بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله الذي علم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم، سبحانه وتعالى حمد الذاكرين الشاكرين، وأصلي وأسلم على المبعوث رحمة للعالمين، ومحجة للسالكين، نبينا وحبيبنا وقرة أعيننا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً مباركاً إلى يوم الدين.
حياكم الله أحبائي إلى مجلس جديد نعقده في مدارسة كتاب دليل الطالب لنيل المطالب مع الإمام مرعي بن يوسف الكرمي رحمة الله تعالى عليه. المحاضرة السابقة أحبائي، أتينا على مجموعة من أحكام الصيام، وتطرقنا أيضاً إلى مفسدات الصوم، وأنهينا الحديث عن مفسدات الصوم. اليوم بإذن الله نكمل ما بقي علينا من أحكام الصيام وصوم التطوع، وننتقل إن شاء الله إلى الحديث عن الاعتكاف، وبهذا ينتهي الحديث في كتاب الصوم. نسأل الله أن يمن علينا بالخيرات.
قال رحمة الله تعالى عليه: فصل: ومن فاته رمضان قضى عدد أيامه. هذه مسألة تتعلق بالقضاء، وهي مسألة واضحة؛ الإنسان الذي فاته رمضان بأسره، فاته رمضان كامل، عليك أن تقضي بعد رمضان ثلاثين يوماً. ممتاز، يعني شخص ممن يلزمه الصيام في رمضان لكنه لم يصم لعذر أو لدون عذر؛ هكذا أصل المسألة، شخص ممن يجب عليه الصيام في رمضان: مسلم، عاقل، بالغ، قادر، توفرت فيك هذه الشروط لكنك لم تصم لعذر أو بدون عذر، عليك أن تقضي بعد رمضان. إذا لم تصم شيئاً من رمضان تقضي كامل الشهر، إذا صمت بعضه وتركت بعضه تقضي ما تركته فقط.
ثم قال المسألة الشهيرة: هل القضاء لرمضان يجب أن يكون فوراً؟ يعني بمجرد أن ينتهي رمضان، بمجرد أن ينتهي رمضان هل يجب علي بعد يوم العيد؟ لأن يوم العيد محرم صيامه كما سيأتي، هل مباشرة بعد يوم العيد يجب علي أن أشرع في القضاء؟ الآن مثلاً في الصلاة تذكروا مسائل قضاء الصلاة، قلنا قضاء الصلاة في المذهب على الفورية إلا لعذر من الأعذار، فالأصل أن قضاء الصلاة يجب أن يكون فوراً إلا لمن عنده عذر. فهل الصيام مثل الصلاة في ذلك؟ هل الصيام قضاؤه يجب أن يكون فوراً إلا لمن عنده عذر في التأخير؟ في الحقيقة كلا، المذهب عندنا كما قال الشيخ مرعي: ويسن القضاء على الفور. المذهب عندنا أن تقضي فوراً، هذا ليس واجباً وإنما هو مسنون.
ما الذي فرق بينهما؟ الذي فرق بينهما هو حديث عائشة رضي الله تعالى عنها لما أخبرت وقالت: كان يكون علي الصوم من رمضان فما أستطيع أن أقضي إلا في شعبان. فعائشة رضي الله عنها تخبرنا في هذا الحديث أنه كان يكون عليها قضاء أيام من رمضان بسبب الحيض الذي كان فيه، فلا تقضيه حتى يأتي شهر شعبان الذي هو قبل رمضان الآخر، يعني تجلس أحد عشر شهراً لا تقضي وتؤخر القضاء إلى شعبان. طبعاً هذا ليس تفريطاً منها رضي الله تعالى عنها، وهي أخبرت قالت: لمكان رسول الله صلى الله عليه وسلم مني، هي أخبرت أنها كانت تؤخر لأنها كانت دائماً تعد نفسها لرسول الله عليه الصلاة والسلام، فكانت لا تقضي حتى يأتي شهر شعبان خشية أن يأتي يوم من الأيام قبل شعبان ويريدها النبي صلى الله عليه وسلم فيجدها صائمة، وهذا من كمال حبها وتوددها لرسول الله صلى الله عليه وسلم.
فإذاً عائشة رضي الله عنها هي التي أفهمتنا من خلال حديثها وإقرار النبي صلى الله عليه وسلم لها أنه يجوز تأخير القضاء، وإن كانت الفورية هي سنة، فلذلك قال: ويسن القضاء على الفور، بخلاف الصلاة؛ الصلاة يجب القضاء على الفور، الصوم يسن قضاؤه على الفور. طيب، إذاً قضاء صيام رمضان واجب موسع على طريقة الأصوليين، لك أن تصوم في شوال، لك أن تقضي في ذي القعدة، في ذي الحجة، في محرم. ممتاز، إذاً هذا هو الأصل أن قضاء رمضان موسع.
إلا لاحظوا الاستثناء، قال: إلا إذا بقي من شعبان بقدر ما عليه، هنا فيجب. يعني بعبارة سهلة انقلب إلى واجب مضيق. ايش يعني هذا الكلام؟ امرأة عليها قضاء سبعة أيام من رمضان مدة الدورة، جيد، امرأة عليها قضاء سبعة أيام، ورمضان أخرت القضاء حتى بقي من شعبان فقط سبعة أيام، وبعد ذلك سيأتي رمضان الآخر، إذا بقي من شعبان سبعة أيام فقط هنا لا مجال لهذه المرأة أن تؤخر القضاء أكثر من ذلك، ويجب وجوباً أن تقضي في هذه الأيام. صح، هذه هي فكرة المسألة، إذاً الأصل أن القضاء موسع لكن متى يصبح مضيقاً؟ إذا لم يبق من شعبان إلا بقدر ما عليك من أيام القضاء. شخص مرض في رمضان عشرة أيام فأفطرها، وأخر القضاء حتى بقي عشرة أيام من شعبان وسيأتي رمضان الآخر بعد ذلك، نقول هل معه الآن مجال أن يؤخر القضاء؟ لا، يجب عليه أن يقضي مباشرة لأن ما بقي من شعبان إلا بقدر ما عليه من القضاء، فانقلب القضاء الآن من موسع إلى مضيق. هذه هي الفكرة.
إذاً ويسن القضاء على الفور، إلا إذا بقي من شعبان بقدر ما عليه فيجب، يقصد بيجب يعني أصبح مضيقاً لأن هو القضاء واجب على العموم، حتى قبل شعبان كان واجباً موسعاً، ولما بقي من شعبان بقدر ما عليه من القضاء أصبح واجباً مضيقاً.
ثم قال: ولا يصح ابتداء تطوع من عليه قضاء رمضان. ما معنى هذا الكلام؟ إذا إنسان قرر أن يؤخر قضاء رمضان، قال: أنا ما بدي أقضي في الأيام اللي فاتتني في شوال، لا بدي أقضيها مثلاً في ذي الحجة، لما يجي الشتاء، فالشتاء أقضي الأيام بتكون قصيرة، المذهب عندنا إذا قررت أن تؤخر قضاء الأيام التي فاتتك في رمضان، لا يجوز ولا يصح لك أن تتنفل قبل أن تقضيه، يعني هذه المدة التي أنت بدك تؤخر القضاء لها، خلالها لا يصح ابتداؤه؛ تحت كلمة ابتداء ضع ثلاثة خطوط، لأنك ستفهم ايش يقصد بها، لا يصح أن تبتدئ تطوعاً.
أعطيكم مثالاً عملياً، المذهب عندنا أحبائي هذا مذهب الحنابلة، امرأة عليها قضاء سبعة أيام من رمضان قالت: أنا ما بدي أقضيهم الآن، بدي أقضيهم بعد خمسة أشهر، طيب خلال الخمس أشهر جاءت عشر ذي الحجة، جاء عاشوراء، جاءت الأيام الفاضلة، هل تستطيع أن تصومها؟ المذهب عندنا لا تستطيع؛ لأنها لم تنتهِ من الفرض الذي عليها، لم تنتهِ من القضاء، فلا يصح لها أن تبتدئ التطوع قبل أن تنهي القضاء. فلسفة المذهب كما يقولون أنه بيقول لك: إن الإنسان أن يبرئ ذمته من الواجبات التي عليه أولى من أن يفعل التطوعات، هذه فكرة المذهب، أن تبرئ الذمة من الواجبات التي أنت ملزم بها، هذا مقدم على أن تقوم بالتطوعات والنوافل، والله سبحانه وتعالى كما جاء في الحديث يقول: «وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضت عليه». فأن تفرغ الذمة من الفروض هذا أولى ومقدم على أن تفعل التطوعات، فإذا أنت عندك مجال تتطوع بنقول لك: لأ، أوفِ ما في ذمتك من أيام القضاء. فهذا هو المذهب.
يعني بعض النساء ربما يسألن: يا شيخ مثلاً أنا علي قضاء من رمضان، هل يصح أن أصوم عرفة وعاشوراء وعشر ذي الحجة قبل ما أقضي هذه الأيام التي علي؟ المذهب عندنا لا يصح، بل عليك أن تقضي هذه الأيام ثم بعد ذلك صومي من النوافل ما شئت. هذا هو المعتمد، نعم هناك أقوال أخرى لأهل العلم، أنا أدرك ذلك والمسألة مسألة اجتهادية، هذا هو المعتمد.
طيب، قلنا الشيخ مرعي قال: ولا يصح ابتداء تطوع، هو ماذا يريد بهذا؟ يريد أن يقول: لو أن التطوع وقع تبعاً قبل أن تفرغ من القضاء يصح. كيف يمكن أن يقع التطوع تبعاً قبل أن تفرغ من القضاء؟ إنسان أو امرأة استيقظت من الليل نوت أن تصوم غداً قضاء، من الليل نويت أن تصوم غداً قضاء، لنعلم أن القضاء يجب أن تكون نيته ليلية من الصيام الواجب، المهم جاء الصباح وهي بنية القضاء وشرعت في اليوم، عند الظهيرة قلبت نيتها إلى نفل، قالت: لا ما بدي أكمله صيام قضاء، خلص بدي أقلبه إلى تطوع. هل يصح هذا في المذهب؟ نعم يصح، وهنا صيام التطوع هل وقع ابتداءً ولا تبعاً؟ وقع تبعاً فيصححه المذهب حتى ولو كانت هذه المرأة لم تنهِ بعد قضاء الأيام التي عليها، فلذلك الشيخ مرعي دقيق لما قال لك: ولا يصح ابتداء التطوع؛ مفهوم المخالفة أنه يصح أن يكون تطوع قبل أن تنهي القضاء وقع تبعاً. كيف يمكن أن يقع تبعاً يا شيخ؟ بهذه الصورة: أن المرأة تبتدئ بصيام واجب، يعني تبتدئ بقضاء يومها، أو الرجل يبتدئ بالقضاء، ثم يقلب نية القضاء إلى نفل وتطوع، هل يصح هذا؟ نعم يصح هذا على مذهب السادة الحنابلة رضوان الله تعالى عليهم. إذاً عرفتم لماذا الشيخ قال لا يصح الابتداء فقط؟ لأنه إذا وقع التطوع تبعاً يصح قبل أن يقضي ما بقي عليه من أيام رمضان، أما أن يقع التطوع ابتداءً قبل القضاء لا ينفع. إذاً ولا يصح ابتداء تطوع من عليه قضاء رمضان.
قال: فإن نوى صوماً واجباً، لاحظ ايش قال: فإن نوى صوماً واجباً هنا يقصد الصوم الواجب؛ والقضاء هو أصلاً شكل من أشكال الصوم الواجب، فهذا نسميه في البلاغة من عطف الخاص على العام، لأن القضاء هو أصلاً شكل من أشكال الصوم الواجب، إلا إذا أردنا أن نفسر فنقول: الصوم الواجب هنا قصد به إما الكفارة أو النذر. قال: فإن نوى صوماً واجباً، هذا يدخل فيه النذر أو الكفارة أو قضاء، ثم قلبه نفلاً صح، هذا المذهب عندنا، أن الصوم الواجب سواء كان نذراً أو كفارة أو قضاء، إذا شرعت فيه ثم قلبته نفلاً فإنه يصح. لكن هذا لا يدخل فيه رمضان، رمضان صح صومه واجب، لكن لو أني شرعت في يوم من أيام رمضان وحبيت أقلب اليوم إلى نفل بينفع؟ لا ما بينفع، رمضان ما بينفع لأنه واجب مضيق، فالصوم الواجب هنا لا يدخل فيه رمضان. رمضان لا يمكن أن تشرع فيه وفي أثناء النهار من نهارات رمضان تقلب نيته إلى نفل، بخلاف سائر الصوم الواجب فإنك تستطيع أن تقلبه نفلاً ويصح ذلك.
ثم قال: ويسن، الآن ينتقل إلى مسألة: ما هي الأيام التي يستحب صيامها؟ والذي يسمى صوم التطوع، قال: ويسن صوم التطوع. إذاً صوم التطوع مستحب عموماً، وأفضل شكل من أشكال صوم التطوع هو أن تصوم يوماً وتفطر يوماً، وهذا صيام داوود عليه السلام كما أخبرنا النبي صلى الله عليه وسلم: «خير الصيام صيام داوود، يصوم يوماً ويفطر يوماً»، هذا أكمل شيء. إذاً يسن التطوع وأفضله يوماً ويوماً، أي يوماً تصوم ويوماً تفطر.
ثم قال: إذاً بعد أن عرفنا أن صوم التطوع مستحب في الجملة وأن أفضل أشكال صوم التطوع هو صيام داوود عليه السلام، انتقل للأيام التي يتأكد صيامها تطوعاً، ما هي؟ قال: وسن صوم أيام البيض. هذه الأيام التي سنذكرها الآن هي بحد ذاتها متأكد صيامها، أنت لو صمت أي يوم نفل لوجه الله هذا ما فيه مشكلة، إلا ما نستثنيه إن شاء الله من إفراد السبت والجمعة، لكن الأصل أنني لو صمت مثلاً يوم الثلاثاء، غداً بدي أصوم لله سبحانه وتعالى، هل يصح؟ نعم، يسن صوم التطوع. الآن لما قال: وسن صوم أيام البيض، هو يتكلم عن الأيام التي صيامها سنة مؤكدة، فما هي الأيام التي يتأكد صيامها نفلاً؟
قال: وسن صوم أيام البيض، وهي الثالث عشر والرابع عشر والخامس عشر من الشهر الهجري، وسميت أيام البيض لأن هناك في الحقيقة مضافاً محذوفاً وهي أيام الليالي البيض، هذا أصل العبارة، ولماذا وصفت هذه الليالي بالبيض؟ نقول: لأن القمر فيها يكون بدراً فتكون بيضاء بنور القمر.
ثم أيضاً الاثنين وصوم الخميس، إذاً أيام البيض، الاثنين والخميس، وستة من شوال، وسن صوم محرم، أي يسن صوم شهر الله المحرم؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أفضل الصيام بعد رمضان شهر الله المحرم».
ويسن صيام شهر الله المحرم، وآكد الأيام التي تصومها في شهر محرم هو عاشوراء، ثم تاسوعاء، ويقولون مؤكدها عاشوراء؛ وهو كفارة سنة كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم عن عاشوراء أنه يكفر سنة. وصوم عشر ذي الحجة أيضاً؛ إذ يستحب أو يسن صيام العشر من ذي الحجة. طبعاً كلمة العشر من ذي الحجة هكذا تطلق في عرف العلماء، لكنهم في الحقيقة يقصدون التسع؛ لأن اليوم العاشر هو يوم النحر الأكبر وهو محرم صيامه. فقوله وصوم عشر من ذي الحجة هذه بالأغلبية أصبح كأنه علم أغلبي أو لقب أغلبي عليها، وإلا هو في الحقيقة المراد التسع وليس العشر؛ لأنه اليوم العاشر يوم العيد وهو يحرم صيامه كما سيأتي.
إذاً وصوم عشر ذي الحجة أيضاً مما يسن، وآكد الأيام في عشر من ذي الحجة ما هو؟ يوم عرفة. يوم عرفة، وعرفة كفارة سنتين: سنة ماضية وسنة لاحقة. انتهى الآن من الأيام التي يسن صيامها: الأيام البيض، والاثنين والخميس، وست من شوال، وشهر الله المحرم وآكده عاشوراء ثم تاسوعاء، وعشر من ذي الحجة عموماً يسن صيامها عندنا الحنابلة، وآكدها التاسع. بالتالي إخواني لو أن إنساناً صام التسع من ذي الحجة كاملة عند الحنابلة فعل مسنونة، فلا يحق لإنسان أن يتجرأ ويرمي الناس بالبدعة؛ يعني بعض الناس هداهم الله يتجرأون على رمي الناس بالابتداع إذا صاموا التسع من ذي الحجة. أخي الكريم هذه مذاهب فقهية، هذا ليس رأي طائفة، هذا رأي مذهب كامل، وخليني أقول لك جماهير العلماء ويسن صيام العشر من ذي الحجة. فإذا كنت أنت لا ترى سنية صيامها فهذا لك، إذا كان باجتهاد علمي اتبعت فيه مشايخك الكبار فجزاكم الله خيراً، لكن ليس لك أن ترمي المخالف بالابتداع؛ لأن المخالف يمتلك أدلته، لأن المخالف لك هي مذاهب وعلماء يمتلكون أدلتهم وليس هذا مكان بسط الأدلة.
انتهينا الآن من الأيام التي يسن صيامها، الآن ما هي الأيام التي يكره صيامها؟ هناك أيام يكره صيامها. قال: وكره إفراد رجب، يعني كره إفراد شهر رجب بالصوم؛ لأنه كان من عادة الجاهلية تقديس هذا الشهر وإعطاؤه مزية عن سائر الشهور، فجاء الإسلام ليبطل عادات الجاهلية، فقال أهل العلم يكره إفراد شهر رجب بالصيام من بين سائر شهور العام. طيب كيف تزول الكراهة؟ قال تزول الكراهة بفطره ولو يوماً واحداً من رجب؛ يعني إذا شخص صام أغلب رجب وأفطر يوماً واحداً، زالت الكراهة؛ لأنه المكروه أن تفرد رجب كاملاً بالصيام، فيقول الشيخ ابن عوض وتزول الكراهة بفطره ولو ليوم واحد. يعني لو صام من رجب ثمانية وعشرين يوماً وأفطر له يومين، خلص ما وقع في مكروه. إذاً إفراد رجب المراد إفراده كاملاً بالصيام، فلو أفطر فيه يوماً أو يومين انتهت وانتفت الكراهة.
كذلك تنتفي الكراهة بطريقة أخرى ما هي؟ إذا صام معه شهراً آخر؛ يعني هو ما المكروه؟ إفراد رجب، فإذا أنا صمت مثلاً رجب والمحرم، إذاً أنا ما أفردت رجب، إذاً زالت الكراهة أيضاً بهذه الطريقة الأخرى؛ لأن المكروه إفراد رجب كاملاً بالصيام. فإذا صمت بعضه وتركت بعضه، أو صمته كاملاً لكن قارنت معه أو صمت معه في نفس الوقت شهراً آخر، قلت والله أنا هذه السنة بدي أصوم من محرم ورجب، إذاً هنا أنت ما أفردت رجب فلا تقع عليك الكراهة. إذاً وكره إفراد رجب.
اثنين الجمعة، يكره إفراد الجمعة، فأن تصوم الجمعة منفرداً لا تصوم قبلها ولا تصوم بعدها هذا مكروه. والسبت أيضاً، قال والسبت؛ فكره إفراد يوم السبت بالصوم يقول الشيخ ابن عوض. لكن لو وافق عرفة يوم الجمعة صامه، نص عليه الإمام أحمد؛ الإمام أحمد نص على أنه لو وافق عرفة يوم الجمعة فهل له أن يصوم يوم الجمعة من عرفة ولا يصوم يوماً قبله وبعده؟ نعم له ذلك. هذه مسألة؛ يعني الأصل أنه يكره إفراد الجمعة إلا إذا وافق يوم الجمعة يوم عرفة أو يوم عاشوراء أو الأيام المباركة التي يسن صيامها. ويقاس عليه أيضاً يوم السبت، وهي المسألة التي فيها الخلاف الطويل للأسف اليوم بين كثير من طلبة العلم؛ أنه هل صيام السبت وحده ما حكمه؟ مكروه إلا ما هي نفس الفكرة، إذا وافق يوم عرفة يوم السبت أو وافق يوم عاشوراء يوم السبت، فلك أن تفرد بالصيام حينئذ، واعتبار صيام يوم السبت من عرفة أو من عاشوراء بدعة هذا في الحقيقة قول غريب جداً، تبديع الناس على صيام عرفة إذا وافق سبتاً أو صيام عاشوراء إذا وافق سبتاً قول غريب لا يقول به متأصل. أن تبدع الناس بهذا الكلام لا يصح، يعني يمكن أن تجتهد وترى أنه لا، إذا وافق عرفة يوم السبت لا يصام، هذا لك حق الاجتهاد بناءً على الأحاديث التي تتبعها، لكن أن تبدع الناس بناءً على رأيك أنا أظن هذا تجاوز الخطوط الحمر وأظن أنه نوع من الغلو في دين الله والتنطع، لأن هذه أقوال أهل العلم استقرت ونص عليها المتقدمون الكبار الجهابذة النقاد. إذا كنت توصلت لرأي أنه لا يصام يوم عرفة إذا جاء سبتاً، اجتهادك يحترم ولك أدلتك تناقش، لكن أن تبدع المخالفين بناءً على هذه الفكرة فهذا نوع من الغلو في الدين، نسأل الله العفو والعافية.
وكره أيضاً أن تصوم يوم الشك، وعرفنا في أول محاضرة أن يوم الشك عند الحنابلة ما هو، هو اليوم الثلاثون من شعبان إذا كانت السماء في ليلته صحو، لا غيم فيها ولا قطر. نحن عرفنا أن ثبوت شهر رمضان له ثلاثة طرق؛ أما أن ترى الهلال في ليلة الثلاثين من شعبان، حينئذ ثبت دخول شهر رمضان، هذه الطريقة الأولى ولا إشكال فيها لأن اليوم الثاني سيكون من رمضان. الطريقة الثانية قلنا إذا خرج الناس في ليلة الثلاثين يتراءون الهلال وكان في السماء غيم أو غبار فلم ير الهلال بسبب الغيم أو الغبار، فحينئذ مذهب الحنابلة أن اليوم الذي يليه يصام على أنه الأول من رمضان احتياطاً، ولا يسمى حينئذ يوم الشك الذي نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن صيامه.
أما يوم الشك في الحالة الثالثة، إذا خرج الناس في ليلة الثلاثين من شعبان يتراءون الهلال والسماء صحو لا غبار فيها ولا غيم فلم ير الهلال، فحينئذ المذهب عندنا وجوب إكمال شعبان ثلاثين يوماً. فإذا صام شخص اليوم الثلاثين من شعبان وقال والله السماء صحو ما فيها شيء بس أنا أريد أن أحتاط وأصوم على أنه الأول من رمضان، لا، نقول له هذا هو يوم الشك الذي نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن صيامه، وجاء في الحديث: «من صام اليوم الذي يشك فيه فقد عصى أبا القاسم صلى الله عليه وعلى آله وسلم». لذلك الشيخ مرعي نص قال: وكره صوم يوم شك، وهو الثلاثون من شعبان إذا لم يكن غيم أو قتر. لاحظوا حددها؛ أما إذا كان هناك غيم أو قطر في ليلة من شعبان، فإننا سنصوم اليوم القادم على أنه الأول من رمضان احتياطاً ولا يسمى حينئذ يوم الشك. أما المذاهب الأخرى فعندها يوم الشك في كلا الحالتين سواء كانت السماء صحو أو كانت السماء غيم، المذاهب الأخرى ترى أن اليوم التالي هو يوم الشك فلا يصام، أما الحنابلة فيوم الشك في حال كون السماء كانت صحواً فقط.
انتهى الآن من الأيام التي يكره صيامها، سينتقل إلى الأيام التي يحرم صيامها؛ ويحرم صوم العيدين وأيام التشريق. الأيام التي يحرم صيامها في السنة هي يوم عيد الفطر وهو يوم واحد، ويوم عيد الأضحى وهو يوم واحد، والأيام الثلاثة التي تتبع عيد الأضحى والتي تسمى عندنا أيام التشريق، ولم يرخص في صيام أيام التشريق إلا في حالة واحدة كما جاء في الحديث، لم يرخص في أيام التشريق أن يصمن إلا لمن لم يجد الهدي؛ فصيام أيام التشريق الأصل فيه محرم، وصيام أيام التشريق حالة استثنائية خاصة بالحاج الذي عليه هدي ولم يجد، فمعلوم أن عليه أن يصوم عشرة أيام؛ ثلاثة منها في الحج وسبعة إذا رجع إلى أهله كما سيأتي معنا إن شاء الله في كتاب الحج. هذه الثلاثة أيام يجوز أن يصومها الحاج من أيام التشريق الثلاثة، وإلا فسائر الناس يحرم عليهم صيام أيام التشريق ويوم عيد الفطر ويوم عيد الأضحى.
ثم ختم هذا الفصل فقال: ومن دخل في تطوع، وهذه قاعدة عامة إلا ما سنستثني منها إن شاء الله، من دخل في تطوع؛ أي تطوع صيام مثلاً، صدقة، نذراً، صياماً، نحن ذكرنا من دخل في تطوع مثل الصلاة والصيام والوضوء أي شيء فعلته تطوعاً ثم قطعته ولم تكمله، هل عليه شيء؟ المذهب عندنا يقول: من دخل في تطوع لم يجب إتمامه، لا نلزمك بأن تتمه، لكن يكره قطعه بلا عذر. ما بنقول إنه جائز وبنسكت، لا، بنقول إنه يكره قطعه بلا عذر. إذاً من دخل في تطوع من التطوعات ولم يكملها، شرع في صلاة نفل وقطعها، شرع في صوم نفل وتركه، شرع في مثلاً صدقة ورجعها، هل يجوز هذا ولا لا يجوز؟ نقول من شرع في تطوع لم يجب عليه أن يتمه، وبالتالي يجوز رجوعه، لكن رجوعه من دون عذر ما حكمه؟ مكروه، أما إذا كان هناك عذر فلا كراهة.
ممكن الإنسان يصوم مثلاً اليوم تطوعاً، وأثناء النهار إذا بوالده يأتي بطعام للمنزل ويرغب أن ابنه هذا الصائم يتغدى معه، الحقيقة هنا من كمال البر أن تفطر هذا اليوم ولا تكمل صيامه وتبر والدك بأن تتغدى معهم، هنا أنت قطعت صوم النفل لكن هذا القطع ليس مكروهاً لأن هناك عذراً وهو رضا الوالدين والتحبب إليهما وفعل ما يرغبان به. فإذاً إذا قطعت التطوع لعذر لا كراهة، وإذا قطعت من دون عذر فقط مكروه، ولكنك لم تصل إلى الحرمة في كل الأحوال.
إلا الحج والعمرة، الحج والعمرة لو فعلتها تطوعاً وشرعت فيها لا يجوز لك أن تقطعها، هذه نستثنيها من القاعدة الكلية، فإنه من شرع في حج أو عمرة حتى ولو نفلاً لا يجوز له أن يقطعه، يعني شخص قال أنا حججت السنة الماضية بدي أحج السنة هذه نفلاً لله، وهو في نصف الحج قال والله ما بدي أكمل، شعرت بالتعب وأنا أصلاً حججت حجة الإسلام خلص بدي أروح على البيت، ما بينفع؛ إذا شرعت في حج أو عمرة ولو تطوعاً يجب عليك أن تتمه، فتلزم العمرة والحج بمجرد الشروع ولو كان نفلاً.
ثم قال: وأما الفرض، وقال في الفرض يجب ما لم يقلبه نفلاً. الفرض عكس التطوع؛ الفرض إذا شرعت فيه لا يجوز لك أن تبطله إلا في حالة استثنائية يسمح بها الحنابلة أن تقلب نية الفرض إلى نفل. فمر معنا أن الصلاة المكتوبة، لو أنا قلبتها إلى نفل، دخلت بنية الظهر وفي أثناء الظهر حولت النية إلى نفل، هل يجوز؟ يجوز ما دام في الوقت سعة؛ ما دام في الوقت سعة أن تعود تكمل هذا النفل ثم تعود تصلي الفرض. أما إذا الوقت ضاق، هنا لا يجوز لك أن تحول الفرض إلى نفل، فإن فعلت هنا بطلت صلاتك مباشرة وعليك أن تعيد الظهر. إذاً الصلاة المكتوبة إذا شرع فيها الإنسان لا يجوز له أن يبطلها، بدكم تفرقوا بين مسألتين: أنا شرعت في صلاة فرض، هل يجوز لي أن أقطعها؟ لا يجوز. طب بيصير أقلبها نفلاً؟ يجوز، إلا إذا الوقت لا يتسع لقلبها نفلاً فلا يجوز حينئذ.
طيب أنا شرعت في صيام واجب، الآن صيام الواجب نوعين؛ إذا كان صيام رمضان لا، هذا مستحيل تستطيع أن تقلبه نفلاً، لا تستطيع أن تقلبه نفلاً. إذا كان صيام واجب غير رمضان زي ما مر معنا قبل قليل مسألة الكفارة، النذر، القضاء، إذا شرعت فيه ثم قررت أقلبه نفلاً هل يجوز؟ يجوز. إذاً الصيام الواجب إذا كان رمضان لا بد أن تعرفوا أنه رمضان لا يمكن أن تصوم فيه إلا رمضان، وأما إذا كان صيام واجب لقضاء أو كفارة وما شابه ذلك، فإذا أنا مثلاً اليوم بدي أصوم كفارة يمين أو بدي أصوم كفارة لشيء آخر مما يشرع فيه الصيام، وأنا أثناء الصيام قررت أبطله، هل بصير أبطله؟ أقول لك لا ما يجوز.
إذا أنت شغلت في قضاء، وهذه عادة النساء أن ينتبهن لها: امرأة شرعت في قضاء يوم رمضان، قالت أريد أن أقضي وصحيت الصبح صائمة، قالت والله تعبانة شوية وتكاسلت. خلص بصوم يوماً آخر. هل يجوز لها أن تبطل صومها؟ لا يجوز؛ لأنها شرعت في واجب. لكن لها أن تحول نية الفرض -نية القضاء- إلى نفل. والمسألة أن كثيراً من النساء يقولن: إذا أنا شرعت خلص في قضاء يوم، هل بقدر أصوم غيره؟ متكاسلة أكمل صيام، بدي أفطر وبصوم يوماً آخر. أقول لها: لا، إذا شرعت في صوم واجب من قضاء أو كفارة أو ما شابه ذلك باستثناء رمضان، لا يجوز لك أن تفسخي الصوم وتفطري. فقط يجوز لك أن تقلبي النية من فرض إلى نفل؛ يعني من نية قضاء إلى نية تطوع، هذا جائز.
جميل، إذا بدنا نفرق إخواني بين الإنسان الذي شرع في تطوع، والإنسان الذي شرع في واجب. نقول: الإنسان الذي شرع في تطوع لا يجب عليه أن يتمه، وإن كان يكره أن يقطعه من دون عذر. الإنسان الذي شرع في فرض في أمر واجب، هذا لا يجوز له أن يقطعه، لكن يجوز له أن يقلب نيته من فرض إلى نفل. وضحت الفكرة؟ تمام. هكذا نكون انتهينا من الأحكام المتعلقة بالصيام، وسننتقل الآن للأحكام المتعلقة بالاعتكاف.
كم ذهب من الوقت أخي؟ أحسنت. طيب، نشرع الآن في كتاب الاعتكاف، هو جعله كتاباً مستقلاً. لاحظوا الاعتكاف الشيخ مرعي جعله كتاباً مستقلاً ولم يجعله ضمن كتاب الصيام، صح؟ لكن غيره من الحنابلة يجعلونه ضمن كتاب الصيام. وهذه طريقة في التصنيف، البعض يجعله فصلاً من فصول كتاب الصيام؛ لأن الاعتكاف كونه في رمضان يسن أن تعتكف العشر الأواخر، فيتكلمون عن الاعتكاف في رمضان وعن الاعتكاف عموماً، ويذكر هذا ضمن كتاب الصيام. والبعض يفعل كما فعل الشيخ مرعي، يجعل الاعتكاف كتاباً مستقلاً له أحكامه ومراسمه.
طيب قال: كتاب الاعتكاف. ما هو الاعتكاف؟ الاعتكاف في اللغة أحبائي هو لزوم الشيء، كما قال تعالى عن الكفار: ﴿يَعْكُفُونَ عَلَىٰ أَصْنَامٍ لَّهُمْ﴾ [الأعراف: 138]، وإبراهيم لما قال لقومه: ﴿مَا هَٰذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ﴾ [الأنبياء: 52]، يعني لابثون عندها، فالاعتكاف هو اللبث وملازمة الشيء. وأما في الفقه الإسلامي فالاعتكاف هو لزوم مسلم لا غسل عليه -المراد المسلم الذي لم توجد فيه موجب من موجبات الغسل، لأن الذي فيه موجب من موجبات الغسل من جنابة أو حيض أو نفاس هذا لا يستطيع أن يعتكف، اليس كذلك؟ فلذلك قال: لزوم مسلم لا غسل عليه، أي لم يقم به موجب من موجبات الغسل، عاقل، ولو كان مميزاً، مسجداً ولو ساعة، طاعة لله سبحانه.
أعيد التعريف: لزوم مسلم لا غسل عليه -أي لا يلزمه الغسل، بعبارة أخرى لم يقم به موجب من موجبات الغسل- عاقل، لأنه إذا كان مش عاقل ما راح ينفع، ولو كان مميزاً، أن يلزم مسجداً ولو ساعة، طاعة لله عز وجل. هذا تعريف الاعتكاف تقريباً في الفقه الإسلامي. إذاً عرفنا الاعتكاف لغة والاعتكاف شرعاً. الآن نأتي إلى أحكامه. ما حكم الاعتكاف؟ الاعتكاف أحبائي سنة في أي وقت، ويتأكد في العشر الأواخر من رمضان، أو هم يقولون: يتأكد في رمضان عموماً وأكد رمضان العشر الأواخر. أعيد العبارة: يقولون الاعتكاف سنة، ويتأكد في رمضان عموماً، وأكد رمضان العشر الأواخر. لاحظوا الترتيب كيف، إذاً رمضان كله أكد في الاعتكاف من غيره، وأكد رمضان العشر الأواخر. هكذا يقول الحنابلة. طيب هل يمكن أن يصبح واجباً الاعتكاف؟ كيف؟ بالنذر، لذلك قال: ويجب بالنذر. هذه الطريقة الوحيدة التي يجب فيها الاعتكاف على الإنسان.
طيب ما هو أقل مدة للاعتكاف؟ هذه لم يذكرها بنصها. الحنابلة يقولون أقل مدة ساعة، طبعاً في الحقيقة اختلفت عبارات الحنابلة في التعبير عن أقل مدة يصح فيها الاعتكاف. فمثلاً قال بعضهم: وأقله ساعة، وهذا كلام الإنصاف للمرداوي وأكثر الحنابلة. مثلاً ابن مفلح في الفروع يقول: ظاهره ولو لحظة، عبر باللحظة. فيقول ابن مفلح في الفروع: ولو لحظة. وفي كلام جماعة أقله ساعة لا لحظة. بعض الحنابلة قال: لا، ساعة لا لحظة، فبالتالي هؤلاء يرون أن الساعة أعلى من اللحظة. لأنه اللحظة يمكن تصدق عليك أثناء عبورك، إذا أنت فقط مجرد عبورك في المسجد، إذا أنت في لحظات نويت تعتكف في المسجد. فالحقيقة العبارة الأدق وهي التي سار عليها أكثر الحنابلة، ما قالوا ولو لحظة، العبارة الأدق ولو ساعة، حتى يخرجوا قضية العبور من المسجد. فلو أن شخصاً دخل من باب المسجد وخرج من الباب الآخر، وفي أثناء مسيره نوى الاعتكاف، هل يصح؟ لا يصح الاعتكاف، لأنه هذا لا يسمى أصلاً لبثاً، فلا بد إذاً عند الحنابلة حتى يتحقق مفهوم الاعتكاف أن تلبث ولو ساعة.
طبعاً الساعة حقيقة في الفقه القديم ما كانت ستين دقيقة، الساعة عندهم ما كانت كما هي الساعة عندنا الآن. الساعة عندنا ستون دقيقة، ليس كذلك؟ لا، الساعة عندهم فترة من الزمان قصيرة، ضابطها عرفي أكثر من أن يكون ضابطها حدياً، ضابطها العرف. أقول: جلست عند فلان ساعة من النهار، يعني وقتاً من النهار. فالساعة إذاً لا يمكن أن تضبط بحد معين، لكن ضابطها عموماً العرف. أستطيع أن أقول لكم: أقله ما يصدق عليه أنه لبث في المسجد، هذا يطلق عليه أنه ساعة تقريباً. يعني هذا من باب المساعدة، أنه لو سألتموني لما تقول أقل الاعتكاف ساعة، ايش يعني ساعة؟ أقول: أقل ما يصدق علي أنه لبث في المسجد في عرف الناس. ففي عرف الناس هل العبور في المسجد من باب إلى باب يسمى لبثاً؟ لا يسمى لبثاً. ولو أن الرجل دخل لحظة وخرج، هل يسمى لبثاً؟ لا يسمى لبثاً. فلذلك حاولت أن أقرب لكم قول الحنابلة أقل الاعتكاف ساعة، معنى الساعة أقل ما يصدق عليه أنه لبث في عرف الناس. فالقضية سنضطر نذهب فيها للعرف، لأنه لو كانت الساعة عند الفقهاء ستين دقيقة لحللنا المشكلة وانتهت. هم ستون تجلس، لكن الساعة عندهم ليست بهذا المعيار.
فلذلك تقريبية، أحسنت، فلذلك أنا لجأت إلى أن أعرف الساعة بأنها أقل ما يصدق عليه أنه لبث في عرف الناس، إذا نويت فيه الاعتكاف يصح اعتكافك. طبعاً المسألة هذه، تقول لي يا شيخ ليش أنت بتناقش فيها؟ أطلنا فيها الكلام؛ لأنه فيها خلاف، فذهب آخرون تقول أقل الاعتكاف يوم وليلة، إذاً لا اعتكاف عندهم أقل من يوم وليلة. أنه واحد يقول لك أنا أعتكف ساعتين من النهار أو نصف نهار، لا يجزئ عند بعض المذاهب الفقهية. فهي مسألة مهمة أنك تعرف ما هو ضابط الاعتكاف المقبول عند الحنابلة؟ فالحنابلة يقولون لا نحتاج إلى يوم ولا ليومين، يكفي أن تلبث في المسجد أقل ما يصدق عليه أنه لبث في عرف الناس، وهذا معنى قولهم أقل الاعتكاف ساعة، أو يصح الاعتكاف ولو ساعة من النهار كما يعبر البعض. انتهينا من المسألة.
إذاً، هو سنة ويجب بالنذر، وعرفنا أن أقله ساعة، وعرفنا تعريف الساعة تقريباً. الآن سيتكلم عن شروط صحته، فقال وشروط صحته -ما قال وشروط وجوبه؛ لأن الاعتكاف لا يجب إلا بالنذر- فبالتالي الشرع لم يوجبه عليك، بل سنقتصر على شروط الصحة. ما هي شروط صحة الاعتكاف؟ قال ستة أشياء: أولاً النية، ثانياً الإسلام، ثالثاً العقل، رابعاً التمييز. وهذه الأربعة أصلاً هي شروط في كل العبادات إلا الحج، فالحج لا يشترط فيه التمييز فيصح من غير المميز. هذه الأربعة شروط في صحة الصلاة، شروط في صحة الصوم، شروط في صحة الاعتكاف، شروط في صحة كل عبادة، هل تصح عبادة من دون نية؟ لا. هل تصح عبادة من كافر؟ لا. هل تصح عبادة من مجنون؟ لا. هل تصح عبادة من غير المميز؟ لا تصح إلا الحج، هذه تستثني لي إياها. فقد ثبت في الأحاديث أن المرأة أتت إلى النبي صلى الله عليه وسلم بصبي، فقال: «أهذا حج؟» قال: «نعم، ولك أجر». كان دون التمييز، جاؤوها بطفل رضيع فقال: «نعم، ولك أجر»، فهذا استثناء في الحج. بالنسبة للمميز نقول: هل يشترط لصحة الحج التمييز؟ يقولون لا، فيصح من غير المميز. أما سائر العبادات الأخرى، أي عبادة يشترط لصحتها النية والإسلام والعقل والتمييز، لذلك لاحظوا كيف كررها الشيخ في صحة الوضوء، صحة الاستنجاء، صحة الغسل، صحة الصلاة، الصوم، صحة الاعتكاف، كل العبادات تشترط فيها هذه الشروط: نية وإسلام وعقل وتمييز، واستثنينا في موضوع التمييز الحج، فالحج هو من غير المميز.
ثم قال: وعدم ما يوجب الغسل. هذا الشرط الخامس من شروط صحة الاعتكاف، أن لا يكون الإنسان قام به موجب من موجبات الغسل. بالتالي هل يصح الاعتكاف من مجنب؟ لا يصح. طيب يا شيخ نحن مر معنا أن المجنب لو توضأ يجوز أن يلبث في المسجد، صح، لكن لا يصح أن يعتكف، يعني لا يستطيع أن يعتكف وهو على هذه الحالة، اسمه لبث، لكنه لن يكون اعتكافاً. جيد، انتبهوا على هذه النقطة، البعض ممكن يقول لك طيب كيف المجنب أجزتم له أن يلبث في المسجد بالوضوء؟ نقول هذه مسألة مسألة، أجزنا له أن يلبث بالوضوء، لكن لا نصحح له اعتكافه وهو في هذه الحالة. فإذا قام بالشخص موجب من موجبات الغسل كأن كان مجنباً أو كانت المرأة حائضاً أو كانت نفساء فهؤلاء لا يصح اعتكافهم، إن شرط صحة الاعتكاف عدم ما يوجب الغسل.
الشرط السادس والأخير قال: كونه في مسجد، الاعتكاف عند الحنابلة أحبائي يشترط لصحته أن يكون في مسجد ولو كانت امرأة، حتى ولو كانت المعتكفة امرأة لا بد يكون في مسجد. الآن ايش مواصفات هذا المسجد؟ له فيه تفصيل، إذا كان الشخص ممن لا تلزمه الجماعة -نحن مر معنا في كتاب الصلاة من الذين تجب عليهم الجماعة: الرجل الحر القادر- إذا كان الإنسان ممن لا تجب عليه الجماعة، كالنساء لا تجب عليهن الجماعات تمام، والعبيد وغير القادرين على حضور الجماعات، أي إنسان باختصار لا تلزمه الجماعة أن يصلي الصلوات المكتوبة في جماعة، فهذا له أن يعتكف في أي مسجد حتى ولو كان المسجد لا تقام فيه صلاة الجماعة، مسجد ناءٍ على رأس جبل من الجبال، المهم أنه مسجد. أما إذا كان المعتكف ممن يلزمه الجماعة بأن كان رجلاً حراً قادراً لا يوجد له عذر يمنعه من حضور الجماعات، فهذا حتى يصح اعتكافه لا بد أن يكون في مسجد تقام فيه الجماعات. طب هل يشترط يا شيخ أن يكون تقام فيه الجمعة؟
لا، لا يشترط أن يكون مسجداً تقام فيه الجمعة، وإن كان الأفضل أن يكون في مسجد تقام فيه الجمعة، لكن لا يلزمه. ليه؟ لأن الحنابلة إذا ذكرتم في كتاب في باب الجمعة، كم جمعة يصححون في البلدة الواحدة؟ جمعة واحدة، يعني في مسجد واحد. بالتالي لو شرطنا على الرجل أن يعتكف في مسجد تقام فيه الجمعة، عند الحنابلة كل الناس يجب أن يعتكفوا في المسجد الجامع وكل المساجد الأخرى ستهجر، وهذا ليس بسديد، اليس كذلك؟ أن توضح الفكرة. ولذلك يقولون يشترط أن يكون المسجد، إذا كنت ممن يلزمك صلاة الجماعة، كنت رجلاً حراً قادراً، فيلزمك حتى يصح اعتكافك أن تعتكف في مسجد تقام فيه صلوات الجماعة: الظهر، العصر، المغرب، العشاء، الفجر، حتى ولو كانت الجمعة لا تقام فيه، وإن كان الأفضل أن تكون في مسجد تقام فيه الجمعة حتى لا تحتاج إلى أن تغادر مسجد اعتكافك عند وقت صلاة الجمعة لتذهب إلى المسجد الآخر.
جيد، إذاً انظروا ايش قال: ويزاد في حق من تلزمه الجماعة، إذاً أن يكون الاعتكاف في مسجد، هذا شرط للجميع، لكن يزاد في حق من تلزمه الجماعة أن يكون هذا المسجد له مواصفة معينة، أن يكون المسجد مما تقام فيه الجماعة. جيد، قال: ومن المسجد الآن سيتكلم لك عن ما هو حد المسجد. أنا هنا انتهيت من شروط صحة الاعتكاف ستة: نية، إسلام، عقل، تمييز، أن لا يقوم بك موجب من موجبات الغسل، وأن يكون في مسجد. سيتكلم الآن ما المسجد، قال: ومن المسجد ما زيد فيه، ومنه سطحه ورحبته المحوطة ومنارته التي بابها فيه. الآن أحبائي ركزوا، انتبه يا أخي علاء الصوت، الآن المسجد أحبائي ما حدوده عند الحنابلة؟ هذه مسألة مهمة؛ لأنه بعض الناس يفكر أنه بمجرد...
وإذا وضع قدمه خارج سجاد المسجد؛ هل خرج من المسجد؟ كلا. الحنابلة يقولون: المسجد يشمل المبنى الذي يُصلَّى فيه، والساحة المحيطة بهذا المبنى بشرط أن تكون هذه الساحة مُسوَّرة؛ لذلك قال: "الرحبة المحوطة". ما معنى الرحبة؟ الرحبة هي الساحة الخارجية. والمحوطة تعني المسورة؛ فإذا كانت الساحة الخارجية للمسجد ليست مسورة لا تعتبر طبعاً للمسجد. فالمسجد يشمل البناء الذي يُصلَّى فيه، والساحة الخارجية المسورة، ويشمل سطحه أيضاً.
ويشمل المنارة؛ قديماً أحبائي منارات المساجد التي نسميها مآذن ما كانت توضع مثل اليوم فوق المسجد على السطح، لا، كانت توضع بشكل مستقل، بناية مستقلة. يوجد الآن في بعض المساجد، أنا رأيت بعض المساجد مآذنهم مستقلة، وتكون منارة طويلة وهنا بابها. ويقول الحنابلة: إذا كانت المنارة، أو على الأقل باب المنارة، في داخل المسجد، أيضاً تعتبر المنارة من المسجد. فلو شخص اعتكف في المنارة ما عندنا مشكلة بهذا الضابط؛ أن تكون المنارة أو على الأقل بابها في داخل المسجد مباشرة، حتى ولو كانت مثلاً هي في الخارج، خارج الساحة المحوطة، بس الباب جوا الساحة المحوطة هي في المسجد.
إذاً، المسجد عند الحنابلة يشمل ماذا أحبائي؟ المبنى الذي يُصلَّى فيه، والساحة المحوطة، والسطح، ومنارة المسجد التي هي أو بابها في داخل المسجد أو في داخل الساحة المحوطة. انتبهنا على هذه الفكرة جيد.
ثم قال رحمه الله: "ومن عيّن الاعتكاف بمسجد غير الثلاثة لم يتعيّن". المساجد الثلاثة هي المسجد الحرام، ومسجد النبي ﷺ في المدينة، والمسجد الأقصى. الآن يقول الحنابلة: لو شخص عيّن الاعتكاف، عيّن الاعتكاف يعني نذر على نفسه أن يعتكف في مسجد ديرته، مسجد الحي الذي يسكن فيه، هل يلزمه أن يوفي بنذره في داخل هذا المسجد؟ ولا له أن يعتكف في أي مسجد؟ له أن يعتكف في غيره، أي في أي مسجد، من عيّن الاعتكاف، يعني من نذر هذا المقصود، من نذر أن يعتكف في مسجد من المساجد باستثناء المساجد الثلاث. المساجد الثلاث خلوا لي إياها على جنب الآن.
أنا نذرت أعتكف في مسجد المنطقة، هل يجوز لي أن أوفي بنذري في مسجد آخر؟ نعم، لا يتعيّن؛ لأنه كل المساجد هي بيوت الله سبحانه وتعالى باستثناء المساجد الثلاث. فإذا عيّنت أحد المساجد الثلاث، المسجد الحرام أو مسجد المدينة أو المسجد الأقصى، فليس لك أن تعتكف في أي مسجد آخر. فمثلاً أنا أو شخص خلينا نقول نذر أن يعتكف في المسجد الأقصى، ليس له أن يعتكف في مسجد منطقته، ويقول: والله مش قادر والمسجد الأقصى، خلص بعتكف في مسجد المنطقة، ما بنفع. أو شخص نذر أن يعتكف في المسجد الحرام، ما بنفع يعتكف في مسجد بالحي.
جيد، الآن فيما يتعلق بالمساجد الثلاث هذه مسألة تتعلق بها، وهو من نذر أن يعتكف في مسجد من المساجد الثلاث له أن يعتكف في المسجد الذي هو أعلى ثواباً منه. إيش يعني؟ إذا أحبائي أنتم تعرفون المساجد الثلاث: المسجد الحرام، المسجد النبوي، والأقصى، صح؟ أيها أعظم ثواباً؟ الحرام، لذلك أعطيته رقم واحد، ثم النبوي، ثم المسجد الأقصى. أعلاها ثواباً المسجد الحرام، ثم المسجد النبوي، ثم المسجد الأقصى، كما جاء في ذلك الآثار.
الآن ركزوا، إذا نذر وعيّن أن يعتكف في المسجد الأقصى؛ هسا عرفنا أنه لا يصح أن يعتكف فيما هو دون المسجد الأقصى من المساجد العادية في بقاع الأرض، لكن له أن يعتكف في المسجد النبوي والمسجد الحرام بدلاً من الأقصى. شخص جاء وقال: لله عليَّ أن أعتكف في المسجد الأقصى، بعدين صحصح على حاله قال: يا عمي أنا وين بدي أروح على المسجد الأقصى وهو في يهود والدنيا، نسأل الله أن يفرج عن المسجد الأقصى وأن يرده إلى حياض المسلمين. قال: جاء إليك فقال لك: يا شيخ إيش الحل؟ والله أنا نذرت أعتكف في المسجد الأقصى، والظاهر شكلي راح أموت قبل ما يتحرر المسجد الأقصى. فإيش أفعل؟ هل تقولوا: خلاص اعتكف في مسجد حارتك؟ لا، ما بنفع، لأن المسجد الأقصى أعلى فضلاً منه. نقول لك: لك أن تعتكف في المسجد النبوي والمسجد الحرام، لأنه أعلى ثواباً من المسجد الأقصى ويجزئ ذلك عنك.
طيب، إذا شخص نذر أن يعتكف في المسجد النبوي، لاحظوا الآن مسألة أخرى، شخص نذر أن يعتكف في المسجد النبوي، هل له أن يعتكف في مسجد دونه في الأجر؟ لا، فليس له أن يعتكف في مسجد الحارة والمنطقة ومساجد الأرض، وليس له أن يعتكف في المسجد الأقصى. ولوين هذا كيف يا شيخ؟ هل له بديل غير المسجد النبوي؟ نعم، له بديل واحد، أن يعتكف في المسجد الحرام بدلاً من المسجد النبوي. يعني باختصار، هذه المساجد الثلاث إذا عيّنت الاعتكاف في أحدها، لك أن تعتكف فيه وفيما هو أعلى منه، وليس لك أن تعتكف فيما هو أدنى منه. طيب، شخص نذر أن يعتكف في المسجد الحرام، هذا خلاص ما عنده أي حل آخر، لا يستطيع أن يعتكف في مساجد المنطقة أو المحل التي هو فيها، ولا يستطيع أن يعتكف في المسجد النبوي ولا في المسجد الأقصى؛ لماذا؟ لأنها أقل ثواباً منه.
جيد، هذا الحكم خاص بالمساجد الثلاث. إذاً من عيّن الاعتكاف بمسجد غير الثلاث لم يتعيّن؛ فإذا نذرت أن تعتكف في مسجد منطقتك، لك أن تعتكف في أي مسجد في العالم. وإذا عيّنت أحد المساجد الثلاث، ليس لك أن تعتكف فيما سواها، داخل المساجد الثلاث إذا عيّنت أحدها، فلك أن تعتكف فيه وفيما هو أعلى ثواباً منه.
طبعاً إخواني في الحقيقة هناك مسألة في المذهب لقضية من نذر أن يعتكف في مسجد جمعة، هذه لم يذكرها، هذه اكتبوها عندكم أضيفوها. المذهب عندنا من نذر الاعتكاف في مسجد جمعة، فليس له أن يعتكف في مسجد لا تُقام فيه الجمعة. هذه أضيفوها كاستثناء، بس أنت مثلاً أنا عيّنت الاعتكاف في مسجد تُقام فيه الجمعة، ممتاز. جاءني صاحبي فقال لي: إيش رأيك نروح على مسجد بنائي على رأس جبل لا يوجد فيه أحد من الناس، خلاء وأفضل لنا في الاعتكاف؟ فبأسأله: هل هذا المسجد تُقام فيه الجمعة ولا لا؟ إذا قال: لا والله يا شيخ هذه منطقة نائية لا تُقام فيها الجمعة، بنفع أذهب معك إلى المسجد الثاني؟ لا، إذا نذرت الاعتكاف في مسجد جمعة، لك أن تنتقل إلى مسجد آخر نعم، بس بشرط أن تُقام فيه الجمعة أيضاً. جميل، لكن ليس لك أن تنتقل إلى مسجد لا تُقام فيه الجمعة. هسا احنا ابتداء عرفنا لا يلزمنا أن نعتكف في مسجد تُقام فيه الجمعة، فإذا أنت نذرت وألزمت نفسك أن يكون المسجد تُقام فيه الجمعة، يلزمك أن تعتكف في مسجد تُقام فيه الجمعة وليس لك أن تنزل عن ذلك.
ثم قال: "ويبطل الاعتكاف". سيتكلم الآن عن مبطلات الاعتكاف، بعد أن عرفنا شروط صحة الاعتكاف وعرفنا حدود المسجد الذي يعتكف فيه، بدنا نعرف مبطلاته. قال: "ويبطل الاعتكاف بالخروج من المسجد بغير عذر". هذا واضح، أي عملية خروج من المسجد لغير عذر هذه تبطل الاعتكاف. ولو ذكرنا إيش مثلاً ممكن الإنسان يخرج من المسجد لأعذار؛ سيذكر الآن هو بعض الأعذار فيما يأتي إن شاء الله.
مثلاً لو خرج ليتبول ليغتاط مثلاً، المسجد ما فيه دورات مياه، أو خرج مثلاً احتلم في المسجد وأصبحت عليه جنابة، احنا بنقدرش نكمل الآن، لابد يخرج ليتطهر. خرج ليأتي بطعام بشراب، ولا يوجد من يأتي له بالطعام والشراب. هذه كلها حوائج إنسانية باختصار، الحوائج البشرية من الطعام أو الشراب أو البول أو الغائط، أو احتاج إلى استحمام أو طهارة واجبة، فخرج من المسجد لهذه الأعذار، هذا لا يبطل الاعتكاف. أما إذا خرج لغير عذر، والله وين رايح يا فلان؟ والله رايح أزور والدتي، قلت: جزاك الله خيراً، فعل خير إن شاء الله، لكن اعتكافك بطل؛ لأن هذا ليس عذراً. أو مثلاً أين ذهب يا فلان؟ والله رايح على تجارتي، رايح أفتح المحل، أو رايح مثلاً على مطعم مع الأصدقاء وراجع، هذه كلها لا أعذار فيها، فيبطل بها الاعتكاف.
إذاً، بالخروج من المسجد لغير عذر يبطل الاعتكاف. اثنين: "وبنية الخروج ولو لم يخرج". هذا المبطل الثاني، وهذه مرّت معنا في الصيام، أنه إذا شخص عزم على أن يفطر يفطر ولو لم يأكل فعلاً، أو يرتكب مبطلاً من المبطلات الحسية، فكذلك إذا إنسان عزم على فك الاعتكاف بطل اعتكافه حتى ولو لم يخرج، وعليه أن يجدد نية جديدة.
ثالثاً: "الوطء في الفرج"، شخص جامع زوجته في المسجد، بطل اعتكافه. ما حكم الجماع في المسجد؟ المذهب عند علمائنا يحرم أصلاً؛ لأن المساجد لم تُبنَ لهذا، وهذا من أبعد الأشياء التي تفعل في المسجد، فهذا لا يليق بالمساجد فهو حرام، ولو فعلته وأنت معتكف ما حكم الاعتكاف؟ بطل اعتكافك.
رابعاً: "الإنزال بالمباشرة دون الفرج"، لو شخص جاءته زوجته في المسجد زيارة وهو معتكف، قال: أنا ما بدي أجامع لأن الجماع في المسجد حرام وبعرف أنه بيبطل الاعتكاف، أنا بس فقط يا شيخ باشرتها، قبلتها، فعلت شيئاً من الأفعال، نقول لك: تمام، هل أنزلت ولا ما أنزلت؟ إذا قال: والله ما أنزلت، نقول لم يبطل الاعتكاف. إذا قال: أنزلت، بطل اعتكافك؛ لذلك قال: "وبالإنزال بالمباشرة"، يعني نزول المني، فهذا قيد أنه مش المباشرة فقط، لا، المباشرة إذا تبعها إنزال. إذاً بالإنزال بالمباشرة دون الفرج، يعني إذا لم يكن هناك جماع وإنما كان هناك مجرد مباشرة وأنزل منها يبطل.
قال: "وبالردة"، إذا ارتد، وهذا مرّ معنا أن هذا في كل العبادات إذا ارتد الإنسان فإنها تبطل.
"وبالسكر"، لأنه من شرط الاعتكاف ما هو؟ وجود العقل، فإذا هو أزال عقله بالسكر بطل اعتكافه.
طبعاً يمكن أن نلحق بها ولم يذكره، إذا قام بالإنسان موجب من موجبات الغسل لا يستطيع أن يذهب فيغتسل منه ويأتيه؛ امرأة حاضت أو أصبحت نفساء، الآن هذه يلزمها أن تخرج من المسجد وهي لا تستطيع أن تذهب فتأتي وتعود؛ خلص في أيام حيض سبعة أيام، فهذا فعلياً نبطل اعتكافها. فهذا نضيفه وهو المرأة إذا حاضت أو أصبحت نفساء. أما إذا احتلم الإنسان، ممكن يقول لك شخص: طيب الاحتلام يا شيخ؟ لا، إذا احتلم الإنسان فهنا له عذر في الخروج من المسجد، فيذهب يغتسل ثم يعود ولا يبطل اعتكافه؛ فبدكم تفرقوا هنا أنه ممكن شخص يقول لك: طب إيش الاحتلام؟ برضه موجب من موجبات الغسل، لذلك أنا قلت لكم موجب لا يمكن تداركه؛ لأن الاحتلام استيقظت في المسجد وأنت محتلم، تستطيع مباشرة تذهب وتغتسل وترجع، لكن المرأة إذا حاضت هل تستطيع أن تذهب تغتسل وترجع؟ بدها تجلس سبعة أيام، ستة أيام، وكذلك النفساء ستجلس؛ بالتالي قالوا المرأة إذا حاضت أو أصبحت نفساء بطل اعتكافها.
ثم قال: "وحيث بطل الاعتكاف". نعم سيتكلم عن الاعتكاف المنذور، أحكام تتعلق بالاعتكاف المنذور. وحيث بطل الاعتكاف بسبب من الأسباب الستة التي ذكرها، قال: "وجب استئناف النذر المتتابع غير المقيد بزمن، ولا كفارة، وإن كان مقيداً بزمن معين استأنفه وعليه مع ذلك كفارة يمين لفوات المحل".
الآن إخواني النذر للاعتكاف له أحوال، الحالة الأولى: أن ينذر اعتكافاً غير متتابع، لما نذر الاعتكاف نذره بصيغة لا تتابع فيها، مثل ايش؟ قالوا لو قال: لله عليّ أن أعتكف خمسة أيام، الآن كلمة خمسة أيام عند العرب لا تستلزم التتابع، صح؟ لو قال: لله عليّ أن أعتكف خمسة أيام، لفظة خمسة أيام عند العرب لا تستلزم التتابع. مثلاً لو قلت أنا: لله عليّ أن أصوم ستة أيام، هل يلزمني أصومها متتابعة؟ لا، أنا يلزمني أصوم ستة أيام، إن شاء الله صمت اليوم واحداً، والثاني بعد شهر، والثالث بعد شهر، ما في مشكلة، المهم أني أصوم ستة أيام، فلفظ ستة أيام هذا لا يقتضي عند العرب التتابع.
فالألفاظ التي لا تقتضي التتابع لو أن شخصاً نذر بها نقول: هذا إنسان نذر اعتكافاً أو صوماً لا تتابع فيه. وخلوني أركز أنا على الاعتكاف، دعونا من الصوم، إذاً مثاله قال: لله عليّ أعتكف خمسة أيام. جيد، الآن هذا الشخص شرع في اعتكاف يوم من هذه الأيام، جيد، الآن هو نذر خمسة أيام وعرفنا أن هذا لا يلزمه التتابع، المهم شرع في واحد من هذه الأيام، أول يوم أثناء اعتكافه ارتكب مبطلاً من المبطلات، ايش عليه يعمل الآن؟ هل عليه كفارة؟ لا عليه شيء، ولا عليه مجرد أن يقضي هذا اليوم، عليه أن يقضي هذا اليوم فقط.
إذاً من نذر اعتكافاً لا تتابع فيه وشرع في أحد أيامه فأبطله بأحد المبطلات التي ذكرها الشيخ، هذا عليه أن يأتي بيوم آخر، عليه أن يأتي بيوم آخر مكان هذا اليوم الذي أبطله، يعتكف يوماً آخر.
الحالة الثانية: أن ينذر اعتكافاً متتابعاً، طبعاً هذه الحالة الأولى ما ذكرهاش الشيخ مرعي، اذكروها اللي هو الاعتكاف غير المتتابع. الشيخ مرعي فصّل في الاعتكاف المتتابع فقط، الحالة الثانية إذا نذر اعتكافاً متتابعاً.
الآن إذا نظرنا في الاعتكاف المتتابع؛ فإما أن ينذر اعتكافًا متتابعًا في وقت معين، أو ينذر بغير وقت معين. إذا نذرت اعتکافًا متتابعًا، فما هي الصيغ التي تفيد التتابع عند العرب؟
قالوا لو قال: «لله علي أن أصوم أسبوعًا»، فكلمة الأسبوع تدل على لزوم التتابع؛ لأن الأسبوع عند العرب معناه سبعة أيام متتالية. أو لو قال: «لله علي أن أعتكف شهرًا»، فكلمة شهر عند العرب تدل على ثلاثين يومًا متتابعة. فهذا يعود إلى طبيعة اللفظة المستعملة في النذر؛ فهناك ألفاظ لا تدل على التتابع كخمسة أيام أو ثلاثين يومًا، وهناك ألفاظ مقتضاها عند العرب يفيد التتابع كالشهر والأسبوع.
فإذا كان نذرك بلفظ يفيد التتابع، هنا تفصيل: إن نذرت نذرًا متتابعًا في وقت معين، كأن قلت: «لله علي أن أعتكف شهرًا»، وقصدت به شهر رمضان من هذا العام، فهنا نذرت شهرًا متتابعًا وفي وقت معين. فإذا شرعت في اعتكاف رمضان هذا العام، ثم في نصف رمضان ارتكبت مبطلًا من مبطلات الاعتكاف التي ذكرناها، فما الذي يلزمك في هذه الحالة عند الحنابلة؟
يلزمك أمان في هذه الحالة أمران: استئناف الاعتكاف، ومعناه إعادة الاعتكاف من أول؛ أي تعيد الشهر من جديد، ويلزمك أيضًا كفارة يمين؛ بسبب أنك ضيعت المحل الذي نذرت الاعتكاف فيه، لأنك نذرت نذرًا متتابعًا في وقت معين وهو رمضان هذا العام.
وهنا سؤال في خلاف عند الحنابلة: هل يكون استئناف الشهر من جديد مباشرة، أم يجب أن أنتظر رمضان السنة القادمة؟ هناك وجهان في المذهب في هذه المسألة الفرعية؛ هل أعيد الاعتكاف في أي وقت مع كفارة اليمين، أم يلزمني أن أعيده في مثل هذا الوقت في العام القادم؟ هذا محل تجاذب؛ فهناك وجه في المذهب أنه يعيد في العام القادم في نفس الوقت، وهناك قول آخر أنه يعيده في أي وقت ما دام سيخرج كفارة اليمين.
أما إذا كان نذرًا متتابعًا في غير وقت معين، كأن قال: «لله علي أن أعتكف شهرًا»، ولم يحدد وقتًا معينًا، فلم يقل الشهر القادم أو رمضان هذا العام أو شهر ذي الحجة، ففي هذه الحالة يلزم التتابع إذا شرع في هذا الشهر. فإذا أبطال الاعتكاف في أثنائه، عليك أن تعيد الشهر من جديد، لكن هنا لا تلزمك كفارة يمين لأنك لم تفوت محلاً معينًا؛ فأنت نذرت نذرًا متتابعًا لكن في غير محل معين. فإذا شرعت في الأسبوع وأفسدته بمفسد من المفسدات، نقول فسد الاعتكاف كاملاً، وعليك أن تعيد أسبوعًا آخر، لكن لا يلزمك كفارة يمين لأنك ابتداءً لم تقيد نفسك بوقت معين.
أعطيكم مثالًا نختبر به مدى استيعابكم: إنسان نذر أن يعتكف ثلاثين يومًا، وشرع فيها متتابعة؛ اعتكف اليوم الأول والثاني والثالث، وفي اليوم السادس عشر أبطل اعتكافه بمبطل من المبطلات. ما الذي يلزمه؟ هل يلزمه أن يعيد اعتكاف الخمسة عشر يومًا الماضية؟ كلا. لماذا؟ لأن صيغته كانت: «لله علي أن أعتكف ثلاثين يومًا»، فهذا نذر غير متتابع، وبالتالي لا يلزمه أن يؤديه متتابعًا، فإذا فعله متتابعًا فهو حر. فقد بدأ به متتابعًا، فالخمسة عشر يومًا التي اعتکفها صحيحة وأجزأت، واليوم السادس عشر الذي أفسده يعيده ويكمل الثلاثين يومًا.
فهذا هو الفرق بين النذر غير المتتابع، والنذر المتتابع في وقت معين، والنذر المتتابع في غير وقت معين: النذر المتتابع في وقت معين إذا أفسدته في أثنائه عليك الاستئناف من جديد والقضاء. والنذر المتتابع في غير وقت معين إذا أفسدته في أثنائه عليك الاستئناف من جديد. أما النذر غير المتتابع إذا أفسدته في أثنائه فلا يلزمك أن تعود من جديد؛ لأنك لا تلتزم بالتتابع، فالشيء الذي أفسدته فقط هو الذي تعيده وتبني وتكمل. هذه هي الفكرة عند سادة الحنابلة -رضوان الله تعالى عليهم-.
لذلك قال الشيخ مرعي: «وحيث بطل الاعتكاف وجب استئناف النذر المتتابع غير المقيد بزمن»، وهو يتكلم هنا عن النذر المتتابع غير المقيد بزمن، فقال: «عليك أن تستأنفه»، أي تعيده من جديد ولا كفارة، فليس فيه كفارة يمين. «وأما إن كان مقيدًا في زمن معين، عليه أن يستأنفه»، قال: «استأنفه وعليه علاوة على ذلك كفارة اليمين». أما النذر غير المتتابع فهو لم يتطرق إليه أساسًا وأنا بينت لكم حكمه.
ثم قال مسألة أخرى: «ولا يبطل الاعتكاف إن خرج من المسجد لبول أو غائط أو طهارة واجبة، أو لإزالة نجاسة، أو لجمعة تلزمه، ولا إن خرج للإتيان بمأكل ومشرب لعدم خادم، وله المشي على عادته». نحن ذكرنا من مبطلات الاعتكاف الخروج من المسجد بدون عذر، فالآن جاء ليبين ما هي الأعذار التي يجوز الخروج لها، ولو خرجت لها لا يفسد ولا يبطل اعتكافك.
قال: «ولا يبطلن الاعتكاف إن خرج من المسجد لبول أو غائط، أو لطهارة واجبة»؛ كأن يحتاج أن يتطهر وليس هناك مكان للتطهر داخل المسجد، كغسل من احتلام أو وضوء أو ما شابه ذلك. «أو لإزالة نجاسة»؛ فيحتاج أن يزيل النجاسة من أجل أن يصلي ولا يجد مكانه في المسجد لإزالتها. «أو لجمعة تلزمه»؛ أي يحتاج أن يخرج من المسجد من أجل أن يحضر صلاة الجمعة التي تلزمه.
انتبهوا لقوله: «جمعة تلزمه»؛ يعني إذا كان الشخص ممن لا تلزمه الجمعة فخرج إليها بطل اعتكافه؛ لأنه قال جمعة تلزمه. فإذا كان الشخص لا تلزمه الجمعة، مثل امرأة قالت: «أنا معتكفة في المسجد وسأصلي الجمعة»، فخرجت من المسجد إلى مسجد الجمعة، بطل اعتكافها؛ لأن خروجها حينئذٍ...
ليس بعذر. أما المعذور هو الذي عنده جمعة تلزمه. قال: ولأن خرج للإتيان بمأكل ومشرب لعدم خادم؛ ركزوا إذا، المأكل والمشرب هناك خادم يأتيك به أو شخص تكفل لك به، لا يجوز لك أن تخرج. أما إذا كان لا يوجد شخص تكفل لك بالطعام والشراب فانت حينئذ مضطر أن تخرج لحاجتك.
قال: وله المشي على عادته. الإنسان لما يخرج، أحبائي، سواء خرج لإزالة نجاسة أو لمطعم ومشرب أو لجمعة، هل نلزمه بأن يسرع في المشي؟ نقول: هل نلزمه بأن يسرع في الذهاب والعودة؟ أم يستطيع أن يمشي على عادته؟ له أن يمشي على عادته، صح. وخرج لعذر، لكن ما نقول له: بدك تخرج سريع وترجع سريع؟ نقول له: لك أن تسير على عادتك، لكن لا تبطل أيضًا أكثر من اللازم. لذلك، والله المشي على عادته.
ثم قال: وينبغي لمن قصد المسجد. ينبغي هنا، يعني الانبغاء، هل هو حكم شرعي؟ الأحكام الشرعية خمسة تكليفية: إيجاب، ندب، تحريم، كراهة، إباحة. هذه ينبغي ليست من الأحكام التكليفية، فينبغي أن نفسرها، ينبغي أن تفسر هنا بالسنية، يعني ينبغي بمعنى يستحب.
جيد، لمن قصد المسجد أن ينوي الاعتكاف مدة لبثه فيه، لا سيما إن كان صائماً. المذهب عندنا، أحبائي، يقولون لك يسن لك، يسن ويستحب. إذا أنت كنت ذاهبًا إلى المسجد وستلبث فيه، حتى لو كنت رايحًا تصلي المكتوبة وتعود، حتى لو كان بينك وبين شخص مقابلة في المسجد وتنتهي، أي ذهاب للمسجد إذا كان سيكون فيه لبث، في الحنابلة يريدون أن تغتنم هذه اللحظات، فيقول لك: يا أخي انوِ الاعتكاف، ايش خسران؟
فهمتم؟ أي ذهاب للمسجد إذا كان سيكون معه لبث، يسن لك أن تنوي فيه الاعتكاف أو معه الاعتكاف حتى تحصل هذه الفضيلة، بدل ما أنت لابس، ليش ما تحصل أجر الاعتكاف؟ بدل ما يضيع أجر اللبس عليك.
قال: لا سيما إن كان صائماً. لماذا؟ لأن يقولون الاعتكاف يتأكد مع الصوم، الاعتكاف يتأكد فضله مع الصوم، بل هناك مذاهب فقهية لا تصحح الاعتكاف من دون صوم. طبعًا مذهبنا لا يصحح الاعتكاف من دون صوم، لكن يقولون إذا كنت صائماً فالاعتكاف أكد سنية في حقك، هذا مذهبنا. أما أنه يصح من دون صوم؟ نعم، يصح من دون صوم.
وهذا نهاية كلامنا في باب الاعتكاف وفي كتاب الصيام عموماً، ونشرع إن شاء الله في المحاضرة القادمة في كتاب الحج، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
الشيخ إبراهيم رفيق الطويل