بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله الذي علم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم. أحمده سبحانه وتعالى حمد الذاكرين الشاكرين، وأصلي وأسلم على المبعوث رحمة للعالمين ومحجة للسائلين، نبينا وحبيبنا وقرة أعيننا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. حياكم الله أحبائي إلى مجلس جديد نعقده في شرح كتاب دليل الطالب لنيل المطالب مع الإمام مرعي بن يوسف الكرمي رحمة الله تعالى عليه.
وصلنا أحبائي في مدارسة كتاب الصلاة إلى باب صلاة الكسوف، وبقي من هذا الكتاب باب صلاة الكسوف وباب صلاة الاستسقاء وننهيهما اليوم بإذن الله. فقال المصنف رحمة الله تعالى عليه: باب صلاة الكسوف، وهي سنة من غير خطبة.
الكسوف في الحقيقة عند الحنابلة يطلق على ذهاب نور الشمس وعلى ذهاب نور القمر، وفي اللغة يصح إطلاق الكسوف على كليهما، وإن كان المعروف عند كثير من الناس أن يطلق الكسوف على ذهاب نور الشمس والخسوف على ذهاب نور القمر. لكن كما قلنا، يجوز في اللغة وهو شائع في الاستعمال إطلاق الكسوف على ذهاب نور الشمس وعلى ذهاب نور القمر نتيجة الحركات الكونية المعلومة لديكم. فإذا حدثت هذه الآية من آيات الله سبحانه، كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم: «إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله، لا ينكسفان لموت أحد ولا لحياته، فإذا رأيتموهما فادعوا الله وصلوا»، وفي رواية: «فافزعوا إلى ذكر الله ودعائه واستغفاره»، إلى غير ذلك من الأحاديث، إذا وقعت هذه الآية الكونية فهناك صلاة مشروعة لها تسمى صلاة الكسوف، سواء ذهاب نور الشمس أو ذهاب نور القمر.
الآن ما هي هذه الصلاة وما كيفيتها؟ هذا الذي سنتعلمه إن شاء الله في هذا الباب. فقال: وهي سنة. إذن صلاة الكسوف ليست واجبة ولا فرض كفاية كصلاة العيدين وإنما هي سنة، لكنها كما مر معنا في باب صلاة الجماعة آكد السنن التي تصلى جماعة. ولكن هل يمكن أن تصلى فرادى؟ الصحيح نعم؛ لذلك كما قال صاحب المحنى: جماعة أو لا تسن ركعتين وقرأ عند انكساف النيرين. فصلاة الكسوف تصح جماعة وتصح فرادى، بخلاف صلاة العيدين فإنها ابتداءً لا تصلى إلا جماعة بشروط حضور الأربعين. فإن فاتت الفرد نعم يستطيع أن يقضيها فرداً.
سأعطيكم معلومة من باب المذاكرة؛ الفروق بين صلاة الجمعة وصلاة العيدين وصلاة الكسوف والاستسقاء. الكسوف والاستسقاء مثل بعضهما في هذا الحكم؛ صلاة الجمعة لا تصلى إلا جماعة، فإن فاتت الفرد لا يستطيع أن يقضيها جمعة وإنما يقضيها ظهراً. صلاة العيدين أيضاً لا تشرع ابتداءً إلا جماعة بشروط الجمعة، فإذا فاتت الفرد يستطيع أن يقضيها عيداً. صلاة الكسوف تسن جماعة وتستطيع أن تصليها فرداً، وكذلك صلاة الاستسقاء.
فهمنا الفرق بين هذه الثلاث؟ أنه في فرق بين العيدين وبين الجمعة، وفي فرق بين العيدين وبين الكسوف. فالعيد ابتداءً لا يصح فرداً على المعتمد في المذهب، هناك رواية أخرى بمشروعيتها فرداً لكن ليست المعتمدة. المعتمد في المذهب أن العيد لا بد له من شروط الجمعة، من حضور الأربعين؛ فإذا حضر الأربعون وأقيمت العيد، فاستيقظ شخص متأخراً له حينئذٍ أن يقضيها فرداً. وأما الكسوف فهي ابتداءً تشرع جماعةً وتشرع أيضاً للفرد؛ فليس من شرط إقامتها الجماعة. إذاً نقول وهي سنة، سواء كانوا جماعةً أو كانوا فرادى. وهل لها خطبة؟ المعتمد عند الحنابلة أنه لا خطبة لها، وما جاء في بعض الآثار أن النبي صلى الله عليه وسلم خطب بعدها، فإن الحنابلة لا يرون أن هذه خطبة مشروعة، وإنما هو من باب تنبيه النبي صلى الله عليه وسلم لخطأ ورد على الناس في ظنهم أن الكسوف كان لموت إبراهيم ابن النبي عليه الصلاة والسلام، وليست خطبةً مقصودة. وهي مسألة خلافية هل يوجد خطبة لصلاة الكسوف أو لا يوجد، والمذهب عندنا أنها لا خطبة لها؛ لذلك قال: وهي سنة من غير خطبة. ومتى يكون وقتها؟ قال: ووقتها من ابتداء الكسوف إلى ذهابه.
ثم قال: ولا تقضى إن فاتت. إذاً عرفنا وقتها، وقتها من ابتداء الكسوف إلى ذهاب الكسوف، هذا هو الوقت الذي تصلى فيه. طيب، إذا ذهب الكسوف وأنا أصلي، يعني كنت أصلي في الوقت، وإذا بمنادٍ ينادٍ: الشمس طلعت وذهب الكسوف، هل بطلت صلاتي؟ لا، قالوا يكملها خفيفة. إذا زال الكسوف في أثناء صلاة الكسوف، فإنك تكملها، لا تبطل الصلاة، تكملها خفيفة بهذا القيد. طيب، إذا فاتني وقتها، يعني أنا أثناء فترة الكسوف كنت نائماً فاستيقظت بعد ذهاب الكسوف، هل يشرع لي أن أقضيها؟ لا، لذلك قال: ولا تقضى إن فاتت.
هذه المعلومة الثالثة. بعد أن تكلم عن الأحكام الابتدائية، الآن سيشرع في صفة صلاة الكسوف، ما هي؟ صفتها، فقال: وهي ركعتان. أول معلومة في صفة صلاة الكسوف أنها ركعتان. ما صفة هاتين الركعتين؟ قال: يقرأ في الأولى جهراً، إذاً صلاة الكسوف عندنا جهرية مطلقاً، نهارية مع كسوف الشمس، وليلية مع انخساف القمر، لذلك قال: جهراً، ما فرق بين النهار والليل. فتقول: وهي ركعتان، يقرأ في الأولى جهراً الفاتحة وسورة طويلة، هذا في القيام الأول. ثم بعد أن تقرأ الفاتحة وسورة طويلة، قال: يركع ركوعاً طويلاً، ثم يرفع ويقول: سمع الله لمن حمده، ربنا ولك الحمد، ولا يسجد، بل يعود فيقرأ الفاتحة مرة أخرى وسورة طويلة، لكن تكون أقصر من القيام الأول. فإذا فرغت تركع ركوعاً ثانياً ركوعاً طويلاً، لكنه أقصر من الركوع الأول، وهكذا، فيركع ركوعاً، ثم يرفع، فيقوم قياماً طويلاً، لكنه أقل من القيام الأول. فهنا بعد أن يرفع ويقوم قياماً طويلاً، هنا يسجد؛ بعدها خلاص يسجد. لاحظوا بعد ركوعين وبعد قيامين، خلاص بعد ذلك يسجد. قال: ثم يسجد سجدتين طويلتين، هكذا انتهينا من الركعة الأولى. ثم يقوم ليصلي الثانية كالأولى، تقوم تصلي الركعة الثانية كما فعلت في الركعة الأولى. هذه هي الصفة الأساسية ثم بعد ذلك قال: ثم يتشهد ويسلم. هذه الصفة الأساسية المشهورة التي وردت عن النبي صلى الله عليه وسلم وصحت بها الآثار.
الآن هل يمكن الزيادة عليها أو النقصان منها؟ هذه الصفة الأساسية اللي تعلمناها الآن. هل يمكن الزيادة أو النقصان منها؟ نقول نعم، يمكن الزيادة عليها ويمكن النقصان منها. فبدأ يذكر كيف يمكن أن تزيد على هذه الصفة، فقال: وإن أتى في كل ركعة بثلاث ركوعات أو أربع أو خمس فلا بأس. آه إذاً يمكن أن أزيد، فيمكن بدل من أن أركع ركوعين في الواحدة يمكن أركع خمسة في الركعة الواحدة. نحن الآن الصفة الأساسية أن تركع ركوعين في الركعة الواحدة، أليس كذلك؟ يقول الحنابلة لبعض الآثار التي وردت تستطيع أن تركع ركوعين وتستطيع أن تركع ثلاثاً وتستطيع أن تركع أربعاً وتستطيع أن تركع خمساً، فتتوقف عند الخمس؛ لذلك قال: فإن أتى في كل ركعة بثلاث ركوعات أو أربع أو خمس فلا بأس، لا حرج في ذلك. لكن بدنا نتفق على أنه ما أي ركوع بعد الركوع الأول هو سنة. يعني الركوع الأول هو الركن، وما بعده من الركوعات تعتبر سنة. ماذا ينبني على هذا؟ لو أن شخص أدرك الإمام في الركوع الثاني أو الثالث أو الرابع أو الخامس، هل يعتبر أدرك الركعة؟ لا، هذا فائدة هذه القضية؛ لذلك قال: وما بعد الأول سنة لا تدرك به الركعة. فالركوع الأول هو الركن، الثاني والثالث والرابع والخامس هذا سنة، بالتالي لو أن المأموم دخل مع الإمام في الركوع الثاني أو الثالث أو الرابع أو الخامس لا يعتبر عند الحنابلة قد أدرك الركعة؛ فإذا سلم الإمام على هذا المأموم أن يقوم فيأتي بركعة أخرى.
هذا إذا أردت أن تزيد، إذاً يمكن الزيادة على الصفة الأساسية بثلاث ركوعات أو أربع أو خمس. طيب يمكن أن أنقص؟ قالوا نعم، يقول الشيخ مرعي: ويصح أن يصليها كالنافلة، يعني هل تصح صلاة الكسوف كصلاة النافلة العادية بركوع واحد في كل ركعة؟ نعم، فهذا يدل على أنه يمكن أيضاً النقصان من هذه الصفة، قال: ويصح أن يصليها كالنافلة، يصح أن يصليها كالنافلة، يعني بركوع واحد في الركعة، هذا الذي يقصده ببركوع واحد في الركعة.
الآن هو ختم كلامه عن صلاة الكسوف. المعلومة الأخيرة التي أضيفها لا أطيل عليكم في هذا الباب، إذا وقع الكسوف في وقت نهي هل يصلى؟ عند الحنابلة إذا وقع كسوف الشمس بعد صلاة العصر مثلاً هل يصلى عند الحنابلة؟ طبعاً هذا خلاف بين المذاهب، الحنابلة كما ذكرنا سابقاً قاعدتهم أن الصلوات النفل، سواء كانت ذوات الأسباب أو ليست ذوات أسباب، لا تصلى في أوقات النهي، بالتالي إذا وقع الكسوف في وقت نهي لا يصلى، وإنما يقتصر الناس على الدعاء وذكر الله سبحانه وتعالى. وقد ذكر ذلك عن التابعين رضوان الله تعالى عليهم أن كسفت الشمس بعد العصر فقام عطاء بن أبي رباح وغيره من التابعين فقاموا يدعون الله سبحانه وتعالى ولم يصلوا، فهذا أثر من الآثار التي اعتمد عليها الحنابلة فضلاً عن الآثار الكلية التي بنيت عليها المسألة. طيب لو أن شخص فرغ من صلاة الكسوف وما زال الكسوف موجوداً، هل يصلي ركعتين أخريين؟ أعيد المسألة، شخص صلى ركعتين للكسوف، فلما سلم إذا بالكسوف ما زال موجوداً، هل يشرع له أن يصلي ركعتين أخريين؟ لا، قالوا إذا فرغ من صلاة الكسوف من الركعتين والشمس لم يذهب كسوفها بعد لا يكمل ركعتين أخريين وإنما يقتصر على ماذا؟ على الاستغفار والدعاء وذكر الله سبحانه وتعالى. هذا ما يتعلق بصلاة الكسوف.
نذهب إلى باب صلاة الاستسقاء. طبعاً الاستسقاء واضح من الألف والسين والتاء أنه يدل على الطلب، طلب ماذا؟ طلب السقيا. ويقول الحنابلة إن صلاة الاستسقاء تشرع إذا وقع جدب في الأرض أو قحط في المطر أو غارت مياه الأنهار والينابيع، هنا تشرع صلاة الاستسقاء. وباختصار صلاة الاستسقاء ليست خاصة بطلب المطر من السماء فقط، لا، يمكن أن تصلى كما قلنا إذا غارت مياه الأنهار والينابيع وتضرر أهل القرية بذلك، أو أجدبت الأرض أو قحط المطر، فالمطر إذاً هو أحد أسبابها.
صلاة الاستسقاء كذلك سنة كصلاة الكسوف، تصلى جماعة وتصلى فرادى، لا حرج في ذلك. وقال: ووقتها وصفتها وأحكامها كصلاة العيد. هذه حكم جملي. وقتها نبدأ بها، وقتها يستحب أن تصلى عند ارتفاع الشمس قدر رمح، يعني بعد زوال وقت النهي، عند ارتفاع الشمس قدر رمح، وهذا وقت صلاة العيد ووقت صلاة الضحى، والوقت الذي يشرع فيه أن تصلى الجمعة أيضاً، فهذا وقت مبارك. لاحظوا البركة في هذا الوقت، وهذا شيء يلفت الانتباه، كيف أن الإنسان إذا عرف أن هذا الوقت وقت مبارك للصلوات، بالتالي أنا أحاول أن أنجز في هذه الأوقات من الأعمال الصالحات، وبورك لأمتي في بكورها، حتى العمل، حتى التجارة، حتى كل شيء في هذا الوقت فيه بركة بإذن الله. إذاً هذا الوقت المبارك هو الذي يستحب أن توقع صلاة الاستسقاء فيه، لكن لو صليت في غيره يجوز، يعني ليست كصلاة العيد حتماً هذا وقتها، هذا فرق؛ إنه صلاة الاستسقاء يستحب عند ارتفاع الشمس، لكن لو صليت في أي وقت آخر يجوز، لكن يستحب أن تكون في هذا الوقت. طيب، صفتها، طبعاً بالنسبة لصلاة العصر، يعني حتى الفائدة، لو أنك صليتها، صلاة الاستسقاء، بعد دخول وقت العصر وقبل أن تصلي العصر جائز، انتبهوا على هذه الفكرة، لأنه نحن عرفنا أن وقت النهي يبدأ بعد صلاة العصر، وليس بدخول وقت العصر.
المهم، طيب صفتها؟ قال صفتها أساساً يعني الصفة المستحبة أن تصلى كالعيد؛ يكبر في الأولى ستاً بعد تكبيرة الإحرام، وفي الثانية خمساً، ويقرأ في الأولى ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ [الأعلى: 1] بعد الفاتحة، وفي الثانية ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾ [الغاشية: 1]. هذه الصفة هي المشروعة فيها، لكن لو صليت بركعتين عاديتين، هل هناك إشكال؟ لا إشكال، لو صليت كصلاة النافلة، لا إشكال، لأنه صلاة العيد أصلاً لو صليت كالنافلة لا إشكال، فما بالك بالاستسقاء؟ إذاً بالنسبة لصفاتها كصلاة العيد، أنك تكبر في الأولى ستاً بعد تكبيرة الإحرام، وفي الثانية خمساً، وتقرأ في الأولى سبح، وفي الثانية الغاشية، إلى آخر ذلك. قالوا: وصفتها وأحكامها كصلاة العيد. يعني أحكامها في أن صلاة الاستسقاء تشرع قبل الخطبة، فالاستسقاء يختلف عن الكسوف لأن الاستسقاء له خطبة؛ تمام؟ هذه ركزوا من الفوارق، الاستسقاء هل له خطبة؟ نعم، لكن هي خطبة تكون بعد الصلاة مثل العيد، لذلك قال: وأحكامها كالعيد، يعني مثل منها الخطبة، أن خطبة الاستسقاء تكون بعد الصلاة كما أن العيد كذلك.
خطبة العيد تكون بعد الصلاة، لكن الفرق أن الاستسقاء عندنا يشرع له خطبة واحدة، وأما العيد فكالجمعة يكون له خطبتان. دائمًا يجب أن تعرفوا الفوارق بين هذه الصلوات، الفوارق الدقيقة؛ فتقول: الاستسقاء كالعيد له خطبة، والخطبة بعد الصلاة لكنها خطبة واحدة، وأما العيد فله خطبتان كالجمعة.
هذه الأحكام الأساسية يشترك مع صلاة العيد في هذه الأحكام، لكن لا يشترك مع العيد في اشتراط العدد؛ فلو صلي بـ 20 أو 30 أو 15 لا مشكلة، بخلاف العيد، العيد لا بد من الـ 40 كالجمعة. فالأحكام التي لصحة أن تكون مثلاً في قرية مستوطنين، هذه لا تشرع في الاستسقاء، وإن كانت تشرع في العيد. العبارة هذه شوي موهمة، فقد يتخيل الواحد أن أحكامها كالعيد، أنه لازم من الـ 40 ولازم تكون في قرية، لا لا، هذه لا تشرع؛ فلا تحتاج لا للـ 40، يمكن يصليها 10؛ لأنها أصلاً تصلى فرادى، ولا تحتاج أيضًا إلى أن تكون في قرية، فيمكن قوم في صحراء في بادية بخيام يصلونها لله سبحانه وتعالى. فقضية اشتراط العدد واشتراط الاستيطان وحضور الـ 40 ليست من شروط إقامة صلاة الاستسقاء، وإنما قوله: وقتها وصفتها وأحكامها، يعني في طريقة إقامتها وصلاة طريقتها، وليس في شروط صحتها.
قال: وإذا أراد الإمام، الآن بدأ يتكلم عن صفتها بالتفصيل، إذا أراد الإمام الخروج لها وعظ الناس، يعني إمام المسلمين، وعظ المسلمين وأمرهم بالتوبة وأن يخرجوا من المظالم؛ يعدهم نفسيًا لصلاة الاستسقاء؛ لأنه كثير من الناس يصلي الاستسقاء وقد أكل الحرام وأكل مال أخيه، فأي دعاء يرجى من هذه الأيادي؟ فلذلك يأمرهم بالتوبة والخروج من المظالم. ثم بعد ذلك قال: يتنظف لها، يتنظف لها هو الإمام والمأموم، الكل يتنظف لكن لا يتطيب؛ لأنه موقف تضرع وإظهار المسكنة والافتقار لله سبحانه، وليس موقف التطيب وإظهار الزينة. التنظف مطلوب حتى لا يكون عند الإنسان عرق أو رائحة غير جيدة في اجتماع الناس، لكن لا يتطيب.
ويخرج متواضعًا، لا يخرج الإنسان بأفخم سياراته ولا يخرج بأفخم ثيابه، بل اخرج متواضعًا متخشعًا متذللًا متضرعًا بهذه الهيئة، هذه هيئة الخروج، ويكون معهم أهل الدين والصلاح والشيوخ، ويباح خروج الأطفال؛ لأن هؤلاء الذين نرحم بهم، أما ذنوبنا فنحن نسأل الله أن يغفر لنا وأن يتجاوز عنا، فنحن نسقى بالأطفال والعجائز والبهائم. يباح خروج الأطفال والعجائز والبهائم، ثم ختم فقال: والتوسل بالصالحين.
هذه القضية، قضية التوسل بالصالحين، والإشكالات المعاصرة الدائرة فيها؛ هل المقصود التوسل بالصالحين أي أننا نتوسل بدعاء الصالحين؟ هل هذه العبارة فيها حذف وفيها تجوز، وأن المقصود التوسل بالصالحين أن نطلب من الصالحين الذين يخرجون معنا أن يدعوا الله سبحانه، وهذا جائز باتفاق أهل العلم؟ أم المراد التوسل بالصالحين أي التوسل بذواتهم بأن نقول: اللهم نتوسل إليك بالشيخ الفلاني الصالح أن تسقينا به؟ هذا اسمه توسل بالصالحين وهذا الذي فيه الإشكال العقدي، وأما التوسل بالصالحين بمعنى التوسل بدعائهم أن نجعلهم يدعون الله لنا، فهذا فعله عمر بن الخطاب مع العباس بن عبد المطلب لما قال: «اللهم إنا كنا نتوسل إليك بنبينا فتسقينا، وإنا نتوسل إليك بعم نبينا»، أي بدعائه، فدعا العباس وأمن الصحابة وراءه، فهذا مشروع لا إشكال فيه.
في الحقيقة المتأخرون من الحنابلة على طائفتين، هناك طائفة تذهب إلى أن المراد التوسل بالصالحين التوسل بذواتهم، وأن ترفع الأيادي ويقال: اللهم نتوسل إليك بالشيخ الفلاني ببركة الشيخ الفلاني وبحضوره، وبعض المتأخرين من الحنابلة يقول: لا، المراد بالتوسل بالصالحين التوسل بدعائهم. التوسل بدعائهم هو المشروع، أما التوسل بذواتهم فهذا فيه الإشكال العقدي. فأنا كحنفي متأخر كيف أتناول هذه المسألة؟ الحقيقة أن كثيرًا من الحنابلة المتأخرين يفهمون التوسل بالصالحين أنه التوسل بالذوات، وهم يقصدون التوسل بالذوات.
هل أنا مضطر أن آخذ برأي الحنابلة المتأخرين فيها أم أستطيع أن أرجع إلى ما كان عليه مذهب السلف الصالح؟ في الحقيقة التمذهب ليس كحد السيف، وليس عملية غير واعية دون قراءة للتاريخ وإشكاليات التداخل العقدي المذهبي. وأنا أرى أن مثل هذه المسائل لما تصبح بعض المسائل الفقهية تمس جناب العقيدة، فالأصل أن يرجع إلى ما كان عليه السلف؛ المسائل الفقهية التي لها اشتباك بمسائل العقيدة الأصل أن يرجع فيها إلى مذهب السلف، دعك مما عليه المتأخرون من كل المذاهب، لأنه في النهاية أنت في العقيدة تحرص على ما كان عليه السلف.
الإشكاليات العقدية والخلافات بين الفرق الكلامية والصوفية وأهل الحديث أضفت على بعض المسائل الفقهية وكان لها أجواءها، ومن ينكر ذلك لم يقرأ التاريخ أصلاً. بالتالي هذه المسائل العقدية التي تجدونها في كتب الفقه، أنا أقول لطالب العلم: عليك أن تعود إلى ما تجده عند السلف؛ فما وجدت عليه الصحابة وما وجدت عليه التابعين تمسك به وعض عليه بالنواجذ. والذي أؤمن به أن التوسل يكون بدعاء الصالحين وليس بذواتهم. هل التوسل بذوات الصالحين شرك؟ لا، ليس شركًا؛ فلو قال شخص اللهم وتوجه إليك وتوسل إليك بفلان الفلاني من الأولياء، نقول: هذه بدعة غير مشروعة لكنها ليست شركًا. وأما التوسل بغير النبي صلى الله عليه وسلم فالذي نميل إليه أنها بدعة وإن قال بذلك بعض الأفاضل من الصالحين والأخيار والعلماء، لكننا لا نختار هذا الرأي ولا نجده كان على عهد الصحابة ولا التابعين، وهم الذين يقتدى بهم خاصة في مسائل الاعتقاد الدقيقة الحساسة، فالإنسان يطلب السلامة لنفسه ولدينه.
يخرج معه الصالحون والأطفال والعجائز والبهائم، ثم يصلي، تسن في الصحراء وليس في المساجد مثل العيد؛ فيجتمع الناس ثم يصلي الإمام بهم ركعتين كصلاة العيدين، ستة في الأولى وخمس في الأخرى، ويقرأ في الأولى سبح وفي الثانية الغاشية. بعد أن ينتهي يخطب خطبة واحدة، يفتتحها كصلاة العيد بالتكبير تسع تكبيرات، ويكثر فيها الاستغفار وقراءة الآيات التي فيها الأمر بذلك، مثل قوله تعالى: ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا﴾ [نوح: 10]، وقوله تعالى: ﴿وَاسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُم مَّتَاعًا حَسَنًا إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ﴾ [هود: 3]، ﴿وَاسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُم مَّتَاعًا حَسَنًا﴾ [هود: 3]. لما ذكر هذا هود لقومه، فالاستغفار يزيد القوة وهو سبب في استجلاب القطر من السماء.
ويرفع الإمام يديه، وهذه من الفروق بين صلاة الاستسقاء وبين الجمعة والعيدين؛ ففي صلاة الاستسقاء يشرع للخطيب أن يرفع يديه، أما في الجمعة والعيد فلا يشرع للخطيب أن يرفع يديه بالدعاء. ويرفعهما وظهورهما نحو السماء؛ يقول العلماء: إذا كان الدعاء لرفع البلاء يسن أن تكون الأيدي ظهورها نحو السماء، وإذا كان الدعاء لاستجلاب رحمة أو نفع يسن أن تكون البطون نحو السماء. فيدعو بدعاء النبي صلى الله عليه وسلم، اللهم سقيا رحمة لا سقيا عذاب ولا بلاء ولا هدم ولا غرق، اللهم أثبت لنا به الزرع وأدر لنا به الضرع واسقنا من بركات السماء وأنزل علينا من بركاتك، اللهم ارفع عنا الجوع والجهد والعراء واكشف عنا من البلاء ما لا يكشفه غيرك، إلى آخر ما ورد في الآثار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويؤمن المأموم.
ثم يتحول الإمام باتجاه القبلة، فيقول الإمام سرًا: اللهم إنك أمرتنا بدعائك ووعدتنا إجابتك، وقد دعوناك كما أمرتنا فاستجب لنا كما وعدتنا. ثم يحول الإمام رداءه ويتبعه المأمومون، فيجعل الأيمن على الأيسر والأيسر على الأيمن، تقلب الرداء بالكلية؛ رجاء انقلاب الحال من الشدة والضنك إلى اليسر والرخاء، والناس يتبعون الإمام في هذا الفعل. ويتركونه حتى ينزعوه مع ثيابهم، فيبقى الإنسان على هذه الهيئة في قلب الرداء إلى أن يعود إلى بيته وينزع ثيابه.
فإن سقوا الحمد لله، وإن لم يسقوا عادوا ثانيًا وثالثًا إلى أن يمن الله سبحانه وتعالى بفضله وجوده وكرمه. ويسن الوقوف في أول المطر كما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم، والوضوء والاغتسال منه، النبي عليه الصلاة والسلام لما نزل المطر نزل وحسر عن ثيابه وقال: «إنه حديث عهد بربه»، أي أنه أتى من السماء والله سبحانه وتعالى فوق السماء، فيستحب أن تقف في المطر أول نزوله وأن يصيب هذا المطر بدنك وأن تغتسل منه إن استطعت.
وثيابه، أي ليس أنت فقط الذي يصيبك المطر، بل يستحب أيضًا أن تأتي برحلك بثيابك بأطفالك بنسائك، وتجعل الكل يصيب من هذا المطر رجاء بركته وقرب عهده بالسماء. ثم قال: وإن كثر المطر حتى خيف منه. يعني إذا المطر زاد زيادة يخشى منها سيول وفيضانات، ماذا تفعل؟ وإن كثر المطر حتى خيف منه، لا توجد صلاة هنا وإنما قال يسن قول: اللهم حوالينا ولا علينا، كما حدث مع النبي صلى الله عليه وسلم عندما كان على المنبر، فدخل الرجل في الجمعة الثانية فقال: يا رسول الله إن المطر كاد أن يغرقنا. ورفع النبي صلى الله عليه وسلم يديه وقال: «اللهم حوالينا ولا علينا، اللهم على الأكام والظراب» يعني على التلال وليس على المدن والقرى. «اللهم على الأكام والظراب وبطون الأودية ومنابت الشجر. ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به». ويكمل الآية إلى آخرها ﴿وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنتَ مَوْلَانَا فَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: 286].
ويسن أن يقول إذا مطر الإنسان يقول: مطرنا بفضل الله ورحمته. ويحرم أن يقول: مطرنا بنوء كذا، وهذا جاء عنه النهي. في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم لما أصبح من ليلة مطيرة فقال عليه الصلاة والسلام: «قال الله عز وجل: أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر، فأما من قال مطرنا بفضل الله ورحمته فهذا مؤمن بي كافر بالكوكب، وأما من قال مطرنا بنوء كذا وكذا فهذا كافر بي مؤمن بالكوكب». فهذه اللفظة منهي عنها بنص حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، تقول: مطرنا بنوء كذا، لأنها من آثار الجاهلية. لأنه فيها نسبة المطر وإنزال المطر ليس إلى الله وإنما إلى الأنواء، وهذه من عادات الجاهلية؛ أنهم لم يكونوا ينسبون المطر إلى الله وأنه بفضل الله ورحمته، بل يقول: مطرنا والله النوء الفلاني هو الذي جلب لنا المطر. وفي الحقيقة الله عز وجل هو الذي أتى بالمطر من عنده.
وأما إذا قال: مطرنا في نوء كذا، فهذا لا حرج فيه لأنه ليس نسبة المطر إلى سبب غير الله، وإنما هو بيان المكان أو الجهة التي جاء منها المطر، أنها في النوء هذا، وليس من النوء هذا. يعني كيف تقول: مطرنا من هذه الجهة وليس من هذه الجهة؛ هذا شيء علمي، أنك مطرت من الجهة الشرقية، أو من رياح شمالية غربية، أو من رياح استوائية. فإذا قال: مطرنا في نوء كذا، أو من الجهة الفلانية، أو جاء الغيم من منطقة استوائية، هذا لا حرج فيه لأن هذا بيان للمناخ، فهذا يباح. لكن الإشكال أن تقول: مطرنا بنوء كذا، يعني مطرنا بهذا الأمر.
طبعًا ممكن البعض يقول: أنا يا شيخ لما نقول: مطرنا بهذا الأمر، نحن لا نقصد أنها هي الفاعلة بنفسها، والله عز وجل هو الفاعل، وإنما هو من باب إضافة الشيء إلى سببه. نقول أحيانًا في الشريعة بعض الأمور تسد فيها الذرائع. يعني أنا أعلم أن كثيرًا من الناس لما يقول: مطرنا بنوء كذا، هو لا يقصد أن يجحد قدرة الله، وأن الله هو الذي جعل هذا الأمر سببًا. لكن أحيانًا لما تكون بعض الألفاظ جاء النهي عنها بعينها، هنا نمنعها بالكلية، وإن كان البعض لا يقصد بها معنى فاسدًا، من باب سد الذريعة؛ لئلا يسمعك ابنك وأنت تقول شيئًا كهذا، فأنت قصدك صحيح، لكن ابنك لا يعرف قصدك، فهنا ينتشر الفهم الخاطئ أو التصور الخاطئ لأبنائك وللأجيال اللاحقة. فنحسم مادة هذا الباب بالكلية، ونقول: انتقِ ألفاظك وإن كنت تقصد معنى صحيحًا، انتقِ الألفاظ حرصًا على معالم العقيدة؛ إنها مسألة عقدية. فيجب أن تغرس في نفوس الأطفال، وفي نفوس الأجيال، أن الذي يمطر، والذي يعطي، والذي ينفع، والذي يضر، هو الله سبحانه وتعالى. فلذلك بقي الحنابلة على تحريم اللفظة وإن قصد صاحبها معنى صحيحًا، سدًا لذريعة وحماية لجناب العقيدة. وإنما تقول: في نوء كذا أو في الرياح الكذا، فهذا هو الصحيح والمشروع. وهذا نهاية باب صلاة الاستسقاء، وننتقل إن شاء الله إلى باب صلاة الجنازة.
نشرع الآن أحبائي في كتاب الجنائز، وهذا الكتاب يذكر بعد كتاب الصلاة عادة في كتب الحنابلة. وهو يتعلق بالصلاة على الموتى، وهي صلاة معلومة لديكم. لكن هم لم يقولوا كتاب صلاة الجنائز، بل قالوا: كتاب الجنائز، لأنهم في الحقيقة حتى تعلموا لماذا فصلوا هذا الباب عن كتاب الصلاة. واحد يسأل لماذا اعتبروه كتابًا مستقلاً عن كتاب الصلاة؟ لأنهم في الحقيقة في هذا الباب لا يقتصرون على ذكر الصلاة فقط، وإنما على كل الأحكام المتعلقة بالميت؛ بداية من إذا نزل به الموت كيف نتصرف معه، ثم أحكام الغسل وأحكام التكفين، وأحكام الحمل، وأحكام الصلاة، وأحكام الدفن. لاحظوا، هم لا يتكلمون فقط عن الصلاة عليه في هذا الكتاب، وإنما يتكلمون ماذا يفعل به إذا نزل به الموت، إذا مات كيف يغسل، كيف يكفن، كيف يحمل، كيف يصلى عليه، كيف يدفن. فلذلك جعلوه كتابًا مستقلاً، لأنه لا يتكلم فقط عن الصلاة، وإن كانت الصلاة من أبرز ومن أهم الأمور التي تتعلق بالموتى، لكن ليست هي الأحكام الوحيدة المتعلقة بهم.
دعونا الآن نتعرف الأحكام التي تتعلق بالموتى عمومًا، كيف يتعامل معهم من البداية إلى النهاية. فابتدأ بذكر بعض الأحكام العامة التي يحسن للإنسان المسلم أن يكون عالمًا بها، فقال: يسن الاستعداد للموت. وكيف يستعد للموت أحبائي؟ بالتوبة إلى الله سبحانه وتعالى وتجديد التوبة بشكل مستمر والاستغفار، والخروج من مظالم العباد، والاستسماح منهم ورد الحقوق إليهم؛ هذا كله من صور الاستعداد للموت. قال: إذًا يسن الاستعداد للموت، أيضًا والإكثار من ذكره. يسن أن يكثر الإنسان من ذكر الموت كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «أكثروا ذكر هادم اللذات» كما رواه النسائي والترمذي. إذًا والإكثار من ذكره، كما كان حال النبي صلى الله عليه وسلم وحال السلف الصالح. عندما نتذكر الموت أحبائي، فإن ذكره يهدم كل لذة وكل شهوة، ويبعث القلب على الانقطاع لله سبحانه وتعالى والافتقار إليه والتجرد بين يديه، ويجعل الإنسان يتقلل من هذه الحياة الدنيا ويقل انكبابه عليها.
ثم قال: ويكره الأنين. يعني إذا توجع الإنسان، هذه مسألة أخرى؛ إذا نزل بك ألم أو وجع فالأنين مكروه، اللهم إلا كما قلنا إذا خرج من دونه، يعني إذا خرج الأمر على طاقة الإنسان. فالكلام عن الأنين بإرادتك وقدرتك واستطاعتك مكروه؛ يعني إذا استطعت أن تتركه وتفعله فهو مكروه، لكن إذا شيء خارج طاقة الإنسان، كأن يضع الطبيب إبرة فيصرخ من الألم خارجًا عن طاقته، فهنا لا يكلف الله نفسًا إلا وسعها. الإنسان لا يحرج على الناس؛ بعض الطلاب قالوا يكره الأنين، فبكرة يذهب أحدكم إلى مريض يتوجع وجعًا شديدًا خارجًا عن طاقته، ربما يبكي أو يصرخ، فيبدأ يذكر له مثلاً أنه يكره الأنين، لماذا؟ إخواني الموضوع يحتاج إلى حكمة في إنزال الفتوى، الكلام عن شخص وجعه متحمل ويئن فضولًا، فحينئذٍ تقول يكره الأنين. أما إذا شعرت أن الرجل ألمه شديد جدًا جدًا وأن من شدة الألم، فالأصل أن لا تذكر هذه الأحكام له؛ ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: 286].
إذًا يكره الأنين ويكره أيضًا تمني الموت إلا لخوف فتنة. هل يشرع تمني الموت؟ يكره، قال صلى الله عليه وسلم: «لا يتمنين أحدكم الموت لضر نزل به، فإن كان لابد متمنيًا فليقل: اللهم أحيني ما كانت الحياة خيرًا لي، وتوفني ما كانت الوفاة خيرًا لي»، إلا اللهم لخوف الفتنة، إذا أنت خفت الفتنة على دينك، فقلت كما قال صلى الله عليه وسلم: «اللهم إذا أردت بعبادك فتنة فاقبضني إليك غير مفتون»، فهذا مشروع. فإذا تمنى الإنسان الموت خوفًا للفتنة على دينه هذا مشروع، وما سوى ذلك فإنه مكروه.
ثم بدأ يتكلم عن حكم عيادة المريض فقال: وتسن عيادة المريض المسلم. إذًا مذهب الحنابلة أن عيادة المريض المسلم مسنونة، قضية كلمة المسلم في الحقيقة هذه يخرج بها من؟ الكافر سواء كان ذميًا أو غير ذمي. فالمذهب المعتمد عند الحنابلة أنه تحرم عيادة الذمي. ولكن هناك رواية أخرى في المذهب تقول بمشروعية عيادة الذمي، وهي رواية قوية وأظن لها من الأدلة ما يقويها ويؤيدها، ونصرها أبو العباس ابن تيمية وطائفة لها ما يؤيدها من فعل النبي صلى الله عليه وسلم. لكن الحنابلة في المعتمد عندهم في المذهب قالوا لا يعاد الذمي وتحرم عيادته. أيضًا هناك نوع تحرم عيادته لم يذكره الشيخ مرعي، وهو من يجب هجرانه من أهل البدع، فهؤلاء كالروافض ومن شابههم من أصحاب البدع المغلظة؛ هؤلاء أيضًا لا يزارون لأنه قال يجب هجره، بالتالي لا تجوز عيادته أو تحرم.
إذا قوله: تسن عيادة المريض المسلم، نقول خرج بهذا عيادة الذمي فإن الذمي لا يعاد، وكذلك أضيف على ذلك أنه تحرم عيادة من يجب هجرانه من أهل البدع سواء كان داعية إلى بدعته أو غير داعية. فالمسنونية إذا هي عيادة المريض المسلم الذي ليس ذميًا وليس ممن يجب هجرانه من أهل البدع. وطبعًا زاد بعض الحنابلة فيمن يسن هجرانه؛ هناك من يجب هجرانه كأصحاب البدع، وهناك من يسن هجرانه كالمجاهر بالمعاصي، أيضًا هؤلاء لا تشرع عيادتهم في المذهب.
إذا تسن عيادة المريض المسلم، وعرفنا من خرج من هذه المسنونية. فإذا عدت هذا المريض المسلم قال: وتلقينه عند موته. يعني إذا هذا المريض الذي أنا عدته نزل به الموت، قوله: وتلقينه عند موته، أكتبوا عند نزول الموت به؛ أي عند ظهور أمارات الموت عليه، أنه الرجل واضح أنه بيحتضر باختصار. فتلقينه عند نزول موته، عند ظهور الاحتضار عليه، أن تلقنه لا إله إلا الله مرة. ولا يكون هذا التلقين بأن تقول له: قل لا إله إلا الله، لا، ليس كذلك، وإنما أن يذكر لا إله إلا الله بحضرته مرة.
فإن زاد على المرة مشروع للثلاث، وهذا لم يذكره، وعدم ذكره سبب خلل في العبارة، لأنه قال بعد ذلك: ولم يزد عن المرة، لكن ليس هذا هو المذهب، وليس هو أصلًا قصد الشيخ مرعي. اختصار الشيخ مرعي من المنتهى أحيانًا بعض الاختصارات يكون فيها شيء من الخلل أو عدم اكتمال المعنى، لذلك حتى الشيخ ابن عبود هنا لما شرح قال: ولم يزد على الثلاث، وهذا صحيح، هذا هو المذهب. لكن العبارة للأسف لم تساعد، كان فيها نقص، هو الأصل قال: وتلقينه عند موته لا إله إلا الله مرة، ولا يزيد على الثلاث إلا أن يتكلم. كان الأصل أن ينص على هذا حتى لا تدخل عليه هذه المداخل، إذا قوله: ولم يزد، اكتبوا لي: لم يزد على الثلاث، فما هو من المرة للثلاث، وبعد الثلاث تتوقف، ما تحكيها أكثر من هيك؛ لأنه هذه لحظات صعبة، قال فيخشى إذا كثرت أن تنفر الميت ويقول ما لا ينبغي أن يقوله. فالأصل برفق وبلين: لا إله إلا الله، لا إله إلا الله، لا إله إلا الله، وتسكت، بالكثير ثلاثة، إلا قال: ولم يزد على الثلاث إلا أن يتكلم، يعني إذا المريض تكلم بأمر الدنيا بعد الثلاث مرات التي أنا حكيتها، المريض صار يقول: أين الأولاد، وجيبوا لي إياهم، وبدي أكتب، وماذا صار في الأرصدة، وأعطوني الدواء، إذا تكلم المريض بأمر الدنيا أو الذي نزل به الموت إذا تكلم بأمر الدنيا.
أعيد مرة أخرى الكرة، فالزيادة على الثلاث غير مشروعة إلا أن يتكلم المريض الذي نزل به الموت بأمر الدنيا فيعاد التلقين. لماذا؟ قالوا: حرصاً على أن يكون آخر كلامه من الدنيا لا إله إلا الله، فهذا المريض الذي نزل به الموت إن كان يتكلم بأمر الدنيا، فنعيد عليه مرة أخرى حتى يتكلم بلا إله إلا الله، أو نحرص قدر استطاعتنا أنه يتكلم بلا إله إلا الله آخر شيء في دنياه قبل أن يخرج منها. إذاً: لم يزد على الثلاث إلا أن يتكلم المريض الذي نزل به الموت بأمر، فيشرع أن يعيدها مرة أخرى حتى نحرص أن يكون آخر كلام هذا المريض من الدنيا لا إله إلا الله.
ومما يسن أيضاً تلقينه لا إله إلا الله، كما يسن قراءة الفاتحة وياسين عنده، وقد نص الإمام أحمد بن حنبل على قراءة الفاتحة عنده، وأما قراءة ياسين فقد ورد فيها حديث: «اقرأوا على موتاكم يس». وكلمة موتاكم بالاشتراك تطلق على من نزل به الموت وعلى من هو في القبر، فهي تطلق بالاشتراك اللفظي على من نزل به الموت وعلى من هو في القبر، وبالتالي تشرع قراءة ياسين عند نزول الموت وعند الدفن. هذا رأي الحنابلة، نعم الحديث ضعيف لكن الحنابلة يأخذون بالحديث الضعيف في فضائل الأعمال، فلا يُبدع في هذا، يعني لو شخص قرأ ياسين عند رأس ميت، للأسف بعض الناس يقول: أنت بدعة، والحديث أخي فيها حديث ضعيف صح، لكن الحديث الضعيف يؤخذ به في فضائل الأعمال عند السادة الحنابلة وعند كثير من أهل العلم، بالتالي من قرأ عند الميت ياسين أو عند من نزل به الموت ياسين فهذا مشروع له. أنت لم تأخذ المشروعية، هذا رأيك ونحترم هذا الرأي، لكن ليس لك أن تُبدع فيما فيه مجال للاجتهاد وسعة في الآراء.
قراءة الفاتحة وياسين وهو نزل به الموت وهو يحتضر، تقرأ الفاتحة وياسين عنده. ثم قال وتوجيهه إلى القبلة على جنبه الأيمن، يعني هذا لساته كلياته بيحتضر، وتوجهه إلى القبلة حرصاً على أن تخرج روحه وهو إلى القبلة، فتحاول أن توجهه إلى القبلة وعلى جنبه الأيمن قدر المستطاع، يعني على القبلة وحاول أن يكون على جنبه الأيمن مش الأيسر وهو باتجاه القبلة مع سعة المكان إذا كان المكان فيه سعة، طيب ما استطعت، فعل على ظهره، خليه مستلقي على ظهره. هذا كله إذاً قبل أن يموت.
الآن لاحظ ماذا قال: فإذا مات، بدأ يتكلم عن الأحكام إذا مات، قال: فإذا مات ماذا تفعل؟ قال: سنة تغميض عينيه، سنة تغميض العينين لأن الميت كما جاء في الحديث يتبع بصره روحه، لما ينظر الملائكة وهي تأخذ الروح، البصر يتبع الروح، فلذلك ترى الموتى عادة البصر يكون مرتفعاً إلى الأعلى باتجاه الروح، فتغمض العينين. ونضيف على ذلك شيئاً لم يذكره هنا: شد لحييه، خاصةً إذا كان الفك مفتوحاً، أنك تشد لحييه، هذا شيء لم يذكره لكن ذكر في الكتب الأخرى من الحنابلة، يشد لحييه حتى يمنع انفتاح الفك، وكذلك تليين المفاصل، لأنه بيكون أثناء النزع الأعصاب والأيدي مشدودة والأقدام مشدودة، فيقوم بتليينها هكذا على الأيدي وعلى الأقدام، نسأل الله حسن الختام. وتليين المفاصل وأيضاً يسن أن تضع على بطنه شيئاً ثقيلاً حتى لا ينتفخ، يسن وضع شيء ثقيل، قالوا كحديدة أو ما شابه ذلك حتى لا ينتفخ بطنه، هذه كلها لم يذكرها لكن نضيفها.
وقوله بسم الله وعلى وفاة رسول الله، طبعاً هذه لم يثبت بها حديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإنما هم قاسوه على الحديث الوارد في إدخال الميت القبر، إذا أدخل الميت القبر هناك حديث أنه يقال: بسم الله وعلى ملة رسول الله، فقاسوا هذه على هذه فقالوا: وإذا مات نقول بسم الله وعلى وفاة رسول الله، ففيها نوع من القياس ولا أعلم فيها حديثاً ثابتاً عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. إذاً نقول بسم الله وعلى وفاة رسول الله. إذاً هي سنة تغميض عينيه وشد لحييه وتليين مفاصله ووضع شيء ثقيل على بطنه لئلا ينتفخ، وتقول عند موته بسم الله وعلى وفاة رسول الله.
قال: ولا بأس بتقبيله والنظر إليه ولو بعد تكفينه. لا بأس أن يدخل عليه أقاربه مثلاً أو أحبابه يقبلونه وينظرون إليه حتى ولو بعد التكفين، يعني حتى لو وصلنا لمرحلة التكفين وانتهينا يجوز الكشف عن وجه، بعض الناس يظن أنه إذا كفن ما بيصير تفتح، لا لا، ولو بعد تكفينه يجوز أن تكشف عن الوجه، تقبل، تنظر إليه، وهذا شيء مرغوب لأقاربه ولأحبابه.
فصل: الآن سيتكلم عن الأحكام، الآن بعد هذه المراحل، ما المرحلة التي ستأتي؟ مرحلة التغسيل أليس كذلك؟ فبدأ يتكلم عن تغسيل الميت، وأحبابي الميت يتعلق به ابتداء أربعة أشياء: تغسيل وتكفين والصلاة والدفن، تمام؟ وهذه الأمور الأربعة كلها حكمها فرض كفاية، إذا قام بها من يكفي سقط الإثم عن الباقين، فإذا غسل الميت وتكفينه والصلاة عليه ودفنه هذه كلها فرض كفاية. ثم قال: وغسل الميت فرض كفاية، وسنأتي إلى من يستثنى، يعني سيذكر من يستثنى من الغسل شهيد المعركة ومن قتل ظلماً، سيستثنيه في وقت لاحق، لكن الأصل في تغسيل الموتى أنه فرض كفاية.
الآن سيذكر الشروط قال: ويشترط في الماء الذي يغسل به الميت أن يكون طهوراً، فلا يغسل الميت لا بماء طاهر، وأن يكون الماء أيضاً مباحاً، فهو نوع من أنواع رفع الحدث، ورفع الحدث لا يصح بالماء المحرم، فإذاً لا بد أن يكون طهوراً وأن يكون مباحاً، فلا يكون محرماً لا لحق الله ولا لحق مخلوق. وأما في الغاسل فشروط الغاسل أن يكون مسلماً، لكن هنا تعلموا يقول الحنابلة يصح أن يغسله الكافر بتوكيل المسلم، يعني إذا وكل المسلم كافراً في تغسيل الميت المسلم لا حرج، لكن يشترط في الموكل المسلم أن ينوي، فالنية تكون عند من؟ لأن هذا غسل الميت النية عند من؟ أكيد مش عند الميت، النية عند الغاسل، طب الكافر لا تصح نيته، مش هيك صحيح المذهب؟ لا بد أن تكون النية من مسلم، فاستثنوا وقالوا يجوز أن يكون الكافر هو المغسل بتوكيل المسلم له بشرط أن هذا المسلم الموكل ينوي، فتكون النية من الموكل المسلم، جيد؟ فهمنا الاستثناء؟ إذاً يصح أن يغسله الكافر إذا أنابه المسلم وكان المسلم قد نوى التغسيل فالكافر يصير كأنه آلة، كأنه مجرد آلة في التغسيل.
إذاً في الغاسل لا بد أن يكون مسلماً وعرفنا الاستثناء، وأن يكون عاقلاً، وأن يكون مميزاً، بالتالي لا يشترط البلوغ، لكن يكره أن يغسله المميز هكذا يقولون، لأنه في خلاف في المسألة مراعاة للخلاف، قالوا يكره أن يغسله المميز لكنه يجزئ، فلا بد إذاً الإسلام والعقل والتمييز. قالوا والأفضل أن يغسله الثقة، إنسان ثقة عارف بأحكام الغسل، الثقة في دينه، الأمين الذي لا يكشف العورات، مش يطلع يحكي بعد الغسل والله شفت وجهه هيك وشفت وجهه هيك، لا ما بينفع. إذا في خير احكي، ما في خير تسكت، وتكل أمره إلى الله سبحانه وتعالى، لذلك الأفضل أن يكون ثقة أميناً عارفاً بأحكام الغسل.
والأولى؟ طب من الأولى بالتغسيل؟ الأولى إخواني أن يغسل الذكر، نبدأ في الذكر، الأولى أن يغسله وصيه العدل، إذا أوصى هو أنه يغسلني فلان، فلان هو الذي يغسله إذا كان عدلاً، إذاً إذا كان الشخص أوصى لشخص معين أنه هو الذي يغسله وبعدين مات، فالأولى بتغسيله الوصي مهما كان، فوصيه العدل هو الأولى. طيب إن لم يكن هناك وصي ما أوصى لشخص معين، فيذهب الحق لمين؟ قالوا للأب وإن علا، الأب والجد، فإن لم يكن ما في أب وجد ميتين، مين؟ قالوا الابن ولو نزل، ثم بعد ذلك على ترتيب العصبات التي أخذناها في الفرائض: الأخ الشقيق، الأخ لأب، ابن الأخ الشقيق، ابن الأخ لأب، الأعمام، ثم أبناء الأعمام على نفس الترتيب الذي أخذتموه في الفرائض في العصبات، الأخوة ثم أبناء الأخوة ثم العمومة وأبناء العمومة تمام، فكل شخص يقدم في الميراث يقدم في التغسيل، إلا البداية يعني تلاحظوا أنه قدم الأب والجد على الابن، فهنا لم نسير على قواعد الميراث ابتداء، قلنا الأب وإن علا، بعدين الابن وإن نزل، لكن في الميراث العكس صح، البنوة عندنا مقدمة على الأبوة، لكن في التغسيل العكس، الأبوة مقدمة على البنوة، بعد البنوة نرجع على قواعد الميراث أن الأخوة الأشقاء، الأخوة لأب، أبناء الأخوة الأشقاء، أبناء الأخوة لأب ثم الأعمام ثم أبناء الأعمام على نفس ترتيب العصبات. طيب فإن لم يوجد عصبات، ننتقل لذوي الأرحام، نفس الميراث، فإن لم يكن قالوا فأصدقاؤه، فإن لم يكن أصدقاء فأجانب، طيب ما في أجانب ناس عنه، أجانب ثم زوجته، فزوجته لاحظ ترتيبها متأخر صح، ترتيبها متأخر.
وإذا شرع في غسله بعد أن تكلمنا عن من الأولى بتغسيل الميت، طبعاً إذا كانت امرأة المتوفاة قالوا وصيتها العدل، فإن لم يكن فأمها وإن علت، تمام؟ فإن لم يكن فابنتها وإن نزلت، ثم على العصبات من النساء تمام، فإن لم يكن فذوي الأرحام من نسائها، فإن لم يكن فالأجنبية عنها، فإن لم يكن فزوجها. هذا ترتيب الأحقية، هذا يسمونه ترتيب الأحقية في الغسل، يعني إذا وقع خلاف بين شخص وشخص قال أنا بدي أغسله، أنا بدي أغسله، بنشوف إيش مرتبته في هذا السلم الهرمي، هذه فائدة الأحقية.
وإذا شرع في غسله، الآن سيتكلم عن أحكام الغسل، تستر عورته وجوباً، يجب أن تستر العورة، كل بحسب عورته كما تعلمنا سابقاً، من ابن سبع إلى عشر، اللي عورته من السرة إلى الركبة، تستر ما بين السرة والركبة. إذا كانت امرأة عورتها بالنسبة للنساء طبعاً لأنه الذي يغسلها نساء، عورتها بالنسبة للنساء يجب أن تستر. إذاً تستر عورته وجوباً وكل بحسب عورته، أما إذا كان من دون سبع فمن دون سبع ليس له عورة، فيجوز أن تكشف العورة، لأنه قال: وستر عورته وجوباً، يعني واجب تستر العورة. طيب اللي ما لهش عورة زي مين؟ نقول الذي ليس له عورة هو من دون سبع، أليس كذلك؟ هذا لا حكم لعورته فلا يجب ستره لأنه لا يوجد عورة أصلاً له، لا يوجد له عورة، إذاً ستر عورته وجوباً قال هذا لمن له عورة.
إذاً يجب ستر عورته، واكتبوا ويسن تجريد باقي البدن، إذاً يجب أن تستر عورته إذا كان له عورة، وأما باقي البدن بالعكس يسن تجريده، يسن كشفه وتجريده حتى يكون الغسل متقناً، قال: ثم يلف على يده خرقة، يأتي الغاسل يلف على يده خرقة فيبدأ بتنجيته القبل والدبر ينظفهما من خلال هذه الخرقة، لأنه ينجيه بها. طبعاً المنتهى اقتصر على خرقة واحدة للمخرجين، وفي الإقناع لا، الإقناع قال: خرقة للقبل وخرقة للدبر، تمام؟ في المنتهى خرقة واحدة للقبل والدبر، في الإقناع فصل، خرقة للقبل وخرقة أخرى تكون للدبر.
ثم قال: ويجب غسل ما به من نجاسة، سواء في القبل والدبر وعموم جسده، إذا كان هناك نجاسة يجب أن يتم إزالتها، فيجب غسل ما به أي ما في القبل والدبر من نجاسات، وكذلك النجاسة عموماً إذا كانت على بدنه يجب أن تزال. قال: ويحرم مس عورة من بلغ سبع سنين، فهذه الخرقة حكمها واجب إذا كان الميت سبع سنوات فصاعداً، لأنه القبل والدبر من الجميع عورة، صح؟ وإنما هو ليس بعورة ممن دون السبع، فمن كان سبعاً فصاعداً هذا لا يجوز مباشرة العورة باليد، لا يجوز مباشرة غسل عورته باليد، لا بد يكون بخرقة تمام، وأما من دون السبع فالأكمل والأفضل أن يكون هناك خرقة، لكن لو باشر مس العورة لا حرج لأنه لا عورة له أصلاً. إذاً يحرم مس عورة من بلغ سبع سنين، وسن ألا يمس سائر بدنه إلا بخرقة. إذاً أولاً نقول العورة يجب لها خرقة، وأما باقي البدن الذي ليس بعورة، باقي البدن لاحظ لما نقول عورة، العورة ليست القبل والدبر فقط، يعني إذا كنت تغسل رجل، الرجل عورته ليست القبل والدبر فقط، لا، العورة تشمل الفخذ، تشمل ما تحت السرة، لذلك قال ويحرم مس العورة، ما سوى العورة يسن أن يكون على يدك خرقة وأنت تغسله لكن لو ما كانت ما في مشكلة، فإذاً منطقة العورة هذه يجب لها الخرقة، ما سوى منطقة العورة يسن لها الخرقة، ممتاز؟ لذلك قال: وسنة ألا يمس سائر بدنه إلا بخرقة. بالتالي على المنتهى يحتاج إلى تحضير كم خرقة؟ تحتاج خرقتين، خرقة للعورة وخرقة لسائر البدن. على الإقناع تحتاج ثلاث خرق: خرقة للقبل وخرقة للدبر وخرقة لسائر البدن. جيد. قال وللرجل، لاحظ الآن.
بخصوص قضية تغسيل الرجل زوجته، فللرجل أن يغسل زوجته، لكن عرفنا أن هذا الحق متأخر. فالمرأة يغسلها الوصي العدل، ثم أمها وإن علت، ثم بنتها وإن نزلت، ثم أقاربها، ثم الأجنبيات، ثم آخر شيء يأتي حق الزوج. فحق الزوج في تغسيل المرأة ليس متقدماً كما يتوهم البعض، بل حقه متأخر. وللرجل أن يغسل زوجته وأمته، والأمة هنا ليست موجودة، لكن حكم ينبغي أن يعلم أن سيد الأمة له أن يغسلها.
ويجوز للرجل الذكر أن يغسل بنتاً أجنبية إذا كانت دون سبع؛ لأنه لا حكم لعورتها. فللرجل أن يغسل من الإناث فقط: زوجته، وأمته، وبنت دون سبع. وللمرأة غسل زوجها، وسيدها، وابن دون سبع. بالتالي، المرأة ليس لها أن تغسل من الذكور محارمها؛ لأنه قال فقط الزوج، والسيد، وابن دون سبع. أما محارمها فلا يدخلون، وتعتبر بالنسبة معهم كالأجنبية في التغسيل.
ثم قال: وحكم غسل الميت فيما يجب ويسن كغسل الجنابة. ما الذي يجب في غسل الجنابة؟ أليس يجب تعميم سائر البدن، وإيصال الماء إلى أصول الشعر؟ هذا هو الواجب في غسل الميت، ويسن ما يسن في غسل الجنابة من الدلك والتنظيف. الأشياء التي كانت مسنونة في غسل الجنابة مسنونة في غسل الميت، والأشياء الواجبة في غسل الجنابة واجبة في غسل الميت، إلا أنه لا يدخل الماء في فمه وأنفه. في غسل الجنابة يجب المضمضة والاستنشاق، أما في غسل الميت فلا، بل الغاسل يضع خرقة مبلولة، فيمسح بها أسنانه ومنخريه.
ويكره الاقتصار في غسله على مرة، لا بد أن تكثر وتكون وتراً؛ ثلاثة، أو خمساً، أو سبعاً، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم لابنته تغسل: «اغسلنها ثلاثاً أو خمساً أو سبعاً، أو أكثر من ذلك إن رأيتن ذلك». ويكره الاقتصار في غسلها على مرة إن لم يخرج منه شيء، فإن خرج شيء فيحرم الاقتصار على الواحدة ولا بد من الزيادة، فإن خرج وجب إعادة الغسل. إن غسلنا المرة الأولى وخرج، غسلنا الثانية وخرج، غسلنا الثالثة وما زال يخرج، قالوا: يبقى يعيد إلى السبع، فإن خرج بعدها شيء من القبل أو الدبر، حشي قبله أو دبره بقطن، فإن لم يستمسك أتى بطين حر خالص وضعه في المحل حتى نمنع خروج أي شيء منه، ثم يغسل محل خروج النجاسة، وتوضئه وجوباً، وهكذا نقف عند هذا الحد ولا حاجة لإعادة الغسل بعد السابعة.
وإن خرج بعد تكفينه شيء، لم يعد الوضوء ولا الغسل؛ فما يكلف الله نفساً إلا وسعها. وشهيد المعركة والمقتول ظلماً لا يغسلان، فإن غسلا فذهب في الإقناع إلى الكراهة، وذهب في المنتهى إلى التحريم، فهؤلاء لا يغسلون، ولا يكفنون، ويدفنون في ثيابهم، ولا يصلى عليهم. وشهيد المعركة هنا قيد؛ لأن هناك أناساً أعطتهم الشريعة حكم الشهداء كالغريق والمبطون، لكن حكم الشهادة لهم أخروي، أما في الدنيا فلا يعاملون معاملة الشهداء.
ويجب بقاء دمه عليه ويدفن في ثيابه. فإن حمل شهيد المعركة أو المقتول ظلماً من مكان قتله وبه رمق فأكل، أو شرب، أو نام، أو تكلم، أو عطس، أو طال بقاؤه عرفاً، فهو كغيره نغسله ونكفنه ونصلي عليه. وكذلك إذا قتل وعليه ما يوجب الغسل من نحو جنابة أو حيض أو نفاس فهو كغيره في وجوب تغسيله وتكفينه والصلاة عليه، وأما أنه شهيد فهذا عند الله سبحانه وتعالى. والسقط لأربعة أشهر كالمولود حياً؛ يعامل معاملة الأحياء في أنه يغسل ويكفن ويصلى عليه، ودون ذلك فلا.
ولا يغسل مسلم كافراً ولو ذمياً، لا تغسله ولا تكفنه ولا يصلى عليه ولا تتبع جنازته، فالإسلام يعلو ولا يعلى عليه. ومن كفر بالله العظيم وأشرك به ومات على كفره، فهذا لا يستحق أن يحترم، فهذه قاعدة الإسلام. وإن مات الكافر ولم يوجد من يواريه من أهل ملته، يوارى لعدم من يواريه، أي تحفر حفرة عامة وتلقيه بها، وتواري عليه التراب. فلو عظمنا الله وعظمنا حق الله في التوحيد، لعلمنا أن هذا الإنسان الميت لا يستحق الاحترام ولا التقدير والكرامة، وإنما يعامل معاملة الدواب التي تدب على الأرض، أما من مات على الإسلام والتوحيد فيوقر لأواخر مراحل التوقير.
الشيخ إبراهيم رفيق الطويل