التسهيلية، فهذه الصورة التسهيلية تسمى رخصة، أو البعض يسميها البديل.
أما إذا كانت الحالة الأصلية لا أستطيع أن أقوم بها، وأنا ملزم الآن أن أفعل الصورة البديلة، فالصورة البديلة فعلها لا يسمى رخصة حتى بالمفهوم الأصولي الفقهي حتى ولو كان فيها تسهيل، وهذا ما حصل في الجبيرة. متى يجوز لي أن أمسح على الجبيرة؟ هل يجوز أن أمسح على الجبيرة وأنا أستطيع أن أغسل ما تحتها؟ لا؛ لو كنت أستطيع أن أنزع الجبيرة وأغسل ما تحتها لوجب فعل ذلك ولم يجز المسح على الجبيرة. فالمسح على الجبيرة هو في حالة أنني لا أستطيع أن أنزعها، فالحل الوحيد والبديل أن أمسح عليها، فيصبح المسح على الجبيرة حينئذ عزيمة؛ لأنها هي الحالة الوحيدة التي تستطيع أن تفعلها، ولا يسمى رخصة بالمفهوم الشرعي وإن كانت هي بديل عن الغسل.
وكذلك التيمم كما سيأتي معنا؛ هل تستطيع أن تتيمم وأنت بإمكانك أن تتوضأ وتستعمل ماءً؟ لا، أليس كذلك؟ فبالتالي يقول الحنابلة: التيمم عزيمة؛ لماذا؟ لأنني لا أستطيع أن أفعل الحالة الأصلية وهي الوضوء. معه، إذا كنت أستطيع أن أفعل الحالة الأصلية وهي الوضوء فلا يصح التيمم. التيمم إنما يفعل إذا انعدمت الحالة الأصلية ولم يمكن أن أفعلها، فيأتي التيمم كبديل، وبما أنه بديل والحالة الأصلية سقطت ولا يمكن القيام بها فلا يسمى التيمم رخصة وإنما يسمى عزيمة.
فهذا هو الفرق بين الرخص والعزائم في البدائل؛ إنه بعض الشباب يظن أنه كل بديل عن عبادة يسمى رخصة، وهذا ليس بصحيح. إذا استطعت أن تفعل الأصل وعدلت عنه إلى البديل فيكون البديل رخصة، وإذا كان البديل لا يمكن فعله إلا عند العجز عن فعل الأصل فحينئذ هذا البديل يسمى عزيمة ولا يسمى رخصة. ومن هنا كان هناك فرق بين الخف وبين الجبيرة؛ أن الجبيرة عزيمة لأنك لا تستطيع أن تفعلها وأنت تتمكن من غسل ما تحتها، وإنما تفعلها كبديل عند العجز عن غسل ما تحتها، وأما الخف فإنك تستطيع أن تمسح عليه مع قدرتك على أن تغسل الأقدام. وهذا الفرق الأول بين الجبيرة وبين الخف، وسأذكر فروقًا أخرى بعد انتهائي من هذا الفصل.
قال الشيخ مرعي: وصاحب الجبيرة إن وضعها على طهارة ولم تتجاوز محل الحاجة؛ غسل الصحيح ومسح عليها. وأجزاء هي الصورة الأولى إخواني أحبائي في المسح على الجبيرة، هناك أربع صور. الصورة الأولى وهي صورة الكمال وتكلم عنها هنا الآن، هو أن يلبس الجبيرة على وضوء، وأن هذه الجبيرة لا يتجاوز في وضعها محل الحاجة. يعني الدكتور أو أنت إذا أنت جبرت نفسك بنفسك، وضعتها على قدر الحاجة ولم تتجاوز قدر الحاجة، فالجبيرة إخواني إذا لبسها الإنسان وكان على طهارة، يعني كان متوضئًا ولم يتجاوز في وضعها محل الحاجة، فكيف يتم التعامل معها؟
قال الشيخ مرعي: «فقسل الصحيح ومسح عليها». فالآن نفرض أن الجبيرة ستكون في يدي، نسأل الله السلامة للجميع، الآن إذا الجبيرة كانت على كل يدي من الأصابع إلى المرفق، استوعبت كل اليد، يعني كل محل الفرض باختصار استوعبت كل محل الفرض، فلو كنت لبستها على طهارة ولم أتجاوز بها قدر الحاجة بهذين الشرطين، حينئذ أمسح على كل الجبيرة وانتهى الأمر؛ هذه لم يذكرها لكنها مفهومة من السياق.
أما إذا كانت الجبيرة على بعض محل الفرض، يعني عفوا اليد مكسورة مثلا من هنا إلى هنا، ممتاز، ومن هنا إلى هنا ما في جبيرة، فنقول الآن: هل هذه الجبيرة وضعت بعد على طهارة؟ يعني كنت متوضئًا لما لبستها؟ قال: نعم، ممتاز. الشرط الثاني: هل هذه الجبيرة تجاوزت قدر الحاجة؟ قال: لا، هذه موضوعة على قدر الحاجة بالتمام. ونقول: ممتاز، بما أنك لبستها على طهارة ولم...
تتجاوز بها قدر الحاجة فتمسح على الجبيرة كاملة إلى المنطقة التي وضعت عليها، وباقي العضو الذي هو المكشوف هذا تغسله بالماء غسلًا طبيعيًا. لذلك قال: إن وضعها على طهارة ولم تتجاوز محل الحاجة؛ فغسل الصحيح ومسح عليها. هذه كما قلنا إذا كانت الجبيرة أخذت جزءًا من محل الفرض، أما إذا استوعبت كل محل الفرض فبدك تمسح عليها كلها وما في غسل؛ لأنه ما في منطقة صحيحة أو ما في منطقة مكشوفة.
جيد، هذه الصورة الأولى. الآن الصورة الثانية: «وإلا وجب مع الغسل أن يتيمم لها ولا مسح»، إذا وصاحب الجبيرة إن وضعها على طهارة ولم تتجاوز محل الحاجة غسل الصحيح ومسح عليها بالماء وأجزأ؛ هذه خلصنا منها.
الآن الصورة الثانية: «وإلا وجب مع الغسل أن يتيمم لها ولا مسح»، تدخل فيها صورتان. الصورة الأولى أنه لم يضع الجبيرة على طهارة أساسًا، لما رأى في المستشفى كان محدثًا حدثًا أصغر، فلما لبسوا الدكتور الجبيرة لبسوا إياها على غير طهارة، ما كان متوضئًا، فهنا لبست الجبيرة على غير طهارة.
في هذه الحالة ماذا يفعل صاحبنا؟ إذا لبس الجبيرة على غير طهارة لكنها لم تتجاوز محل الحاجة، حينئذ يقول الحنابلة: الشخص عليه أن يغسل المنطقة الصحيحة من العضو، وأما المنطقة التي عليها جبيرة بما أن الجبيرة وضعت على غير طهارة فلا يستطيع أن يمسح عليها، فماذا يفعل؟ قالوا: يتيمم عنها.
فأنت الآن تتيمم عنها في موطنها، كيف يعني؟ الآن أنت توضأت، غسلت وجهك، أتيت لليد هذه، هذه اليد عليها جبيرة من هنا إلى المنتصف، والمنطقة إلى المرفق الأخرى مكشوفة، إذا هي المنطقة المكشوفة الحمد لله تغسلها. المنطقة التي عليها جبيرة اتفقنا أن هذه جبيرة وضعت على قدر الحاجة لكن دون طهارة مسبقة، فقال الحنابلة: هذه الجبيرة لا يستطيع أن يمسح عليها، فلما يأتي يغسل يده، بده يتيمم.
فلما يأتي عند هذا العضو يغسل الصحيح ويتيمم عن الجبيرة، ثم يكمل وضوءه فيغسل اليد الأخرى ويمسح رأسه بالماء ويغسل رجليه. حتى التيمم بده يكون بالضبط هنا، ليه قالوا حتى يحافظ على الترتيب؟ لأن فروض الوضوء الفرض الخامس هو الترتيب، فما ينفع عند الحنابلة تقول خلص بكمل وضوئي وبعد ما أخلص خلاص بروح بتيمم عن هذه الجبيرة، ما ينفع؛ تتيمم عن الجبيرة في موطنها، لما يأتي موطن غسلها تتيمم.
طبعًا لا يخفى عليكم الترتيب بين اليمين واليسار، ما في مشكلة لو أن الشخص غسل اليد اليسرى بعد ذلك عاد لليمين، قلنا هذا ترتيب مستحب أنه داخل العضو الواحد، لكن أظن المسائل أصبحت واضحة لديكم. إذاً الصورة الثانية صورة من لبس الجبيرة على غير طهارة ولم تتجاوز قدر الحاجة.
الصورة الثالثة: صورة شخص لبس الجبيرة على غير طهارة وتجاوزت قدر الحاجة، يعني جمع بين الخطأين؛ لابسها على غير طهارة وفي نفس الوقت الجبيرة تجاوزت قدر الحاجة. ففي هذه الحالة أيضًا نفس الحكم السابق، لما يأتي لليد، الجبيرة من هنا إلى هنا، يغسل الصحيح (المنطقة المكشوفة)، والمنطقة التي عليها جبيرة يجب أن يتيمم عنها. فهناك صورة تتيمم فقط عن الجبيرة وتغسل الصحيح.
إذا أخذنا ثلاث صور: لبسها على طهارة ولم تتجاوز قدر الحاجة، يغسل المنطقة السليمة ويمسح على الجبيرة فقط من دون تيمم. وهناك صورتان: صورة من لبس الجبيرة على غير طهارة ولكنها كانت على قدر الحاجة، أو لبسها على غير طهارة وتجاوزت قدر الحاجة؛ في كلا الصورتين يغسل الصحيح ويتيمم عن الجبيرة ولا يمسح عليها.
الصورة الرابعة والأخيرة، وأظنكم عرفتموها وحدكم من القسمة العقلية، وهي إذا لبس الجبيرة على طهارة لكنها تجاوزت قدر الحاجة. هي صورة أحبائي غريبة، لأن الحنابلة يجمعون فيها بين ثلاثة أشياء: بين غسل المنطقة الصحيحة المكشوفة، وبين مسح الجبيرة إلى منطقة الحاجة، وإلى التيمم عن الزائد عن قدر الحاجة.
إذا لبس الجبيرة على طهارة لكنها تجاوزت محل الحاجة، يعني الدكتور -الله يسامحه- نزل فيها قدرًا ليس لازمًا، أو أنت نزلت بها إلى منطقة لا يلزم أن تنزل إليها فغطيت شيئًا زائدًا عن الحاجة. الآن يقول الحنابلة: فرضًا أحبائي لو أن الإنسان كسر كوعه، فالجبيرة تحتاج أن تكون فقط هذه المنطقة، فصاحبنا زاد قدر الحاجة فجبر كل يده وما تحت الكوع منطقة مكشوفة ما فيها أي مشاكل.
الآن لما يأتي لغسل هذا العضو يقول الحنابلة: المنطقة الصحيحة المكشوفة هذه تغسلها، هذه متفق عليها ما في مشكلة. الآن المنطقة التي عليها جبيرة، هناك منطقة زائدة عن قدر الحاجة وهناك منطقة من الجبيرة على قدر الحاجة؛ المنطقة التي منها على قدر الحاجة تمسحها حول الكوع، والزائد عن قدر الحاجة هذا ما ينفع تمسحه لأنه خطأ، تتيمم عنه. فلذلك قال: ما لم توضع على طهارة وتتجاوز المحل أي محل الحاجة، فحينئذ قال: فيغسل أي الصحيح، ويمسح أي موطن الحاجة من الجبيرة، ويتيمم عن الزائد على الحاجة؛ على تفصيل من كلمة فيغسل ويمسح ويتيمم.
إذًا الجبيرة لها أربع صور: إذا لبسها على طهارة ولم تتجاوز قدر الحاجة، يغسل المنطقة الصحيحة ويمسح على الجبيرة كاملة وانتهى الأمر من دون تيمم. الصورة الثانية والثالثة: إذا وضعها على غير طهارة ولم تتجاوز قدر الحاجة، أو وضعها على غير طهارة وتجاوزت قدر الحاجة؛ يعني باختصار متى وضعها على غير طهارة، سواء تجاوزت قدر الحاجة أو لم تتجاوز، هنا يغسل الصحيح ويتيمم عن الجبيرة ولا يمسح عليها. الصورة الرابعة والأخيرة: إذا وضعت على طهارة لكنها تجاوزت محل الحاجة، فحينئذ يقول الحنابلة: يغسل المنطقة الصحيحة ويمسح قدر الحاجة من الجبيرة ويتيمم عن الزائد على الحاجة.
الآن إخواني دعوني أذكر لكم بعض الفروق بين الجبيرة وبين الخف. انتهى كلام الشيخ عن الجبيرة لكنني سأذكر لكم فروقًا بين الجبيرة وبين الخف تعرفون منها بعض الأحكام. أول فرق ذكرناه قبل قليل بين الجبيرة وبين الخف؛ قضية أن الجبيرة المسح عليها عزيمة، والخف المسح عليه رخصة. هذا أول فرق، أريدكم أن تعملوا جدولًا تضعوا الخف هنا والجبيرة هنا، ثم تكتبوا النقاط والفوارق بينها، تقولون الرخصة في الخف والعزيمة في الجبيرة.
اثنين: الخف لهما توقيت في مدة المسح؛ للمسافر ثلاثة أيام بلياليها، وللمقيم يوم وليلة، أما الجبيرة فلا يوجد لها توقيت، فإنما يمسح عليها إلى البرء أو حتى ينزعها الطبيب ويقول لك انزعها، ما لها داعي. ممتاز، إذًا الفرق الثاني أن الخف له مدة وتوقيت، والجبيرة ليس لها توقيت وإنما يبقى يمسح.
عليها إن شاء الله، بقيت تمسح عليها إلى البر أو حتى تنزع.
ثالثاً، الفرق الثالث: أن الخف لا يعمم بالمسح، وإنما نمسح كما اتفقنا أكثر أعلى الخف، وأما الجبيرة يجب أنك تعممها بالمسح؛ من فوق، من تحت، كاملة كاملة. فلو كانت جبيرة على القدم، بدك تمسح كل الجبيرة من فوق ومن تحت ومن العقب ومن كل الجهات، فيجب التعميم في الجبيرة ولا يعمم في الخف.
رابعاً، الفرق الرابع: الخف يمسح عنه للحدث الأصغر فقط، أما الجبيرة بإمكانك تمسح عليها للحدث الأصغر والحدث الأكبر، ومر معنا أنه المسح للخف ما ينفع للحدث الأكبر، فإذا صار يجب الغسل لازم تنزع الخف. وأما الجبيرة فيمسح عليها للحدث الأكبر والأصغر.
خامساً وأخيراً: الخف يجب أن يكون ساتراً لجميع محل الفرض لكل القدم إلى الكعب حتى يجزئ المسح عليه، أما الجبيرة فلا يلزم أن تكون ساترة لجميع محل الفرض، فيمكن إذا كانت الجبيرة في القدم يمكن أن تكون الجبيرة على نصف القدم ويكون نصف القدم الآخر ظاهر يعني ما تصل للكعبين، في مشكلة؟ ما في مشكلة. فالجبيرة لا يلزم أن تعم كل محل الفرض، إذا عمت الجبيرة كل محل الفرض بتمسحها كلها إذا لبستها على طهارة وكانت على قدر الحاجة كما مثلت قبل قليل، وإذا كانت لا تعم محل الفرض فالجزء المكشوف من المحل الفرض بدك تغسله ما في مجال. والجبيرة بيدخل فيها التفاصيل التي ذكرناها قبل قليل، فباختصار الخف لا بد أن يكون ساتراً لمحل الفرض، وأما الجبيرة فلا يشترط فيها هذا الشرط تماماً.
هكذا نكون انتهينا من الكلام عن المسح على الخفين وعلى الجبيرة، وفي المحاضرة القادمة بإذن الله ندخل في نواقض الوضوء، لا أطيل عليكم أكثر من ذلك، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
الشيخ إبراهيم رفيق الطويل