رِئَاسُ الْعِلْمِ لِدِرَاسَةِ الْعُلُومِ الشَّرْعِيَّةِ، يُقَدِّمُ شَرْحَ دَلِيلِ الطَّالِبِ لِنَيْلِ الْمَطَالِبِ لِلْإِمَامِ مَرْعِيِّ الْكَرْمِيِّ الْحَنْبَلِيِّ مَعَ الشَّيْخِ إِبْرَاهِيمَ رَفِيقِ الطَّوِيلِ.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ. الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ، عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ. أَحْمَدُهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى حَمْدَ الذَّاكِرِينَ الشَّاكِرِينَ، وَأُصَلِّي وَأُسَلِّمُ عَلَى الْمَبْعُوثِ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ وَمَحَجَّةً لِلسَّالِكِينَ، نَبِيِّنَا وَحَبِيبِنَا وَقُرَّةِ أَعْيُنِنَا مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ وَعَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا مُبَارَكًا إِلَى يَوْمِ الدِّينِ.
حَيَاكُمُ اللَّهُ أَحْبَائِي إِلَى مَجْلِسٍ جَدِيدٍ نَعْقِدُهُ فِي مُدَارَسَةِ كِتَابِ دَلِيلِ الطَّالِبِ لِنَيْلِ الْمَطَالِبِ مَعَ الْإِمَامِ مَرْعِيِّ بْنِ يُوسُفَ الْكَرْمِيِّ رَحْمَةُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْهِ. فِي الْبِدَايَةِ أَحْبَابِي أُودُّ مِنْ أَحَدِ الطَّلَبَةِ أَوْ الطَّالِبَاتِ الَّذِينَ أَعْطَاهُمُ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى هِمَّةً عَالِيَةً، أَنْ يَقُومَ بِتَلْخِيصِ التَّشْجِيرَاتِ وَالْفَوَائِدِ الَّتِي نُقَيِّدُهَا فِي هَذِهِ الْمَجَالِسِ لِإِخْوَانِهِ؛ لِأَنَّ كَثِيرًا مِنَ الطَّلَبَةِ يَقُولُ: يَا شَيْخُ، نُرِيدُ تَرْخِيصَاتٍ جَاهِزَةً لِلْمُحَاضَرَاتِ، أَوْ لَوْ أَنَّ أَحَدَ الْإِخْوَةِ يَرْسُمُ مُشَجَّرَاتٍ وَيَبْعَثُهَا لَنَا لِيُسَهِّلَ عَلَيْنَا الْمُرَاجَعَةَ، خَاصَّةً مَعَ تَرَاكُمِ طَوَائِفِ الْحَيَاةِ.
فَأَنَا كَانَ هُنَاكَ أَحَدُ الْإِخْوَةِ جَزَاهُ اللَّهُ خَيْرًا فِي بِدَايَةِ الْمَجَالِسِ فِي بِدَايَةِ شَرْحِنَا لِلدَّلِيلِ يَقُومُ بِالتَّلْخِيصِ وَيُرْسِلُ، وَلَكِنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُ انْقَطَعَ وَانْشَغَلَ. فَلَوْ كَانَ هُنَاكَ أَحَدُ الْإِخْوَةِ الَّذِينَ رَزَقَهُمُ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى هِمَّةً يَقُومُ بِهَذِهِ الْوَظِيفَةِ، فَإِنَّهُ يَنْفَعُ إِخْوَانَهُ وَهُوَ الَّذِي سَيَنْتَفِعُ ابْتِدَاءً.
صَدَقُونِي إِخْوَانِي، الَّذِي يَهْتَمُّ بِتَلْخِيصِ الْمُحَاضَرَاتِ وَتَشْجِيرِهَا وَيَكُونُ لَهُ دَفْتَرٌ خَاصٌّ أَوْ كُتَيِّبٌ خَاصٌّ بِشَرْحِ الدَّلِيلِ وَبِشَرْحِ كُلِّ كِتَابٍ نَسْتَشْرِحُهُ مَعًا، هَذَا بِإِذْنِ اللَّهِ فِي الْمُسْتَقْبَلِ بَعْدَ أَرْبَعٍ خَمْسٍ سِتِّ سَنَوَاتٍ سَيَجِدُ أَنَّ عِنْدَهُ مَخْزُونًا مِنَ الشُّرُوحَاتِ جَاهِزًا لِيَقُومَ بِإِلْقَائِهِ عَلَى الطَّلَبَةِ، وَهَذَا شَيْءٌ جَرَّبْتُهُ شَخْصِيًّا وَأَنَا الْآنَ أَنْتَفِعُ بِهِ انْتِفَاعًا عَظِيمًا جِدًّا بِحَمْدِ اللَّهِ عَلَى تَوْفِيقِهِ وَإِرْشَادِهِ. خُذُوا هَذِهِ النَّصِيحَةَ مِنْ أَخِيكُمُ: التَّلْخِيصُ وَالتَّشْجِيرُ وَتَرْتِيبُ الْأَفْكَارِ عِنْدَمَا تَسْتَشْرِحُونَ الْكُتُبَ عَلَى الشِّيُوخِ، هَذِهِ الدَّفَاتِرُ وَهَذِهِ الْأَوْرَاقُ تَبْقَى مَعَكُمْ إِلَى أَنْ تَلْقَوُا اللَّهَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، تَسْتَفِيدُونَ مِنْهَا، تُضْبِطُونَ بِهَا عِلْمَكُمْ، تُرَاجِعُونَ، تُغَذُّونَ بِهَا مَا تَمَّ نِسْيَانُهُ، وَتَنْفَعُونَ بِهِ الطَّلَبَةَ فِي الْمُسْتَقْبَلِ، تَكُونُ الْأَفْكَارُ مُنَظَّمَةً.
أَمَّا الَّذِي يَكْتَفِي فَقَطْ بِالسَّمَاعِ وَمَا عِنْدَهُ دَفَاتِرُ خَاصَّةٌ لِلتَّعْلِيقِ وَلِرَسْمِ الْأَفْكَارِ وَتَهْذِيبِهَا، فَهَذَا تَبْقَى الْمَعْلُومَاتُ عِنْدَهُ مُشَتَّتَةً. فَأَسْأَلُ اللَّهَ أَنْ يُوَفِّقَنِي وَإِيَّاكُمْ لِحُسْنِ الطَّلَبِ وَالْجِدِّ فِيهِ، إِنَّهُ وَلِيُّ ذَلِكَ وَالْقَادِرُ عَلَيْهِ.
فِي الْمُحَاضَرَةِ السَّابِقَةِ أَحْبَائِي انْتَهَيْنَا مِنْ بَابَيْنِ مِنْ أَبْوَابِ الْمُعَامَلَاتِ، أَلَا وَهُمَا الضَّمَانُ وَالْكَفَالَةُ، وَعَرَفْنَا أَنَّ الضَّمَانَ وَالْكَفَالَةَ هِيَ مِنْ عُقُودِ التَّوثِيقِ، يَعْنِي الْعُقُودُ الَّتِي يُقْصَدُ مِنْهَا التَّوْثِيقُ. الْيَوْمَ بِإِذْنِ اللَّهِ نَنْتَقِلُ إِلَى عُقُودٍ جَدِيدَةٍ، وَسَنَبْدَأُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ بِعَقْدِ الْحَوَالَةِ، وَإِنْ بَقِيَ مَعَنَا وَقْتٌ نَنْتَقِلُ إِلَى عَقْدِ الصُّلْحِ بِإِذْنِ اللَّهِ.
وَدَائِمًا فِي بِدَايَةِ كُلِّ عَقْدٍ لَا بُدَّ أَنْ نَأْتِيَ بِالرَّسْمَةِ، مُخَطَّطُ الْعُقُودِ، هَذِي خَلَاصُ الرَّسْمَةِ نَتَّفِقُ عَلَيْهَا أَنَا وَإِيَّاكَ وَأَنَّهَا مُخَطَّطُ الْعُقُودِ. تَقْسِيمُ الْعُقُودِ بِاعْتِبَارِ مَقَاصِدِهَا؛ فَعَرَفْنَا أَنَّ الْعُقُودَ إِمَّا أَنْ تَكُونَ مُعَاوَضَةً، أَوْ إِرْفَاقًا، أَوْ تَوْثِيقًا، أَوْ تَبَرُّعَاتٍ. وَمَا أَخَذْنَاهُ مِنْ عُقُودِ الْمُعَاوَضَاتِ فِي هَذَا الْكِتَابِ إِلَى الْآنِ هُوَ عَقْدُ الْبَيْعِ، وَسَنَأْتِي إِلَى عَقْدٍ آخَرَ مِنْ عُقُودِ الْمُعَاوَضَةِ بِإِذْنِ اللَّهِ فِي قَابِضِ الْأَيَّامِ. لَكِنْ مَا أَخَذْنَاهُ إِلَى الْآنِ أَنَا أَرْسُمُ فِي هَذَا الْمُخَطَّطِ مَا نَتَنَاوَلُهُ إِلَى الْآنِ؛ فَالْبَيْعُ الَّذِي أَخَذْنَاهُ ابْتِدَاءً هُوَ مِنَ الْعُقُودِ الَّتِي يُقْصَدُ بِهَا الْمُعَاوَضَةُ.
ثُمَّ عُقُودُ الْإِرْفَاقِ الَّتِي يُقْصَدُ بِهَا الْإِرْفَاقُ عَلَى النَّاسِ أَوْ عَلَى أَحَدِ الْأَطْرَافِ، فَالْعُقُودُ الَّتِي أُنْشِئَتْ وَالْمَقْصِدُ مِنْهَا الْمَقْصِدُ الْأَسَاسُ الْإِرْفَاقُ. طَبْعًا إِخْوَانِي لَمَّا نَقُولُ إِنَّ هَذَا الْعَقْدَ مَقْصِدُهُ الْإِرْفَاقُ، هَذَا لَا يَمْنَعُ أَنْ تُوجَدَ فِيهِ أَيْضًا تَجَاذُبَاتٌ مَعَ مَقَاصِدَ أُخْرَى مِثْلَ الْحَوَالَةِ كَمَا سَيَظْهَرُ مَعَنَا الْيَوْمَ؛ فَفِي الْحَقِيقَةِ لَهَا تَجَاذُبَاتٌ مَعَ شَيْءٍ مِنَ الْمُعَاوَضَةِ، لَهَا تَجَاذُبَاتٌ مَعَ شَيْءٍ مِنَ الِاسْتِيفَاءِ وَالتَّوْثِيقِ، فَلِذَلِكَ تَخْتَلِفُ فِيهَا وُجُهُاتِ النَّظَرِ.
وَالْفَقِيهُ هُوَ الَّذِي يُحَاوِلُ أَنْ يَنْظُرَ مَا هُوَ الْمَقْصِدُ الْأَوْضَحُ وَالْأَعْلَى فِي هَذَا الْعَقْدِ فَيُصَنِّفُهُ تَحْتَ هَذَا الْمَقْصِدِ. فَالْحَنَابِلَةُ مَثَلًا وَجَدُوا أَنَّ الْحَوَالَةَ الْمَقْصِدُ الْأَوْضَحُ فِيهَا هُوَ الْإِرْفَاقُ، وَسَنَتَعَرَّفُ الْيَوْمَ عَلَى الْحَوَالَةِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ، وَإِنْ كَانَ هُنَاكَ خِلَافٌ دَاخِلَ دَائِرَةِ الْمَذْهَبِ؛ فَالْبَعْضُ يَجْعَلُهُ مِنْ قَبِيلِ الْمُعَاوَضَةِ، الْبَعْضُ يَجْعَلُهُ تَوْثِيقًا وَاسْتِيفَاءً، وَلَكِنْ كَمَا قُلْتُ الْمُعْتَمَدُ -وَهَذَا نَصَّ عَلَيْهِ الشَّيْخُ الْفُتُوحِيُّ فِي الْمُنْتَهَى- قَالَ: وَهُوَ عَقْدُ إِرْفَاقٍ. فَالْحَوَالَةُ مِنْ عُقُودِ الْإِرْفَاقِ وَسَنَتَعَلَّمُهَا الْيَوْمَ بِإِذْنِ اللَّهِ.
كَذَلِكَ عَقْدُ الصُّلْحِ الَّذِي بَعْدَ الْحَوَالَةِ مُبَاشَرَةً نَشْرَعُ فِيهِ بِإِذْنِ اللَّهِ، هُوَ أَيْضًا مِنَ الْعُقُودِ الَّتِي يُرَادُ بِهَا الْإِرْفَاقُ، لَيْسَ الْمَقْصُودُ مِنْهَا ابْتِدَاءً الْمُعَاوَضَةَ، وَإِنْ كَانَ الصُّلْحُ كَمَا تَرَوْنَ فِيهِ الْكَثِيرَ وَالْعَدِيدَ مِنَ الْمُعَاوَضَاتِ فِي بَاطِنِهِ، لَكِنَّ الْأَصْلَ مِنْ وَالْهَدَفَ مِنْ إِنْشَائِهِ شَرْعًا وَقَبُولَهُ هُوَ الْإِرْفَاقُ بِالنَّاسِ. وَأَمَّا عُقُودُ التَّوْثِيقِ فَقَدْ أَخَذْنَا مِنْهَا ثَلَاثَةَ عُقُودٍ: الرَّهْنَ، وَالضَّمَانَ، وَالْكَفَالَةَ، وَعَرَفْنَا الْفُرُوقَ بَيْنَ هَذِهِ الْعُقُودِ وَأَحْكَامَهَا.
الْيَوْمَ إِذَنْ بِإِذْنِ اللَّهِ مَوْعِدُنَا مَعَ عَقْدَيْنِ مِنْ عُقُودِ الْإِرْفَاقِ، وَابْتِدَاءً نَبْدَأُ بِعَقْدِ الْحَوَالَةِ. فَمَا هِيَ الْحَوَالَةُ يَا رِعَاكُمُ اللَّهُ؟
الْحَوَالَةُ أَحْبَابِي فِي اللُّغَةِ مَأْخُوذَةٌ مِنَ التَّحَوُّلِ، وَالتَّحَوُّلُ هُوَ الِانْتِقَالُ مِنْ حَالَةٍ إِلَى حَالَةٍ أُخْرَى، هَذَا هُوَ أَصْلُ كَلِمَةِ الْحَوَالَةِ. وَأَمَّا الْحَوَالَةُ بِالْمَفْهُومِ الْفِقْهِيِّ فَيَقْصِدُونَ بِهَا: تَحَوُّلُ الْحَقِّ الْمَالِيِّ مِنْ ذِمَّةِ شَخْصٍ إِلَى ذِمَّةِ شَخْصٍ آخَرَ.
كَيْفَ ذَلِكَ يَا شَيْخُ؟ فَهِّمْنَا يَا رَعَاكَ اللَّهُ. فَنَقُولُ أَحْبَائِي الْكِرَامِ -انْتَبِهُوا لِأَنَّهُ دَائِمًا بِالرُّسُومِ تَتَضَحُ الْأَفْكَارُ- هَذِهِ الرَّسْمَةُ انْتَهَيْنَا مِنْهَا، الْيَوْمَ شُغْلُنَا. نَذْهَبُ فَنَقُولُ: الْحَوَالَةُ أَحْبَابِي فِيهَا ثَلَاثَةُ أَطْرَافٍ، بِهَا ثَلَاثَةُ أَطْرَافٍ. حَتَّى تَفْهَمُوا التَّعْرِيفَ يَنْبَغِي أَنْ تَرْسُمُوا هَذَا الْمُخَطَّطَ: هُنَا الشَّخْصُ الَّذِي يُسَمَّى الْمُحِيلَ، وَهُنَاكَ شَخْصٌ اسْمُهُ مُحْتَالٌ -مُشْ حْتَاجٍ نَصُّهَا فِي دَهْ سَنَتَعَرَّفُ عَلَيْهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ- وَهُنَاكَ شَخْصٌ مُحَالٌ عَلَيْهِ.
هَذَا الشَّخْصُ الْمُحِيلُ وَلْنَفْرِضْ أَنَّ اسْمَهُ زَيْدٌ، هَذَا الشَّخْصُ عَلَيْهِ دَيْنٌ، عَلَيْهِ حَقٌّ مَالِيٌّ بِاخْتِصَارٍ لِلْمُحْتَالِ، وَلَهُ دَيْنٌ عَلَى شَخْصٍ آخَرَ وَهُوَ الْمُحَالُ عَلَيْهِ. فَالْمُحِيلُ إِذًا نَكْتُبُ عَلَيْهِ حَقٌّ لِلْمُحْتَالِ، وَفِي نَفْسِ الْوَقْتِ لَهُ حَقٌّ هُوَ يَطْلُبُ حَقًّا مِنَ الْمُحَالِ عَلَيْهِ. فَزَيْدٌ وَهُوَ الْمُحِيلُ وَعَلَيْهِ حَقٌّ عَلَيْهِ دَيْنٌ لِلْمُحْتَالِ، نُسَمِّيهِ إِيشْ خَالِدٌ؟ خَالِدٌ، زَيْدٌ عَلَيْهِ دَيْنٌ لِخَالِدٍ، لَازِمْ زَيْدٌ يَدْفَعُ الدَّيْنَ الَّذِي عَلَيْهِ لِخَالِدٍ؛ فَخَالِدٌ يُطَالِبُهُ، وَفِي نَفْسِ الْوَقْتِ زَيْدٌ لَهُ حَقٌّ، لَهُ حَقٌّ عِنْدَ مَثَلًا مُحَمَّدٍ. فَزَيْدٌ عَلَيْهِ دَيْنٌ لِخَالِدٍ وَهُوَ نَفْسُهُ يُرِيدُ دَيْنًا مِنْ مُحَمَّدٍ.
فَالْمُحِيلُ هَكَذَا احْفَظُوهُ بِبَسَاطَةٍ: شَخْصٌ عَلَيْهِ حَقٌّ وَفِي نَفْسِ الْوَقْتِ لَهُ حَقٌّ، عَلَيْهِ حَقٌّ لِمَنْ؟ تَقُولُ: لِلْمُحْتَالِ، وَلَهُ حَقٌّ عَلَى الْمُحَالِ عَلَيْهِ.
مُمْتَازٌ، فَبِمَا أَنَّ هَذَا زَيْدٌ عَلَيْهِ حَقٌّ وَلَهُ حَقٌّ، فَمَاذَا يَفْعَلُ؟ حَتَّى يَخْتَصِرَ عَلَى نَفْسِهِ الْمَسَافَاتِ يَقُولُ: طَيِّبْ أَنَا خَالِدٌ يُطَالِبُنِي بِدَيْنٍ -هَكَذَا زَيْدٌ الْمُحِيلُ إِيشْ يَقُولُ؟- يَقُولُ: خَالِدٌ يُطَالِبُنِي بِحَقٍّ، وَأَنَا أُرِيدُ مِنْ مُحَمَّدٍ حَقًّا، فَلِمَاذَا لَا أَجْعَلُ خَالِدًا يَذْهَبُ يَأْخُذُ الْحَقَّ الَّذِي يُرِيدُهُ مِنِّي، يَذْهَبُ يَأْخُذُ مِنْ مُحَمَّدٍ مُبَاشَرَةً، وَأَنَا أَرْتَاحُ مِنَ الِاثْنَيْنِ مَعًا؟ فَهِمْتُمْ إِيشِ الْفِكْرَةُ؟ زَيْدٌ الْمُحِيلُ إِيشْ يَقُولُ؟ يَقُولُ: خَالِدٌ يُرِيدُ مِنِّي حَقًّا، وَأَنَا أُرِيدُ حَقًّا مِنْ مُحَمَّدٍ، لِمَاذَا لَا أَرْفُقُ بِنَفْسِي؟ وَلَاحِظُوا مِنْ هُنَا أَصْبَحَ عَقْدَ إِرْفَاقٍ أَنَّ فِيهِ إِرْفَاقًا بِالْمُحِيلِ؛ لِمَاذَا لَا أَرْفُقُ بِنَفْسِي وَأَرْتَاحُ وَأُحَوِّلُ خَالِدًا لِيَأْخُذَ الْحَقَّ الَّذِي يُرِيدُهُ مِنِّي يَذْهَبُ لِيَأْخُذَهُ مِنْ مُحَمَّدٍ مُبَاشَرَةً؟
فَبَدَلًا مِنْ أَنَّ خَالِدًا يَأْتِي عَلَى زَيْدٍ وَيَقُولُ: أَعْطِنِي حَقِّي، وَأَقُولُ لِخَالِدٍ: يَا خَالِدُ، أَنْتَ تُرِيدُ مِنِّي حَقَّ مِئَةِ دِينَارٍ صَحْ؟ اِذْهَبْ فَخُذْ هَذَا الْحَقَّ مِنْ مُحَمَّدٍ، لِأَنَّنِي أَنَا زَيْدٌ أُرِيدُ مِنْ مُحَمَّدٍ مِئَةَ دِينَارٍ، فَحِينَئِذٍ يَذْهَبُ خَالِدٌ عَلَى مُحَمَّدٍ وَيَقُولُ: يَا مُحَمَّدُ تَرَى أَنَا زَيْدٌ حَوَّلَنِي عَلَيْكَ لِآخُذَ حَقِّي. وَمُحَمَّدٌ الْحَالَةُ الطَّبِيعِيَّةُ نَقُولُ الْأَصْلِيَّةُ؟ آهْ وَاللَّهِ فِعْلًا يَقُولُ مُحَمَّدٌ: أَنَا زَيْدٌ بَدَّهُ مِنِّي مِئَةَ دِينَارٍ، خَلَاصْ يَلَّا خُذْ هَايَ الْمِئَةَ دِينَارٍ. فَخَالِدٌ أَخَذَ الْمِئَةَ دِينَارٍ، وَمُحَمَّدٌ تَحَلَّلَ مِنَ الدَّيْنِ الَّذِي عَلَيْهِ لِزَيْدٍ، وَكُلٌّ ذَهَبَ فِي حَالِ سَبِيلِهِ، فَهَذِهِ هِيَ فِكْرَةُ الْحَوَالَةِ.
فَلِنُطَبِّقِ التَّعْرِيفَ: قُلْنَا مَا هِيَ الْحَوَالَةُ؟ إِذًا تَحَوُّلُ الْحَقِّ مِنْ ذِمَّةٍ إِلَى ذِمَّةٍ أُخْرَى. كَيْفَ نُطَبِّقُ هَذَا التَّعْرِيفَ عَلَى هَذَا الْمُخَطَّطِ؟ نَقُولُ: لَاحِظُوا الْحَوَالَةَ تَحَوُّلُ الْحَقِّ الْمَالِيِّ مِنْ ذِمَّةٍ إِلَى ذِمَّةٍ أُخْرَى. خَالِدٌ كَانَ يُرِيدُ حَقًّا مَالِيًّا مِنْ زَيْدٍ، فَزَيْدٌ قَامَ بِتَحْوِيلِ هَذَا الْحَقِّ الْمَالِيِّ مِنْ ذِمَّتِهِ إِلَى ذِمَّةِ مُحَمَّدٍ. أُعِيدُ مَرَّةً أُخْرَى: خَالِدٌ كَانَ يُرِيدُ حَقًّا مَالِيًّا مِنْ زَيْدٍ، بَدَّهُ مِنْهُ مِئَةَ دِينَارٍ، فَزَيْدٌ إِذًا هُنَاكَ مِئَةُ دِينَارٍ فِي ذِمَّتِهِ لِخَالِدٍ فَحَوَّلَهَا زَيْدٌ مِنْ ذِمَّتِهِ إِلَى ذِمَّةِ مُحَمَّدٍ، وَقَالَ لِخَالِدٍ: يَا خَالِدُ تَرَى أَنَا حَوَّلْتُ الدَّيْنَ مِنْ ذِمَّتِي إِلَى ذِمَّةِ مُحَمَّدٍ، اِذْهَبْ فَاقْبِضْ دَيْنَكَ مِنْ مُحَمَّدٍ.
فَلِذَلِكَ صَارَتِ الْحَوَالَةُ هِيَ عَمَلِيَّةُ انْتِقَالِ الْحَقِّ مِنْ ذِمَّةٍ إِلَى ذِمَّةٍ أُخْرَى. انْتَقَلَ الْحَقُّ مِنْ ذِمَّةِ الْمُحِيلِ إِلَى ذِمَّةِ الْمُحَالِ عَلَيْهِ، هَذِهِ هِيَ الْفِكْرَةُ بِاخْتِصَارٍ.
لَكِنْ مِثْلَ أَيِّ عَقْدٍ؛ حَتَّى تَصِحَّ الْحَوَالَةُ لَهَا شُرُوطٌ، وَهَذَا الَّذِي يَهْتَمُّ بِهِ الشَّيْخُ مَرْعِيٌّ فِي كُلِّ الْعُقُودِ الَّتِي مَرَّتْ مَعَنَا: شُرُوطُ صِحَّةِ الْبَيْعِ، شُرُوطُ صِحَّةِ قَرْضٍ، شُرُوطُ صِحَّةِ السَّلَمِ، شُرُوطُ صِحَّةِ الرَّهْنِ، شُرُوطُ صِحَّةِ الْكَفَالَةِ. هَذَا أَهَمُّ شَيْءٍ أَنْ تَفْهَمَهُ فِي الْعَقْدِ: هَذَا الْعَقْدُ حَتَّى يَكُونَ مَقْبُولًا شَرْعًا مَا هِيَ شُرُوطُ صِحَّتِهِ؟
فَشَيْءٌ طَبِيعِيٌّ أَنْ يَكُونَ هَذَا الْمَبْحَثُ الْأَسَاسُ الْمُهِمُّ فِي الْعُقُودِ، فَقَالَ: وَشُرُوطُهَا خَمْسَةٌ؛ حَتَّى تَصِحَّ الْحَوَالَةُ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ لَهَا خَمْسَةُ شُرُوطٍ. مَا هِيَ؟
قَالَ: أَحَدُهَا: اتِّفَاقُ الدَّيْنَيْنِ فِي الْجِنْسِ، وَالصِّفَةِ، وَالْحُلُولِ، وَالْأَجَلِ فِي أَرْبَعَةِ أَشْيَاءَ: اتِّفَاقُ الدَّيْنَيْنِ فِي الْجِنْسِ، وَالصِّفَةِ، وَالْحُلُولِ، وَالْأَجَلِ. دَعُونَا نَعُودُ إِلَى الشَّاشَةِ مِنْ جَدِيدٍ لِنَفْهَمَ هَذِهِ الْفِكْرَةَ.
أَوَّلُ شَرْطٍ حَتَّى تَكُونَ الْحَوَالَةُ إِخْوَانِي مَقْبُولَةً لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ الدَّيْنُ الَّذِي يَطْلُبُهُ خَالِدٌ مِنْ زَيْدٍ مُوَافِقًا لِلدَّيْنِ الَّذِي يَطْلُبُهُ زَيْدٌ مِنْ مُحَمَّدٍ. أُعِيدُ: حَتَّى تَصِحَّ الْحَوَالَةُ لَا بُدَّ يَكُونُ الدَّيْنُ الَّذِي يَطْلُبُهُ خَالِدٌ مِنْ زَيْدٍ مُوَافِقًا لِلدَّيْنِ الَّذِي يَطْلُبُهُ زَيْدٌ مِنْ مُحَمَّدٍ، هَذَا مَعْنَى أَنْ يَتَفَقَ الدَّيْنَانِ، لَكِنْ فِي مَاذَا يُوَافِقُهُ؟
لَا بُدَّ أَنْ يَتَفَقَا فِي الْجِنْسِ، هَذِهِ أَوَّلُ خَصْلَةٍ. خَالِدٌ إِذَا يَطْلُبُ مِنْ زَيْدٍ دَنَانِيرَ، فَلَا بُدَّ يَكُونُ الدَّيْنُ الَّذِي يَطْلُبُهُ زَيْدٌ مِنْ مُحَمَّدٍ دَنَانِيرَ. إِذَا خَالِدٌ يَطْلُبُ مِنْ زَيْدٍ وَاللَّهِ تَمْرًا، فَلَا بُدَّ يَكُونُ الدَّيْنُ الَّذِي يَطْلُبُهُ زَيْدٌ مِنْ مُحَمَّدٍ تَمْرًا. إِذَا خَالِدٌ يَطْلُبُ مِنْ زَيْدٍ مَعْدِنَ نُحَاسٍ، فَلَا بُدَّ يَكُونُ الدَّيْنُ الَّذِي يَطْلُبُهُ زَيْدٌ مِنْ مُحَمَّدٍ مَعْدِنَ نُحَاسٍ. لَا بُدَّ إِذًا مِنِ اتِّفَاقِ الدَّيْنَيْنِ أَوَّلَ شَيْءٍ فِي الْجِنْسِ، فَلَا يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ الدَّيْنُ الَّذِي يُرِيدُهُ خَالِدٌ مِنْ مُحَمَّدٍ عَفْوًا يُرِيدُهُ خَالِدٌ مِنْ زَيْدٍ تَمْرًا، وَالدَّيْنُ الَّذِي يُرِيدُهُ زَيْدٌ مِنْ مُحَمَّدٍ أَمْوَالًا نَقْدِيَّةً، أَوْ يَكُونَ خَالِدٌ يُرِيدُ مِنْ زَيْدٍ أَمْوَالًا نَقْدِيَّةً وَالدَّيْنُ الَّذِي يُرِيدُهُ زَيْدٌ مِنْ مُحَمَّدٍ رُزًّا، مَا بِنْفَعْ أَنْ يَخْتَلِفَ الْجِنْسُ. فَلَا بُدَّ يَكُونُ الْجِنْسُ هُنَا بَيْنَ خَالِدٍ وَزَيْدٍ هُوَ نَفْسُ الْجِنْسِ الَّذِي يُرِيدُهُ زَيْدٌ مِنْ مُحَمَّدٍ. إِذًا الِاتِّفَاقُ أَوَّلًا فِي الْجِنْسِ.
ثَانِيًا: الصِّفَةُ؛ لَا بُدَّ أَنْ يَتَفَقَا فِي الصِّفَةِ. فَمَثَلًا خَالِدٌ يَطْلُبُ مِنْ زَيْدٍ خَمْسَةَ أَمْدَادِ رُزٍّ بِمُوَاصَفَاتٍ مُعَيَّنَةٍ؛ رُزٌّ جَدِيدٌ مِنْ رُزِّ الْعَامِ مُؤْتًى مِنْ مِنْطَقَةِ مَالِيزْيَا وَمِنْطَقَةٍ مَثَلًا مَعْرُوفَةٍ بِنَفَاسَةِ رُزِّهَا، مُوَاصَفَاتُهُ كَذَا وَكَذَا وَكَذَا، مُمْتَازٌ؟ هَذَا هُوَ الدَّيْنُ الَّذِي يَطْلُبُهُ خَالِدٌ مِنْ زَيْدٍ، يُرِيدُ مِنْهُ رُزًّا لَهُ مُوَاصَفَاتٌ مُعَيَّنَةٌ. لَا بُدَّ يَكُونُ الدَّيْنُ الَّذِي يَطْلُبُهُ زَيْدٌ مِنْ مُحَمَّدٍ أَوَّلًا يَتَفَقُ فِي الْجِنْسِ رُزٌّ، وَأَنْ يَمْتَلِكَ نَفْسَ الْمُوَاصَفَاتِ بِالْجُمْلَةِ، فَإِذَا كَانَ هَذَا الدَّيْنُ مَثَلًا الرَّزُّ الَّذِي يُرِيدُهُ خَالِدٌ مِنْ زَيْدٍ رُزٌّ جَدِيدٌ حَدِيثٌ، بَدَّ يَكُونُ الدَّيْنُ الرَّزُّ الَّذِي يَطْلُبُهُ زَيْدٌ مِنْ مُحَمَّدٍ رُزًّا جَدِيدًا حَدِيثًا. فَإِذَا كَانَ هُنَاكَ تَفَاوُتٌ فِي الصِّفَاتِ بَيْنَ الدَّيْنِ الْأَوَّلِ وَالدَّيْنِ الثَّانِي مَا رَاحْ يَنْفَعُ أَيْضًا، فَلَا بُدَّ إِذًا أَنْ يَتَفَقَا فِي الْجِنْسِ وَأَنْ يَتَفَقَا فِي الصِّفَاتِ الْمُؤَثِّرَةِ، فَإِذَا اخْتَلَفَ الْجِنْسُ أَوِ اتَّفَقَ الْجِنْسُ لَكِنِ اخْتَلَفُوا فِي الصِّفَاتِ الْمُؤَثِّرَةِ لَا يَصْلُحُ، لَا تَصِحُّ الْحَوَالَةُ.
أَيْضًا لَا بُدَّ يَتَفَقُوا فِي مَاذَا؟ فِي الْحُلُولِ. إِيشْ يَعْنِي أَنْ يَتَفَقُوا فِي الْحُلُولِ؟ الْمُرَادُ هُنَا انْتَبِهُوا، إِذَا كَانَ أَحَدُ الدَّيْنَيْنِ حَالًّا لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ الدَّيْنُ الْآخَرُ حَالًّا، فَلَا يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ أَحَدُهُمَا حَالًّا وَالْآخَرُ مُؤَجَّلًا. فَخَالِدٌ يُرِيدُ مِنْ زَيْدٍ دَيْنًا حَالًّا جَاءَ وَقْتُ قَبْضِهِ، وَزَيْدٌ يُرِيدُ مِنْ مُحَمَّدٍ دَيْنًا وَلَمْ يَأْتِ وَقْتُ قَبْضِهِ، مَثَلًا الدَّيْنُ الَّذِي يُرِيدُهُ زَيْدٌ مِنْ مُحَمَّدٍ هَذَا بَعْدَ خَمْسِ سَنَوَاتٍ مُؤَجَّلٌ، وَالدَّيْنُ الَّذِي يُرِيدُهُ خَالِدٌ مِنْ زَيْدٍ وَاللَّهِ هَذَا دَيْنٌ حَالٌّ حَانَ وَقْتُ قَبْضِهِ، فَهُنَا لَا يَصْلُحُ الْحَوَالَةُ، مَا بِنْفَعْ زَيْدٌ يَقُولُ لِخَالِدٍ: يَا خَالِدُ اِذْهَبْ فَاقْبِضْ دَيْنَكَ مِنْ مَنْ؟ مِنْ مُحَمَّدٍ حَوَّلْتُكَ، فَقَال, قَدِيشْ يَقُولُ لِزَيْدٍ؟ يَقُولُ: يَعْنِي مَا بِنْفَعْ، لِأَنَّنِي أَنَا دَيْنِي الَّذِي أُرِيدُهُ مِنْكَ حَالٌّ الْآنَ وَقْتُ تَسْلِيمِهِ، وَالدَّيْنُ الَّذِي أَنْتَ تُرِيدُهُ مِنْ مُحَمَّدٍ هَذَا بَعْدَ خَمْسِ سَنَوَاتٍ، فَأَنَا حَالٌّ وَهُوَ مُؤَجَّلٌ، كَيْفَ سَيَصْلُحُ هَذَا؟ فَإِذَا لَا يَصِحُّ أَنْ يَخْتَلِفَا فِي الْحُلُولِ، فَإِذَا كَانَ هَذَا الدَّيْنُ حَالًّا فَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ هَذَا حَالًّا، أَمَّا أَنْ يَكُونَ أَحَدُهُمَا مُؤَجَّلًا (يَعْنِي حَتَّى لَوْ كَانَ مَثَلًا دَيْنُ خَالِدٍ عَلَى زَيْدٍ هُوَ الْمُؤَجَّلَ وَالدَّيْنُ الَّذِي يُرِيدُهُ زَيْدٌ مِنْ مُحَمَّدٍ هُوَ الْحَالَ) أَيْضًا مَا بِنْفَعْ. فَبِاخْتِصَارٍ إِذَا كَانَ أَحَدُهُمَا حَالًّا وَالْآخَرُ مُؤَجَّلًا مَا تَنْفَعُ الْحَوَالَةُ.
طَيِّبْ ذَلِكَ قَالَ: لَا بُدَّ أَنْ يَتَفَقَا فِي الْأَجَلِ. إِيشْ يَعْنِي أَنْ يَتَفَقَا فِي الْأَجَلِ النُّقْطَةُ الْأَخِيرَةُ؟ أَنَّهُ إِذَا كَانَا مُؤَجَّلَيْنِ؛ إِذَا كَانَ الدَّيْنُ الَّذِي يُرِيدُهُ خَالِدٌ مِنْ زَيْدٍ مُؤَجَّلًا وَالدَّيْنُ الَّذِي يُرِيدُهُ زَيْدٌ مِنْ مُحَمَّدٍ مُؤَجَّلًا، أَنْ يَتَفَقَا فِي الْأَجَلِ، فَمَا بِنْفَعْ يَكُونُ خَالِدٌ يُرِيدُ مِنْ زَيْدٍ دَيْنًا مُؤَجَّلًا لِسَنَتَيْنِ، بَيْنَمَا زَيْدٌ يُرِيدُ مِنْ مُحَمَّدٍ دَيْنًا مُؤَجَّلًا لِخَمْسِ سَنَوَاتٍ، اخْتِلَافُ مُدَّةِ الْأَجَلِ! فَإِذَا تَفَاوَتُوا فِي الْأَجَلِ (يَعْنِي كِلَاهُمَا مُؤَجَّلٌ وَلَكِنْ هُنَاكَ تَفَاوُتٌ فِي الْأَجَلِ، فَأَحَدُهُمَا مُؤَجَّلٌ لِسَنَتَيْنِ وَالْآخَرُ مُؤَجَّلٌ لِخَمْسِ سَنَوَاتٍ) أَيْضًا مَا بَيْنَفَعْ. هَذَا عَقْدُ إِرْفَاقٍ فَيَنْبَغِي أَنْ نَنْضَبِطَ فِيهِ إِلَى أَعْلَى دَرَجَاتِ الِانْضِبَاطِ، هَذَا لَيْسَ عَقْدَ مُعَاوَضَةٍ أَسَاسًا، هَذَا عَقْدٌ الْمُرَادُ مِنْهُ الْإِرْفَاقُ وَالتَّسْهِيلُ، فَلَا بُدَّ أَنَّ كُلَّ شَخْصٍ يَأْخُذُ حَقَّهُ بِصُورَةٍ...
خطوة صحيحة حقيقية لا تسبب خلافا في المستقبل، ممتاز، لا تسبب أي شكل من أشكال الخلاف. ولاحظوا أن الاختلاف بأي صفة من الصفات السابقة، وفي جزئية من الجزئيات السابقة؛ الاختلاف في الجنس بين الدينين، أو في الصفة، أو في الحلول، أو في الأجل، سيسبب خلافا بين المحتال والمحيل والمحال عليه، يعني سيحدث هناك شيء من النزاع والشقاق. والشريعة لما تؤسس للعقود، هي تؤسس لعقود لا تؤدي إلى شقاق ولا إلى نزاع.
إذا هذا زميلنا المحتال خالد قلنا صح؟ إذا هذا أول شرط من الشروط: اتفاق الدينين جنسا، وصفة، وحلولاً، وأجلاً. نذهب إلى الشرط الثاني، قال: علم قدر كل من الدينين. طبعا اكتبوا بعدها: مع اتفاقهما في القدر. علم قدر كل من الدينين زائد لابد من اتفاقهما في القدر، يعني خليني أقول أو أعدل العبارة: لا، ليس كما قلت، عيدوا، نقول: علم قدر كل من الدينين مع اتفاق المحال به والمحال عليه. هذه العبارة هي الدقيقة التي تعبر عن المذهب: علم قدر كل من الدينين مع اتفاق قدر المحال به والمحال عليه، يعني اتفاق قدر الدين المحال به مع الدين المحال عليه.
ما معنى هذا الكلام؟ حتى يصح عقد الحوالة باختصار، لابد إخواني أن يُعرف مقدار الدين المحال به والدين المحال عليه، وأن يتفقا في القدر. يعني أن يعلما مقدارهما ويتفقا في القدر. ما معنى هذا الكلام؟ هذه انتبهوا لها؛ لأنها جزئية دقيقة نوعا ما حتى تفهموا لماذا عدلت العبارة الآن. إخواني، خالد يريد من زيد مائة دينار، هذا هو الدين المحال به، وزيد يريد من محمد خمس مئة دينار، هذا اسمه الدين المحال عليه. إذا، الدين المحال به مئة دينار، والمحال عليه خمس مئة دينار. الآن لاحظوا الكلام الدقيق: إذا قال زيد لخالد: أحلتك بالمائة دينار التي تريدها مني على الخمسمائة دينار التي اريدها من محمد، فهنا العقد باطل، قالوا لاختلاف قدر المحال به والمحال عليه.
فضيلة الشيخ، نحن عرفنا وعلمنا المحال به صح، وعلمنا المحال عليه، لكن اختلف قدرهما، فليس الضابط هو فقط أن يُعلم قدر كل من الدينين، كما هو، أو كما توهم ظاهر عبارة الشيخ، لا، لابد نعلم القدر، وأن يحصل الاتفاق في القدر، بقدر ماذا؟ أن يحصل الاتفاق في القدر المحال به والمحال عليه. بالتالي الآن سأعطيكم عدة جمل وانتبهوا. الجملة الأولى، كما قلنا: أن يقول زيد لخالد: أحلتك بالمئة دينار التي تريدها مني على الخمسمائة دينار التي اريدها من محمد، ما الحكم هنا؟ بتقولوا: العقد باطل، ليه؟ لاختلاف قدر المحال به والمحال عليه، هاي مئة والمحال عليه خمس مئة، فهذا ملغي تماما، لا يصح العقد.
لكن -نرجع للوراء خطوة- لو قال زيد لخالد: أحلتك بالمئة دينار التي تريدها مني على مئة دينار من الخمسمائة التي اريدها من محمد، قالوا هنا يصح، ليه؟ قالوا هنا لأن الدين المحال عليه ليس كل الخمسمائة، لأن كلمة زيد دقيقة، زيد قال لخالد: أحلتك بالمئة التي تريدها مني على مئة من الخمسمائة التي اريدها من محمد. بالتالي أحبابي، هنا بنمسح وبنقول: إذا زيد قال لخالد: أحلتك بالمئة التي تريدها مني على مئة من الخمسمائة التي اريدها من محمد، فنقول هنا: المحال عليه هو مئة دينار، هذا هو المحال عليه، فالمحال عليه ليس كل الدين، هو جزء من الدين يتفق مع مقدار الدين الذي يطلبه خالد من زيد، فخالد يطلب من زيد مئة دينار، فهذا هو المحال به، فزيد قال لخالد: أنا أحيلك بالمئة دينار على مئة من الخمسمائة، فأصبح المحال عليه ليس الخمسمائة كاملة، بل هو محال على مئة فقط منها هي التي نقول هي المحال عليه، تتفق مع المقدار الذي يطلبه خالد من زيد، فخالد يطلب من زيد مئة والمحال عليه مئة، اه، اتفق القدران، اتفق القدران، هنا الحوالة صحيحة.
فبتتقول لي: طيب يا شيخ، بس هو الدين كله الذي يريد زيد من محمد خمسمائة؟ بنقول له صح، الدين الذي يريده زيد من محمد كله خمسمائة، لكن هو لما أحال ما أحال على الخمسمائة، هو أحال فقط على مئة منها، جزأها وقال: أحيلك على مئة منها، فالمحال عليه إذا في صورة العقد هي المئة فقط، وليست كل الخمسمائة، بالتالي يصبح العقد صحيحا. وكذلك لو كان الأمر بالعكس، يعني لو كان خالد هو الذي يريد من زيد خمسمئة دينار، هي المحال به ابتداء، وزيد يريد من محمد فقط مئة دينار، فالآن لو زيد قال لخالد: أحلتك بالخمسمئة دينار التي تريدها مني على المئة دينار التي اريدها من محمد، العقد باطل باختلاف القدر.
لكن لو قال زيد -انظر زيد الفقيه- لو قال زيد لخالد: أحلتك بمائة من الخمسمائة فقط، أحلتك بمائة من الخمسمائة على المئة دينار التي اريدها من محمد، أصبح العقد صحيحا، ليه؟ لأنه المحال عليه مئة دينار، والمحال به -إلى هنا بنمسح وبنقول- بما أنه عدل العبارة صار المحال به مش الخمسمائة، صار المحال به مئة من الخمسمائة، المئة فقط هي المحال به، فلو قال زيد لخالد: أحلتك بمائة من الخمسمائة على المئة دينار، إذا الحوالة وقعت على مئة هي المحال بها، وعلى مئة هي المحال عليها، فاتفقت في القدر، فأصبح صحيحا. فهذا إذا هو مفهوم الشرط الثاني، وإن كنت -يعني- أتمنى من الشيخ مرعي أن نصاغه أو كنت أرجو أن الشيخ مرعي صاغه بصورة أوضح؛ لأن كلام الشيخ مرعي فيه إجمال، ولا يفهم هذا المراد، حتى هو أصلا ما تطرق لقضية اتفاق الدينين في القدر، ولاحظوا أنه هو لما تكلم أولا قال: اتفاق الدينين في الجنس والصفة والحلول والأجل، بس ما قال والقدر.
طيب، فجاء للحالة الثانية فقال: علم قدر كل من الدينين، فأنا اضطريت هون إني أخبر أنه ليس مجرد العلم فقط، يعني أنه نعرف هون قديش وهون قديش، لابد نعرف نعم مقدار الديون، ونعلم اتفاق المحال به والمحال عليه في القدر، ولابد إذا نعلم قدر كل من الدينين، تمام؟ ونعلم اتفاق القدر في المحال به والمحال عليه، ونعلم اتفاق القدر في المحال به والمحال عليه. فهذا هو -يعني- في الحقيقة هو المقصود، هو المقصود من هذا الشرط، هذا هو المقصود من هذا الشرط.
بسم الله، الحمد لله. ثم قال: الثالث استقرار المال المحال عليه. لا، المحال به! الشرط الثالث إخواني من شروط الحوالة أن يكون الدين المحال عليه -اللي هو الدين اللي على محمد، الدين الذي يريده زيد من محمد- لابد وأن يكون مستقرا، لا المحال به، أما المحال به، الدين المحال به لا يشترط أن يكون مستقرا. ما معنى هذا الكلام أيضا؟
وهذه فكرة الاستقرار هذه مرت معنا في كتاب الزكاة، وتمر معنا أيضا في أكثر من باب، فالاصل أن أصبحت عندكم واضحة الآن إخواني. قالوا الشرط الثالث: لابد من أن يكون الدين المحال عليه الذي يطلبه زيد من محمد لابد يكون مستقرا، يعني ثابتا في ذمة محمد، لا يقبل الارتفاع. وأما المحال به -هذا المحال به هنا، وهذا المحال عليه، الدين المحال عليه، طبعا المحال عليه يطلق على الشخص المحال عليه، ويطلق أحيانا على نفس الدين المحال عليه- المهم، بالنسبة للدين المحال به لا يشترط الاستقرار، لا يشترط الاستقرار، أما بالنسبة للمحال عليه؟ اه والله يشترط أن يكون مستقرا. ليش أحبابي؟
الآن لو خالد يريد من زيد مبلغا من المال، سواء كان مستقرا في ذمة زيد لخالد أو لسا ما استقرش تماما، المهم خالد يريد دينا من زيد، ممكن يكون مستقرا وممكن يكون لسا ما استقر، ممكن يرتفع، لكن عموما زيد قال لخالد: أنت بدك مني دين صح؟ زيد قال لخالد: أنت تريد مني دينا، سواء مستقر ولا غير مستقر، أنا أحيلك بهذا الدين الذي تريده مني على من؟ على محمد.
الآن بنيجي على محمد، هل الدين الذي يريده زيد من محمد مستقر؟ إذا كان والله مستقرا في ذمة محمد ما برتفع، خلص انتهى، لزمه، بنقول الحوالة صحيحة. إذا كان الدين الذي يريده زيد من محمد غير مستقر، يعني يمكن يرتفع ولا يطالب به أصلا محمد؟ بنقول هاي الحوالة لا تنفع؛ لأنك أحلت خالد على دين غير مستقر؛ لأننا رح نعرف إن شاء الله أن آثار الحوالة، أثر الحوالة تقتضي أن المحيل وهو زيد خلص يبرأ من كل شيء بمجرد أن تم عقد الحوالة بصورة صحيحة، يصبح غير مطالب، وقال لخالد: خذ حقك من محمد، أنا خرجت خارج اللعبة كما يقولون. فالآن أنت يا زيد تريد أن تخرج خارج اللعبة وتصبح بريئا، وتحيل خالد على دين غير مستقر، طب افرض هذا الدين الغير مستقر فعليا ارتفع، وارتفع وأصبح محمد غير مطالب به شرعا تجاهك، فبالتالي محمد لما يأتيه خالد يقول لخالد: والله اسمع، أنت أه، أنا عارف جيداً حالك علي، لكنه أحالك على دين غير مستقر وقد ارتفع هذا الدين ولم يعد يلزمني، فالله بعينك، أنا لا أستطيع أن أعطيك شيئا؛ لأنه لا يوجد حق تجاهي لزيد. فهذا خالد يقول: أنا والله ايش استفدت يا زيد؟ أنت حولتني على شخص طلع الدين عليه غير مستقر، وبعدين ارتفع ولم يثبت شيء في ذمته. فهذا ستحدث مشكلة وخلاف.
فبالتالي قال الحنابلة: لا يا عمي، حتى ننهي النزاع، نقول لزيد: تريد أن تحيل على دين؟ لازم يكون الدين المحال عليه مستقرا ومنتهيا أمره، لا يمكن ارتفاعه. أعطينا أمثلة يا شيخ عملية. طيب، الديون غير المستقرة لها أمثلة عديدة، منها أجرة قبل استيفاء المنافع، يعني لو حضر كان زيد -اكتبوا هذا المثال عندكم-: أجَّر محمد منزلا، وسنعرف إن شاء الله أن الأجرة تجب بمجرد العقد، ولكنها تستقر باستيفاء المنافع. زيد أجَّر محمد شقة، وقال له محمد: أنا أعطيك الأجرة بعد ثلاثة أشهر، ومحمد إلى الآن لم ينتفع من الشقة بعد، لسا ما استلمها.
تم عقد إجارة بين زيد وبين محمد على شقة، واتفقوا أن الشقة هاي أجرتها ثلاثمئة دينار. الآن إذا انتهى عقد الإيجار بصورة صحيحة، حتى ولو أن المستأجر لم يستلم الشقة بعد، الآن وجبت ثلاثمئة دينار دينا على محمد لزيد، لكن هذا الدين، اللي هو الأجرة، هي غير مستقرة، ويتوقف استقرارها على استيفاء محمد المنفعة من هذه الدار. ولنفرض أن محمد وضع رجله في هذه الدار، وأول ما وضع رجله جاءت صاعقة من السماء وهلكت الدار، أو جاءت شاحنة بالخطأ دخلت في هذه الدار وانهدت، لسا المسكين محمد لم يضع رجله إلا وانهد المنزل، هنا انتهى كل عقد الإيجارة، والدين -اللي هو الأجرة التي كان زيد يريدها من محمد في نهاية الشهر وبعد ثلاثة أشهر- أصبح دينا مرتفعا، ولم يعد ثابتا في ذمة محمد.
أعيد المثال مرة أخرى: زيد أجَّر محمد شقة لمدة ثلاثة أشهر، فرضا هكذا كان العقد، زيد أجَّر محمد شقة لمدة ثلاثة أشهر والمبلغ ألف وخمسمائة دينار، هذه هي الأجرة، أجرتها مدة ثلاثة أشهر، ممتاز ممتاز. الآن بمجرد -سنعرف إن شاء الله أحكام الإجارة لاحقا- بمجرد انتهاء عقد الإيجارة بصورة صحيحة، أصبح مبلغ الإيجارة دينا في ذمة محمد لزيد، أصبح دين، لكنه اسمه دين غير مستقر، يتوقف استقراره على استيفاء محمد للمنفعة كاملة خلال ثلاثة أشهر، فإذا محمد سكن هذا البيت مدة ثلاثة أشهر وانهى أموره، أصبحت الألف وخمسمائة بعد استيفائه للمنفعة الكاملة دينا مستقرا في ذمته لزيد.
أما قبل أن محمد ينتفع بالبيت مدة ثلاثة أشهر لسا ما انتفع به، أو في أثناء مدة الانتفاع ما دام محمد لم ينه انتفاعه، فإن هذه الألف وخمسمائة دينار -صحيح- تكون دينا في الحكم الشرعي، لكن اسمها دين غير مستقر، يمكن في أي لحظة أنه يرتفع، أو يرتفع قسم منه على الأحكام التي ستأتي معنا إن شاء الله في الإجارة. أحيانا إخواني يمكن العين كما قلنا تتلف، ومحمد بعد لم يدخل قدمه فيها، خلص عقد الإيجار انتهى، والدين -اللي هو الألف وخمسمائة الذي كان في ذمة محمد لزيد- ما عاد واجبا عليه، ارتفع. وممكن أن محمد يبدأ الانتفاع وفي أثناء مدة الانتفاع يأتي زيد يقول لمحمد: أعطني الشقة جبرا أريدها. ليش يا زيد؟ خلص أنا أريدها. فتحدث مشاكل، فمحمد -يعني- تطلع نفسه من الشقة، بقول: ما بديش أكمل الثلاثة أشهر، يعني أنت تجبرني أن أخرج؟ خلص راح أخرج، أنا ما بدي محاكم. فهذا زيد أجبر محمد على الخروج قبل استكمال الثلاثة أشهر من دون عذر، أيضا الألف وخمسمائة دينار لا يستحقها زيد، وما عاد الدين على محمد.
تمام، إذا حدث في السلعة أو الشقة عيب بعد مثلا شهر ونصف، بحيث محمد انتفع منها شهر ونصف، وبعد الشهر والشهر والنصف الآخر لم يستطع أن ينتفع منها، عيب أثر فيها ما عادت تصلح للسكنى، هنا زيد يستحق من محمد فقط نصف الأجرة. فباختصار إخواني، صحيح إذا انتهى عقد الإيجار، الإيجاب والقبول فيه بصورة صحيحة، أصبحت الأجرة واجبة دينا في ذمة المستأجر، لكن بدكم تعرفوا أنه دين غير مستقر، دين غير مستقر، ليه؟ لأنه ممكن -ما دام المستأجر لم ينتفع كامل الانتفاع على المدة المتفق عليها بالعين-
شجرة، يمكن في لحظة من اللحظات تنفسخ الإجارة وترتفع الأجرة تماما ولا تعود دينا على محمد، ممكن في أي لحظة. بالتالي يقولون: الإجارة قبل استيفاء المنفعة بالتمام دين غير مستقر.
الأجرة قبل أن ينتفع المستأجر بالعين تمام الانتفاع تعتبر دينا غير مستقر، قابلة للفسخ أو الارتفاع في أي لحظة، فهذا مثال على دين غير مستقر. بالتالي نرجع الآن للفكرة التي ندندن حولها: زيد أجّر محمدا منزلا ثلاثة أشهر بقيمة ألف وخمسمائة، ومحمد لم يستوف المنفعة بعد -لسه ما خلصت الثلاثة أشهر- ولم يستوف المنفعة. الآن مبدئيا هيك بنحكي مبدئيا، هناك ألف وخمسمائة دينار على محمد لزيد، هي دين غير مستقر.
فما ينفع أحبائي أن زيد يحيل خالا مثلا -خالد يريد أيضا من زيد دينا مقداره ألف وخمسمائة دينار-. خالد يريد من زيد ألف وخمسمائة دينار، فزيد كيف حسبها؟ قال: يا عمي أنا أريد من محمد أجرة بعد ثلاثة أشهر ألف وخمسمائة دينار أجرة هذا البيت، وخالد يطالبني بدين ألف وخمسمائة دينار أيضا بعد ثلاثة أشهر لازم اتفاق الأجل. فخلص، ليش ما أخلص من الموضوع كله؟ فيقول زيد لخالد: اسمع يا خالد، أنت تريد مني ألف وخمسمائة بعد ثلاثة أشهر صح؟ أنا أحيلك هاي الألف وخمسمائة على محمد لأنني أريد من محمد ألف وخمسمائة أيضا بعد ثلاثة أشهر لما ينهي انتفاعه بالبيت.
وهنا خالد يقول له: زيد، اسمع، أنت أحلتني على دين غير مستقر؛ لأن الألف والخمسمائة دينار التي تريدها يا زيد من محمد هاي مش مستقرة على محمد، يمكن في أي لحظة أنها ترتفع بالكامل، ويمكن أن يرتفع بعضها، فأنَا لا يصح أن أجري عقد الحوالة معك على هذا التصور. وهذا كلام منطقي وصحيح.
لكن لو كان الأمر بالعكس؟ ايش يعني بالعكس؟ لاحظوا، لو كان زيد هو الذي استأجر من خالد بيتا، نيجي هون تأجره من خالد بيتا لمدة ثلاثة أشهر بمبلغ ألف وخمسمائة دينار، زيد استأجر من خالد بيتا لمدة ثلاثة أشهر بألف وخمسمائة دينار. فعرف بمجرد انتهاء العقد إيجاب وقبول بصورة صحيحة الألف وخمسمائة دينار أصبح الدين في ذمة زيد، لكنه دين إيه؟ غير مستقر قابل للارتفاع عند حوادث وأمور معينة تتعلمها إن شاء الله. فهو دين غير مستقر يريده خالد من زيد.
ممتاز، وفي نفس الوقت زيد يريد من محمد دينا مستقرا، يعني قرض أخذه محمد من زيد وانتهى الأمر، فأصبح دينا مستقرا ومقداره أيضا ألف وخمسمائة دينار. ممتاز، فالمهم زيد قال: اسمع يا خالد، أنت تريد مني بعد ثلاثة أشهر ألف وخمسمائة دينار صح؟ فقال له: أي والله صح، هذا اللي اتفقنا عليه. فقال له: اسمع، بعد ثلاثة أشهر بس يأتي الأجل بتروح على محمد وبتقول له هو اللي يدفع لك؛ لأنني أريد من محمد دينا مستقرا عليه مقداره ألف وخمسمائة. فهل هذا جائز؟ قالوا: نعم جائز؛ لأن هنا عدم الاستقرار إنما كان في الدين المحال به، والدين المحال به أحبائي لا ضرر أنه كان مستقرا ولا غير مستقر، حتى أنتم لو نظرتم بالعقل لا ضرر، لأنه إذا كان غير مستقر ممتاز، ولما جاء موعد الأجل ارتفع ولم يعد مستقرا أبدا في ذمتي -يعني خلاص ارتفع من ذمة زيد ولم يعد زيد مطالبا به- سنقول لخالد: اسمع يا خالد، ترى الحق الذي كنت تريده من الألف وخمسمائة سقط عن زيد.
ليه؟ مثلا زيد، اه، انهد البيت معه، ليس هو الذي هده، لا، جاءت صاعقة جرافة هدته، أو أنت يا خالد لم تسمح له بالانتفاع بالبيت لسبب من الأسباب، الألف وخمسمائة التي كنت تريدها من زيد ما عادت في ذمة زيد، بالتالي هو صح كان أحالك على محمد بقبضها، لكن بما أنها لم تعد ثابتة في ذمة زيد تجاهك، بالتالي ليس لخالد أن يذهب فيطالب محمد بها، وانتهى الأمر، يعني ما راح يصير أي مشكلة؛ لأن هنا مشكلتنا أن المحتال يزعل، فالمحتال إذا هو اللي كان الدين الذي يريده غير مستقر، بنحكي لهذا المحتال: أيها المحتال الذي اسمك خالد، هذا دين غير مستقر تريده من زيد، الآن نحن رح نستنى ثلاثة أشهر، والله إذا استقر وإلى الاستقرار بنقول لك بعد الثلاثة أشهر: والله يا عمي حقق الألف وخمسمائة، ثبتت في ذمة زيد، إلك روح اذهب اقبضها من محمد؛ لأنه هو أحالك على محمد فيها ومحمد الدين عليه مستقر.
وأما بعد مضي ثلاثة أشهر لسبب من الأسباب وجدنا أن الدين لم يستقر على زيد وأنه ارتفع من ذمته تماما، بالتالي هنا سنقول لخالد: الله يعطيك العافية، أنت لا تريد الآن من زيد شيئا لارتفاع أجرة البيت، البيت انهد، أنت منعته لسبب من الأسباب، فليس لك إذن أن تذهب إلى محمد تطالب بشيء، وهنا لم يتضرر أحد. لكن في الصورة الأولى لا، كان في تضرر، إنه إذا كان المحال عليه غير مستقر، إذا كان المحال عليه غير مستقر وجاء المحتال ليطلب دينه من المحال عليه، رح يحكي له المحال عليه: والله كان الدين الذي يريده مني زيد غير مستقر وارتفع والحمد لله. فالمحتال هنا بيقول: أنا طب كيف ساأخذ حقي؟ فهي إذن طبعا جبرا سيذهب إلى المحيل، لكن نحن أصلا بنقول: عقد الحوالة ابتداء لا يصح على دين غير مستقر.
أعطيكم مثالا آخر ممكن تتضح به الفكرة أكثر وأكثر، مثال على ديون غير مستقرة: الصداق. في الصداق الآن إخواني، بدي أشيل اسم محمد وأضع مكانه سعاد، تمام تمام. خالد يريد من زيد -رکزوا معي في المثال- خالد يريد من زيد مبلغ ألف دينار، خالد يريد من زيد مبلغ ألف دينار، ممتاز. لا، سعاد لن أضعها هنا، بدي أغير شوي في قواعد اللعبة هون، راح أخلي محمد أرجعه، سعاد سأضعها هنا هي المحيل.
أعيد المثال إذا مرة أخرى: خالد يريد من سعاد ألف دينار، ممتاز ممتاز، وسعاد عقدت عقد نكاح على محمد أو مع محمد، والمهر الذي قبضته ألف دينار أيضا، لكن محمد لم يدخل بسعاد بعد -رکزوا معي- سعاد تزوجت محمد بعقد صار إيجاب وقبول وليها مع محمد واتفقوا، والمهر محمد قال ألف دينار تمام؟ فطبعا ألف دينار ما بصير أقول قبضتها أنا، قلت قبضتها؟ أرجعوا، ألف دينار لم تقبضها بعد، وإنما هي تريدها من محمد.
محمد تزوج سعاد بإيجاب وقبول مع وليها على ألف دينار، على ألف دينار هذا هو المهر وهي في ذمة محمد، فسعاد إذن بمجرد انتهاء الإيجاب والقبول في النكاح أصبحت تريد ألف دينار وهو مهرها، دين لها وحق مالي لها على محمد. ممتاز، وهنا خالد يريد من سعاد ألف دينار قرض، كانت سعاد مقترضة من خالد ألف دينار، فعليها حق لخالد ألف دينار قرض، وتريد في مقابل دين من محمد وهو ألف دينار سببه المهر، ممتاز ممتاز.
الآن إخواني، إذا محمد دخل بسعاد وطئها أو خلا بها، كما سيأتي معنا عند الحنابلة خلوة يعني وهي مطاوعة له عن أعين الناس، هنا الألف دينار أصبحت دينا مستقرا في ذمة محمد لسعاد، متى ما دخل محمد بسعاد أو خلا بها أصبحت الألف دينار دينا مستقرا لمحمد أو على محمد تجاه سعاد، فبالتالي تستطيع سعاد أن تحيل خالد بالالف دينار التي يريدها منها، تحيله على من؟ على الألف دينار التي تريدها سعاد من محمد.
فسعاد تقول لخالد: يا خالد أنت بدك مني ألف دينار، ويا خالد ترى أنا أيضا أنا أريد من محمد ألف دينار مهر لسه ما دفع لي إياه وقد دخل بي، فبالتالي أنا أحيلك بالالف دينار هذه على محمد، أنت بدك مني ألف دينار روح اذهب خذها من محمد وأنا أخرج هكذا صافي ما علي شيء. هذا إذا كان محمد دخل بها فإن المهر يصبح مستقرا، دينا مستقرا في ذمة محمد لسعاد.
قالوا: أما إذا لم يدخل بها ولم يخلو بها فإنه معروف في الفقه الإسلامي أنه من تزوج امرأة -من تزوج امرأة وسمى لها مهر ولم يدخل ولم يخلو بها ثم طلقها قبل الدخول والخلوة- أنه يسقط نصف المهر، صح؟ الله عز وجل قال في كتابه: ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِن طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُوهُنُّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ [البقرة: 236]، وقال في آية أخرى: ﴿وَإِن طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُوهُنُّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إِلَّا أَن يَعْفُونَ﴾ [البقرة: 237].
فإذا محمد لم يدخل بسعاد ففعليا الألف دينار ليست مستقرة، ليست مستقرة في ذمة محمد لسعاد، وإنما المستقر منها فعليا فقط خمسمائة دينار إذا محمد لم يدخل بسعاد بعد ولم يخلو بها. فالألف دينار المهر هي ليست مستقرة كاملة في ذمة محمد لسعاد أبدا، المستقر منها فقط كم يا إخواني؟ نصف المهر، وأما النصف الآخر الخمسمائة الأخرى فاستقرارها يتوقف على عملية الدخول، فإذا لم يدخل بعد ممكن يطلق قبل ما يدخل فتصبح الخمسمائة دينار ساقطة عن محمد غير ملزمة له، فالنصف هو الثابت وأما النصف الآخر فهو يحتمل أن يسقط ويحتمل أن لا يسقط، فهو غير مستقر.
بالتالي لو أن سعاد قالت لخالد: يا خالد أنا أحيلك بالألف دينار التي تريدها مني على الألف دينار التي أريدها من محمد ومحمد لم يدخل بي بعد، هنا بنقول: الحوالة مش صحيحة؛ لأن سعاد أحالت خالد على دين ليس مستقرا بأكمله، وإنما مستقر نصفه فقط. لكن ممكن تضبط الأمور يا شيخ؟ تقول: شوف كيف بدنا نضبطها، لو سعاد قالت لخالد: اسمع يا خالد، أنا أحيلك بخمسمائة دينار من الألف على خمسمائة من الألف التي أريدها من محمد، بينفع؟ آه بينفع؛ ليه؟ لأنه هنا الخمسمائة دينار اللي هي نص الألف مستقرة على محمد بمجرد انتهاء عقد النكاح بصورة صحيحة استقرت، وإنما المشكلة في النصف الثاني أنه هناك احتمالية الطلاق قبل الدخول، والطلاق قبل الدخول يسقط النصف فقط ما بيسقط كل المهر، فبالتالي سعاد لما أحالت خالد بخمسمائة من الألف على خمسمائة من الألف، آه والله أحالت على دين مستقر وهو الخمسمائة من الألف، واتفق القدر هنا مع القدر هنا؛ لأنه قال خمسمية على خمسمية فأصبحت هنا كل الشروط متوفرة.
فإذا مثال على دين غير مستقر بتقولوا: الصداق، الصداق دين غير مستقر؛ لأن نصفه يمكن أن يسقط في حالة الطلاق قبل الدخول والخلوة، وهناك أمثلة عديدة، لكن لأنه شرح كل مثال يحتاج إلى بسط أنا ما بدي أطول عليكم إن شاء الله، فبدي اياكم تفهموا إذن مثال الأجرة كيف أن الأجرة في عقد الإجارة تعتبر دينا غير مستقر إلى أن تستوفى المنافع فتصبح مستقرة حينئذ، وكذلك الصداق قبل الدخول نستطيع أن نقول إن ما هو دين غير مستقر، أو إذا أردت تكون دقيق أكثر وأكثر تقول: الصداق المسمى قبل الدخول -قبل أن يدخل بالزوجة- نصف مستقر ونصفه غير مستقر، فبالتالي هم يتجاوزون فيقولون: الصداق قبل الدخول دين غير مستقر، لكن الحقيقة غير المستقرة هو نصفه وليس النصف الآخر، فبالتالي لا يصح الحوالة عليه.
فأي دين غير مستقر لا يصح الحوالة عليه؛ لأن عدم استقراره يجعل آيلا للسقوط في أي لحظة، يجعله آيلا للسقوط في أي لحظة، فلنحتاج إذن لن ينتفع بالإحالة عليه وسيبقى يعني على قلبه: والله الدين هذا المحال عليه ثابت ولا مو ارتفع؟ ثابت ولا ارتفع؟ وأما المحال به فهنا لا يؤثر كونه مستقرا أو غير مستقر؛ لأنه إذا مستقر خلص أمره طيب، يذهب يأخذه من المحال عليه، وإذا كان غير مستقر انظر استقر في المستقبل فيذهب يأخذه، إذا ارتفع عن ذمة المحيل وما عاد شيء -يعني ارتفع يعني ارتفع الدين بأكمله لسبب من الأسباب- فبالتالي هنا خلص المحتال لن يعود على المحال عليه ولا يحدث شقاق ولا نزاع. هذه هي الفكرة، لذلك قال: الشرط الثالث استقرار المحال عليه؛ لأنه فعلا استقراره مهم جدا حفاظا لحق المحتال وحفاظا على حق المحتال.
وأما أن يكون المحال به هو المستقر؟ لا، هنا لا ضير، ما في أي ضير أن يكون مستقرا ولا غير مستقر؛ لأنه كما قلنا إذا كان مستقرا فالأمور طيبة، يعني خلاص يذهب يأخذه، وإذا كان غير مستقر وآل إلى أن ارتفع تماما فبالتالي لن يذهب المحتال فيطالب بشيء؛ لأنك أنت تطالب بشيء لا تستحقه.
الآن إخواني الشرط الرابع قال الشيخ مرعي رحمة الله عليه: كونه، أي كون المحال عليه يصح السلم فيه، كونه يصح السلم فيه. وهنا أنبهكم على قضية وهي أن الشيخ ابن عوض في الحاشية فسر الضمير في كونه، الهاء أنها تعود على محال به، وهذا ليس بدقيق ولعله سبق قلم، والصحيح أن نقول: كونه، أي كون المحال عليه مما يمكن أو مما يصح السلم فيه.
ويقصد بقوله: مما يصح السلم فيه، أي مما يمكن ضبطه بالصفات بحيث إذ لو كنا في باب السلم لصح السلم فيه، فكأنه يريد أن يعيدك إلى باب السلم، ففي باب السلم أول شرط من شروط صحة عقد السلم أن يكون المسلم فيه مما يمكن ضبطه بالصفات، فهذا الذي يريده هنا، لكنه اختصر العبارة لتفهمها، كالإشارة تغني عن التصريح كما يقولون، فيريد أن يقول: أن يكون المحال عليه.. هذا هو الشرط الرابع.
أن يكون المحال عليه الحق المالي المحال عليه مما يمكن ضبطه بالصفات، بحيث لو كنا في عقد السَّلَم لكان هذا الشيء يمكن إجراء عقد السَّلَم عليه تمام؟ لكنه كما قلنا اختصر ذلك بقوله: وكونه يصح السَّلَم فيه.
في الحقيقة أنا كنت أتمنى من الشيخ مرعي لو أنه اختصر هذه الشروط الخمسة بأربعة شروط، كان بإمكانه أن يفعل ذلك ويكون كلامه أتم وأكمل. فلو قال مثلاً في الشرط الأول: اتفاق الدينين في الجنس والصفة والحلول والأجل والقدر، فزاد كلمة القدر ليعلم أنه لابد أن يتفق المحال به والمحال عليه في المقدار كما بينا.
ثم ذكر الشرط الثاني فقال: وعلم قدر كل من الدينين، يعني علم قدر كل من المحال به والمحال عليه، ويضيف مع كون المحال عليه مما يمكن ضبطه بالصفات في جمع بين الشرط الثاني والشرط الرابع بجملة واحدة، لا حاجة لكل هذا التفصيل؛ علم قدر كل من المحال به والمحال عليه مع كون المحال عليه مما يمكن ضبطه بالصفات، ثم يذكر الشرط الثالث باستقرار المحال عليه، والشرط الرابع وهو رضا المحيل.
كان يختصر على نفسه لكن هو سلك هذا المسلك. المهم خلونا نأتي إلى الشرط الرابع ننظر ماذا قال فيه؟ إذاً، كون المحال عليه من الأشياء التي يصح السَّلَم فيها، يعني أن يكون من الحقوق المالية التي يمكن ضبطها بالصفات. دعونا ننظر أحبابي، دعونا ننظر في قيمة هذا الشرط؛ لأنه في الحقيقة هناك خلاف: هل يحتاج إلى اشتراطه أم لا يحتاج؟ الشيخ عثمان النجدي في حاشيته على المنتهى يقول: لا حاجة إليه، وإن كان كثير من المتأخرين يذكرونه.
دعونا نوضح هذا بمثال؛ نقول مثلاً: هناك محيل، وهناك محتال، وهناك محال عليه صح؟ هناك محيل ومحتال ومحال عليه. الآن أحبابي لاحظوا؛ المحتال خالد، المحيل زايد، المحال عليه محمد. قال: إيش يقول الحنابلة؟ يقول لك: ينبغي أن يكون المحال عليه مما يمكن ضبطه بالصفات، هذا مقصدهم في هذا الشرط، لابد يكون المحال عليه مما يمكن ضبطه بالصفات.
طبعا لا يمكن ضبطه بالصفات مر معنا في باب السَّلَم أنه ممكن يكون هو من المثليات ويمكن يكون من المتقومات، فدائرة الفائدة على الهامش؛ دائرة ما يمكن ضبطه بالصفات يدخل فيها أشياء مثلية، ويدخل فيه أشياء متقومة. احنا مر معنا في باب القرض: ما هو المثلي؟ المثلي كما قلنا: كل مكيل أو موزون لم تدخله صنعة مباحة يصح السَّلَم فيه، كل مكيل أو موزون لم تدخله صنعة مباحة يصح السَّلَم فيه.
بالتالي كل المثليات ها، كل شيء اسمه مثل فهو مما يمكن ضبطه بالصفات، كل ما هو مثلي جبراً لابد يكون مما يمكن ضبطه بالصفات. وأما المتقومات، فمنها ما يمكن ضبطه بالصفات، ومنها ما لا يمكن ضبطه، هذه فائدة مهمة! لما يقول لك شيء يمكن ضبطه بالصفات، بتقول: ما يمكن ضبطه بالصفات دائرة كبيرة، يدخل فيها المثلي، فكل مثلي مئة بالمئة يمكن ضبطه بالصفات، ويدخل فيها أيضاً بعض المتقومات، وهناك بعض آخر من المتقومات لا يمكن ضبطه بالصفات.
فلو قلت: كل مثلي يمكن ضبطه بالصفات، صح. لو قلت: كل متقوم يمكن ضبطه بالصفات، غلط؛ لأنه بعض المتقومات يمكن ضبطها بالصفات وبعضها الآخر لا يمكن ضبطه بالصفات؛ لأنه احنا راجعوا قديما، لابد من المراجعة. المثلي ما هو ضابطه؟ كل مكيل أو موزون لم تدخله صنعة مباحة يصح السَّلَم فيه. إذاً عقلاً لابد كل مثلي يكون يمكن ضبطه بالصفات. وأما المتقوم ما عدا المثلي، فمنه ما يمكن ضبطه ومنه ما لا يمكن ضبطه، كما اخذنا في باب السَّلَم. ممتاز!
فالحنابلة يقولون: المحال عليه يجب أن يكون مما يمكن ضبطه بالصفات، سواء كان مثلياً أو كان من المتقومات التي يمكن ضبطها. فمثلاً، نأخذ مثالاً على مثلي: مئة صاع رز؛ زيد يريد من محمد مئة صاع رز، هناك دين يريده زيد من محمد مئة صاع رز، وفي نفس الوقت خالد يريد من زيد مئة صاع رز. الآن نقول: الرز والله هذا يا شيخ مكيل ولم تدخله صنعة مباحة ويصح السَّلَم فيه، بالتالي هذا مئة بالمئة مما يمكن ضبطه بالصفات، هذا يمكن ضبطه بالصفات. إذاً المحال عليه هنا يمكن ضبطه بالصفات.
يستطيع بالتالي زيد أن يحيل خالداً بهذه المئة صاع من الرز على المئة صاع التي يريدها زيد من محمد، بشرط اتفاق الصفات؛ أنه صح اتفق الجنس، لبقينا نتأكد من اتفاق الصفات واتفاق القدر بينه مئة مئة، وأنه هذا حال وهذا حال، أو هذا مؤجل لنفس اللي هذا مؤجل إليها، ونتأكد من الاتفاقات هذه كلياتها، فيكون عقد الحوالة صحيحاً. طيب ناخذ مثالاً على متقوم يمكن ضبطه بالصفات مثل مئة ناقة.
هون بدنا شوي نركز أحبابي. الآن ركزوا معي في هذا الكلام؛ هو دقيق شوي: المتقومات التي يمكن ضبطها بالصفات تثبت أحياناً في الذمة بعينها، وفي بعض العقود تثبت في الذمة بقيمتها. أعيد العبارة مرة أخرى واكتبوها: المتقومات التي هي مما يمكن ضبطه بالصفات مثل الحيوانات، بعض المعدودات، بعض المزروعات؛ المتقومات عموماً التي هي داخل دائرة ما يمكن ضبطه بالصفات، وارجعوا لباب السَّلَم انظروا لبعضها، هذه المتقومات التي يمكن ضبطها بالصفات، يمكن ويصح في بعض المسائل وفي بعض الأحوال أن تثبت بعينها في ذمة المدينين، وأحياناً لا تثبت بأعيانها، وإنما تثبت بقيمتها فقط.
فمثلاً هذه أمثلة سريعة على عقود سابقة؛ لو أن زيداً أقرض محمداً مئة ناقة، في باب القرض عرفنا أن المقترض الفقير إذا كان اقترض شيئاً متقوماً لا يرده بعينه، وإنما يرد قيمته. فزيد لما أقرض مئة ناقة بنقول: الناقة هي أكيد من المتقومات ليست من المثليات، لأنه المثلي خلص كل مكيل موزون لم تدخل صنعة مباحة ويصح السَّلَم فيه، الإبل ليست من لا مكيلات ولا موزونات، تباع بالعدد. فبالتالي لو كان زيد أقرض محمداً مئة من الإبل على قواعد باب القرض اللي سبقت، الذي يثبت في ذمة محمد لزيد ليس أن يرد مئة ناقة عند الحنابلة -وإن كان هذا رأي لبعض الفقهاء الآخرين- لكن الذي يثبت قيمة المئة ناقة، فبالتالي زيد لا يريد من محمد مئة ناقة، لا، زيد يريد قيمة مئة ناقة، صح؟
طيب وأحياناً في عقود آخر يمكن أن يكون زيد يريد من محمد مئة ناقة في عقود غير القرض، مثلاً لو أن زيداً باع محمداً شقة، ومحمد قال لزيد: سأعطيك ثمن الشقة مئة ناقة، مواصفاتها كذا وكذا وكذا، بدأ يضبطها بالصفات، فهنا ما ثبت في ذمة محمد لزيد ليس قيمة مئة ناقة، بل ثبتت مئة ناقة بعينها، ثبتت مئة ناقة في ذمة محمد لزيد بعينها. جميل!
فإذاً نلاحظ أن المتقومات التي تضبط بالصفات في بعض العقود تثبت قيمتها في الذمة وليست عينها مثل عقد القرض، وفي عقود أخر لا تثبت بعينها في الذمة وليست بقيمتها؛ ممكن هيك وممكن هيك. جميل! فبدنا هنا نفترض بالتالي أن زيداً يريد من محمد مئة ناقة في عقد من العقود التي يكون فيها هذا المتقوم مما يثبت بعينه في ذمة المدين، بأن نقول: إن زيداً باع محمداً زي ما قلنا شقة، ومحمد قال له: الثمن سأعطيك إياه مئة ناقة، نوعية كذا ومواصفاتها كذا وهذا ومن البلد الفلاني، فهنا الثابت في ذمة محمد لزيد مش قيمة المئة ناقة؛ لأنه هذا مش عقد قرض، يعني الثابت المئة ناقة بعينها، بده يسلمه مئة ناقة، ونفترض أن مثلاً خالد برضه بده من زيد مئة ناقة لنفس السبب؛ أن خالداً باع زيداً شقة، وزيد قال له: أعطيك ثمن مئة ناقة مواصفاتها كذا كذا كذا.
فالان هنا بما أن المواصفات في هاي المئة مثل المواصفات في هذه المئة، والمحال عليه من الأشياء التي يمكن ضبطها بالصفات، فبالتالي يستطيع زيد أن يحيل خالداً على محمد في المئة ناقة، يقسم هاي مقابل هاي ويخرج زيد بريء، فبيرروح خالد بوخذ المئة ناقة التي يريدها من زيد، مش من زيد بروح بوخذ من محمد، وانتهت القضية. فهذه واضح! إذاً ما يمكن ضبطه بالصفات، إذا كان المحال عليه يمكن ضبطه بالصفات، سواء كان مثلياً أو من المتقومات التي تضبط بالصفات، فهذا يصح.
أما قالوا: إذا كان المحال عليه من المتقومات التي هي خارج دائرة ما يمكن ضبطه بالصفات، من هذا النوع من المتقومات الذي لا يمكن ضبطه بالصفات، ومر معنا شيء منه في باب السَّلَم مثل الجواهر. شوفي غير الجواهر؟ الجواهر مثلاً، يقول لك: الجلود، مثل لك مثلاً بالأواني، أي شيء متقوم ولا يمكن ضبطه بالصفات، باختصار مثل الجواهر والجلود. خليني أمشي على هذه المثالية.
فيقولون: الأشياء المتقومة التي لا يمكن ضبطها بالصفات، هذه أصلاً لا تثبت في الذمم، لا تثبت في الذمم بعقد من العقود، وإنما الذي يثبت قيمتها، الذي يثبت قيمتها، فمثلاً لو أنه يعني دائماً في كل الأشكال وفي كل العقود الذي يثبت في ذمة الشخص قيمتها، ولا يمكن في عقد من العقود أن تثبت بعينها، هذه بتختلف عن المتقومات التي يمكن ضبطها بالصفات؛ لأن المتقومات التي يمكن ضبطها بالصفات هذه في عقود تثبت قيمتها في ذمة المدين، وفي عقود لا تثبت أعيانها، فبالتالي إذا يمكن الإحالة عليها في العقود التي تثبت فيها أعيانها. وأما المتقومات التي خارج دائرة ما يمكن ضبطه بالصفات هذه في كل الأحوال لا يمكن أن تثبت بعينها في ذمة المدين، وإنما أو المحقول، وانما تثبت دائماً بماذا؟ بقيمتها، بقيمتها.
فبالتالي لو أجرى زيد عقد قرض على الجواهر والجلود، ستثبت بقيمتها، وهنا لا فرق يعني في عقد القرض لا فرق بين هذا النوع من المتقومات التي يمكن ضبطها بالصفات وبين هذا النوع الذي لا يمكن ضبطه بالصفات؛ كلا النوعين سترد القيمة. لكن وين بتظهر الاختلافات؟ في عقود أخرى، مثلاً في عقد البيع لو كان الثمن من المتقومات التي يمكن ضبطها بالصفات، هذا يصح؟ نعم يصح إذا وصفها المشتري وصفاً دقيقاً، فحينئذ ستثبت عين هذه المتقومات في ذمة المشتري، تكون ديناً عليه.
لكن المتقومات التي لا يمكن ضبطها بالصفات أصلاً لا يصح أن تكون ثمناً مؤجلاً، المتقومات التي لا يمكن ضبطها بالصفات لا يصح أن تكون ثمناً مؤجلاً. فبالتالي قبل قليل لما قلنا عن المئة إبل، المئة إبل صحت أن تكون ثمناً مؤجلاً، ليه؟ لأنها صفت متقوم لكن يمكن ضبطه بالصفات، فيمكن أن تتعلق في الذمة بعينه. لكن المتقومات مثل الجواهر والجلود هذه لا يمكن ضبطها بالصفات، فلو المشتري اشترى شقة وقال للبائع: أعطيك إن شاء الله جوهرتين ألماس، بنقول له: ما بينفع؛ لأن الثمن الذي وصفته لا يمكن وصفه، لا يمكن احنا مش قلنا إذا كان الثمن موصوفاً في الذمة لابد يكون مما يصح السَّلَم فيه ويضبطه بالصفات؟ الجواهر والجلود لا يمكن ضبطها بالصفات، فلا تثبت أصلاً أثماناً، ولا يصح أن تكون أثماناً. جميل! هنا تحدث المشكلة، هنا تحدث المشكلة.
لكن خلونا الآن نفكر شوي في كلامهم، هم قالوا: إذاً المتقومات التي لا يمكن ضبطها بالصفات هذا مفهوم، مفهوم الكلام؛ أنه أي شيء متقوم لا يمكن ضبطه بالصفات وكان محالاً عليه لا يصح، يعني خلينا نعيد العبارة: كل شيء متقوم ولا يمكن ضبطه بالصفات لا تصح الحوالة عليه، هكذا يقول الحنابلة في كتبهم: كل شيء متقوم لا يمكن ضبطه بالصفات لا تصح الحوالة عليه.
الآن مين تفطن هاي المشكلة أو لهذا الكلام؟ عثمان النجدي رحمة الله عليه. عثمان النجدي في حاشيته على منتهى الإيرادات تأمل في هذا الكلام فوجده كلام تحصيل حاصل أو لا قيمة له، أو خلينا قال: لا حاجة للحديث به. ليش يقول عثمان النجدي يا إخوان؟ المتقومات التي لا يمكن ضبطها بالصفات هي أصلاً لا تثبت في الذمم، هي لا تثبت في الذمم، وإنما الذي يثبت في الذمة دائماً قيمتها، يعني لو ثبتت أنه ما يثبت قيمتها بالتالي أصلاً لا يمكن أن يكون محالاً عليها، وكلامه في الحقيقة فيه منطقية.
أعيد وجهة نظر عثمان النجدي: عثمان النجدي من أذكياء المتأخرين، ينتبه لهذه الفلتات، بيقول: يا جماعة أنتم يا حنابلة -وهو من الحنابلة يعني لكنه يحرر المذهب- يقول: أنتم يا حنابلة قلتم إن الشيء المتقوم الذي لا يمكن ضبطه بالصفات كالجواهر والجلود لا تصح الحوالة عليه، هذا مفهوم كلامكم لما اشترطتم الشرط الرابع: أن يكون الشيء مما يمكن ضبطه بالصفات؛ مفهوم المخالفة أنه الذي لا يمكن ضبطه بالصفات لا يصح الحوالة عليه، والذي لا يمكن ضبطه بالصفات هي بعض المتقومات، بعض المتقومات فعلاً لا يمكن ضبطها بالصفات، فمفهوم كلامكم أنه لا يصح الحوالة عليها، قالوا: صح.
فاجا عثمان النجدي قال لهم: هذا لا حاجة لاشتراطه؛ ليه؟ لأنه المتقومات التي لا تضبط بالصفات هذه أصلاً لا تكون ديوناً، هي بعينها بعينها لا تكون ديوناً ثابتة في ذمة المحال عليه، ما في محال عليه في دينه، هناك دين في ذمته جواهر أو دين في ذمته جلود، وإنما الذي يثبت في الذمم منها قيمتها فقط في كل العقود. فمثلاً في عقد القرض لو محمد أقرض -عفواً لو زيد أقرض محمد- جلوداً ولا جواهر؟ محمد ما يثبت في ذمته ليس جواهر ولا جلود، ليس.
شيء لا يثبت في ذمة محمد إلا قيمتها، وهي أموال نقدية. وكذلك مثلاً لو أنه حين حكينا الجوار والجلود ما بتصلح أصلاً تكون ثمن، ولا يصح عقد السلم عليها أصلاً.
طيب نذكر مثالاً، لو زيد أعطى عارية، لو زيد أعار محمداً عارية جلود ولا جواهر، وتلفت هذه العارية في يد محمد؟ محمد بده يضمنها، جدول الضمان زي ما عرفنا في العارية. طب كيف سيضمن الجواهر؟ هل يرد الجوهر؟ لا، أو يرد جلود مماثلة؟ لا، هو سيضمن قيمتها. فمتى ما استقر هذا النوع من المتقومات؟ متى ما استقر في الذمم؟ فإنما تقر بقيمته، ولا يستقر بماذا؟ بعينه، ولا يستقرون بعينه. بالتالي إذا كانت الجواهر والجلود ستستقر بقيمتها فقط في ذمة محمد، فنقول: يا محمد، أنت والله أتلفت لزيد جوهرة، كم قيمتها؟ والله قيمتها ألف دينار. بالتالي الدين الذي في ذمة محمد هو الألف دينار الأردني قيمة الجوهرة. خلص، هاي محمد بده يدفعها لزيد، هنا إيش بنقول؟ بنقول يا جماعة، إذا كان هو هاي صارت خارطة هنا، إذا كان المحتال وهو خالد يريد من المحيل وهو زيد ألف دينار أيضاً، ما المانع أن زيد يحيل خالدا بالألف دينار التي يريدها منه على الألف دينار التي يريدها زيد من محمد قيمة جوهرة؟ ببدوا الكلام؟
هذا كلام عثمان النجدي وهو كلام منطقي، أنه ما المانع إذا كان خالد يريد من زيد ألف دينار، وزيد يريد من محمد قيمة الجوهرة، وقيمة الجوهرة لما حسبت كانت ألف دينار؟ فنقول: الثابت في ذمة محمد الآن فعلياً هو مش جواهر ولا جلود؛ لأنها لا يمكن هذه أصلاً تثبت في الذمة، وإنما عرفنا أنها ألف دينار، عرف ذلك وضبط، وخالد يريد من زيد أيضاً ألف دينار. فهل هناك مانع أن زيد يحيل خالدا على محمد بالألف دينار منه؟ هاي ألف وهاي ألف. واتفقوا مثلاً في الأجل أو في الحلول، إذاً لا مانع من ذلك فعلياً. فالشيخ عثمان النجدي بيقول: ما في داعي إذاً لكل هذا الشرط، لأنه حتى لو كانت المتقومات لا يمكن بعض المتقومات التي لا يمكن ضبطها بالصفات، يعني لو كان عندي شيء لا يمكن ضبطه بالصفات باختصار. هو المحال عليه بنقول: الذي لا يمكن ضبطه بالصفات لا يمكن أن يكون بعينه محال عليه، لا يمكن أن يكون عفواً بعينه أصلاً دين، الذي لا يمكن ضبطه بالصفات لا يكون بعينه ديناً ثابتاً في الذمة، وإنما تكون قيمته هي الثابتة في الذمة، إنما تكون قيمته هي الثابتة في الذمة فقط. وإذا كانت قيمته ثابتة في ذمة، وعرفنا هذه القيمة بالرقم النقدي، ما المانع أن يحال على القيمة؟ فنحيل خالدا بالألف دينار على قيمة هذا الذي لا يمكن ضبط صفاته بعد أن عرفنا قيمتها أنها ألف دينار، ما في مانع من ذلك.
فهمتم الفكرة؟ فبقول في النهاية: إذاً لا حاجة إلى أن نشترط أن يكون مما يمكن أن يصح السلف فيه أو يمكن ضبطه بالصفات، أنه حتى الذي لا يمكن ضبطه بالصفات يمكن الإحالة على قيمته. باختصار: الذي لا يمكن ضبطه بالصفات يمكن الإحالة عليه، لكن ليس على عينه؛ لأنه عينه أصلاً لا تثبت في الذمة بحال، وإنما يحال على قيمته.
وبالتالي الشيخ عثمان النجدي في الحقيقة أغنانا عن كل هذا الشرط، فنستطيع أن نعدل، وهذا البحث دقيق جداً. بحث فقهي دقيق، وهذا البحث الفقهي الدقيق هو الذي يملك يا إخواني أنك تفهم مقاصد العقود ومقاصد التصرفات، وبالتالي تستطيع تحلل أنه والله كلامهم صحيح ولا مش صحيح. فالشيخ عثمان بعد أن حلل وفكر ونظر في قضية قولهم: أن يكون المحال عليه مما يمكن ضبط صفاته، قال: والله ما في داعي لهذا الشرط، لأنه إذا كان المحال عليه مما يمكن ضبط صفاته، فإذاً يمكن أن يثبت بعينه في الذمة، بالتالي تصح الحوالة عليه مباشرة. وإذا كان المحال عليه مما لا يمكن ضبط صفاته، إذاً هو فعلياً فعلياً بعينه ليس ثابتاً في الذمة، وإنما الثابت في الذمة قيمته، فالمحال عليه حقيقة وواقعاً هي قيمته. والقيمة متى ضبطت وعرفت، لا مانع من أن يحال عليها إذا كانت القيمة من جنس المحال به طبعا، دنانير بدنانير، أما يبقى تنقد المحال به مثلاً رز، والقيمة هنا ستكون بالدنانير فقط، لا، مش رح ينفع اختلاف الأجناس فقط لعلة أخرى. لكن إذا كان المحال به من جنس قيمة ما لا يمكن ضبط صفاته، من جنس قيمة الجوهر أو الجلود، لا مانع يا إخواني من الحوالة عليها. وبالتالي يصبح هذا الشرط محل نظر في اشتراطه، ولا حاجة إليه كما يقول عثمان النجدي والله تعالى أعلم، وأنتم انظروا فيها وتأملوا.
طيب الشرط الخامس، أنا أطلت في هذا، لكنه في الحقيقة مهم جداً أحبابي، الحمد لله. الشرط الخامس قال: رضا المحيل لا المحتال، إن كان المحال عليه مليئاً. ومن هو المليء؟ قال: من له القدرة على الوفاء، وليس مماطلاً، ويمكن حضوره لمجلس الحكم.
الان الشرط الخامس إخواني والأخير من شروط الحوالة، قالوا: رضا المحيل لا المحتال، إن كان المحال عليه مليئاً. طيب نرجع كالعادة، إذا عندنا ثلاثة أطراف: محيل ومحتال ومحال عليه. الآن الحوالة فيها اقتراب من الضمان والكفالة، أنه ابتداءً الذي يطلب رضاه في الحوالة هو المحيل، اللي هو زيد صاحبنا الذي يطلب رضاه ابتداءً هو المحيل، ولا نحتاج لرضا المحال عليه أبداً. وأما المحتال فهذا فيه تفصيل، المحتال قالوا: له تفصيل، إن أحيل على شخص مليء لا حاجة لرضاه، وإن أحيل على شخص غير مليء يجب طلب رضاه. جميل، فالآن احنا عرفنا المحيل أكيد لابد هو الذي يرضى ابتداءً، لأنه الحق يعني هي عملية إرفاق به خلينا نقول، هي العملية عملية الحوالة إرفاق به رفقاً به، فهو صاحب الرضا.
وأما المحتال نقول: تعال أيها المحتال، اللي اسمه خالد، هل أحالك زيد؟ هل أحالك زيد على شخص مليء؟ فإذا زيد أحال خالدا على شخص مليء، وسنعرف الآن من هو المليء في الفقه الإسلامي، فخالد ليس له الحق في أن يرفض ويقول: لا، لا، أنا بدي أطلع آخد منك يا زيد. ليس له الحق في أن يرفض بنص حديث النبي صلى الله عليه وسلم: «مطل الغني ظلم، وإذا أتبع أحدكم على مليء فليتبع». واما إذا كان زيد أحال خالدا على شخص غير مليء، هنا يتوقف الأمر على رضا المحتال، فبنقول: يا خالد، ترى يا خالد زيد أحالك على رجل غير مليء، بترضى ولا ما بترضى؟ إذا رضي خالد، خلص يعني أمره على جنبه كما يقولون. وأما إذا ما رضي قال: لا، أنا ما بقبل على غير مليء، فحقه أنه يرفض.
فإذاً المحتال فيه تفصيل: إن حيل على شخص مليء ليس له الحق في أن يرفض ولا يطلب رضاه، وإذا حيل على شخص، إذا حيل هذا الشخص مليء وليس له الحاجة، وليس له الحق في أن يرفض، وإذا أحيل على شخص غير مليء له الحق في أن يرفض وفي أن يقبل، هو حر ويتحمل مسؤولية قراره. جيد، الآن سنبقى أو يبقى علينا النبي من هو المليء؟
المليء إخواني عند الحنابلة من وجدت فيه ثلاث صفات، قالوا: المليء هو شخص لديه القدرة على الوفاء، ما يكون معدماً مفلساً، شخص لديه القدرة على الوفاء، ومن طبيعته ومن شخصيته أنه ليس مماطلاً، ما عنده مماطلة وتسويف، ولم يُعرف بذلك بين الناس، ويمكن إحضاره إلى مجلس الحكم. الآن هذه ثلاث صفات في الشخص المليء، ما هي؟ قالوا: أن يكون عنده قدرة على الوفاء، عنده مال يستطيع أن يسد منه، ليس معدماً. اثنين، ليس مماطلاً، شخصيته وطبيعته، بعض الناس يا إخوان عنده مال، لكنه بخيل، لو بدك منه دين ما بتستطيع تحصل منه قد ما هو مماطل والعياذ بالله، فلا بد إذاً تكون شخصيته غير مماطلة. ثالثاً، يمكن إحضاره لمجلس الحكم.
فإذا كان لا يمكن إحضاره لمجلس الحكم، أيضاً لا تصلح الإحالة، عذراً، لا تصلح الإحالة، يكون شخص غير مليء، طبعاً هذا القيد الأخير ويمكن حضور لمجلس الحكم ماذا أين سنستفيد منه؟ يستفيدون منه في مسألة مهمة نعطيكم إياها لتستفيدوا، يقولون: احنا قلنا يمكن حضور لمجلس الحكم، يقولون: لو أن المحال عليه هو والد خالد، المحال عليه والد خالد، الآن خالد يريد من زيد مثلاً ألف دينار، المحال عليه زيد أحال على والد خالد، لأنه زيد كان بده من والد خالد برضه ألف دينار. الآن هل يلزم زيد قبول هاي الحوالة؟ الآن نشوف، والد خالد مليء، والد خالد معاه مال ما شاء الله وتجارة ممتاز، إذاً هو عنده قدرة على الوفاء، والد خالد ما شاء الله رجل محترم ما عنده مماطلات ولف ودوران زي ما يقولون، لكن ضل الوصف الثالث حتى نتأكد أنه مليء ولا لأ. هل يمكن لخالد أن يطلب استدعاء والده أمام القضاء؟
اه يقولون سنأتي إليه إن شاء الله أن الابن لا يستطيع أن يستدعي والده أمام القضاء، هذا الأصل العام، لا يستطيع أن يستدعي والده أمام القضاء، اللهم في استثناءات معينة، لكن عموماً لا، أن يستدعي والده لمجلس القضاء، بالتالي والد خالد لا يعتبر مليئاً بالنسبة لخالد، ممكن يكون مليئاً لشخص آخر غير خالد، بس لخالد غير مليء. ليه؟ لأن المليء فيه ثلاث صفات، لازم توجد الثلاث: أن يكون عنده قدرة مالية للسداد، أن لا يكون مماطلاً، أن يستطيع المحتال إحضار المحال عليه لمجلس القضاء في حالة وقعت خصومة ونزاعات بينهم.
فإذا كان المحتال لا يستطيع أن يأتي بالمحال عليه لمجلس القضاء، بالتالي اصبح هذا المحال عليه يعتبر غير مليء بالنسبة للمحتال، وأشهر مثال عليه هذا المثال: إذا كان المحال عليه هو والد المحتال؛ لأن المحتال لو طلب إحضار المحال عليه وهو والده لن يسمع منه ذلك ولن يقبل، وبالتالي لا يستطيع أن يحضره ويتقاضى، بالتالي لو أن الاب الاب رفض يدفع لابنه هون الابن المحتال تورط.
فبالتالي الآن إذا اكتشفنا أن والد خالد يعتبر غير مليء بالنسبة لخالد، فنقول لخالد: لا يلزمك، مش ما بصير، لأ، بنقول له: لا يلزمك أن تقبل الحوالة على والدك، لكن إذا أنت قبلت يا خالد بدك تتحمل النتائج، بدك تعرف أن والدك لا يمكن إحضاره لمجلس القضاء، فإذا هو أعطاك أعطاك، ما أعطاكش فش مجلس قضاء. فبالتالي خالد غير ملزم بأن يقبل الحوالة على والده؛ لأن والده لا يعتبر مليئاً بالنسبة له لاختلال الشرط الثالث من شروط الملاءة، وهو أنه لا يمكن إحضار مجلس قضاء لخالد. ولكن إذا هو خالد قُبل، قال: لا، أنا برضى أن أحال على والدي، ووالدي رجل فاضل وكريم، وأنا ما بدي أستطيع أسلم مجلس القضاء، بنقول: أمرك وشأنك، هذا تريد أن ترضى بهي الحوالة على والدك، ارض. لكننا لا نلزمه.
فإذاً لابد يكون هناك ثلاث شروط، فأي محال عليه وجدت فيه الثلاث شروط فهو شخص مليء، فبالتالي إذا المحيل أحال خالداً على شخص مليء وخالد قال: أنا لا أقبل، بنقول: ليس لك أن ترفض؛ لأن هذا الشخص الذي تمت الحوالة عليه تتوفر فيه الصفات الثلاث، ليس لك أن ترفض. وإذا كانت لا تتوفر فيه الصفات الثلاث، اختل شرط من شروط الملاءة أو صفة من صفاتها، ساعتها يعود الأمر كما قلنا لرضا المحين، إذ هو قبل يتحمل النتائج ويرضى هاي الحوالة، قبل، ما قبل حقه، ويطالب، يبقى يطالب المحيل وهو زيد.
جيد، الآن إخواني، بقيت المسألة الأخيرة، وهي مسألة: ما الذي يترتب على عقد الحوالة من أثر؟ ما الذي يترتب على عقد الحوالة بالأثر؟
فماذا قال الشيخ مرعي؟ قال: فمتى توفرت الشروط برئ المحيل من الدين بمجرد الحوالة، أفلس المحال عليه بعد ذلك أو مات، ومتى لم تتوفر الشروط لم تصح الحوالة وإنما تكون وكالة.
الآن أحبابي هذه المسألة تحتاج منا إلى تفصيل؛ لأن فيها في الحقيقة تدقيقات وأحوال لم يفصلها الشيخ مرعي رحمة الله تعالى عليه، وبها يكتمل عقدها، إلى أن كما قلنا هناك محيل ومحتال وهناك محال عليه، زيد خالد محمد.
الآن إيش هو قال؟ قال: متى توفرت الشروط، توفرت الشروط، فإن المحيل وهو زيد يبرأ، وتصبح العلاقة بين المحتال والمحال عليه فقط، وزيد يخرج من كل إشكالية الديون. الآن في الحقيقة في تفصيل أحتاج أن أبيّنه في هذه المسألة لم يذكره الشيخ، يقول الحنابلة: الحوالة إما أن تكون جبراً على خالد، وهذا متى؟ إذا كان المحال عليه مليئاً، وإما أن تكون من دون جبر، بل برضاه، يعني زيد قال لخالد: إيش رأيك أحيلك على محمد؟ فخالد المحتال قَبل، فكان الأمر برضاه. الآن خلوني أبحث في الصورة الأولى: إذا تمت الحوالة جبراً على خالد بأن كان المحال عليه مليئاً، فبالتالي هنا توفرت جميع الشروط خلينا نقول، ولكن الحوالة كما قلنا وقعت جبراً على المحتال؛ لأن المحال عليه كان مليئاً فعلاً. فالاصل إذاً أن المحيل كما قال يبرأ ما عليه الآن، أي شيء خرج من القصة كاملة، وأصبحت العلاقة بين خالد وبين محمد. ذهب خالد إلى محمد ليقبض منه، فجأة بتقدير من الله سبحانه وباقداره، إذا بهذا المليء يفلس، جاءت جائحة، سبب من الأسباب، سرقت أمواله، المهم أقدار الله سبحانه. إذا بهذا المحال عليه وهو محمد اللي كان مليئاً.
وبالتالي أصلاً أجبرنا خالداً على قبول الحوالة عليه؛ كان مليئاً فأفلس بعد ذلك، اللي هي ذكرها الشيخ مرعي، أو قدر الله أن محمد يموت، أن محمد يموت، فما هو الحكم؟ خالد الآن أجبر على الحوالة؛ لأن المحال عليه كان مليئاً، لكن بأقدار الله سبحانه إذا المحال عليه يفلس أو أنه توفاه الله، هل يحق لخالد أن يرجع فيطالب زيداً بالدين؟ يجي خالد لزيد: اسمع يا زيد أنت حولتني على شخص مليء جبراً، وأنا اتبعت الحكم الشرعي وسرت مع هاي الحوالة، لكن هذا الشخص المالي اللي حولتنا عليه أفلس بعد ذلك أو مات، فأريد أن أطالبك أنت الآن بسداد الحق.
هنا لا يصلح ذلك. خالد ليس له أن يطالب زيداً؛ لأنه خالد زيد لما عمل الحوالة عمل حوالة مستكملة الشروط كاملة، وكان إجباره لخالد على الحوالة إجباراً صحيحاً؛ لأن المحال عليه هو محمد مليء، فبالتالي زيد استوفى كل الشروط، فبالتالي هو أصبح حراً من كل الموضوع، ونقول لخالد: أعانك الله، عليك أن تنتظر إذا كان القضية أنه أفلس عليك أن تنتظر حتى يرجع وضعه المالي جيداً ويعطيك الحق، وإذا كان مات فعليك أن تطالب ورثته.
فنقول لخالد: ليس لك ترجع لزيد، إذا كان أفلس بتستنى حتى يتم مثلاً ممكن الحجر على أموال محمد وبيعها للغرباء وبيصحح لك شغلة منها -سيأتي معنا باب الحجر- أو بتنتظر حتى محمد قد يتحسن وضعه المالي ويسدك في قابض الأيام، وإذا كان محمد مات توفاه الله طالب ورثته. خالد يستطيع أن يطالب الورثة، أما أن خالد يرجع على زيد لأ هذه انتهى منها؛ لأن زيد عمل عقد حوالة مستكمل الشروط تماماً، وعدم الملاءة أو اللي هو الإفلاس أو الموت طرأ بعد أن كانت الملاءة موجودة.
هذا كله إذا كان كما قلنا بماذا كانت الحوالة جبراً على خالد، اه، إذا كانت الحوالة برضا خالد لأ لسة بدي أرجع هنا عفواً ما انتهيت، خليني أرجع إذا كانت الحوالة جبراً على خالد، خليني أرجع لسة على جبر على خالد الآن هذه الحالة الأولى أنه كانت الحوالة جبراً على خالد وكان المحال عليه فعلاً مليئاً، لكن طرأ عليه الفلس بعد ذلك، لذلك يا بركة الشيخ مرعي دقيقة، أفلس المحال عليه بعد ذلك، أنه فعلياً كان مليئاً وبعد ذلك طرأ الفلس أو الموت.
أما إذا كانت الحوالة جبراً على خالد وكان في الظاهر المحال عليه مليئاً، ثم اكتشفنا أن الواقع خلاف ذلك ابتداء، وأن المحال عليه ليس مليئاً، اه هنا يستطيع خالد أنه يرجع على زيد ويطالبه. إذا هذه حالة ثانية إذا كان خالد أجبر على الحوالة بناءً على أن الظاهر في المحال عليه أنه مليء، فاكتشف أن الأمر على خلاف ذلك، سعيتها اه خالد براجع، بيجولوا: اسمع يا زيد أنت حولت على رجل الظاهر كان أنه مليء، لكن اكتشفنا أنه ما كان مليء، فبالتالي بدي أرجع لك؛ لأنه فعلياً فعلياً الحوالة تبين لنا أنها لم تستكمل شروطها؛ لأنه من شروطها أنه إذا كان المحال عليه ليس مليئاً لابد المحتال يرضى، وهنا اكتشفنا بعد فيها أنه المحال عليه ليس مليئاً والمحتال لم يرضَ، فللمحتال أن يعود على زيد.
إذا باختصار إذا كان المحتال أجبر على الحوالة فنقول: أما أن يكون المحال عليه فعلياً كان مليئاً عند الحوالة، وطرأ الفلس بعد ذلك أو الموت بعد ذلك، حينئذ لا يستطيع المحتال أن يرجع على المحيل وعليه أن يبقى مع المحال عليه ينظر كيف يدبر حاله معه، أما إذا كانت الحوالة جبراً على المحتال بناءً على أن الظاهر ملاءة المحال عليه، فاكتشف أنه كان على خلاف ذلك وإنما هو يتصنع الغنى تصنعاً، فبالتالي اكتشفنا أنه لا يصح الإجبار، فيستطيع خالد أن يرجع على زيد فيطالب بالدين الذي يريده.
هذا كله في حال الجبر، أما في حال عدم الجبر وهي الحالة الثانية، في حالة أن خالد ابتداءً تم استئذانه، تم استئذانه في الحوالة فخالد رضي بها من عنده، إذا خالد يعني زيد استأذن خالد قال: أحيليك ترضى ولا ما ترضى؟ نقول هناك حالتان لخالد الآن، أن يرضى ويشترط الملاءة، الحالة الثانية أن يرضى ولا يشترط الملاءة، الآن يقولون خالد إذا رضي بالحوالة قال: أنا أرضى بس بشرط أن يكون المحال عليه مليئاً، وبالتالي إذا ظهر غير مليء يحق لي أن أرجع إليك يا زيد، وزيد وافق على هذا الشرط، اه فهنا خالد الآن يذهب للمحال عليه، فإذا وجده مليئاً كما اشترط بنقول خلص إذا يا خالد الآن علاقتك مع المحال عليه وزيد بريء، حتى ولو أفلس المحال عليه بعد ذلك أو مات بعد ذلك.
وأما إذا كان المحال عليه اكتشفنا أنه غير مليء يعني خالد اشترط الملاءة فلما ذهب للمحال عليه اطلع فيه وجده طلع غير مالي هذا الرجل وأنا اشترطت الملاءة، حينئذ يستطيع خالد أن يرجع على زيد أيضاً ويقول له: أنا صحيح رضيت بالحوالة لكن رضيت مع اشتراط الملاءة واكتشفت أنه غير مليء، بالتالي لي أن أرجع إليك. أما إذا كان خالد رضي وتغافل عن اشتراط الملاءة لم ينص على اشتراط الملاءة، في هذه الحالة إخواني إذا خالد ذهب فوجد المحال عليه غير مليء ليس له أن يرجع على زيد وعليه أن يتحمل نتيجة إهماله في عدم اشتراط الملاءة، عليه أن يتحمل نتيجة إهماله في عدم اشتراط الملاءة.
إذا باختصار تلاحظون الموضوع فيه تفصيل، أنه مش مجرد عقد الحوالة معناه زيد بريء وذهب، لا لا في تفصيل يعني ظاهر كلام الشيخ مرعي فيه قصور، علينا أن نبين أنه المحيل وهو زيد متى يبرأ ومتى لا يبرأ، عم نقول زيد أحال خالد على محمد، الآن إحالة خالد على محمد أما أن تكون جبراً على خالد وأما أن تكون برضاه. متى يمكن أن يجبر زيد خالداً على قبول الحوالة؟ إذا كان المحال عليه مليئاً صح؟ فبالتالي هنا حالتان في حالة الجبر: أن خالد ذهب للمحال عليه ففعلاً كان مليئاً، فبالتالي بنقول عقد الحوالة ملزم، فاذا أفلس المحال عليه بعد ذلك أو مات لا يستطيع خالد أن يرجع على زيد.
الصورة الثانية: أن خالد المجبور يذهب للمحال عليه فيكتشف أنه هو أصلاً ابتداءً مش مليء، وأنه زيد كان متوهم أنه مليء ابتداءً هو مش مالي، فبالتالي يستطيع خالد الآن يرجع على زيد يقول له: وقف أنت أحلتني جبراً بناءً على أنه مليء، لكننا اكتشفنا أنه هو ابتداءً ليس مليء، عقد الحوالة انتهى وأطلب منك يا زيد أن تعوضني، هذا حقه لخالد.
الحال الثاني أن يكون زيد أصلاً استأذن خالد في الحوالة رضي خالد بها، إذا تم الأمر برضا خالد ابتداءً بنشوف هل خالد لما رضي كان اشترط الملاءة ولا ما اشترطها؟ إذا كان خالد اشترط الملاءة فيذهب خالد لمحال عليه فينظر والله خرج مليء ممتاز، إذا عقد الحوالة صح وزيد ذهبت أموره ولا يستطيع خالد أن يرجع على زيد ولو أفلس المحال عليه بعد ذلك أو مات.
وأما إذا خالد ذهب فنظر في المحال عليه وهو محمد فوجده غير مليء أصلاً، وأنا بوقف وبقول لزيد: ترى أنا رضيت بالحوالة بشرط أن يظهر مليئاً فاكتشفت أنه غير مليء فأنا اشترطت، فحقي أن أرجع إليك يا زيد وفعلاً له أن يرجع زيد. أما إذا كان المحتال برضاه لم يشترط البراءة لم يشترط الملاءة ابتداءً، فهنا يتحمل نتيجة تقصيره، بنقول له: أنت رضيت وأنت اللي قصرت ما اشترطت الملاءة، بالتالي عليك أن تقبل بالمحال عليه مهما كان أمره، ظهر مليئاً أو غير مليء؛ لأنك من قصرت في اشتراط الملاءة، هذا إذا يعني ختام ما نذكره في قضية الحوالة.
بقيت مسألة واحدة، قال: إذا اكتشفنا اختلال شرط من شروط الحوالة، إذا اختل شرط من شروط الحوالة، مثلاً كان الدينان مختلفين في الجنس أو في القطر أو في الصفة أو كان المحال عليه غير مستقر، المهم اكتشفنا اختلال شرط من الشروط الخمسة التي ذكرناها من شروط الحوالة، الآن هنا ستبطل الحوالة تلقائياً لاختلال شروط صحتها، لكن يتحول المحتال تلقائياً لوكيل عن المحيل، يتحول المحتال تلقائياً وكيلاً عن المحيل، فخالد أحيل على محمد واكتشفنا أنه الحوالة باطلة لاختلال شرط من شروطها، يستطيع خالد أن يطالب محمد بمال لكن على أنه وكيل عن زيد فقط.
فبيقول خالد لمحمد: اسمع يا محمد أعطني المئة دينار، فبيقول له محمد: والله أنت جاي على أنك حوالة ولا وكالة؟ بقول له: والله طلعت الحوالة غلطانة، أنا الآن وكيل عن زيد أعطني المئة دينار على أني وكيل عن زيد يعني واسطة، سأعود أسلمها إلى زيد، واما حق خالد الذي يريده قالت لا، فهذا يبقى يطالب به زيد؛ لأن الحوالة باطلة، فلذلك ايش قال: ومتى لم تتوفر الشروط لم تصح الحوالة وإنما تكون وكالة، يعني بتنقلب تلقائياً وكالة، ويصبح قبض خالد للمال من محمد إذا من محمد يصبح قبض خالد للمال من محمد إذا قبضه قبض على وجه الوكالة؛ لأنه ممكن خالد يكتشف فساد الحوالة وبطلانها بعد أن يقبض.
فاذا فاكتشف بعد أن يقبض هنا بنقول لخالد: اسمع المال اللي قبضته من محمد هذا مش قبض حوالة، هذا قبض وكالة، أنت تعتبر شرعاً وكيل عن زيد في القبض، فبتروح بهذا المال لزيد بتعطيه إياه وتقول له: يا عمي هذا المال جبت لك إياه من محمد وأنا يا زيد أريد منك حقي، فاذا متى اختل شرط من شروط الحوالة يستطيع المحتال أن يقبض من المحال عليه لكن ليس على وجه الحوالة وإنما على وجه الوكالة، وقبضه على وجه المكانة معناه أن خالد يعتبر وسيط في نقل المال من محمد لزيد، وأما الحق الذي يريده خالد من زيد فهذا يبقى ثابتاً بينهما.
إذا هذه التفاصيل إخواني دقيقة، ينبغي على طالب العلم أن يكون على إحاطة بها ليفهم طبيعة عقد الحوالة، لا أطيل عليكم أكثر من ذلك، إن شاء الله في مجلس قادم نشرع في عقد الصلح، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
الشيخ إبراهيم رفيق الطويل