حياكم الله أحبائي في مجلس جديد نعقده بشرح كتاب دليل الطالب لنيل المطالب مع الإمام مرعي بن يوسف الكرمي رحمة الله تعالى عليه. في المحاضرة السابقة أحبائي شرعنا في باب إزالة النجاسة، وعرفنا أن النجاسة تنقسم إلى نوعين: نجاسة عينية، ونجاسة حكمية. وعرفنا أن المقصود بباب إزالة النجاسة هو النجاسة الحكمية، والنجاسة الحكمية هي كل محل طاهر طرأت عليه نجاسة، فكيف نقوم بإزالة هذه النجاسة عنه وإعادته إلى طهوريته؟
أما النجاسة العينية فعرفنا أن الأصل فيها أنها لا تطهر، فالأعيان التي حكم الشارع عليها بأنها نجسة لا تطهر، واستثنينا الخمر فإنها تطهر إذا انقلبت خلا بنفسها أو بنقل من غير قصد تخليل، كما سنشير اليوم بإذن الله. إذن هذا هو التقسيم الثنائي، وعرفنا أن حديثنا ابتداء عن النجاسة الحكمية كيف نزيلها؟ وعرفنا ما هي النجاسة الحكمية، وعرفنا ضابطاً مهماً وهي أن النجاسة الحكمية تحتاج إلى وسط مائع؛ فإن النجاسة العينية إذا سقطت على محل طاهر فحتى ينجس هذا المحل الطاهر نحتاج إلى وسط مائع، انتبهوا إلى هذا.
بعد هذا التأصيل انتقلنا لنبين أن النجاسات العينية عند الحنابلة ثلاثة أنواع. نحن نريد أن نقسم النجاسة العينية إلى ثلاثة أنواع حتى نعرف أن هذه النجاسات العينية إذا وقعت على محل طاهر فتنجس بها، كيف يكون تطهيره؟ تطهير الأماكن الطاهرة في الأصل المتنجسة بسبب وقوع شيء عليها من النجاسات العينية يختلف باختلاف النجاسة الواقعة عليه. أعيد العبارة بطريقة أسهل: إذا كان عندي محل طاهر وقعت عليه نجاسة عينية، فتطهير هذا المحل وإعادته إلى طهوريته محكوم بنوع النجاسة التي سقطت عليه، كما بينا في المحاضرة السابقة. ولذلك نحتاج إلى أن نعرف أنواع النجاسة المغلظة والمخففة والمتوسطة لنعرف كيف نطهر المحل الذي وقعت عليه أي نجاسة من هذه النجاسات.
فبناءً على ذلك قسمنا النجاسات العينية إلى نجاسة مغلظة ومخففة ومتوسطة. فالنجاسة المغلظة هي نجاسة الكلب والخنزير وما تولد منهما أو من أحدهما، وعرفنا ما المقصود بذلك. والنجاسة المخففة هي بول وقيء الغلام الذكر الذي لم يأكل الطعام بشهوة ما زال صغيراً لا يطلب الطعام، وما سوى ذلك من النجاسات العينية فهي من النجاسات المتوسطة. واليوم بإذن الله سنأتي إلى فصل عقده الشيخ مرعي لبيان ما هي النجاسات المتوسطة بالتفصيل. المهم إذا كان عندنا نجاسة مغلظة ومخففة ومتوسطة، فهذه أقسام النجاسات العينية.
الآن سأنتقل للخطوة التي تليها، وهي أننا نعود إلى النجاسة الحكمية بعد أن عرفنا أنواع النجاسة العينية الثلاث. فنقول: طريقة تطهير النجاسة الحكمية، يعني إزالة النجاسة عن المحل الطاهر الذي وقعت عليه، لها أربع صور عند الحنابلة. الصورة الأولى: أن يكون هذا المحل الطاهر الذي سقطت عليه نجاسة عبارة عن مسطحات مكشوفة، كالأراضي والأحواض والطرقات والجدران والسقوف. فهذه المسطحات المكشوفة يقولون: إذا وقعت عليها نجاسة -أي نجاسة مغلظة أو مخففة أو متوسطة- فإنه يكفي لتطهيرها مكاثرتها بالماء، يعني إدارة الماء على هذه المسطحات بحيث يزول جرم النجاسة ورائحتها ولونها، ويعفى عن بقاء اللون أو الرائحة بسبب العجز، وقد فهمنا صورته في المحاضرة السابقة.
إذن هذه الصورة الأولى من صور إزالة النجاسة الحكمية؛ إذا كنا نتكلم عن مسطحات مكشوفة كأراضٍ أو طرقات أو جدران، ففي هذه الحالة متى وقعت نجاسة على هذه المسطحات المكشوفة بغض النظر مغلظة أو مخففة أو متوسطة، فطريقة التطهير واحدة: مكاثرة هذه المسطحات بالماء، يعني إدارة الماء عليها حتى تزول الأوصاف الثلاث: جرم هذه النجاسة ورائحتها ولونها، ويعفى عن اللون والرائحة إذا عجز الإنسان عن إزالتهما مع كثرة إدارة الماء، فلا يوجد عدد معين من الغسلات، الضابط أهمية إزالة أوصاف النجاسة الثلاث.
بالنسبة للصورة الثانية: النجاسة المغلظة إذا سقطت على غير الأسطح المكشوفة، نجاسة الكلب والخنزير وما تولد منهما أو من أحدهما إذا سقطت على غير الأسطح المكشوفة، كأن سقطت على ثوب أو بدن أو سجاد أو طعام أو ما شابه ذلك، ففي هذه الحالة تطهير المكان الذي سقطت عليه النجاسة المغلظة؛ لأن النجاسة المغلظة لا يمكن تطهيرها بنفسها لأنها نجاسة عينية، نحن نريد أن نطهر المكان الذي قد يكون سجادة أو ثوباً أو بدناً، فتطهير هذا المكان يكون بغسله سبع مرات إحداهن بالتراب أو ما يقوم مقام التراب من المنظفات كالصابون ونحوه؛ فالمنظفات المعاصرة تقوم مقام التراب.
صورة هذا أنه في غسلة من الغسلات السبع أنت مخير -والأولى أن تكون الأولى- يخلط الماء بالتراب أو بالمنظف، ثم بعد ذلك يدير هذه الغسلة، ثم يتبعها بست غسلات. يمكن أن تكون الغسلة التي فيها التراب هي الثانية أو الثالثة، يمكن أن تكون السابعة، ما عندنا مشكلة، المهم إحداهن بتراب أو ما يقوم مقام التراب من المنظفات. هذا فيما يتعلق بالنجاسة المغلظة.
نذهب إلى النجاسة المخففة: إذا عرفنا الصورة الأولى صورة المسطحات، وفي المسطحات المكشوفة لا نهتم بنوع النجاسة العينية التي سقطت عليها. الصورة الثانية إذا كانت نجاسة مغلظة سقطت على غير مسطحات كثوب أو بدن أو سجاد، فقد عرفنا طريقة تطهيرها سبع مرات إحداهن بتراب أو ما يقوم مقام التراب. الصورة الثالثة: صورة النجاسة المخففة، عرفنا بول وقيء الصبي الذي لم يأكل الطعام بشهوة إذا وقع على غير المسطحات، كل كلامنا الآن عن غير المسطحات كثوب أو بدن أو سجاد، فإن طريقة التطهير هنا مخففة، يكفي قال العلماء أن ينضح الماء على هذه المنطقة التي أصابها بول الصبي أو قيء الصبي، ونكتفي بذلك في التطهير وانتهى الأمر. يكفي أن ينضح الماء، يعني يعم المنطقة التي عليها البول أو القيء الذي خرج من الصبي بالماء وانتهى الأمر، من دون حاجة لا إلى عصر ولا إلى حت ولا إلى فرك. طبعاً إذا كان القيء له جرم ينبغي أن يزال، بالنسبة لقيء الصبي إذا كان له جرم أي الأجرام تزال، لكن عموماً لا نحتاج إلى عصر وحت وقرص.
بالنسبة للنجاسة المتوسطة وهي سائر النجاسات سوى النجاسة المغلظة أو المخففة، فهذه تطهيرها عند الحنابلة له صورة خاصة وعدد خاص يخالفون فيه الجمهور. فيقول الحنابلة: النجاسات المتوسطة إذا وقعت على غير المسطحات كأن كانت على ثوب أو بدن أو سجاد، يحتاج في تطهيرها إلى سبع غسلات لكن من دون تراب. وهذه السبع غسلات ينبغي أن يصحبها أولاً حت بعود وقرص بالأظفار -وهذا هو القرص- تفرك الثوب والشيء الذي يمكن فركه بأظفارك وأصابعك؛ يحتاج إلى حت وقرص إن كانت النجاسة عالقة. ثانياً يحتاج إلى عصر إن كان الشيء مما يتشرب النجاسة كالثياب، إن كان لا يتشرب كالبدن فهذا لا يحتاج إلى عصر. إذن سبع غسلات مصحوبة بحت وقرص ومصحوبة أيضاً بعصر مع كل غسلة إن كان الشيء مما يعصر، فهذه طريقة الحنابلة في النجاسة المتوسطة وهذه هي الصورة الرابعة.
طبعاً سنأتي ونتعرف على أن البول والغائط الذي يخرج من بدن الإنسان هو من النجاسات المتوسطة، وبالتالي ظاهر المذهب أن الاستنجاء بالماء من البول أو الغائط الذي يخرج يكون سبع مرات عند الحنابلة. طبعاً هناك رواية أخرى في المذهب تقول يكفي أن يدير الماء على قبله أو دبره حتى يزول أثر النجاسة ولونها ورائحتها؛ يعني هناك رواية في المذهب تجعل الخارج من السبيلين الاستنجاء منه مثله مثل المسطحات، فقط وضع وإدارة الماء حتى يتيقن من زوال أوصاف النجاسة جرماً ولوناً ورائحة، لكن المعتمد في المذهب ليس هذا، المعتمد في المذهب أن الاستنجاء سبع غسلات.
فصلت في المحاضرة السابقة هذه الغسلات السبع وقلت لكم: الغسلات الست الأولى لما تنفصل عن المحل يحكمون عليها بأنها نجسة. فإنت غسلت المحل كالثوب أو البدن من نجاسة ثم هذا الماء الذي غسلت به الغسلة الأولى تساقط يحكم بنجاسته، ثم الثاني تساقط يحكم بنجاسته، والثالث والرابع والخامس والسادس. السابع تتوقف، تنظر في الماء المنفصل، إن انفصل من دون أن يكون فيه تغير فهذا يحكمون عليه بأنه طاهر، ليس نجساً ولكنه ليس طهوراً. يحكمون عليه بأنه طاهر، إذا انفصل الماء في الغسلة السابعة وفيه تغيرات فهذا يحكم عليه أيضاً بأنه نجس ومعناه أنك تحتاج إلى غسلة أخرى إضافية، فتأتي إلى الثامنة فتراها كيف انفصلت؛ إن انفصلت غير متغيرة فهو طاهر، انفصلت وقد تغيرت فهذا يدل على أن المحل ما زال نجساً، فتغسل تاسعاً وهكذا حتى تأتي إلى غسلة ينفصل الماء فيها غير متغير الأوصاف فتكون هي الطاهرة.
اليوم أحبابي، طبعاً نحن قرأنا شيئاً من باب إزالة النجاسة في المحاضرة السابقة، يعني قرأنا الصور الأربع لإزالة النجاسة الحكمية. اليوم نكمل، وأظن أننا وصلنا عند قول المصنف: ولا تطهر الأرض بالشمس والريح والجفاف، ولا النجاسة بالنار. وتطهر الخمرة بإناءها إن انقلبت خلا بنفسها.
الآن أراد أن يبين قاعدة عند الحنابلة، وهو أن تطهير النجاسات لا بد فيه إما من ماء، وإما من ماء مخلوط بتراب ونحوه. هذا التطهير عند الحنابلة، لا تطهر النجاسات عندنا إلا باستعمال الماء أو باستعمال ماء وتراب وما يقوم مقام التراب من الصابون إذا كانت نجاسة مغلظة، غير ذلك لا تطهر النجاسات. هذا هو الأصل، ولذلك قال: ولا تطهر الأرض بالشمس والريح والجفاف. أراد أن يبين إذا هنا أن الأرض أو المسطحات بشكل عام لو سقطت عليها نجاسة، فجاءت شمس فنشفت هذه النجاسة، أو جاءت ريح فأزالت هذه النجاسة معها، أو جفت هذه النجاسة وحدها، يعني جاء رجل فبال على أرض ثم مع الوقت جف هذا البول؛ هل جفاف النجاسة أو ذهابها مع الريح أو بالشمس يعتبر مطهراً؟ عند الحنابلة لا يعتبر مطهراً.
حتى يا شيخ لو مثلاً هذه الأرض أو السطح لم أرَ عليه لا جرماً للنجاسة ولا لوناً ولا ريحاً؟ يقولون: نعم، حتى لو لم ترَ لا جرماً ولا ريحاً ولا أثراً، يحكم بأن المحل نجس، فيجب عليك أن تطهره. الآن إذا كانت مسطحات عرفنا أنه فقط بالماء وانتهى الأمر، وإذا كانت غير المسطحات فعلى التفصيل الذي ذكرناه. لكن القاعدة المهمة التي ينبغي أن تعلم أن الأرض وسائر الأرض -ولا غير الأرض كالثوب والبدن والسجاد- لا يطهر أي محل متنجس إذا أزالت الشمس أو الريح أو الجفاف النجاسة، لا بد من الماء، وإذا كانت نجاسة مغلظة لا بد في غسلة من الغسلات من تراب أو نحوه يخلط مع الماء. غير هذا ما ينفع.
ولا تطهر الأرض بالشمس والريح والجفاف، ثم قال: ولا النجاسة بالنار. يعني أحبائي لو أنني أتيت بنجاسة فأحرقتها بالنار فتحولت هذه النجاسة إلى رماد ودخان، هل هذا الرماد والدخان يحكم عليه بالنجاسة؟ ولا نقول لا، خلص بما أنه هذه النجاسة تم حرقها بالنار بالتالي هذا الرماد الذي تحولت إليه هذه النجاسة أو هذا الدخان لا يعتبر نجساً. باختصار: هل الاستحالة -وهذا يسمونه مفهوم الاستحالة وركزوا على هذا المفهوم- هل تحول النجاسة من هيئتها بسبب إحراقها بالنار تحولها إلى رماد أو دخان يجعلها تصبح طاهرة؟ في الحقيقة عند الحنابلة يقولون: الاستحالة -يعني تغير النجاسة من صورة وحالة إلى صورة وحالة أخرى- لا تؤدي إلى تطهيرها. فلو عندي نجاسة وأحرقتها النار فاستحالت يعني تحولت إلى رماد ودخان، فهذا الرماد والدخان نجس. وإذا تذكرتم الماء المسخن على نجاسة، تذكرتم كيف الحنابلة حكموا على أنه ماء طهور مكروه لأنه سخن بنجاسة، وذكرنا حينئذ أن دخان النجاسة ورمادها المتصاعد يحكم عليه بأنه نجس، فيخشى من وصوله إلى الماء الطهور فحكموا بكراهية هذا الماء.
فوصول الدخان أو الرماد إلى ماء طهور قليل يجعله مباشرة يصبح نجساً بمجرد الملاقاة، وهذا ينبني على أن النجاسة إذا أُشعلت فيها النار فاستحالت إلى رماد أو دخان، فإن الرماد والدخان أيضاً يبقى نجساً. النجاسة بتحولها من صورة إلى صورة لا تصبح طاهرة، بل تبقى نجاستها قائمة، لذلك قالوا: ولا تطهر النجاسة بالنار؛ فرماد النجاسة ودخان النجاسة يحكم عليه بأنه نجس ولا يطهر بالاستحالة.
وكذلك يقولون لو أن كلباً سقط في مملحة فخرج ملحاً، تخيل هذا لو أن كلباً سقط في مملحة فخرج ملحاً، هذا الملح هل يحكم عليه بأنه طاهر؟ قالوا: لا، نجس. طيب لماذا ملح هو؟ فيقولون: أصله كان كلب، فالشيء إذا تحول من صفة ومن هيئة إلى صفة أخرى بسبب عوامل دخلت عليه لا يحكم بأنه أصبح طاهراً. الاستحالة يعني تحول الشيء من صورة إلى صورة يُبقي الشيء نجساً ولو تغيرت كل أوصافه.
الكلام هنا لاحظوا أنه أساساً يتكلم عن النجاسة العينية، كيف أنها لا تطهر بالاستحالة، وسنستثني شيئاً واحداً يطهر بالاستحالة وهو الخمر، لذلك انظروا ماذا قال؟ لما قال: ولا النجاسة بالنار؛ عرفنا أن النجاسة العينية إذا تحولت من شكل إلى شكل آخر، أو النجاسة الحكمية فرضا كذلك لها نفس القضية إذا تحولت من شكل إلى شكل آخر من خلال الاستحالة بنار أو بأي عوامل أخرى يبقى يحكم بنجاستها، واستثنى شيئاً واحداً وهو الخمر، فلذلك قال: وتطهر الخمرة بإنائها إذا انقلبت خلاً بنفسها.
يعني الخمر هو الشيء الوحيد الذي يستثنى من قاعدة الاستحالة، فالخمر عند الحنابلة نجسة. إذا تحولت الخمر بنفسها وهي في الإناء بعد يومين أو ثلاث أتيت عليها، إذا هي تتحول بنفسها لتصبح طاهرة، أي لتصبح خلاً، إذا تحولت الخمرة بنفسها لتصبح خلاً فإن الخل حينئذٍ -هذه الصورة الجديدة- يحكم عليها بأنها طاهرة. وهذا خلاف القاعدة؛ فنحن القاعدة أن النجاسة إذا تغيرت صورتها وشكلها من شكل إلى شكل آخر لا تطهر بالاستحالة، إلا الخمر، فإنها إذا تحولت بنفسها -وقيد بنفسها سنعرف أنه قيد مهم- أي من دون صنع صانع، إذا تحولت بنفسها من خمر إلى خل، فإن الخل يعتبر طاهراً ولا نقول حينئذٍ أن أصل هذا الخل خمر وبالتالي هذا الخل نجس، لا، يحكم بأنه طاهر.
يقول الحنابلة هناك صورة أخرى لم يذكرها في قضية الخمر، قال: وتطهر الخمرة بإنائها إذا انقلبت خلاً بنفسها. أولاً لماذا قال بإنائها؟ ليبين أن هذا وعاء، ركزوا معي، هذا وعاء لو فرضنا أن هذا الوعاء فيه خمر، فالآن الخمر نجسة والوعاء نفسه نجس لأن هناك وسطاً مائعاً وهو نفس الخمر المائعة ملامسة لهذا الوعاء، فالوعاء نجس. واضح؟ إذا تحولت الخمرة بنفسها إلى خل بسبب ظروف وعوامل، فإن الخمر الذي أصبح خلاً، لنقول هذا الخل طاهر، صحيح أصله خمر لكن بتحوله إلى خل بنفسه أصبح طاهراً، والوعاء أصبح طاهراً أيضاً مرافقةً مع الخل بما أن الخمر وإناءها نجسان، إذا تحولت الخمر إلى خل فيصبح الخل وإناؤه طاهراً، فقوله: وتطهر الخمرة بإنائها، يعني هي وإناؤها يطهران إن انقلبت خلاً.
لكنه قيد بنفسها، وهناك صورة أخرى قال الحنابلة: أو إذا نقلها شخص من مكان إلى مكان من دون قصد التخليل. فهناك صورتان في الحقيقة، الشيخ مرعي ذكر واحدة وأنا أضيف الثانية: الخمر إذا انقلبت بنفسها، أي من دون تدخل بشري، يعني كان الوعاء الذي فيه الخمر متروكاً وشخص نسيه، بعد يومين أو ثلاث رجعنا وجدنا أصبح خلاً، فإن هذا الوعاء وهذا الخل طاهر، هذه الصورة الأولى.
الصورة الثانية: لو أن شخصاً مسك هذا الوعاء، هذا الوعاء فيه خمر، مسك هذا الوعاء ونقله من جهة إلى جهة أخرى، ولم يكن في قصده وفي نيته أن يخلله بهذا النقل، في هذه الحالة صاحبنا لما نقله سبحان الله كأن الحرارة كانت هنا أعلى أو عوامل جوية جاءت عليه فأصبح خلاً. الآن النقل ساعد في ذلك، لكن النقل لم يقصد منه صاحبه أن يصيرها خلاً، هو نقلها ربما ليغير المكان، أراد أن يفرغ خزانة من خزانات البيت، المهم نقلها من هنا إلى هنا، فهذا النقل ساعد على التخليل من دون قصد، فكذلك أيضاً يعتبر الخل الناتج طاهراً.
لكن إذا نقل شخص الخمر من مكان إلى مكان آخر بقصد التخليل، يعني أراد أن ينقلها بقصد إلى ظروف تساعد على تخليلها، فإن الخمر حتى لو انقلبت خلاً تبقى نجسة، ونحكم على هذا الخل بأنه نجس. طب لماذا؟ لحديث النبي صلى الله عليه وسلم أنه سئل عن تخليل الخمر، وجاءه رجل فسأله أن لهم وأنهم ورثوا خمراً، فهل يحول الخمر إلى خل؟ النبي صلى الله عليه وسلم لم يسمح بذلك، فعرف الفقهاء بناءً على هذا أن الإنسان إذا تعمد وقصد أن يحول الخمر إلى خل، أنه آثم، وتبقى أو يبقى هذا الخل بعد تحوله عن الخمر نجساً. جيد، أما إذا الخمر تحول بنفسه من دون تدخل إنساني أو شخص نقله من مكان إلى آخر من دون قصد التخليل، وهذا بينه وبين الله فتحول إلى خل، حينئذٍ فقط يكون الخل طاهراً.
فإذا تقول هناك ثلاث صور للخمرة في استحالتها إلى خل: الصورة الأولى أن تستحيل بنفسها، يعني هي خمرة وبقيت في نفس المكان ما حدا لعب فيها، وتحولت بنفسها إلى خل، فالخل طاهر. الصورة الثانية، خمرة كانت في مكان، فجاء شخص فنقلها من دون قصد تخليلها، نقلها من مكان إلى مكان، فسبحان الله مع هذا النقل تخللت، ونقول الخل طاهر. الصورة الثالثة، شخص كان عنده خمر، فنقل هذا الخمر من مكان إلى مكان بقصد التخليل، فحينئذٍ نقول هذا الخل نجس. فإذا هناك ثلاث صور لتخليل الخمر، صورتان يصبح فيها الخل والخمر طاهراً إذا تحول إلى خل، وصورة واحدة يبقى فيها الخمر إذا تحول إلى خل نجساً.
جيد، إذا احفظوا هذه القاعدة: تحول النجاسة العينية أو الحكمية من صورة إلى صورة أخرى لا يجعلها تتطهر، فالاستحالة لا تطهر، واستثنوا الخمر بالقيود التي ذكرناها: وتطهر الخمرة بإنائها إذا انقلبت خلاً بنفسها، أو هي زيدوها: نُقلت من مكان إلى آخر من دون قصد التخليل فتخللت. جيد.
الآن بعد أن انتهى من بيان طريقة تطهير النجاسة الحكمية وختم لنا بقضية الأمور التي لا تطهر من النجاسة؛ الشمس والتجفيف والريح والنار والاستحالة، هذه الخمس اكتبوها عندكم لا تطهر من النجاسات إلا ما استثنيناه وهي الخمر إذا تحولت خلاً بنفسها أو بنقل من دون قصد التخليل.
ثم قال: وإن خفي موضع النجاسة غسل حتى يتيقن غسلها. شخص، أحبائي، هو متيقن أن هناك نجاسة على ثوبه، هذه صورة المسألة، شخص متيقن أن هناك نجاسة على ثوبه لكنه نسي أين وقعت، هل من الخلف ولا من الأمام؟ فما حله هذا عند الحنابلة؟ يقولون: إذا أنت متيقن أن هذا المكان عليه نجاسة ولكنك أنت غير متأكد من مكانها بالضبط، عليك أن تغسل من هذا المكان ما تتيقن زوال النجاسة معه. يعني مثلاً أنا متأكد أن النجاسة على المنطقة السفلية من الثوب، لكن نسيت هل هي من المنطقة السفلية الأمامية ولا المنطقة السفلية الخلفية؟ علي أن أغسل كل المنطقة السفلية من الخلف ومن الأمام حتى أتيقن أني أزلت النجاسة. تمام، طب إذا كانت النجاسة أنا متيقن أنها في المنطقة العلوية لكنني نسيت من الخلف ولا من الأمام، فعلي أن أغسل المنطقة العلوية كاملة من الخلف ومن الأمام حتى أتيقن زوال النجاسة، ولا يكفي والله على غلبة الظن أنه والله أظن أنا هاهنا خلص أكتفي بهذا، لا ما ينفع عند الحنابلة. يقول: وإن خفي موضع النجاسة عليه أن يغسل من الثوب أو البدن أو السجاد أو الأرض مساحة يتيقن من خلالها أنه مئة بالمئة قد مر على النجاسة وانتهى منها.
انتقل بعد ذلك، رحمة الله تعالى عليه، إلى فصل جديد وهو فصل في بيان النجاسات العينية. هذا الفصل عقده لبيان النجاسات العينية، أصل الباب يتكلم عن ماذا؟ عن كيفية تطهير النجاسة الحكمية، لأن النجاسة الحكمية كيف تحدث؟ بنجاسة عينية سقطت على مكان طاهر، أو نجاسة عينية سقطت على مكان فنجسته، فهذا المكان المتنجس أو الشيء تنجس أو الماء المتنجس سقط على شيء طاهر فنجسه، فيمكن إذاً الأشياء الطاهرة أن تتنجس بنجاسات عينية مباشرة، ويمكن الأشياء الطاهرة أن تتنجس بأشياء، هذه الأشياء المتنجسة نجست بنجاسة عينية، فهذه هي الصور أو الاحتمالات الموجودة لدينا.
ممتاز، فأراد أن يبين ما هي هذه الأشياء العينية التي عينها الشارع وحكم عليها بأنها نجسة بحيث إذا سقطت على مكان مع وجود وسط رطب فإنها تنجسه. بدأ بتعدادها، وهو الآن يعدها ويستثني ويأتي ببعض الأحكام ثم يكمل، ففي الحقيقة الباب يحتاج إلى إعادة ترتيب، فأنا سأعد معكم هذه النجاسات العينية وندرس الاستثناءات، وفي ختام دراستنا لهذا الفصل سأعيد ترتيبها بشكل على صورة نقاط، فالآن الدراسة المفصلة للنص ثم بعد ذلك إن شاء الله في الختام نرتب الكلام الذي وقع في هذا الفصل على صورة نقاط.
أول شيء، أول نجاسة عينية اكتب فوقها واحد: المسكر المائع. أي شيء يسكر، يعني يذهب العقل، ويكون مائعاً، يعني سائلاً، فإن هذا الشيء يحكم عليه بأنه نجس، أي شيء يسكر يذهب العقل وهو مائع ليس جامداً، فإنه يحكم عليه بأنه نجس. لكن شيخ الإسلام ابن تيمية وبعض الحنابلة ألحقوا بالمسكر المائع في النجاسة الحشيشة، لذلك قال الشيخ مرعي: وكذا الحشيشة. الحشيشة معروفة لديكم أحبائي، ومنها أنواع تذهب العقل، شيخ الإسلام ابن تيمية، وهو من كبار الحنابلة وأصحاب الوجوه في المذهب، وتبعه طائفة من متأخري المذهب أيضاً حكموا على الحشيشة مع أنها جامدة وليست مائعة، حكموا عليها بأنها نجسة.
لكن المرداوي، وهو إمام المتأخرين والمنقحين في تصحيح الفروع، لم يوافق على هذا، وقال الحشيشة هي حرام ولكنها ليست نجسة لأنها ليست مائعة، الشرط أن يكون مائعاً حتى نحكم بنجاسته. فإذاً قول الشيخ مرعي: وكذا الحشيش، نقول هذا رأي شيخ الإسلام ابن تيمية وتبعه عليه بعض الحنابلة، ويظهر أن الشيخ مرعي ممن تبعه على ذلك، لكن الشيخ المرداوي، وهو إمام المتأخرين في كتاب تصحيح الفروع، لم يوافق على هذا ورجح عدم نجاستها. جيد، فإذاً نقول أولاً المسكر المائع، أي شيء مسكر يذهب العقل ويكون مائعاً فإنه يحكم بنجاسته، وأما الحشيش ففيها خلاف.
ثانياً: وما لا يؤكل من الطير والبهائم مما فوق الهر خلقة فهو نجس أيضاً. نقول الشيء الثاني من الأعيان النجسة الحيوانات الحية، الآن يتكلم عن الحيوانات التي على قيد الحياة، كل حيوان على قيد الحياة لا يؤكل لحمه وكان حجمه فوق حجم الهرة في الخلقة، سواء كان بهيمة تسير على الأرض أو طيراً يطير في السماء، فإنه نجس، وهذا التفصيل في الحيوانات درسته لكم سابقاً، الحيوانات الحية التي لا تؤكل زائد حجمها فوق حجم الهرة في الخلقة سواء كانت بهائم تسير على الأرض أو طيوراً تطير في السماء كالنسر والصقر، ما دام أنها حجمها فوق حجم الهرة في الخلقة فيحكم عليها بأنها نجسة، فإذاً الحيوانات الحية التي حجمها فوق حجم الهرة في الخلقة ولا تؤكل -ها قيدان- فإنها يحكم عليها بأنها نجسة. فبالتالي جسمها نجس، فإذا كان على جسمها عرق فوضعت يدك عليه هذا العرق سينجسك، إذا أخذت من ريقها فهذا الريق سينجسك.
ممتاز، جميل، إذاً: وما لا يؤكل من الطير والبهائم مما فوق الهر خلقة نجس. بالتالي الحيوانات الطاهرة حال الحياة -بناءً على هذا- هي إما حيوانات طاهرة حال الحياة مأكولة اللحم هذه صورة، أو حيوانات طاهرة حال الحياة غير مأكولة اللحم لكن حجمها بحجم الهر فأقل، ولذلك الحيوان الطاهر حال الحياة منه ما هو مأكول اللحم ومنه ما لا يؤكل لحمه، كما فصلنا سابقاً، فانتبهوا على هذا حتى تعرفوا ما هي الحيوانات النجسة حال الحياة وكيف يتنجس بعرقها وريقها. ممتاز؟
طيب، فقالوا: وما دونها في الخلقة، لاحظوا لما قال وما لا يؤكل من الطير والبهائم مما فوق الهر خلقة نجس، وما دونها، يعني ما كان كالهر فما دون ذلك في الخلقة، مثل الحية مثل الفأر، فهذا إخواني حجمه دون حجم الهرة فيأخذ حكم الطاهر حال الحياة. الآن إذا مات هذه قضية أخرى نحن نتكلم عنها حال الحياة، وما دونها في الخلقة كالحية والفأر قد يكون طاهراً.
ثم قال: والمسكر غير المائع فطاهر. فكأن هذا استدراك أو إلحاق لأول شيء. قال: والمسكر غير المائع فطاهر. وفي الحقيقة كان بإمكانه أن يرتب أفضل، يعني خلص المسكر غير المائع الأصل ذكرها عند المسكر وانتهى الأمر، يعني المسكر المائع نجس وغير المائع طاهر. ثم يقول: وما لا يؤكل لحمه من الطير والبهائم مما فوق الهر خلقة نجس، وما دون ذلك فطاهر، هكذا أفضل حتى لا يسبب تشويشاً للطالب. طيب، بالتالي البنج إخواني، والبنج وبعض الأدوية الحبوب التي تؤكل ويزال بها العقل، هذه إخواني ليست نجسة.
وإن كانت مسكرة أي مذهبة للعقل؛ لماذا؟ لأنها جامدة وليست مائعة، فالمسكر المائع هو النجس بالتحديد. فإذا عرفنا أولاً المسكر المائع، فهذه أول نجاسة عينية. ثانياً: ما لا يؤكل لحمه وكان حجمه فوق حجم الهرة، هذه ثاني نجاسة عينية. ثالثاً: الميتات، فقال: وكل ميتة نجسة، إذاً رقم ثلاثة الميتات. وقد فصلت لكم سابقاً صور الميتة بناءً على صور الحيوانات؛ فعرفنا أن الحيوان غير مأكول اللحم وحجمه فوق حجم الهرة، فهذا إذا مات حتف أنفه أو ذبح، في كلا الحالتين هو ميتة.
الحيوان الطاهر حال الحياة لكنه غير مأكول اللحم كالهر وما شابه ذلك، فهذا أيضاً إذا مات حتف أنفه أو ذبح، فإذا مات هو نجس في كل الأحوال، مثله مثل الصورة الأولى.
الحالة الثالثة: الحيوان الطاهر حال الحياة المأكول اللحم كالغنم والبقر والخيل، فهذه إذا ذبحت وزكيت الذكاة الشرعية فليست ميتة، أما إذا ماتت حتف أنفها أو ذكيت ذكاة غير شرعية فهي ميتة.
فهذا التصنيف أو هذا التقسيم به تظهر لكم ما هي الميتة، ومتى حكمنا على الحيوان بأنه ميتة فإنه يكون نجساً، وكل ميتة نجسة، لكنه استثنى فقال: غير ميتة الآدمي. الآدمي هو حيوان بمعنى فيه حياة، والآدمي ميتته طاهرة. ثانياً: مما يستثنى السمك؛ لأن الله سبحانه وتعالى أحل لنا ميتة البحر السمك. ثالثاً: الجراد، ﴿أُحِلَّتْ لَنَا مَيْتَتَانِ وَدَمَانِ * فَأَمَّا الْمَيْتَتَانِ فَالْجَرَادُ وَالْحُوتُ﴾، جاء النص باستثناء ميتة السمك وميتة الجراد.
إذاً السمك أيضاً والجراد وميتة الآدمي. رابعاً: وما لا نفس له سائلة كالعقرب والخنفساء والبق والقمل والبراغيث، فكل الحشرات ما لا نفس له سائلة هي كل الحشرات التي ليس لها دماء من أنفسها. هي نفسها كمخلوق لا يحتوي على الدماء، وإنما إذا أخذ دماً فيمكن أن يمتصه من غيره، أما من نفسه فلا يوجد له دم، فهذا يسمى ما لا نفس له سائلة، وكلمة النفس هنا معناها الدم، فإن الدم من أسمائه النفس.
فقوله: وما لا نفس له سائلة، اكتبوا: يعني ما لا دم له سائل من نفسه، أي منه هو؛ لأنه بعض الحشرات إخواني ليس لها دماء من نفسها، لكنها مثلاً البعوض تأتي على الإنسان فتمتص من دمه، فممكن أن أقتل بعوضة أجد دماً أحمر، هذا الدم الأحمر ليس دمها، هذا دم امتصته من الكائنات الحية، وإلا هي فليس لها دم أحمر من نفسها. فباختصار كل الحشرات والدواب الصغيرة كالعقرب والبق والقمل والبراغيث، هذه الحشرات الصغيرة التي لا يوجد لها دماء في نفسها، وإنما لو قتلته يخرج منها أحياناً سائل أبيض أو سائل أخضر وما شابه ذلك، فهذه الحشرات لو ماتت حتف أنفها أو كيفما قتلت فإن ميتتها طاهرة لصعوبة أو مشقة التحرز عنها.
إذاً نقول كل ميتة نجسة، وعرفنا ضابط الميتة، واستثنينا أربعة أشياء: ميتة الآدمي، وميتة السمك، وميتة الجراد، وميتة ما لا نفس له سائلة، الحشرات الصغيرة البهائم الصغيرة التي لا نفس لها سائلة، يعني لا يوجد لها دم سائل في نفسها، أما إذا أخذ الدم من غيرها امتصاصاً فهذا لا يؤثر. جيد، فإذاً تقول الميتات نجسة وتستثني هذه الأربعة، انتبهوا عليها جيداً، هكذا انتهينا من النجاسة العينية الثالثة، كل ميتة نجسة سوى ما استثني وهو أربعة أشياء.
ننتقل الآن إلى النجاسة الرابعة، بعد أن عرفنا نجاسة المسكر المائع، وعرفنا نجاسة الحيوان الحي الذي لا يؤكل لحمه وحجمه فوق حجم الهر، وعرفنا أن كل ميتة نجسة العين أيضاً، ننتقل الآن إلى النجاسة الرابعة، لكن النجاسة الرابعة والخامسة في الحقيقة قاعدتهما واحدة، ذكرها مع بعضهما البعض، فنبدأ بالنجاسة الرابعة، والنجاسة الرابعة نحن سنستنبط نجاستها استنباطاً من النص ولم يصرح بذلك. انظروا ماذا قال، قال: وما أكل لحمه ولم يكن أكثر علفه النجاسة، فبوله وروثه وقيئه ومذيه ووديه ومنيه ولبنه طاهر. كل حيوان مأكول اللحم ليس أكثر علفه من النجاسات، فهذه الأشياء السبعة منه طاهرة.
البول والروث والقيء، المذي هو سائل رقيق ويكون قليلاً يخرج عقب الشهوة، سائل رقيق لا يكون لزجاً، سائل رقيق شفاف يخرج عقب الشهوة على شكل نقاط وليس بدفق. الودي هو سائل كثيف في الحقيقة، يشبه المني لكنه يخرج عقب البول ولا يخرج أيضاً بكثافة، الودي يخرج عقب البول أحياناً وليس دائماً، ويكون كثيفاً كثافته تشبه كثافة المني، وأما المني فهو معروف لديكم. فهذا بيان بمعنى المذي والودي، المذي يخرج عقب الشهوة، لما أقول يخرج عقب الشهوة يعني عقب أن تفتر الشهوة، كأن يكون لمس أو قبل أو غمز أو فكر أو نظر فثارت شهوته ثم خمدت، لما تخمد الشهوة يخرج هذا المذي كما قلنا سائل رقيق على شكل نقاط وليس بدفق. وأما الودي فعرفنا أنه يخرج عقب البول وإن كان كثيفاً يشبه المني في كثافته، وأما المني فهو الذي يخرج في العادة متدفقاً عند الجماع أو شهوة لم يحكمها الإنسان ولم يسيطر عليها فيتدفق المني منه أو احتلام من نوم، فصورته وأماكنه معروفة.
إذاً ومنيه ولبنه طاهر. إذاً أحبائي، الحيوان المأكول اللحم الذي أكثر علفه ليس من النجاسات فهذه الأشياء السبعة منه طاهرة. ماذا نستنتج من ذلك؟ بمفهوم المخالفة، أن الحيوان المأكول اللحم الذي أكثر علفه من النجاسة فهذه الأشياء السبعة منه نجسة. لاحظوا بمفهوم المخالفة أخذنا الخامس الرابع من النجاسات العينية، يسمونه الجلالة، حيوان مأكول اللحم مثل بقرة أو غنم، هذا الحيوان أكثر علفه نجاسات، فنقول ما يخرج منه من هذه المخرجات السبع يحكم بنجاسته.
هل يمكن إعادته إلى أن يصبح طاهراً؟ نقول نعم، إذا قمت بحبس هذه الجلالة هذه البقرة وهذه الغنم أو هذه الإبل إذا حبستها ثلاثة أيام وأطعمتها طعاماً طاهراً فقط خلال ثلاثة أيام، فإن إفرازاتها من البول والروث والقيء والمذي والودي والمني واللبن تعود طاهرة. إذاً الجلالة تقول مخرجاتها نجسة، طيب لو واحد سألك ما هي الجلالة؟ بتقول له: حيوان مأكول اللحم أكثر علفه نجاسة، هذه هي الجلالة، تبولها وروثها وقيؤها ومذيها ووديها ومنيها ولبنها نجس. إذا أردت أن أعيدها طاهرة عليك أن تحبسها ثلاثة أيام وفي كل يوم تطعمها طعاماً طاهراً فقط، بعد ذلك تعود إلى حالتها الطبيعية وإلى أن تكون مخرجاتها السبع طاهرة. فبالتالي اللي عنده غنم وهذا الغنم ليس أكثر علفه نجاسة أموره جيدة، فبوله وروث الغنم أو البقر أو الإبل وقيؤها، وإذا استطعت أن تحصل مذيها أو وديها أو منيها أو لبنها فهو طاهر أيضاً. إذا أصبحت جلالة لا، فإن هذه المخرجات السبع يحكم بنجاستها، ممتاز، هذا إذاً الرابع الجلالة مخرجاتها نجسة، من أين أخذت هذا يا شيخ؟ استنبطته من النص استنباطاً وهو لم يصرح به صراحة.
الخامس من النجاسات العينية قال: وما لا يؤكل لحمه فنجس، يعني ما لا يؤكل لحمه فالمخرجات السبع اللي ذكرناها قبل قليل هذه نجسة. كل حيوان غير مأكول اللحم، سواء كان طاهراً حال الحياة كالهر أو دونه في الخلقة، أو كان نجساً حال الحياة، فالإفرازات السبعة منه، بوله روثه قيؤه مذيه منيه وديه لبنه، الإفرازات أو المخرجات السبعة منه نجسة، فلذلك قال: وما لا يؤكل، أي ما لا يؤكل لحمه فتكون مخرجاته السبعة نجسة.
واستثنى الآدمي، الآدمي دائماً يصنف من غير مأكول اللحم عند الفقهاء، الآدمي كان لا بد من استثنائه فقال: إلا الآدمي، فمنيه ولبنه طاهر. الآن الآدمي عنده الإفرازات السبعة عنده بول وروث وقيء ومذي وودي ومني ولبن، مثله مثل أي حيوان. فالآدمي بوله وروثه وقيؤه ومذيه ووديه، هذه الخمسة نجسة منه مثله مثل غير مأكول اللحم، واستثنينا شيئين، استثنينا المني واللبن، فمني الآدمي ولبن الآدمية إن كانت أنثى طاهر. فلذلك قال: إلا مني الآدمي ولبنه فطاهر. لاحظوا أنه ما لا يؤكل لحمه يدخل فيه الآدمي، فلما قال وما لا يؤكل نجس، يفهم منه أن الآدمي ضمن هذا الحكم العام، فكل مفرزاته وإخراجاته نجسة، فاستثنى حتى لا تعمم، فقال: إلا مني الآدمي ولبنه فطاهر. وأما سائر الإفرازات الأخرى للآدميين فهي نجسة مثل ما لا يؤكل لحمه، هكذا نكون أخذناه ووصلنا إلى الخامس من النجاسات العينية المخرجات السبع مما لا يؤكل لحمه.
السادس من النجاسات العينية أيضاً إخواني، قال: القيح والدم والصديد نجس، فأي دم أي قيح أي صديد في جروح يكون فإنه أيضاً نجس، ويستثنى إخواني أشياء لم يذكرها، أنا أذكرها لكم سريعاً، تستثنى في الدم أربعة أشياء لا يحكم بنجاستها: أولاً الدم الذي يكون في عروق وعلى لحم الحيوان المأكول، الحيوان المأكول اللحم إذا ذبحته فإن الدماء التي تكون على لحمه وفي عروقه يحكم عليها بأنها طاهرة؛ لأنه قال القيح والدم والصديد، وما فرق بين حيوان وحيوان، الأصل أن القيح والدم والصديد من كل الحيوانات نجس، نقوم نستثني الدم الذي يكون في عروق وعلى لحم الحيوان المأكول بهذا القيد.
ثانياً: دم السمك، لو أن السمك وجدت فيه دماء، فإن دم السمك أيضاً طاهر كطهارة ميتته. ثالثاً: دم الشهيد عليه، الشخص استشهد في سبيل الله فدماؤه وهي عليه قبل أن تنتقل عنه طاهرة، إذا نقلت عنه وأزيلت وسقطت على الأرض لا تصبح نجسة، مثله مثل غيره من الدماء، لذلك قال دم الشهيد ما دام عليه، فإن انتقل عنه أصبح نجساً. أخيراً: يقولون ما لا نفس له سائلة، الحشرات التي لا نفس لها سائلة يعني لا دماء لها من نفسها، فلو أنك قتلت شيئاً منها فأخرجت دماً أو قيحاً أو صديداً، فإن هذه الإفرازات منها تكون طاهرة.
فإذاً الدم الذي في العروق وفي وعلى اللحم للحيوان المأكول، ثانياً دم السمك، ثالثاً دم الشهيد عليه، رابعاً دم ما لا نفس له سائلة إذا سحب دماً من غيره فقتلته فخرج هذا الدم، فإنه يعتبر طاهراً استثناءً. إذاً الأصل في القيح والدم والصديد أنها نجسة واستثنينا هذه الصور الأربع. لكن أحبائي في القيح والدم والصديد مع الحكم بنجاسته فإنه يعفى عنه في صورة محددة عند الحنابلة. الآن عرفنا القيح والدم والصديد نجس، وعرفنا استثناءات أربعة للدم لا يكون فيها نجساً، يكون طاهراً، أخلصنا نعود إلى الحالة الأصلية من القيح والدم والصديد نجس، لكن هناك صورة مع النجاسة يعفى عنها، صورة مع النجاسة يعفى عنها يعني قيح أو دم أو صديد محكوم عليه بأنه نجس، لكن يعفى عن هذه النجاسة بحيث لا يلزمك أن تزيلها وتكون صحيحة مع وجودها. ما هي هذه النجاسة التي يعفى عنها وتصح الصلاة مع وجودها؟ ضابطها قال: لكن يعفى عن يسير منه، أي من الدم أو القيح والصديد، إذا كان من حيوان طاهر في الحياة ولو من دم حائض.
الآن إخواني في الحقيقة بدي إياكم تركزوا معي حتى تفهموا ما هي صورة المسألة، صورة المسألة أحبائي، احنا عرفنا أن القيح والدم والصديد الأصل فيه نجس، لكن يعفى في هذه الصورة الواحدة، وهي صورة دم يسير، والمراد باليسير وضابط اليسير هنا هو ضابط اليسير الذي ذكرناه في نواقض الوضوء، كل إنسان بحسبه، كل إنسان بحسبه هو الذي يقدر اليسير من الكثير، فما يقدره فلان مثلاً يسير قد لا يقدره زيد أنه يسير، فهنا يعاد إلى كل إنسان بحسبه، مثله مثل نواقض الوضوء.
طيب إذا خرج من الإنسان دم يسير وكان هذا الدم اليسير لا ينقض الوضوء، هذا القيد الثاني دم يسير لا ينقض الوضوء. الآن دم يسير فهمنا، ايش يعني لا ينقض الوضوء؟ الآن إخواني احنا عرفنا سابقاً أن الدم الكثير إذا خرج من الإنسان من غير القبل أو الدبر فإنه ينقض الوضوء؛ لأنه أي خارج نجس من غير السبيلين ولم يكن بولاً أو غائطاً خرج بكثرة فإنه ينقض الوضوء، راجعوا الناقض الثاني من نواقض الوضوء، ممتاز؟ فالدم الكثير هذا لا يعفى عنه، الدم الكثير لا يعفى عنه، خلصنا منه، الدم اليسير الأصل فيه أنه لا ينقض الوضوء إذا خرج من بقية البدن.
لكن متى الدم اليسير ينقض الوضوء؟ في صورة واحدة إذا خرج من أحد السبيلين، وهو الناقض الأول، إنه عرفنا أنه أي شيء يخرج من السبيلين طاهراً أو نجساً، قليلاً أو كثيراً، ينقض الوضوء، فالحنابلة إذاً عندهم الدم اليسير ينقض الوضوء في صورة واحدة، إذا خرج الدم اليسير من القبل أو الدبر من أحد السبيلين، فبالتالي الدم اليسير إذا خرج من القبل أو من الدبر فبالتالي نقضنا الوضوء، هذا أيضاً لا يعفى عنه عند الحنابلة، فلا بد إذاً لاحظوا هذه المسألة قيودها كثيرة وبدها تركيز، لا بد يكون دم يسير، فإذا كان دم كثير لا يعفى عنه، طيب وهذا الدم اليسير شرطه أنه ما بينقض الوضوء، فإذا كان دم يسير بينقض الوضوء أيضاً هذا لا يعفى عنه. فلو واحد سأل، طيب متى الدم يا سيدي ينقض الوضوء؟
وتقولوا إذا كان خارجًا من القُبل أو من الدبر؛ بالتالي إذا دم يسير خرج من قُبل أو من دُبر فهذا لا يُعفى عنه، فلابد إذا دم يسير ألا يخرج من القُبل أو من الدبر، هذا فائدة قوله لم ينقض عن يسير منه لم ينقض؛ تقول عن يسير منه القيد الأول أن يكون الدم يسيرًا، وقوله لم ينقض ليبيّن أن هذا اليسير لم يخرج من أحد السبيلين؛ لأن اليسير الذي يخرج من القُبل أو الدبر لا يُعفى عنه.
فإذا دم يسير لم يخرج من أحد السبيلين فلذلك هو لا ينقض الوضوء؛ دم يسير لم يخرج من أحد السبيلين، طبعًا سنستثني في قضية أحد السبيلين شيئًا لكن بعد قليل. وكان هذا الدم اليسير الذي لم يخرج من أحد السبيلين خرج من الأنف، خرج من يد، خرج من أي عضو غير السبيلين؛ كان هذا دليل يا سيدي خرج من غير السبيلين، سقط على غير مائع ومطعوم، طبعًا هو لم ينص على هذا، لكن البعض فهمه من قوله لكن يعفى في الصلاة، لكن الأصل كان ينبغي أن ينص عليه حتى تكون المسائل واضحة. اكتبوا أنتم: إذا كان دم يسير خرج من غير السبيلين ولم يسقط في مائع ولا في مطعوم، هذا الدم اليسير الذي من غير السبيلين سقط في مائع كالماء أو عصير أو شاي، أو سقط على مطعوم كرز أو مثلًا فواكه أو خضروات لا يُعفى عنه، لابد يكون سقط مثلًا على بدن أو سقط على ثوب أو على سجادة صلاة.
إذًا دم يسير خرج من غير السبيلين، فلذلك هو لا ينقض، وكان في غير مائع ومطعوم؛ لأنه إذا كان في مائع ومطعوم لا يُعفى عنه، رابعًا القيد الرابع: وكان مصدر هذا الدم اليسير من غير السبيلين حيوانًا طاهرًا حال الحياة، بغض النظر مأكول اللحم أو غير مأكول اللحم، فيدخل هنا الحيوانات المأكولة وغير المأكولة بشرط أن تكون طاهرة حال الحياة، وكان هذا الدم مصدره حيوانًا طاهرًا حال الحياة فإنه يُعفى عنه بهذه القيود؛ دم يسير من غير السبيلين وقع على غير مائع ومطعوم وكان مصدره حيوانًا طاهرًا حال الحياة فيُعفى عنه في هذا المحل الذي وقع فيه، ثوبًا أو بقعة مثلًا أو بدنًا المهم لا يكون مائعًا ولا مطعومًا.
لكن من صورة الدم اليسير أو الذي خرج من أحد السبيلين، نحن قلنا إذا كان الدم اليسير خرج من أحد السبيلين لا يُعفى عنه، لكن يستثني الحنابلة دمًا يسيرًا خرج من أحد السبيلين ويُعفى عنه أيضًا إلحاقًا بهذه المسألة؛ قالوا وهو دم الحيض والاستحاضة، وهذه مفيدة للمرأة، تفهم أنه إذا خرج دم حيض أو نفاس أو استحاضة منها يسيرًا، ها ركزوا يسيرًا، وسقط على غير مائع ومطعوم كأن كان في ثيابها، فإن هذا اليسير يُعفى عنه وتصح الصلاة بوجوده لأنها نجاسة معفو عنها، فإذًا نستثني من الدم اليسير الذي خرج من السبيلين نستثني منه ماذا؟ دم الحيض والنفاس والاستحاضة، فإنه يلحق بما هو معفو عنه، لذلك قال: ولو من دم حائض.
وكنت أتمنى أن الشيخ بيّن هذه القيود بالترتيب، ولذلك أنا سعيت أن أرتبها لكم فتقول هكذا: القيح والدم والصديد متى يُعفى عنه؟ نقول هناك قيود، يُعفى عنه بقيود؛ القيد الأول أن يكون يسيرًا، ثانيًا خرج من غير السبيلين إلا إذا كان دم حيض أو نفاس أو استحاضة ولا يُشترط له هذا القيد أن يكون من غير السبيلين؛ لا، الحيض والنفاس والاستحاضة تخرج من السبيلين ومع ذلك داخلة معنا، غير دم الحيض أو النفاس أو الاستحاضة الذي خرج من أحد السبيلين لا يُعفى عنه. إذًا دم يسير خرج من غير السبيلين، فتقول أما ما خرج من السبيلين فلا يُعفى عنه إلا إذا كان حيضًا أو نفاسًا أو استحاضة.
إذًا يسير خرج من غير السبيلين وسقط على غير مائع ومطعوم وكان مصدره حيوانًا طاهرًا حال الحياة، بهذه القيود يُعفى عنه، إذا اختل قيد من هذه القيود عاد الدم أو القيح أو الصديد للحالة الأصلية وهي حالة النجاسة. رتبوا الأفكار كما ذكرتها لكم ثم ترجموها على كلامه هنا، هو قال لكن يُعفى في الصلاة وأراد أن يقول في الصلاة حتى يستثني المائع والمطعوم؛ أي في غير مائع ومطعوم عن يسير منه لم ينقض إذا كان من حيوان طاهر في الحياة، فأنا ترجمت لكم هذه القيود بهذه الصورة الواضحة، قال: ولو كان من دم حائض، وأضيفوا أو نفساء أو استحاضة.
ثم قال: ويضم يسير متفرق بثوب لا أكثر؛ يعني لو كان هناك عدة نقاط من الدماء على الثوب متفرقة، الآن نقول هذه النقاط المتفرقة على الثوب الواحد إذا جمعناها، هل ستكون كثيرة؟ إذا كانت نقاط متفرقة لو جُمِعت لأصبحت كثيرة لا يُعفى عنها، لكن إذا كانت النقاط المتفرقة في الثوب الواحد لو جُمِعت تبقى يسيرة فحينئذ يُعفى عنها مع استيفاء كامل الشروط، أما إذا كانت نقاط في أكثر من ثوب قال: ويضم يسير متفرق بثوب لا أكثر، يعني عندي ثوبان هذا الثوب عليه نقاط وهذا الثوب عليه نقاط، أنا ما بصير أجمع نقاط هذا الثوب مع نقاط هذا الثوب، لأ خلص كل ثوب بحسبه، فهذا الثوب هل يُعفى عن قليل النجاسة فيه؟ بتقول بجمع النقاط التي في الثوب فقط، فإذا كانت يسيرة لو جُمِعت يُعفى عنها، لو كانت لو جُمِعت تطلع كثيرة لا يُعفى عنها، والثوب الآخر له حكمه الخاص.
فلذلك قال: ويضم يسير متفرق بثوب لا أكثر؛ يعني الدم أو القيح أو الصديد المتفرق في ثوب بتجمعه يعني كأنك تجمعه، تقدر تقديرًا: أني لو جمعته هل يخرج كثيرًا ولا يخرج يسيرًا؟ وبناءً على ذلك بتحكم عليه، لأنه مثلًا ممكن شخص ينزل من أنفه دم فتنزله نقطة هنا ونقطة هنا ونقطة هنا ونقطة هنا، الآن بنقول له هذه النقاط لو جمعتها كم تطلع؟ بقول والله يا شيخ تطلع بهذا الحجم تقريبًا، ونقول له هذا أنت بتعتبره يسير ولا؟ قال والله أنا بحاسب نفسي أشوفه يسير، بنقول له خلص إذًا يُعفى عنه، شخص آخر قال لا والله أنا بحاسب نفسي أراه كثيرًا، بنقول لك إذًا هذا لا يُعفى عنه في حقك، الكثير والكثير بحسب كل إنسان بحسبه.
ثم قال: وطين شارع ظُنَّت نجاسته وعرق وريق من طاهر؛ أي من طاهر حال الحياة، ماذا يريد أن يقول هنا؟ قضية طين الشارع، إخواني قديمًا خاصة في الزمن القديم كانت الشوارع ليست أسفلت كما هي الحال في زمننا، كانت الشوارع رمل وطين وفيها وحل، وهذا الوحل أو الرمل والطين ربما يأتي شخص في قارعة الطريق يبول فيه أو بهيمة مثلًا لا يؤكل لحمها وما شابه ذلك، المهم فيقول الحنابلة: طين الشارع الطين أو الرمل أو التراب إذا كانت نجاسته مظنونة ولم تتيقن؛ الأصل أنه طاهر، الشوارع وما فيها من رمل أو طين أو ما شابه ذلك، إذا ظُنَّت نجاسته والله يا شيخ في احتمال كبير أنه نجس، لأنه شفت رجل جالس وشفته مثلًا أزال سرواله، يقول هل رأيته بال؟ قال له والله ما رأيته لكن أظن ظنًا، نقول ما دام الأمر عندك ما زال تحت دائرة الظن فإن هذا الطين طين الشارع المظنون نجاسته لا نحكم بالظن فيه بل ننتظر حتى نتيقن مئة بالمئة أنه نجس.
فلذلك قال: وطين الشارع إذا ظُنَّت نجاسته هذا طاهر، طيب لماذا ذكر هذه المسألة؟ لأن هناك مسألة أخرى في الحقيقة تتعلق بها، لكن هناك مسألة أخرى تتعلق بها وهو أن طين الشارع إذا تيقنت نجاسته؛ لو كان عندي طين شارع وأنا متيقن بعيني يا شيخ شفت رجلًا بال على هذا الطين، إذًا هذا الأصل فيه أن يصبح نجسًا، لكن يقول الحنابلة طين الشارع إذا تيقنت نجاسته يُعفى عن يسيره أيضًا، فمن النجاسات المعفو عنها -وهذا فصل مستقل كان ينبغي أن يصنعه- النجاسات المعفو عنها يذكر يسير الدم هاي المسألة التي ذكرناها قبل قليل، ويذكر هذه المسألة التي أذكرها الآن: طين الشارع إذا تيقنت نجاسته أنه مئة بالمئة أنا شفت نجاسة وقعت عليه، أيضًا يُعفى عن يسيره إذا وصل إلى الثوب، لكن إذا كان كثيرًا، يعني إذا كان ما وصل إلى الثوب منه كثير لا يُعفى عنه، فلابد فيه أيضًا من ضابط اليسير كما أن الدم اشترطنا فيه أن يكون يسيرًا، طين الشارع إذا تيقنت نجاسته وكان يسيرًا يُعفى عنه، أما إذا ظُنَّت نجاسته ولم تتيقن فهو على الأصل يبقى طاهرًا، فطين الشارع ظُنَّت نجاسته هذا طاهر.
قال أيضًا: وعرق وريق من طاهر حال الحياة، أي العرق والريق من الحيوانات الطاهرة حال الحياة هذا طاهر، وهذا سبق بيانه لما قسمنا الحيوانات، مش قلنا الحيوانات غير مأكولة اللحم، الهرة خلقة هي نجسة وريقها وعرقها نجس، أما الحيوانات الطاهرة حال الحياة سواء كانت مأكولة ولا غير مأكولة وهي حية فهي طاهرة، بالتالي إذا كانت طاهرة ايش معنى طاهرة؟ يعني عرقها سيكون طاهرًا وريقها سيكون طاهرًا، فهذا تفريع على ما سبق.
ثم قال: ولو أكل هر ونحوه أو طفل نجاسة ثم شرب من ماء لم يضر، هنا نص على شيء قد يتوهم أنه نجس لكنه في الحقيقة ليس نجسًا، فقال لو أكل هر ونحوه، قالوا كالنمس والفأر والقنفذ والدجاجة وبهيمة، لو أكل نجاسة أو طفل لو أن طفلك الصغير أكل نجاسة، فلو أن هرة ونحوها أو طفلًا صغيرًا من أطفالكم أكل نجاسة، ثم شرب من ماء، مسك الماء وشرب منه، قال بسم الله وشرب من الماء تمام الحمد لله، فهل يضر هذا المائع؟ يعني هر أنا رأيته أكل نجاسة أمامي أو طفلي الصغير رأيته أكل نجاسة أمامي ثم شرب من هذا المائع، فهل هذا المائع يصبح نجسًا لأنه باشر فم الطفل الذي أكل نجاسة أو باشر فم الهرة التي أكلت نجاسة؟ يقول الحنابلة أيضًا هذا لا يضر، لا يصبح نجسًا لمشقة الاحتراز من ذلك، فضلًا أننا لا ندري هل بقيت النجاسة على الشفاه ولم تبقَ على الشفاه، لكن الأصل في تعليلهم كما قال لمشقة التحرز منه هكذا يقول ابن عوض. فلو أن طفلًا أكل نجاسة أو هرة أنت رأيت بعينك تأكل نجاسة ثم أتت هذه الهرة فشربت من ماء عين سواء كان ماء ولا لبن أنت واضعه على الأرض أو ما شابه ذلك، فإن هذا لا يضر هذا المائع ولا يضر هذا اللبن أو الماء فليبقَ على الأصل محكومًا بطهارته لمشقة الاحتراز من ذلك، إذا ولو أكل هر ونحوه أو طفل نجاسة ثم شرب من ماء فإنه لا يضر.
ثم قال المسألة الأخيرة في هذا الباب: ولا يكره سؤر حيوان طاهر، ثم عرّف السؤر فقال: وهو فضلة طعامه وشرابه؛ هذه المسألة الأخيرة التي ختم بها مسألة السؤر، والسؤر هو بقية الطعام والشراب، لو أن إنسانًا أكل طعامًا أو شرب شرابًا وأبقى شيئًا من هذا الطعام والشراب في الإناء لم يأكله كاملاً، هذه البقية التي بقيت في الطعام والشراب وراءه تسمى سؤرًا.
يقولون إذا كان الذي أكل الطعام وأبقى شيئًا منه أو شرب الشراب وأبقى شيئًا منه حيوان طاهر حال الحياة مأكول اللحم ولا غير مأكول اللحم، فسؤره طاهر، فسؤره بقية طعامه وشرابه طاهرة، مفهوم المخالفة أن سؤر الحيوان غير الطاهر حال الحياة -الحيوانات مأكولة اللحم اللي حجمها فوق حجم الهرة، الحيوانات غير الطاهرة حال الحياة- بقية طعامها وشرابها نجسة، فبالتالي لو جاء أسد فشرب من هذا الماء وأبقى شيئًا منه، الماء المتبقي نجس، وكذلك لو جاء حمار أهلي أو جاء نمر، لكن لو جاءت هرة فشربت من هذا الإناء وأبقت شيئًا فما أبقته الهرة طاهر؛ إيش الفرق؟ بنقول هذا طاهر حال الحياة وذاك ليس طاهرًا حال الحياة.
فقال ولا يكره سؤر حيوان طاهر، أي حال الحياة وهو فضلة طعامه وشرابه، طبعًا يستثني الحنابلة سؤر الفأر قالوا يُكره مش نجس، قالوا إن سؤر الفأر يُنسي وهذا يحتاج في الحقيقة إلى إثبات، ثانيًا قال سؤر الدجاجة غير المنضبطة؛ الدجاجة غير المنضبطة التي يعني الله وكيلكم صاحبها مش ضابطها في دارها، بتجدها في الشوارع وتجدونها عند الأوساخ وعند القمامات، فالدجاجة غير المنضبطة التي لا يحبسها صاحبها في مرعى خاص لها، هذه أيضًا سؤرها مكروه لأنه لا يعلم ماذا تأكل، وما سوى ذلك فالأصل أنه الحالة الأصلية غير مكروهة؛ قال ولا يكره سؤر حيوان طاهر، طبعًا سؤر الفأر وسؤر الدجاجة غير المنضبطة هو طاهر لكنه مكروه فقط، يعني مكروه أنك تأكل وراءهم هو طاهر لكنه مكروه، وأما سؤر الحيوانات غير الطاهرة حال الحياة.
وهي الحيوانات كما قلنا غير مأكولة اللحم وحجمها فوق حجم الهرة، فهذه سؤرها نجس، وبالتالي هنا وقفنا أيضاً على عين أخرى نجسة. لو قلنا كانت ستة: القيح والدم والصديد؛ فهذه تخرج رقم سبعة تقريباً. هذه تكون رقم سبعة، سؤر غير الطاهر حال الحياة، وهو ما تبقى أو فضلة طعامه وشرابه، فهذه نجسة.
أما سؤر الطاهر حال الحياة فهذا ليس بنجس، ولا يكره تناول سؤر هذا الحيوان الطاهر حال الحياة؛ سؤرهم ليس بنجس ولا يكره تناول سؤرهم، إلا إذا كان سؤر هرة فيكره، وسؤر دجاجة غير منضبطة فيكره. هكذا نكون أنهينا الباب، لكنني وعدتكم أن أرتب الأفكار التي ذكرها في النجاسة العينية، وأرتب النجاسات المعفو عنها حتى تحكم عند طالب العلم.
فأقول إخواني: النجاسات العينية التي سأقتصر على ما ذكره الشيخ مرعي في هذا الباب سبعة سريعاً؛ أولاً: المسكر المائع، كل مسكر مائع. ثانياً: الحيوانات غير مأكولة اللحم وحجمها أكبر من حجم الهرة حال الحياة، فإنها نجسة ريقها وعرقها. ثالثاً: الميتة بصورها التي ذكرناها نجسة، إلا ميتة الآدمي، والسمك، والجراد، وما لا نفس له سائلة. رابعاً: البول والغائط والقيء والمني والمذي والودي واللبن، المخرجات السبعة إذا كانت من غير مأكول اللحم، واستثنينا الآدمي فإن لبنه ومنيه طاهر كحالة استثنائية. خامساً: من النجاسات العينية الدم والقيح والصديد، واستثنينا في الدم أربعة أشياء: دم الشهيد، ودم السمك، والدم الذي يكون في عروق لحم المأكول، ورابعاً: دم ما لا نفس له سائلة.
سادساً: الجلالة، وعرفنا الجلالة: حيوان مأكول اللحم أكثر علفه نجاسة، هذا ضابطها؛ حيوان مأكول اللحم أكثر علفه نجاسة، فالمخرجات السبعة منه تكون نجسة؛ البول والغائط والقيء والمذي والمني والودي واللبن، حتى تحبسه ثلاثة أيام لا يطعم فيها إلا طاهراً، فتعود هذه المخرجات السبعة لتكون طاهرة، فالجلالة قبل حبسها إفرازاتها نجسة. سابعاً وأخيراً النجاسات العينية: سؤر أي فضلة الطعام والشراب من الحيوان غير الطاهر حال الحياة، فهذه السبعة هي النجاسات العينية التي إذا سقطت على محل طاهر نجسته.
بالنسبة لهذا من باب أيضاً الضبط، وأنا أحب أن أعلم الطلاب كيف يقومون بضبط المسائل المتفرقة المشتتة، وهذا يساعدهم في الفهم. بالنسبة للحشرات التي لا نفس لها سائلة، أو الدواب التي لا نفس لها سائلة، فهمنا أنه ما لا نفس أي ما لا دم له سائل من نفسه حتى ولو امتصه من غيره، لا يلتفت إلى ذلك، المهم أنه هو نفسه لا يمتلك دماً. ما لا نفس له سائلة اكتبوا مسائله في باب النجاسات: ميتته طاهرة، لذلك استثنيناه من الميتات، ودمه طاهر، لذلك استثنينا دمه من الدماء؛ لأننا عرفنا أنه لا يملك دماً من نفسه، وإنما إذا وجدنا فيه دماً فإنما يكون من غيره، فدمه طاهر الدم الذي نجده فيه عند القتل طاهر وميتته طاهرة.
وأيضاً يقولون: بوله وغائطه إذا استطعت أن تظفر ببول أو غائط بهذه الحشرات، فإنه يكون طاهراً أيضاً، فبالتالي هذا يمكن تعتبره استثناءً آخر من السبعة لغير مأكول اللحم، يعني غير مأكول اللحم استثنينا فيه الآدمي، فقلنا لبن الآدمي ومنيه طاهر، وتضيف إليه استثناءً آخر ممكن فهو بول وغائط ما لا نفس له سائلة. فما لا نفس له سائلة هكذا تضع له باباً خاصاً؛ تقول ميتته طاهرة، ودمه طاهر، وبوله وغائطه طاهر. والدليل على كل هذا قوله صلى الله عليه وسلم: «إذا وقع الذباب في شراب أحدكم فليغمسه ثم لينزعه، فإن في أحد جناحيه داء وفي الآخر شفاء». فدل هذا، قال العلماء، على أن هذه الميتات ليست نجسة، وكل إفرازاتها ليست نجسة؛ لأنها لو كانت نجسة لما أمر صلى الله عليه وسلم بإعادة الذبابة إلى الماء مرة أخرى.
النجاسات المعفو عنها الآن؛ إذا عددت النجاسات العينية، ذكرت أحكام ما لا نفس له سائلة في ثلاث نقاط، بقي النجاسات المعفو عنها. ذكر الشيخ مرعي نجاسة واحدة يعفى عنها، وأنا سأذكر نجاستين. النجاسة الأولى التي يعفى عنها ذكرناها، يعفى عن يسير الدم الذي لا يكون من السبيلين، واستثنينا طبعاً الحيض والنفاس والاستحاضة، هذه دائماً مستثناة، فيعفى عن يسير الدم والقيح والصديد أيضاً مثله، إذا سقط على غير مائع ومطعوم، وكان من حيوان طاهر حال الحياة، فبهذه القيود يعفى عن يسير الدم والقيح والصديد أيضاً مثله.
الشيء الثاني الذي يعفى عنه، ذكرت لكم قبل قليل: يعفى عن يسير طين الشارع المتيقن نجاسته، طين الشارع؛ وهذا كما قلنا في بعض البلدان التي تكون شوارعها وطرقاتها ما زالت رملية، إذا تيقنت من نجاسته فيعفى عن يسير منه وصل إلى ثوبك لمشقة التحرز منه.
أخيراً وهذه سأختم بها، ذكرتها سابقاً في باب الاستنجاء وأعيدها الآن، لكنني أنبه على شيء، ثالثاً من النجاسات المعفو عنها: أثر الاستجمار في محله، ذكرنا سابقاً أحبائي أن الإنسان لو استجمر، فإن الاستجمار في الحقيقة لا يزيل النجاسة تماماً، وإنما يخففها تخفيفاً مقبولاً شرعاً، إذا استجمر الإنسان في قبله أو في دبره، فإن الاستجمار لا يزيل النجاسة مئة بالمئة لكنه يوصل إلى حد مقبول إذا توفرت الشروط؛ الشروط في الآلة وشروط في عملية استعمال الآلة ثلاث مرات كل مرة، المحل إلى ما ذكرناه سابقاً من الضوابط. عرفنا إذاً أن الاستجمار لا يزيل النجاسة مئة بالمئة، وأنه لابد وأن يبقى أثر يسير لهذه النجاسة في المحل على القبل أو على الدبر، فهذا الأثر اليسير من النجاسة البولية أو الغائطية، إذا تبقى بعد الاستجمار الصحيح فإنه يعفى عنه.
لكن أنا سابقاً أحبائي في باب الاستنجاء والاستجمار قلت لكم إذا استجمر الإنسان من دون أن يستعمل الماء استجماراً صحيحاً، فإن ما يبقى من النجاسة في المحل معفو عنه؛ هذا صحيح. وذكرت لكم أن هذا الإنسان الذي استجمر لو سار وتحرك فتعرق، فهذه النجاسة المتبقية المعفو عنها التي كانت على دبره أو على قبله نزلت مع العرق على ثوبه وبدنه، قلت لكم إنها معفو عنها تبعاً.
لكن هذا القول بأن النجاسة التي بقيت بعد الاستجمار مع العرق إذا سالت على الثياب وعلى البدن معفو عنها، هذا قول في المذهب، واختاره ابن تيمية وابن القيم وطائفة من الحنابلة، ونصره أيضاً طوائف من الفقهاء، ويدل عليه رواية للإمام أحمد أنه سئل عمن يعرق في السراويل فقال لا بأس به. لكن المعتمد في المذهب الآن سأبين لكم المعتمد في المذهب الذي عليه الفتوى عند المتأخرين، أنه أثر الاستجمار، يعني النجاسة المتبقية بعد الاستجمار، إنما يعفى عنها إذا بقيت في محلها في الدبر أو في القبل، أما إذا نزلت مع العرق إلى الثوب أو البدن فلا يعفى عنها.
هذا المفتى به عند المتأخرين أنه أثر الاستجمار، يعني النجاسة التي تبقى على القبل أو على الدبر بعد الاستجمار الصحيح، إنما يعفى عنها إذا بقيت في محلها، أما إذا نزلت مع العرق على الثوب أو على البدن فلا يعفى عنها، وتصبح نجاسة غير معفو عنها. هذا هو الذي يعتمد في فتوى المذهب. لكن ما ذكرته لكم سابقاً وقول نصره أبو العباس ابن تيمية وابن القيم وطائفة من الحنابلة في مصنفاتهم، حتى ممن قبل ابن تيمية نصره طائفة من الحنابلة في مصنفاتهم، وذهب إليه طائفة من العلماء المحققين في مختلف المذاهب. وهذا القول في الحقيقة له حظ كبير من النظر، لأنه ييسر على الناس ويرفع الحرج عنهم، ولذلك الشيخ المرداوي في الإنصاف ذكر أن الإفتاء للناس بأوجه المذهب وبأقوال المذهب، وإن لم تكن هي المعتمدة في النهاية، جائز، وهذا شيء أعتمده أحبائي إذا كانت بعض الأقوال إنزالها على المجتمعات يكون فيه مشقة، فتجد في المذهب روايات أخرى وأوجهاً للأصحاب ترفع المشقة والحرج عن الناس وتسهل عليهم أمور دينهم، ويعضدها كبار الأئمة بالدليل، يعني ليس اختيارها لمجرد أنها الأسهل أو الأخف، يعضدها الدليل وروايات نقلت عن الأئمة الأسبقين وما ينصرها أصحاب علماء المذهب ويخرجونها على أصول المذهب بالأدلة.
فإفتاء الناس بها في الحقيقة نوع من ما يسمى الذكاء الفقهي، أو نوع من التيسير وملاحظة حاجة المجتمعات حتى لا يكون الإنسان جامداً جموداً مذموماً، ويعتبر أن خلص قضية المعتمد في المذهب لا تخطئها، وتخطئها إشكال عظيم. نعم، الأصل الالتزام بمعتمد المذهب، لكن متى كان هناك مشقة شديدة أو حرج شديد في بعض الأقوال، وكان هناك مساحة في المذهب في أقوال ووجوه أخرى ترفع الحرج، فأنا مع الفتيا بها، خاصة أنها تكون منصورة من أئمة وعلماء ثقات استدلوا عليها، ومسألة مثل هذه كما قلت لكم نصوص عن الإمام أحمد أشرت لها، ونصوص للقرافي ولغيره من علماء المذاهب الأخرى تنصرها، فبالتالي هي رواية أو وجه، خلينا نقول وجه قوي جداً، وجه قوي جداً يجوز الإفتاء به.
لكن للأمانة العلمية أنا أقول لكم أن المعتمد في المذهب أنه أثر الاستجمار إنما يعفى عليه إذا بقي في محله، متى تجاوز المحل ونزل على الثوب أو على البدن مع العرق لا يعفى بعد، وهذا هو المعتمد. لكن ذاك الوجه الذي ذكرته سابقاً فيه سعة. إذاً النجاسات المعفو عنها ثلاثة: يعفى عن يسير دم نجس في غير مائع ومطعوم ومثله طبعاً كذا الصديد، يعفى عن يسير دم أو قيح أو صديد خرج من غير السبيلين في غير مائع ومطعوم إذا كان من الحيوان الطاهر حال الحياة، ودم الحيض والنفاس والاستحاضة يلحق بهذه المعفو عنها بالضوابط. ثانياً: طين شارع متيقن نجاسته يعفى عن يسيره أيضاً. ثالثاً: ما يبقى بعد الاستجمار الصحيح، إذا بقي في محله في القبل أو الدبر ولم ينزل إلى الثوب أو إلى سائر البدن، فيعفى عنه في محله كما هي عبارة الإقناع والمنتهى، إذا تجاوز المحل ونزل إلى الثياب مع العرق فلا يعفى عنه في معتمد المذهب، وهناك وجه آخر أنه حتى لو نزل فإنه يعفى عنه، وكما قلت هذا الوجه قوي جداً وفيه تيسير مرفوع للحرج عن المكلفين.
إن شاء الله في المحاضرة القادمة نشرع في باب الحيض وهو الباب الأخير من أبواب الطهارة، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
الشيخ إبراهيم رفيق الطويل