بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله الذي علم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم، أحمد سبحانه وتعالى حمد الذاكرين الشاكرين، وأصلي وأسلم على المبعوث رحمة للعالمين، ومحجة للسالكين، نبينا وحبيبنا وقرة أعيننا محمد، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً مباركاً إلى يوم الدين. حياكم الله أحبائي إلى مجلس جديد نعقده في مدارسة كتاب دليل الطالب لنيل المطالب مع الإمام مرعي بن يوسف الكرمي، على مذهب السادة الحنابلة رضوان الله تعالى عليهم.
موعدنا اليوم أحبائي مع باب جديد من أبواب المعاملات؛ ألا وهو باب الوقف. وهذا الباب أظن أن أكثركم على دراية بجملته. وابتداءً، قبل أن ندخل في تكييف الوقف ومعرفة ما هو الوقف؛ هل هو عقد من العقود، أم هو حق من الحقوق، أم تصرف من التصرفات؟ لا بد وأن نبين مفهوم الوقف؛ لأن معرفتنا لمفهوم الوقف لربما تساعدنا على تكييفه ومعرفة أين يمكن أن ينتظم تحت أبواب المعاملات.
فما نبدأ بالمعنى اللغوي فنقول: الوقف لغة هو الحبس؛ فتقول: وقفت الدابة، يعني حبستها. وقفت الشيء، يعني حبسته. وبنو تميم يقولون: أوقفت الدابة، يقولون: أوقفت الدابة وأوقفت الشيء بهمزة التعدية. والمشهور هي اللغة الأولى بدون همزة التعدية، أن تقول: وقفت هذا الشيء. إذاً هي وقفت وأوقفت، ومعناها في اللغة الحبس. وأما في المفهوم الشرعي، وانتبهوا هنا لتعريف الوقف شرعاً؛ لأن التعريف كبير وفيه العديد من التفاصيل. فيقولون: الوقف في الشريعة هو تحبيس.
ولاحظوا أن هذا التعريف صدر بكلمة تحبيس؛ لأن المعنى اللغوي أصلاً للوقف هو الحبس. الوقف في الشريعة هو تحبيس ممن؟ من مالك، تحبيس من مالك جائز التصرف، وهو العاقل البالغ الحر الرشيد. تحبيس يقوم به مالك جائز التصرف لأي شيء؟ يحبس ماذا؟ قال: لماله الذي يمكن الانتفاع به مع بقاء عينه. فإذن الوقف لا يكون لأي مال، بل للمال الذي يمكن أن ينتفع ويستغل مع بقاء العين موجودة، مع بقاء العين موجودة بحيث لا تكون العين تذهب خلال الاستهلاك؛ لأنه مال الإنسان من أموالنا، هناك أموال لا ننتفع بها إلا باستهلاكها، هكذا خلقت، مثل الأطعمة، مثل الأشربة، كذلك مثل الشمع، مثل الدهن، كثير من هذه الأمور الحياتية التي نمتلكها من أموالنا طبيعتها أن الانتفاع بها يكون من خلال استهلاكها.
وهناك أموال عندنا لا ينتفع بها لكن من دون أن يكون لهذا الانتفاع مستهلكاً لعينها، كأن يكون عندي عقار، أرض أزرعها؛ الآن الأرض هذه لما ينتفع بها لا تستهلك عينها. أو عندي شقة أؤجرها؛ إذن الآن هذه الشقة لما يتم الانتفاع بها بالسكنى مني أو من غيري لا تستهلك عينها. فالوقف إذاً هو يتعلق بالأموال التي يمكن الانتفاع بها مع بقاء عينها قائمة، فهو من هذه الجزئية يشبه الإجارة؛ لأننا في الإجارة شرطنا في العين التي تؤجر أن تكون هذه العين يمكن الانتفاع بها مع بقاء عينها، وكذلك الوقف. فالوقف إنما يكون في الأموال والأعيان التي يمكن الانتفاع بها مع بقاء أعيانها.
إذاً نعيد التعريف لأننا ما أنهيناه لسه: أن يحبس مالك جائز التصرف من ماله ما يمكن الانتفاع به مع بقاء عينه بقطع تصرفه وتصرف غيره في رقبته. أو خلينا نقولها بعبارة أدق: بقطع تصرفه وتصرف غيره في رقبة هذه العين. إذاً هذا المقطع من التعريف هو في الحقيقة توضيح لمعنى الحبس. ما معنى أن نقول: الوقف تحبيس مالك جائز التصرف لماله أو لجزء من ماله الذي يمكن الانتفاع به مع بقاء عينه؟ ما معنى أن يحبسه؟ هذا كأنه شيء من توضيح فكرة التحبيس، أي أنه يقطع تصرفه وتصرف غيره من باب أولى في رقبة هذه العين.
والمراد بالتصرفات: التصرفات التي تنقل الملكية فيها؛ فأنا كشخص إذا وقفت سيارةً أو عقاراً، ما معنى أنني أوقفت؟ يعني حبست هذه السيارة، أو حبست هذا العقار، أو حبست هذا الأثاث. ما معنى أنني حبسته؟ معنى أنني حبسته -ركزوا فيها- أي أنني قطعت تصرفي أنا وتصرف غيري من باب أولى في رقبة هذا العقار، وفي رقبة هذه السيارة، وفي رقبة هذا الأثاث. لكن عن أي تصرف يتكلمون؟ يتكلمون عن التصرفات التي تنقل الملكية كالبيع وكالهبة وكالوصية به لشخص؛ أي تصرف ينقل الملكية يصبح أنا وغيري من باب أولى -أنا يعني المالك، وغيري من باب أولى كالورثة وغيرهم- ممنوعون من التصرف بها. أي تصرف ينقل الملكية يصبح ممنوعاً علي أنا المالك، وممنوعاً على غيري من باب أولى في هذه العين، في رقبة هذه العين.
ثم ختم في التعريف فقال: ويصرف ريعه، أي ما ينتج من هذا الوقف، ما يخرج منه، يصرف ريعه إلى من؟ قال: إلى جهة البر؛ إلى جهات فيها بر، خير، معروف، مثل الفقراء، مثل المساكين، مثل طلبة العلم، مثل مرضى السرطان، أو ما شابه ذلك، أعاننا الله وإياكم.
إذاً هذا مفهوم الوقف؛ تحبيس يقوم به مالك جائز التصرف لماله أو لجزء من ماله الذي يمكن الانتفاع به مع بقاء عينه. طيب، ما معنى التحبيس؟ أي أن يقطع -وهذا جعله جزءاً من التعريف- من خلال قطعه لتصرفه أو تصرف غيره من باب أولى في رقبة هذه العين. والمراد التصرفات التي تنقل الملكية، أما التصرفات التي لا تنقل الملكية سيأتي معنا أنها يعني تجوز ضمن ضوابط وشروط معينة. لكن عموماً، المراد بقوله: بقطع تصرفه وتصرف غيره في رقبة الشيء الموقوف، أي التصرفات التي تنقل الملكية، فمن وقف عيناً لا يستطيع أن يبيعها. أنا وقفت هذا الجوال بما أنني وقفته للفقراء أو المساكين؛ معناه أن هذا الجوال سينتفع به مع بقاء عينه، وأصبحت أنا كمالك وغيري من باب أولى ممنوعين من التصرف بهذا الجوال تصرفاً ينقل ملكيته، فلا نستطيع أن نبيعه لشخص ولا أن نهبه ولا أن نوصي به، خلص أصبح وقفاً، أصبح وقفاً.
ينتفع بهذه العين مع بقاء العين موقوفة، فلا يجوز لا للمالك ولا لغيره إمكانية التصرف برقبة هذه العين تصرفات تنقل الملكية فيها، وريعها وما ينتج منها وما يخرج منها يكون مصروفاً إلى جهات البر كما سيأتي معنا. جيد؟ إذًا هذا تعريف الوقف عموماً.
دعونا من خلال هذا التعريف -بما أننا عرفنا أن الوقف هو تحبيس يقوم به المالك الجائز التصرف لجزء من ماله أو لماله عموماً المنتفع به مع بقاء عينه، بأن يقطع تصرفه هو وتصرف غيره في رقبة هذه العين تصرفات تنقل الملكية، ويصرف ريعها إلى جهات البر- إذًا الوقف أين نضعه أحبابي؟ هل هو عقد من العقود؟ هل هو حق من الحقوق؟ أم تصرف من التصرفات؟ في الحقيقة القضية محتملة لأمرين؛ محتملة لأن نعتبر الوقف هو تصرف من التصرفات المشروعة، وليس عقد من العقود، خاصة أنه سيأتي معنا أنه لا تعاقد فيه بين طرفين، وإنما هو مجرد أقوال أو أفعال تصدر من الواقف يقوم بها بوقف شيء وانتهى الأمر. فيظهر لي أنه يمكن أن يصنف أنه تصرف من التصرفات المشروعة، وهو حكمه بالتحديد أنه سنة، أنه سنة من السنن؛ لأنه فعل من أفعال الخير التي أحبها الله سبحانه وتعالى.
والبعض في الحقيقة -وهذا ستجدونه في الكتب- يقولون: عقد الوقف. من عبر عن الوقف بأنه عقد جعله تحت عقود التبرعات. جعله تحت عقود التبرعات، فيمكن -وهذا رأي لبعض أهل العلم- أن يصنف الوقف كعقد من العقود، وحينئذ سيوضع تحت عقود التبرعات؛ لأنه عقد مجاني، عقد مجاني تبذل المنافع فيه لجهات البر مجاناً من دون مقابل يؤخذ من جهات البر. فذكر هذا بعض أهل العلم، والبعض يصنفه على أنه تصرف من التصرفات، يقول: هو ليس عقد، بل هو تصرف يقوم به المالك، تصرف يقوم به المالك بأن يحبس شيئاً من أمواله التي يمكن الانتفاع بها مع بقاء عينها، ويمنع نفسه ويمنع غيره من التصرف في هذه الأعيان تصرفاً ينقل الملكية، ويجعل ريعها يذهب لجهات البر. تمام.
طيب. الآن إخواني، بعد أن عرفنا تكييف الوقف وعرفنا مفهوم الوقف، دعونا نبدأ: كيف يتم إنشاء هذا العقد؟ في الحقيقة الشيخ مرعي رحمة الله عليه والحنابلة عموماً يقولون: عقد الوقف يتم إنشاؤه بأحد طريقين؛ إما من خلال الفعل الدال على الوقف، وإما من خلال القول الدال على الوقف. إذن نقول: الوقف يتم إنشاؤه إما من خلال الفعل الدال على الوقف، أو من خلال القول الدال على الوقف.
انظروا إيش قال الشيخ مرعي رحمة الله عليه: قال يحصل بأحد أمرين، أي يحصل الوقف، أي يتم إنشاء الوقف بأحد أمرين: إما بالفعل مع دليل يدل عليه -وسنعرف من خلال الأمثلة ما معنى قوله بالفعل مع دليل يدل عليه- كأن يبني بنياناً على هيئة المسجد، هذا فعل، ويأذن إذناً عاماً بالصلاة في هذا البنيان، هذا هو الدليل الذي دل على أن هذا الفعل الذي صدر من الباني المراد منه الوقف بهذا البنيان. طيب، مثال آخر -سأعود إليه إن شاء الله- أو بجعل أرض مقبرة. لاحظوا هذا فعل، أتى إلى أرض من أراضيه الخاصة وأعدها على أن تكون مقبرة، ثم أذن إذناً عاماً للناس بأن يدفنوا فيها، فهذا أو ذكر مثالين على الوقف من خلال الفعل.
أما الوقف من خلال القول فقال فيه: وبالقول. إذاً لاحظوا إيش قال؟ يحصل -أي الوقف- بأحد أمرين: إما بالفعل وذكر أمثلة عليه، وإما بالقول، وقسم القول إلى صريح وإلى كناية. قال: فصريحه -فبين الصريح ثلاثة ألفاظ: وقفت، حبست، سبلت. والكناية ثلاثة أيضاً: تصدقت، حرمت، أبدت. فلا بد فيها -أي في الكناية- من نية الواقف، ما لم يقل على قبيلة كذا أو طائفة كذا. جيد.
لاحظوا هي المسألة بحد ذاتها فيها دسومة يعني؛ ما كيف يتم إنشاء عقد الوقف أو تصرف الوقف؟ مسألة تحتاج منا إلى تحرير، فيقول الشيخ مرعي ويقول الحنابلة عموماً: الوقف إما يتم من خلال فعل يدل على الوقف وهذه الحالة الأولى، أو من قول أو بالقول الدال على الوقف. نبدأ بالقضية الأولى: الفعل الدال على الوقف. هناك أفعال متى فعلت واحتفت بها قرائن -قد تكون قرائن قولية، وقد تكون قرائن فعلية أيضاً- أفعال تفعلها وتحتف بها قرائن قولية أو فعلية، يكون هذا الفعل مع القرائن التي اقترنت به يدل على الوقف، يدل على الوقف، وهو بحد ذاته يعتبر إنشاءً لعقد الوقف.
مثل ايش؟ يقولون انظروا هذا المثال: بنى بناءً على هيئة مسجد. لاحظوا هذا فعل صدر مني أنا، ذهبت بنيت بنياناً على هيئة مسجد، ثم لاحظوا القرينة: زائد أذنت للناس إذناً عاماً بالصلاة فيه. هذه تسمى قرينة قولية، قرينة قولية. فهذا الفعل -أنني بنيت بنياناً على هيئة المسجد- ثم اقترانه بهذه القرينة القولية، وهو أنني أذنت للناس إذناً عاماً -كلمة عاماً طبعاً ضعوا تحتها خط في كلام الشيخ مرعي؛ لأنني إيش؟ يمكن أبني بنياناً جيداً، لكنني آذن فقط لأشخاص معينين ليصلوا فيه، إذا كان الإذن خاصاً بأشخاص معينين وليس للناس، لا، لا يعتبر هذا الفعل مع الإذن الخاص من قبيل إنشاء الوقف، فلا يصبح هذا البنيان مسجداً ولا يعتبر وقفاً للصلاة. أما إذا بنيت البنيان زائد أذنت إذناً عاماً مطلقاً للناس أن يصلوا فيه، اه، هكذا يقولون: بناء بنيان على هيئة مسجد زائد منح الناس إذن عام للجميع بالصلاة فيه، يجعل هذا الفعل مع القرينة التي اقترنت به، وهي هنا قرينة قولية، يعتبر إنشاءً لوقف من الأوقاف، وهو هنا مسجد كما تلاحظون، الوقف هنا مسجد من المساجد.
مثال آخر، قال: آتي لمقبرة مثلاً، آتي لمثال المقبرة، لو أنني أتيت إلى قطعة أرض لي أنا المالك جائز التصرف حبستها، يعني حبستها، أريد أن أجعلها وقف، لكن انظروا كيف تم الوقف هنا: أعددت هذه القطعة، أعددتها وأصلحتها ليدفن فيها -ممتاز، يعني فرزتها من بين قطعي وكذا وجهزتها وضبطتها- ثم نفس الشيء أذنت إذناً عاماً للناس، أي للمسلمين، بالدفن فيها. اه، هنا نقول: هنا فعل وزائد قرينة قولية. لاحظوا في القرينة القولية هو لم يتلفظ بكلمة الوقف سواء في هذا المثال أو المثال السابق، لا، هو هنا أعد أرضاً له ليدفن الناس فيها موتاهم ثم أطلق الإذن، فقال: أيها الناس أنا عندي إذن عام -وركزوا كلمة عام؛ لأنه لو قال لشخص واحد فقط: أنا أسمح لك تدفن ابنك هنا أو والدك هنا، هذا لا يجعل الأرض تصبح وقفاً؛ لأنه أعطى إذناً خاصاً، نحن يهمنا القرينة هي الإذن العام- فإذا أذن إذناً عاماً للناس بالدفن في هذه الأرض بعد أن أعدها وحضرها، نقول: هذا التصرف -إعداد الأرض مع القرينة القولية- تجعل هذه الأرض أصبحت وقفاً لدفن موتى المسلمين. حتى يا شيخ لو لم يتلفظ بكلمة الوقف؟ حتى ولو لم يتلفظ، فعند الحنابلة الفعل مع القرينة، الفعل مع القرينة يصلح لإنشاء عقد الوقف. هنا لاحظوا قرينة قولية، والمثال الأول قرينة قولية.
سأعطيكم مثالاً ثالثاً لم يذكره الشيخ مرعي في قرينة فعلية: انظروا يقول الحنابلة لو أنه أعد أماكن لقضاء الحاجة وشرع أبوابها، فإن هذا يعتبر أيضاً وقفاً لمصالح المسلمين. يعني شخص جاء لمكان عام أو مرفق عام فبنى فيه دورات مياه، بنى دورات مياه. جيد، بناء دورات مياه -طبعاً هذه الأرض التي بنى عليها دورات المياه بتكون ملكه طبعاً، ها انتبهوا، يعني بدها تكون مثلاً أرض ملكه، ما بينفع تيجي على أرض غيرك أو أرض الدولة أنت لحالك تنشئ فيها ما تشاء، لا، يعني الرجل له أرض ملك له وبنى عليها بنياناً، وهذا البنيان كان عبارة عن دورات مياه جيد، وقالوا: وشرع أبوابها، يعني فتح أبوابها-.
لو بنى هذا البنيان في أرضه وترك الأبواب مغلقة، ليس لنا أن نجعل هذا البنيان وقفاً، لكن يقولون لو أنه بنى بنيان دورات مياه وشرع الأبواب -شو يعني شرع؟ يعني فتح الأبواب، شرع الأبواب- يعني بنى هذا البنيان وفتح أبوابه بحيث المارة يرون هذه الأبواب مفتوحة، نقول بناء هذا البنيان دورات المياه زائد تفتيح الأبواب لها أمام المارة الذين يمرون أمامها هذا بحد ذاته هذا الفعل مع هذه القرينة الفعلية يدل على أن هذا البنيان أصبح وقفا لعموم المسلمين، أصبح وقفا لعموم المسلمين ينتفع به المارة يدخلون إليه لقضاء دورات أو لقضاء حوائجهم في دورات المياه. فلاحظوا هنا بنى بنيان وهذا فعل، وعندنا القرينة قرينة فعلية، قرينة فعلية في هذا المثال وليست قرينة قولية، القرينة الفعلية هي أنه شرع الأبواب، يعني هنا لم يتكلم لا إذن عام ولا إذن خاص ولا شيء، بنى بنيان في مكان يخصه وهو دورات مياه وفتح الأبواب وذهب، نقول هذه العملية هذا الفعل مع القرينة يجعل هذا البنيان وقف، يجعل هذا البنيان وقف لعموم المسلمين المنتفعين منه.
وحتى لو كان أهل الذمة في بلادنا يستطيعون الانتفاع به ما دام ليس خاصاً، يعني بخلاف المقابر أن المقابر معروف أنه يجب أن يمتاز المسلمون عن النصارى في القبور، لكن دورات المياه هذا أمر مشترك لجميع من يعيش في الدولة المسلمة. إذًا هذا مثال على أيضاً الأفعال الدالة على الوقف ما احتفت بها القرائن. طبعًا هنا في الأفعال الدالة على الوقف ما احتفت بها القرائن بدنا ننتبه أنه هنا مجرد الفعل مع احتفافه بالقرينة يجعل هذا البناء أو هذه المقبرة أو هذه الدورات يجعلها وقفاً ولو لم ينوي في قلبه، ولو لم ولو لم ينوي في قلبه حتى ولو لم تكن نية الوقف حاضرة في قلب من بنى المسجد أو أعد المقبرة أو بنى دورات المياه، نقول لا نحتاج إلى النية منك، الفعل هنا مع القرائن التي احتفت به تقوم مقام النية، فلو لم تكن نويت الوقف ملزم لك.
حتى ولو لم تكن نويت الوقف ملزم لك وليس لك الرجوع فيه. إذًا هذا بالنسبة للأفعال. طيب نأتي إلى قضية الأقوال. الأقوال كما تلاحظون الحنابلة يقسمونها إلى نوعين، الأقوال تنقسم أحبابي إلى صريحة وإلى كناية. الآن الألفاظ الصريحة والألفاظ الكنائية طبعًا هذا التقسيم سيأتي معكم في أبواب كثيرة إن شاء الله حتى في باب الطلاق والخلع والظهار وما شابه ذلك يكثر هذا التقسيم، وعمومًا متى ما رأيت كلمة لفظ صريح ولفظ كنائي فعليك أن تعرف جزئية وهي أن اللفظ ما تعتبر صريحًا في الشيء فإنه ترتيب الحكم عليه والآثار عليه لا تحتاج إلى نية. الألفاظ مثلًا الصريحة في الوقف ترتيب أحكام الوقف عليها لا يحتاج إلى نية من المتكلم، وأما الألفاظ الكنائية فهي ألفاظ محتملة.
يمكن أن تتكلم بها وتقصد بها الوقف ويمكن أن تتكلم بها وتقصد شيء آخر، فهنا لا نستطيع أن نحملها على الوقف أو أنك تقصد بها الوقف إلا إذا نظرنا إلى نيتك، أنت أخبرتنا بنيتك أو جاءت قرائن تدل على القصد كما سيأتي معنا، فهنا سنحتاج إما إلى نية أو إلى قرينة في الألفاظ الكنائية، فهي بحد ذاتها لا تعتبر إنشاءً لعقد الوقف ما لم تحتف بنية أو قرينة، وأما الألفاظ الصريحة فهي بذاتها منشئة لعقد الوقف من دون أن ننظر لا إلى قرينة ولا إلى نية المتكلم. الألفاظ الصريحة الدالة على الوقف ثلاثة أحبابي الكرام هي: وقفت، وحبست، وسبلت.
هذه الألفاظ الثلاث وقفت هذا البناء وحبست هذا البناء وسبلت هذا البناء. هذه الألفاظ الثلاثة صريحة، فمتى أطلقها المتكلم فقال حبست هذا البناء كما قلت أو وقفته أو سبلته يعتبر منشئًا لعقد الوقف ولا نحتاج إلى أن نقول ما هي نيتك أو أن يقول والله نيتي ليست كذا، لا لا لا يلتفت إلى نيته أبدًا، نقول أنت استعملت لفظًا صريحًا في الدلالة على الوقف فيلزمك الأحكام المترتبة على هذا اللفظ. وأما إذا كان اللفظ كنائياً وهي ثلاثة ألفاظ ذكرها الشيخ مرعي وهي: تصدقت، وحرمت، وأبدت.
متى كانت الألفاظ كنائية؟ وهي تصدقت وحرمت وأبدت، فالألفاظ الكنائية أحبابي لا تنشئ عقد الوقف إلا إذا اقترنت بها أو إذا احتف بها نية المتكلم أو قرينة، إذا احتف بها نية أو قرينة، فاكتبوا الكناية تحتاج لنية المتكلم أو القرينة، أما الصريحة لا بمجرد أن تطلقها تلزمك ولا ننظر إلى نيتك، حتى لو لم تكن أنت ناوي الوقف مجرد أن تكلمت بالصريح يلزمك أثره، وأما الكنائي فلأنه كنائي لا نحتاج إما إلى نيتك أو ننظر إلى قرائن محتفة بكلامك، فإذاً الكنائية متى يتم إنشاء عقد الوقف بها؟
أولاً، الطريقة الأولى أن ننظر إلى نية المتكلم، إذا هو تكلم بكلمة تصدقت بهذا الوقف أو بهذه العين أو حرمت هذه العين للفقراء أو أبدت هذه العين، لاحظوا إذا قال تصدقت بهذه العين أو حرمت هذه العين لمصلحة كذا مثلاً ممكن يقول أو أبدت هذه العين، نقول كلمة أبدت وتصدقت وحرمت ليست صريحة في الدلالة على الوقف، فإذا هو كان نوى بها في قلبه الوقف نقول هنا الألفاظ الكنائية اقترنت بنية المتكلم فأصبحت منشأة لعقد الوقف، فإذا قال تصدقت بهذا البنيان أو حرمت هذا البنيان أو أبدت هذا البنيان وكان نوى في قلبه الوقف حينئذ يعتبر إنشاء لعقد الوقف.
هذا مثال أو هذه الطريقة الأولى حتى يتم إنشاء عقد الوقف بالألفاظ الكنائية. الطريقة الثانية كما قلنا أن يحتف باللفظ الكنائي قرينة، هنا يتكلم الحنابلة عن صورتين في الحقيقة، يقولون اللفظ الكنائي إذا تم قرنه بلفظ صريح أو بلفظ كنائي آخر يعتبر إنشاء لعقد الوقف خلاص ولا نحتاج إلى النظر في نية المتكلم. أعيدها: اللفظ الكنائي إذا تم اقترانه بلفظ صريح أو بلفظ كنائي آخر يعتبر هذا عند الحنابلة إنشاء لعقد الوقف فلا يحتاج إلى النظر في نية المتكلم.
مثل ايش؟ بأن قال تصدقت بهذا البنيان أو بهذا العقار صدقة موقوفة أو صدقة محبسة أو صدقة مسبلة، فلاحظ ايش قال: تصدقت بهذا البنيان صدقة موقوفة أو محبسة أو مسبلة، فجمع بين لفظة الصدقة ولفظ الوقف أو التحبيس أو التسبيل أو جمع بين لفظ الصدقة ولفظ كنائي آخر بأن قال: تصدقت بهذا البنيان صدقة مؤبدة أو تصدقت بهذا البنيان وحرمته لصالح كذا وكذا. لاحظوا أنه جمع بين لفظ تصدقت وحرمت أو تصدقت وأبدت.
هكذا الحنابلة في الوقف بالتحديد، وهذا يعني ناقشه الشيخ عثمان النجدي قال يعني في الأبواب الأخرى التي فيها كنايات كما سيأتي معنا في الطلاق وغيرها لا يعتبر طريقة قرن اللفظة بلفظة أخرى سبب من أسباب حسم الموضوع، لكن في الوقف يعني كأنه له خصوصية في الوقف، كأن له خصوصية وسرعة نفوذ بمجرد أن تقرن اللفظة الكنائية بلفظة كنائية أخرى أو بلفظة صريحة خلص ينفذ عقد الوقف ويصبح ملزماً لك حتى ولو لم تكن نويت في قلبك.
فلذلك يقولون إذاً اللفظة الكنائية إذا كانت نية المتكلم مصاحبة للفظة الكنائية يتم إنشاء عقد الوقف من خلاله، أو قرن اللفظ الكنائي بلفظ صريح أو كنائي آخر. يعتبر هذا أيضاً إنشاء لعقد الوقف. الطريقة الثالثة أو القرينة الثالثة أنه إذا اقترن باللفظ الكنائي حكم من أحكام الوقف، مثل ايش؟ قالوا بأن قال وقفت يا عفواً قال تصدقت أو أبدت هذا البنيان على ألا يباع أو على ألا يوهب أو على ألا يورث من بعدي. فمن قال تصدقت بهذا البنيان أو حرمته أو أبدته وقرنه بحكم من أحكام الوقف، الآن سنعرف أنه أهم حكم من أحكام الوقف وهو ما مر معنا في التعريف.
أهم حكم من أحكام الوقف هو أن العين الموقوفة لا يستطيع صاحبها ولا غيره أن يتصرف فيها تصرفاً ينقل الملكية، مش هذا اتفقنا عليه؟ بالتالي لا يستطيع صاحبها ولا غيره أن يبيعه ولا أن يهبه ولا أن يورثه، يعني لا يكون موروثاً عنه. فلو أن شخص استعمل لفظا كنائيا فقال تصدقت وحرمت وأبدت هذا العقار أو هذا الأثاث أو هذا الجوال ثم قال على أن لا يباع ولا يوهب ولا يورث، نقول هنا استعمل لفظا كنائيا لكنه قرنه بحكم من أحكام الوقف المعروفة.
فمن استعمل لفظا كنائية وقرنها بحكم من أحكام الوقف المعروفة أصبحت هذه الكناية مع هذه القرينة القولية دالة على إنشاء عقد الوقف وملزمة فيه ولا نحتاج إلى نية المتكلم، يعني من قال تصدقت بهذا العقار على أن لا يباع ولا يوهب، خلاص نقول أنشأت أنت هكذا عقد وقف. لو قال أنا يا عمي مش في نيتي، نقول ما بينفع، لأنه هنا أنت صحيح استعملت لفظا كنائية، لكنك قرنتها بما هو مختص بالوقف، فاللفظة الكنائية مع أحكام الوقف ما تجتمع مع بعضهم البعض، أصبح في حكم الصريح وانبنى عقد الوقف عليها. جيد.
إذا الصورة الثالثة إذا قرنه أي قرن اللفظ الكنائي بحكم من أحكام الوقف. فها إذا الألفاظ الكنائية باختصار وهي تصدقت وحرمت وأبدت، متى يتم إنشاء عقد الوقف بها؟ إما إذا اقترنت بنية المتكلم إذا تكلم به وهو ينوي الوقف، أو إذا قرن اللفظ الكنائي بلفظ صريح أو بلفظ كنائي آخر، أو إذا قرن اللفظ الكنائي بحكم من أحكام الوقف، يعني وهو يتكلم باللفظ الكنائي أتبعه بذكر حكم من أحكام الوقف.
الآن أحبابي من صور الكناية التي اقترن بها حكم من أحكام الوقف ما ذكره الشيخ مرعي رحمة الله عليه عندكم في قوله في ختام هذا الفصل: ما لم يقل على قبيلة كذا أو طائفة كذا، يعني اللفظة الكنائية كأن قلت والله تصدقت بهذا البنيان، إذا تم قرنها بالجهة التي تصدقت عليها أو صرفت إليها، فقلت تصدقت بهذا البنيان أو حرمت هذا البنيان أو أبدت هذا البنيان لصالح الفقراء والمساكين أو لصالح طلبة العلم أو لصالح مثلاً قبيلة كذا، قبيلة شمر أو قبيلة بني تميم.
مجرد أن يذكر الجهة التي صرف إليها، مجرد أن يذكر الجهة التي صرف إليها، يجعل هذا اللفظ الكنائي مع ذكره لهذه الجهة منشئاً لعقد وقف أيضاً، فأنت إذا قلت حرمت هذا البنيان لطلبة العلم أنت وقفت لأنك جمعت بين الكناية والجهة التي صرفته إليها، أو قلت حرمت هذا البنيان للفقراء والمساكين أو أبدت هذا البنيان للفقراء والمساكين، ذكرت الجهة التي صرفته إليها، أنت تعتبر أوقفت بهذه الصورة لأن ذكر الجهة، ذكر الجهة يعتبر كأنك ذكرت حكماً من أحكام الوقف.
كأنك قلت تصدقت بهذا البنيان على ألا يباع ولا يوهب، نفس الشيء عند الحنابلة، وهذه هي الصورة التي ذكرها الشيخ مرعي لما ختم فقال ما لم يقل على قبيلة كذا أو على طائفة كذا، فإن إذا ذكر الجهة التي صرف إليها التحريم أو التصدق أو التأبيد هذا يجعل اللفظ الكنائي مع ذكر الجهة كأنه قرن اللفظ الكنائي بحكم من أحكام الوقف، وعرفنا أنه متى قرن اللفظ الكنائي بحكم من أحكام الوقف فيعتبر هذا شكل من أشكال يعني إنشاء عقد الوقف بالألفاظ الكنائية.
طيب، الآن إذاً أعيد قراءة كلام الشيخ مرعي باختصار أو بسرعة ما بدنا نقول باختصار، يحصل الوقف بأحد أمرين، إما بالفعل مع دليل يدل عليه أي مع قرينة، مع الفعل لأنه عرفنا الفعل مع القرينة هذا الذي يعتبر إنشاء لعقد الوقف. قال: كأن يبني بنيانا على هيئة مسجد ويأذن إذنا عاما بالصلاة فيه أو يجعل أرضه مقبرة ويأذن إذنا عاما بالدفن فيها. هذه الطريقة الأولى طريقة الفعل.
ثم ذهب إلى طريقة القول، قال: وبالقول أي يتم إنشاؤه بالقول أيضا وله صريح وكناية، فصريحه ثلاثة ألفاظ: وقفت وحبست وسبلت، وكنايته أيضا ثلاثة ألفاظ: تصدقت وحرمت وأبدت. ثم ذكر طبيعة الألفاظ الكنائية فهذه الألفاظ الكنائية لابد فيها من نية الوقف، لابد فيها من نية الوقف أي نية المتكلم بها أنه أراد الوقف، هذه الطريقة الأولى.
ثم قال: ما لم يقل على قبيلة كذا أو طائفة كذا، هذا مثال على الطريقة الثالثة وهو أن يقرن اللفظ الكنائي بحكم من أحكام الوقف، إما أن يقول أي أن يحدد الجهة التي صرف إليها فيقول على قبيلة كذا أو طائفة كذا أو أن يذكر حكم من أحكام الوقف على العموم بأن يقول لا يباع ولا يوهب ولا يورث، ولكنه لم يذكر الطريقة الثانية في الحقيقة أبدا وهي مهمة، وهي أن يقرن اللفظ الكنائي بلفظ صريح أو بلفظ كنائي آخر.
إذا قرن اللفظ الكنائي بلفظ صريح أو بلفظ كنائي آخر يعتبر هذا أيضا حاسما في إنشاء عقد الوقف ولا نحتاج لا إلى نية متكلم ولا إلى ذكر حكم من أحكام الوقف، مجرد هذا القرن بين لفظ كنائي مع لفظ صريح أو لفظ كنائي آخر يعتبر أيضا طريق من طريقة من طرق إنشاء عقد الوقف. هكذا نقول انتهينا من الحديث عن كيف يتم إنشاء عقد الوقف. الآن سننتقل للحديث عن شروط الوقف فماذا قال الشيخ مرعي؟ بسم الله.
قال الشيخ مرعي رحمه الله عليه دعوني أمسح الشاشة. شروط الوقف سبعة، فصل، وشروط الوقف عدها الشيخ مرعي سبعة شروط، ما هي؟ قال: أحدها كونه أي الواقف من مالك جائز التصرف أو ممن يقوم مقامه، وهذا أظن.
واضح. فالذي يحق له أن ينشئ عقد الوقف هو إما المالك للمال، ويكون هذا المالك جائز التصرف، بالغاً، عاقلاً، حراً، رشيداً، أو من يقوم مقامه، كأن كان لهذا المالك وكيل وهذا الوكيل معه تفويض مطلق في أن يتصرف بهذا المال حتى في التبرعات، فلو أن مالك المال جاء لوكيل فقال: أيها الوكيل خذ مالي واصنع به ما شئت من العقود، المعاوضات والتبرعات وما أحببت.
فههنا هذا الوكيل يقوم مقام المالك في إنشاء العقود ومنها عقود عقد الوقف إذا اعتبرنا الوقف عقداً من العقود أو تصرف الوقف فاعتبرناه تصرفاً من التصرفات. فإذاً الذي ينشئ الوقف لابد إما أن يكون المالك الجائز التصرف أو من يقوم مقام المالك.
الشرط الثاني: كون الموقوف عيناً يصح بيعها. في الحقيقة سأزيد لفظة -سامحوني- سأزيدها لأنها تجلي الأمر؛ يعني لا يوجد سهو في الكلام، ولكنني أريد أن أجلي الأمر، نقول: الشرط الثاني كون الموقوف عيناً معينة. كون الموقوف عيناً معينة ثم ذكر باقي القيود؛ يصح بيعها وينتفع بها نفعاً مباحاً مع بقائها. إذاً الشرط الثاني -أحبابي- ها نحن في شروط الوقف، شروط صحة الوقف، وهو جعلها سبعة.
واحد: كونه من المالك جائز التصرف أو من يقوم مقامه. اثنين: الشرط الثاني يتعلق بالعين الموقوفة -ركزوا-. الشرط الثاني يتعلق بالعين الموقوفة، ما هو شرط العين الموقوفة؟ أن تكون العين الموقوفة -أو خليني أقول: أن يكون الموقوف أحسن حتى أكون دقيقاً في العبارة لأنه أكثر من قيد- أن يكون الموقوف عيناً. لما نقول عين أخرجنا به المنفعة، أخرج به المنفعة لأنه مقابل الأعيان المنافع، فلا يصح وقف المنافع. أنت توقف، لأنه ما معنى الوقف؟ الحبس، فالذي تحبسه أنت وتوقفه هي الأعيان وتجعل نفعها مستغلاً، وأما المنافع فلا توقف. الذي يوقف إذاً -أحبابي انتبهوا- الأعيان وليس المنافع.
طيب إذاً أن يكون الموقوف عيناً، اثنين: معينة، أخرجنا به ماذا؟ أخرج به الأعيان الموصوفة في الذمة. لابد أن يكون الوقف لما توقف شيئاً أنت توقف عين معينة. والله أوقفت سيارتي هذه المشاهدة أو سيارتي الفلانية الموصوفة المعينة، أوقفت هذا العقار الخاص بي المشاهد أو أوقفت عقاري الذي في منطقة ماركا أو في منطقة الزرقاء أو في منطقة عمان أو في منطقة كذا، فتعين عيناً معينة. لا ينفع أن توقف عيناً موصوفة في الذمة، لا ينفع، ولا يصلح أن يكون الموقوف عيناً غير معينة بل عين موصوفة في الذمة، مثل ايش؟ كأن يقول: والله أوقفت داراً أو شقة من الشقق التي أملكها. اه هنا ما تكلم عن شقة معينة، لا، تكلم عن عين موصوفة، قال: أوقفت شقة من الشقق التي أملكها، وهو ما شاء الله مثلاً عنده مئة شقة بمواصفات عامة. فلو سألناه ما هي هذه الشقق؟ قال: والله عندي -الحمد لله- شقق كثيرة مواصفاتها ثلاث غرف نوم وصالونين وحمام، فأنا خلاص أوقفت واحدة منها. لاحظوا أنه هو لم يوقف عيناً معينة بحد ذاتها، لا، أوقف عيناً صح لأنها شقة لكنها غير معينة، موصوفة في ذمته. وهذا يعتمد على فهمكم السابق لما ذكرناه في البيوع أن الأعيان إما أعيان معينة بالمشاهدة أو أعيان موصوفة، والأعيان الموصوفة إما معين موصوف وإما موصوف في الذمة. الموصوف في الذمة هذا لا يجوز وقفه.
الوقف إما أن يكون لعين معينة بالمشاهدة أو عين معينة ولو كانت موصوفة -يعني غير مشاهدة الآن- وأما العين الموصوفة في الذمة على أوصافها هكذا فلا يصح، فتقول: أوقفت بيتاً من بيوتي أو أوقفت سيارة من سياراتي. هذا كله لا يصح، لأنك هنا صحيح أوقفت عيناً لكنك لم تعينها، وإنما جعلتها في ذمتك، شيئاً موصوفاً في ذمتك. لكن في الوقف لابد أن تكون العين معينة، جيد؟ هذا انتبهوا له، وإن كان الشيخ مرعي لم ينص على كلمة معينة، لكن يذكر نص عليه الحنابلة عموماً رضوان الله تعالى عليهم.
طيب، لسه ما انتهينا، أن تكون عيناً معينة يصح بيعها، جميل. إذًا يصح بيعها، بالتالي الأعيان المعينة التي لا يصح بيعها هذه لا يجوز وقفها. أخرج به المحرمات والنجاسات وكل ما لا يجوز بيعه. حتى مثلاً لا نفع فيه، أخرج من المحرمات والنجاسات وما لا نفع فيه. ارجعوا للبيوع، انظروا ما هي الأعيان التي لا يصح بيعها، فتكلمنا عن الأعيان التي لا نفع فيها أبداً، أو بالأعيان التي فيها نفع، لكن نفعها محرم، جيد؟ مثل آلات اللهو واللعب أو الخمر أو ما شابه ذلك. وكذلك الأعيان التي فيها نفع مباح، لكن يباح للحاجة، مثل ماذا؟ مثل الكلب. عرفنا أن الكلب نفعه يباح فقط للحاجة، لحاجة الصيد أو الزرع أو الماشية، فليس نفعاً مباحاً مطلقاً. فنحن إذًا باختصار تذكروا لما ذكرنا في البيوع أن الذي يصح بيعه هو كل مال، والمال عند الحنابلة إذا كان عيناً، فلابد أن تكون العين ما كانت منفعتها مباحة مطلقاً بلا حاجة، مش ذكرنا هذا القيد؟ ما كان له نفع مباح مطلقاً بلا حاجة. فبالتالي كل ما لا نفع فيه أصلاً -وكنا نذكر مثال الحشرات- أو ما فيه نفع، لكنه محرم مثل الخمر وما شابه ذلك، أو آلات المعازف، أو ما فيه نفع مباح عند الحاجة مثل الكلب، فهذه كلها لا يجوز بيعها، بالتالي لا يجوز وقفها؛ ما بينفع توقف لي كلب، وما بينفع توقف آلات معازف أو خمور، وما بينفع توقف شيئاً لا فائدة منه لا نفع فيه، هذا كله لا يصح وقفه. فإذاً الشرط الثالث في العين الموقوفة لا بد أن تكون عيناً معينة يصح بيعها.
طيب، الرابع: يمكن الانتفاع بها مع بقاء عينها، جيد. الشرط الرابع في الموقوف: لا بد أن يكون الموقوف -بعد أن يكون عيناً معينة يصح بيعها- أن يمكن الانتفاع به مع بقاء عينه، وهذا الذي يجعل الوقف شبيهاً بالإجارة في هذه الجزئية؛ أنه في الإجارة العين المؤجرة يجب أن يكون من طبيعتها أنه ينتفع بها مع بقاء عينها، بحيث تكون العين لا تستهلك بطبيعتها في أثناء الانتفاع. فإذاً ليس كل عين معينة يصح بيعها يجوز وقفها، لأن هناك أعيان معينة يصح بيعها لكن الانتفاع بها من طبيعته يقتضي أن تستهلك، مثل الأطعمة، الأشربة، الشمع، وكل عين الانتفاع بها يقتضي استهلاكها، فهذه لا يصح وقفها كما لا يصح إجارتها. لذلك قال: أن يمكن الانتفاع من هذه العين وتحصيل الخير منها من دون أن تتلف العين، بل تبقى العين قائمة لا تتلف، وهذه فائدة الوقف؛ مش الوقف تحبيس الأعين وتسبيل المنافع؟ هذه فكرة الوقف باختصار: عين يتم وقفها وتطلق منفعتها. فلا بد إذاً أن تكون هذه العين بطبيعتها لا تستهلك؛ أنا إذا أوقفت طعاماً ما الفائدة؟ ما هو أول شخص يأكله انتهى، فلا فائدة من تحبيسه، فلا بد إذاً في طبيعة عقد الوقف أن يمكن الانتفاع بالعين أو الانتفاع بالشيء الموقوف مع بقاء عينه.
ممتاز. الآن هنا -يعني- هذه أربعة شروط هي الفعلية التي يقوم عليها الموقوف. لابد أن يكون الموقوف -ها شايفين إيش مشكلة لما تكون وضعت الممسحة ولم تعد، بسم الله- إذن أن يكون الموقوف عيناً معينة يصح بيعها ويمكن الانتفاع بها مع بقاء عينها. هذه هي الشروط الأربع.
انظروا ماذا علق عليها الشيخ مرعي. قال: إذن الثاني -ولا أدري هذا المقعد كأنه مع طول الجلوس عليه في هذه الدورة أصبح فيه خلل إشكالية، يا رب ثبت- قال: كون الموقوف عيناً معينة -هذه أضفتها أنا- يصح بيعها وينتفع بها. الآن كلمة نفعاً مباحاً في الحقيقة لا نحتاج إليها هنا، خلص وينتفع بها مع بقاء عينها، ما في داعي أن يقول نفعاً مباحاً؛ لأنه كلمة نفعاً مباحاً هي داخلة تحت قوله يصح بيعها، لأنه ما نفعه غير مباح لا يصح بيعه، فهذه زيادة كان ينبغي ألا يذكرها الشيخ مرعي، وكان يقتصر على قوله: وينتفع بها مع بقائها، أي مع بقاء عينها، جيد.
ثم فرع -يعني ماذا ينبني على هذا؟- قال: فلا يصح وقف مطعوم ومشروب غير الماء. الآن الماء استثني لي إياه؛ لأنه الماء وإن كان الانتفاع به يقتضي ذهاب العين لكنهم استثنوه للحاجة، فيجوز وقف عيون المياه وتسبيل الآبار. لكن غير الماء من المطعومات والمشروبات يبقى على القاعدة؛ لأنه المطعوم والمشروب حتى لو كان عيناً معينة لا يصح بيعها، لكنه لا يمكن الانتفاع به مع بقاء عينه بطبيعته، يقتضي الانتفاع به استهلاكه فلا يجوز وقفه. إذاً فلا يصح وقف مطعوم ومشروب. استثنوا الماء وإن كان على خلاف القاعدة هذا الاستثناء، لكن لحاجة الناس ومصالحهم في الحضر والسفر، كذلك ولا وقف دهن وشمع. ولا وقف دهن وشمع، قالوا: لأن الدهن والشمع بطبيعته لما توقف أنت دهناً أو لما توقف شمعاً فإن الدهن والشمع يستهلك. والله أنا أوقفت هذه الشمعة، طيب كيف سننتفع بها؟ بإشعالها، طيب لما أنا أشعل الشمعة ستذوب وينتهي أمرها، فالانتفاع بالشمعة لا يكون إلا باستهلاك عينها مثلها مثل الطعام والشراب. وكذلك الدهن كانوا يستعملونه في إيقاد المصابيح وما شابه ذلك، فالأصل أنه إيه لا يصح وقفه؛ لأن الانتفاع به يقتضي استهلاكه وفناءه. ولكن قضية الدهن فيها نظر إيه وتحتاج إلى إعادة تحرير -يعني- لأنه بعض كتب الحنابلة أجازت وقف الدهن للمساجد، أجازت وقف الدهن لصالح المساجد لإيقاد قناديلها. فقضية ذكر الدهن أيضاً مما يحتاج إلى نظر، لكن عموماً أنتم حفظتم القاعدة، وتبقى الأمثلة كثيرة عليها، أمثلة الأعيان التي ينتفع بها لكن يؤدي الانتفاع بها إلى استهلاكها. كذلك ذكر مثالاً يحتاج أيضاً إلى نقاش، إذاً لا يصح وقف مطعوم ولا مشروب ولا وقف دهن وشمع وأثمان.
الآن الأثمان -كما عرفتم- الدنانير الذهبية والدراهم الفضية وعموم الأثمان حتى الأوراق النقدية في وقتنا المعاصر. الأثمان أحبابي لماذا لا يصح وقفها؟ أنت أخي الكريم لما توقف إيه عشرة دنانير، تأتي إلى عشرة دنانير ذهبية تقول هذه وقف. هل يمكن الانتفاع بها مع كونها وقف؟ هذا هو السؤال. نحن شرطنا في الموقوف أن يمكن الانتفاع به مع بقاء عينه محبسة -خلينا نقول مع بقاء عينها محبسة، خلينا نزيد كلمة محبسة هنا-. الآن لو أنني حبست أوقفت عشرة دنانير، قلت هذه وقف لله سبحانه وتعالى، أو أوقفت مائتي درهم فضة، قلت وقف. في الحقيقة الأثمان لما يتم وقفها لا يتم لا يمكن الانتفاع بها، لا يمكن الانتفاع بها وهي موقوفة، فلا نفع فيها أصلاً وهي موقوفة، باختصار. الأثمان: الدنانير الذهبية والدراهم الفضية، بل حتى العملات المعاصرة، لو جاء شخص وقال: هذه يا شيخ مائة دينار أردني وقف لله. طيب ايش وقف لله؟ يعني هل حبست عينها؟ طيب ما أنت إذا حبست عينها لن نستطيع الانتفاع بها، ففعلياً الأثمان -لاحظوا الأثمان- لا يمكن الانتفاع بها مع بقاء عينها، الأثمان بطبيعتها الانتفاع بها إنما يكون بانتقالها من يد إلى يد، من يد إلى يد.
فذكر الأثمان هنا لينبه أن الأثمان هي تقريباً مثلها مثل الطعام والشراب، في أي جزئية؟ الآن الطعام والشراب صحيح يؤكل ويستهلك ويفنى، والشمع تفنى، لكن الأثمان شبهوها بها أنك لا يمكن أن تنتفع بها مع بقائها محبوسة، يعني أنت تريد عيناً تبقى قائمة ويمكن أن ينتفع ويستخلص منها المنافع، فالآن العقار الشقة ولا تبقى وأستخلص منها المنافع، فأسكن فيها شهراً ويسكن غيري من الفقراء والمساكين، أو ريعه يذهب إلى طلبة العلم، فهناك أعيان فعلاً تحصل منها المنافع وتبقى قائمة. الآن الأثمان هل يمكن أن تجعلها محبوسة وتحصل منها المنافع؟ لا يمكن، لا يمكن ذلك؛ لأنها بطبيعتها منافعها إنما تكون بانتقالها من يد إلى يد، فلذلك هي شبيهة بالطعام والشراب والشمع في أنه لا ينطبق عليها هذا الضابط الرابع، وهو أن يمكن الانتفاع بها مع بقاء عينها، بمعنى بقاء عينها محبوسة، بل لابد حتى ينتفع بها أن تنتقل بين الأيدي، وهذا ينافي طبيعة الوقف.
ثم قال: وقناديل نقد على المساجد ولا على غيرها. الآن مما يزيد الحنابلة يقولون مثلاً: قناديل النقد، قناديل النقد يعني قناديل، وكأنهم يقصدون عليها نقود، وهذا يعني شيء في زمانهم ربما يصعب علينا أن نتصوره، كيف كانوا يضعون النقود على القناديل. فيقول: وقف قناديل نقد على المساجد أو حتى على غير المساجد كالمؤسسات والمستشفيات. هسا الآن في زمانهم طريقة إنارة المساجد والمؤسسات وممتلكات الدولة عموماً كانت من خلال القناديل، ما في الكهرباء والإنارة المعاصرة، فكأنهم كانوا يأتون بقناديل ويضعون عليها نقداً من باب التحلية والتزيين لها، لأنهم يذكرون قناديل من نقد ويذكرون حلقة من فضة توضع على أبواب المساجد، فيقولون: الأثمان، الأثمان وهي الدنانير الذهبية والدراهم الفضية حتى لو استعملت على وجه الحلية -يعني الزينة- وجعلت وقفاً للمساجد ولغير المساجد، لا يصح هذا الوقف. فلو أن شخصاً أتى بحلقة من فضة وقال: هذه وقف للمسجد الفلاني، قال: لا يصح هذا الوقف. وكذلك لو أنه صنع قنديلاً من ووضع عليه حلية من نقود ذهبية، وهذا يعني ما أفهمه وأحاول أن أفهمه، القناديل التي من النقود يعني قناديل وحليت بنقود من ذهب أو من فضة، فهذه القناديل التي وقفت وهي محلاة أساساً بالذهب أو الفضة لا يصح وقفها؛ لأن الأثمان اللي هي الذهب والفضة وما حلي بها أساساً لا تبعاً -لأنهم يفرقون بين الذهب والفضة إذا دخل تبعاً، فلو أنني وقفت فرساً في سبيل الله وتبعا هذا الفرس كان في لجامه أو على سرجه شيء من الفضة، بيمشي الحال، قالوا: بيمشي الحال- لكن أن يكون هذا القنديل أساساً أساساً حليته الكاملة
الذهب أو النقود الذهبية أو تأتي أنت بحلقة من فضة وحلقة من فضة فتجعلها هي على أبواب المساجد وتجعلها هي بحد ذاتها الوقف؟ قالوا هذا شيء لا ينتفع به مع بقاء عينه. أيش بالله النفع من أن يكون عندك قناديل مصنوعة من نقود ذهبية فرضًا، إذا صح أنهم قناديل صنعت من نقود ذهبية فيما أفهم، أو ما الفائدة من أنك توقف حلقات فضية تكون على أبواب المساجد؟ ما هو النفع من هذا الأمر؟
فمثل هذه الأعيان اللي هي القناديل الذهبية، القناديل المصنوعة من نقود ذهبية أو الحلق التي توضح على الأبواب والمصنوعة من فضة، مثل هذه أو مثل هذه خلينا نقول الأعيان لا نفع فيها. لا ينتفع بها أصلًا بهذه الحال، أيش النفع؟ لا نفع. فبالتالي يقولون لا يصح وقفها وتندرج تحت قائمة ما لا يمكن الانتفاع به مع بقاء عينه. كيف تندرج؟ أو على الأقل يعني إذا لم تندرج تحت هذا تندرج تحت ما لا يصح بيعه.
ليه؟ لأنه في الحقيقة أن تصنع قناديل ذهبية هذا لا يجوز. وكذلك أن تصنع حلق فضية وتضعها على أبواب المساجد عرفنا أن هذا لا يجوز أيضًا. قلنا الذهب والفضة يصنع منهم إلا ما أباحه الشرع بأن يصنع لزينة الرجل أو المرأة، وما سوى ذلك من كوب أو كأس أو حلق أو ما شابه ذلك، هذه الأصل أنها لا يجوز أن تصنع، لا يجوز أن يصنع فيها الذهب والفضة لأنه يعني كما قلنا نوع من الإسراف والبذخ الذي لا فائدة منه.
طيب، دعونا نتجاوز هذه القضية، يعني بعض الأممثلة تكون ربما في زماننا متصورة أكثر. أظنكم فهمتم الموضوع، أن تكون العين الموقوفة عينًا معينة يصح بيعها، ويمكن الانتفاع بها ما بقيت عينها. دعونا نذهب إلى الشرط الثالث، الشرط الثالث كونه على جهة بر وقربة. الآن في الحقيقة في المنتهى لم يأتي بلفظ الجهة وسيأتي معنا إن شاء الله أن الوقف قد يكون على جهة وقد يكون على معين.
فلذلك أنا لفظة الجهة هنا ما أحببتها كثير من الشيخ مرعي، وأحببت عبارة المنتهى لأنها أدق. الشرط الثالث من شروط الوقف أن يكون على بر وقربة. وهذا مأخوذ من تعريفه، فإذاً الشرط الثالث أن يكون على بر وقربة، أي على أمر يعتبر في الشريعة الإسلامية من أوجه البر والقربات.
أن توقف، يعني أنت كشخص مالك، حبست مالك الذي يمكن الانتفاع به مع بقاء عينه لصالح إيش؟ لصالح قربة من القرب، أو خير من الخيرات التي تحترمها الشريعة الإسلامية. وأما إذا أوقفت أو حبست مالك على معصية من المعاصي والعياذ بالله، أو على أمر ليس قربة بوجه من الوجوه، فهذا الوقف لا يصح، لذلك قال لابد أن يكون على بر وقربة، كأن توقف على المساكين، تقول والله هذا البناء ريعه للمساكين، أو ريعه للمساجد، أو ريعه للقناطر القناطر الجسور ومرافق الناس وحاجات الناس والأقارب، والله ريعه لأقاربي يريد أن يصل رحمه، هذا كله خير، فبالتالي هذه أوجه بر.
طب خلينا ننظر إلى أوجه لا تعتبر برًا. قال فلا يصح على الكنائس لأنه الصرف على الكنائس هذا ليس من القرب ولا من الخير المعترف به شرعًا، ولا على اليهود والنصارى كطائفة، تقول والله هذا وقف على اليهود أو وقف على النصارى كطائفة. لكن لو أوقف على ذمي؟ لو أوقف على ذمي ها، ليس على طائفة اليهود أو النصارى بل أوقف على ذمي يعيش في الدولة المسلمة هل يجوز؟ نعم يجوز.
فبدنا نفرق بين الوقف على طائفة اليهود والنصارى وبين الوقف على ذمي، مثلاً يريد أن يساعده في أمور حياته يعني ما فيها معسرة أو لا يستطيع أن يقضي شؤونه. فالوقف أحبابي يجوز أن يكون على ذمي، والذمي إما يهودي أو نصراني، لكن لا يجوز على طائفة كفرية بأن يقول على طائفة اليهود أو على طائفة النصارى. جيد، قال ولا على جنس الأغنياء. وسيأتي أظن هذه قضية الذمي سيأتي إليها، ولا على جنس الأغنياء أو الفساق.
أما لو وقف على ذمي ها لاحظوا، أو فاسق، أو غني معين صح. أو فاسق، أو غني معين صح. الآن يقولون الوقف على جهة اليهود والنصارى هذه ليست جهة من جهات البر تتقرب إليها، والوقف أيضًا على جنس الأغنياء تقول والله هذا الوقف ريعه للأغنياء، جنس الأغنياء إيش الفائدة؟ لا إيش الفائدة؟ يعني ما هو البر وما هي القربى أن توقف وقفًا ويكون ريعه للأغنياء؟ هذا مباح، يعني أن تصرف شيئًا للأغنياء مباح، لكنه لا يعتبر قربة فلا يصح اعتباره وقفًا، لا يكون قربة من القرب فلا يعتبر وقفًا، أو الفساق. الفساق ليس أناس يتقرب إلى الله سبحانه وتعالى بجعل المباني والعقارات وقفًا عليهم، فلو قال شخص أوقف هذا العقار أو هذه الشقق ليكون ريعها للفساق، بنقول له هذه ليست جهة بر، هذه ليست جهة بر ولا جهة خير تصرف إليها هذا الوقف.
أما كما قلنا لو صرفه على ذمي معين، قال: أو وقفه على غني معين، أو وقفه على فاسق معين، فهذا يصح. قالوا: هذا يصح. لماذا يعني برأيكم وأنا أحيانًا أفكر، لماذا لم يجز الحنابلة الوقف على جهة اليهود والنصارى؟ لكنهم أجازوها على ذمي معين. ولم يجيزوا الوقف على جنس الأغنياء لكن أجازوه على شخص معين غني من الأغنياء. لماذا لم يجيزوا الوقف على جهة الفساق كجهة أو كجنس لكن أجازوها على فاسق معين؟
لو فكرنا في الحقيقة في هذا الأمر سنجد، وسامحوني أنا مضطر أن أمحي هذه الشاشة، خلاص أنتم عرفتم نحن الآن في الشرط الثالث. اليهود والنصارى، خلينا نقول جنس اليهود والنصارى، جنس اليهود والنصارى، وجنس الأغنياء، وجنس الفساق. هؤلاء الثلاثة، لما تقول أنت أيها الواقف: أوقفت هذا البناء ليكون ريعه لجنس اليهود والنصارى، هنا في الحقيقة الجهة التي صرف إليها هي جهة دين.
لاحظوا أنت وقفت إلى جهة دينية، جهة الدين اليهودي والدين النصراني، وهذه أديان محرفة لا يعتبر بها في وقتنا الحالي. وكذلك لو قلت أوقفته على جنس الأغنياء، نقول واضح أنك أنت أوقفته لصالح الغنى. هنا الديانة، لما أنت تقول وقفته لليهود والنصارى، أنت علقت الوقف على جهة الديانة اليهودية والنصرانية، وهي ديانة محرفة فلا تعتبر قربة. وعندما تقول وقفته على الأغنياء، آه هنا واضح أنه أنت اعتبرت علة الوقف هو الغنى، والغنى ليس جهة بر يوقف عليها. وعندما تقول أوقفته على الفساق، واضح أنك بنيت الوقف على جهة الفسق، والفسق والعياذ بالله هذه معصية من المعاصي، فكيف تكون برًا؟
جيد؟ فهنا كأنه في شيء من دلالة الإيماء والإشارة، أو خلينا بعيد عن الإشارة، دلالة الإيماء والتنبيه التي يعتمدها الأصوليون، أنهم من علق الحكم على لفظ أو على مشتق، دل هذا على علة ما فيه الاشتقاق، ألا يقولون هذا؟ تقول أكرم العلماء، لما تسمع أكرم العلماء، إيش بتفهم؟ أنه سبب إكرامهم، علة إكرامهم، العلم. عندما يقول لك أعط الفقراء، تعليق الإعطاء على الفقراء يدل على أنه سبب العطاء ما هو؟ الفقر. فيقولون قاعدة أصولية، تعليق الحكم على وصف أو على مشتق يؤذن بعلية هذا الوصف أو بعلية هذا المشتق، أنه هو العلة في هذا التصرف أو في هذا الحكم.
فلما تقول أوقفت على اليهود والنصارى، أنت هنا يفهم المخاطب منك أن علة هذا الوقف هو لصالح جهة الديانة المحرفة اليهودية والنصرانية. وعندما تقول أوقفته هذا البناء للأغنياء، الذي يفهم عند العربية أن علة هذا الوقف هو الغنى الموجود في الأغنياء. وعندما تقول أوقفت هذا البناء للفساق، ماذا أفهم أنا كسامع؟ أنه علة هذا الوقف كله هو الفسق، مصالح الفساق، وهذه كلها أمور ليست ببر ولا قربة.
لكن لو قال راح ركزوا كيف سيختلف الأمر، لكن لو قال أوقفت هذا البناء على ذمي معين اسمه مثلاً حداد. يكثر في بلادنا اسم حداد النصارى. لو أوقفه على ذمي معين قال هذا البناء وقف على هذا الذمي اللي اسمه حداد. الآن أنا كسامع لما أسمع منك وقفت هذا البناء على هذا الذمي الذي اسمه حداد، في العربية لا يفهم ها، لا يفهم من ذلك أن علة الوقف عليه هو دينه المحرف، لا. هناك عدة احتمالات تأتي أنه ربما وقف عليه لأنه فقير، لأنه محتاج، لأنه يرغب في إسلامه لمصلحة من المصالح، ولا يطرق في ذهني أنك وقفت عليه لدينه المحرف، لأنك هنا تكلمت عن ذمي معين اسمه حداد، فتعليق الوقف عليه لا يفهم منه أنك أوقفت للدين، فبالتالي تعتبر في النهاية جهة بر كونك تصرف على فقير أو مسكين أو محتاج حتى ولو كان على غير ملة الإسلام.
وكذلك لو أوقفت على غني معين اسمه زيد، يعني لو جاء شخص وقال هذا البناء وقف على زيد وكان زيد غني من الأغنياء. الآن لما أنا أسمع هذا البناء وقف على زيد، لا أشعر أنك أوقفت هذا البناء على زيد لأنه غني، لا أشعر أن الغنى هو سبب هذا الوقف، فبالتالي هناك احتمالات عديدة، يمكن أنت أوقفته على زيد مثلاً لأنه زيد صاحب مشاريع خيرية ولو كان غنيًا من الأغنياء، أو أوقفته على زيد لأن زيد مثلاً صديق لك صاحب لك وطالب علم وجد وتريد أنه إذا هو الآن غني لكن لو لفت به الدنيا أن يجد رزقًا من الأرزاق يعينه على إكمال طريقه في العلم.
المهم لما تقول لي وقفت على زيد وكان زيد غني، هنا لا أشعر أن علة الوقف هي الغنى، وإنما هناك احتمالات متعددة، فبالتالي يبقى الوقف على أصله في الصحة أنه على جهة بر. كذلك لما تقول أوقفت على فاسق معين اسمه نوفل. مثلاً لو قال شخص هذا العقار وقف على نوفل وكان نوفل فاسقًا. الآن أنت لما تقول أوقفت على نوفل، صح أنا مثلاً ممكن بعرف أن نوفل فاسق، لكن أنت لما تقول لي أوقفت هذا البناء على نوفل، أنا لا أشعر أنك ولا أفهم أنك أوقفته عليه بسبب فسقه، بخلاف ما لو قلت أوقفت هذا البناء على الفساق، لا هنا بدلالة الإيماء المعروفة عند العرب هذا يدل على أن وقفك كان لصالح الفسق أو لجهة الفسق، وهذه ليست جهة بر. لكن أوقفت هذا البناء على نوفل، لا هنا عدة احتمالات، ممكن أنك أوقفت على نوفل لأنه فقير حتى لو كان فاسقًا لكنه فقير عياله يحتاجون، أو أوقفت على نوفل لتساعده في التوبة. هناك احتمالات متعددة، ولا يطرق إلى ذهننا أنك والله أوقفت عليه لأنه فاسق، هذا بعيد جداً.
فبالتالي جاز الوقف على ذمي معين، على غني معين، على فاسق معين، لأن جهة الفسق والغنى والذم والكفر الديانة المحرفة لا تفهم من هذا الوقف، لا تفهم من هذا الوقف بخلاف الحالة الأولى لما أوقفت على الجنس وليس على المعين. جيد وهذا يعني مفهوم كلام الشيخ مرعي رحمة الله عليه.
الان بدي إياكم تفهموا أحبابي عموماً أن الوقف أو الموقوف له خلينا نقول أو بسموه الموقوف عليه خلينا نعتمدها لأنها هي التي سيعتمدها الشيخ مرعي. الموقوف عليه عموماً إما أن يكون جهة وإما أن يكون إيش؟ معين. بس هذه سأكتبها هنا ونعود نقرأ كما سيأتي معنا لأنه ستفهمون يعني أكثر وأكثر إن شاء الله مع الوقت، ما الفرق بين الجهة وبين المعين في الموقوف عليه؟ وما الأحكام التي تترتب على الوقف إذا كان الوقف على جهة والأحكام التي تترتب على الوقف إذا كان على معين؟
لاحظوا الشرط الرابع إيش قال؟ بسم الله. قال: الرابع، الحمد لله، كونه على معين غير نفسه يصح أن يملك. يصح أن يملك. في الحقيقة هنا بدي أنبهكم على قضية. لما قال: كونه على معين. هنا كلمة المعين في كلام الشيخ مرعي تشمل الجهة وتشمل المعين الذي ذكرته أنا هنا. فالشيخ مرعي استعمل كلمة معين هنا بطريقة أوسع مما استعملتها أنا، فكلمة المعين عنده يعني هكذا تقول: معين عنده يشمل الجهة وتشمل الشخص المعين.
هو استعمل المعين بطريقة أوسع مما استعملته أنا. دعونا نعرف أو نتعرف على هذا الشرط. قال: الشرط الرابع أن يكون الوقف على معين. أن يكون الوقف على معين من جهة أو شخص. ها، إذا استعملت أنت كلمة معين مثل الشيخ مرعي بتقول: المعين ينقسم إلى جهة وإلى شخص. خلص. وإذا استعملت كلمة الموقوف عليه بتقول: الموقوف عليه إما جهة وإما معين.
خليني خلص أنا سأعتبر عبارة الشيخ مرعي رحمة الله عليه حتى لا أتشوش عليكم. يعني سأمسح ما عبرت به أنا وأقول: الموقوف عليه يجب أن يكون معينًا، وهو إما جهة وإما شخص. تمام؟ طيب.
إذا أحبائي الكرام يقول الشيخ مرعي رحمة الله عليه في الشرط الرابع: يشترط في الموقوف عليه أن يكون معينًا. سواء كانت الجهة الموقوفة عليها جهة أو شخص من الأشخاص. ما معنى يشترط في الموقوف عليه أولاً أن يكون معينًا؟ لأنه سيقول كونه على معين غير نفسه يصح أن يملك. هو يتكلم إذا عن شيئين: أن يكون معينًا، ويصح منه الملك. أن يكون معينًا ويصح منه الملك.
مفهوم قوله كونه على معين يدل على أن لا يصح أن يكون الموقوف عليه لا يصح أن يكون الموقوف عليه مبهمًا أو مجهولاً. لا يصح أن يكون الموقوف عليه مبهمًا أو مجهولاً. سواء كانت جهة مبهمة أو مجهولة أو شخص مبهم أو مجهول، هذا لا يصح الوقف به. فلو قال: وقفت عقاري على أحد مسجدين في القرية، أو وقفت عقاري على مثلاً إيه.
هنا نقول في جهالة أو في إبهام، فلا يصح مع هذا الوقف. أو وقفت عقاري على رجل من المسلمين؛ طيب، من هو هذا الرجل؟ لاحظ في نوع من الإبهام والجهالة الكبيرة، فلذلك يقول: لابد أن يكون على معين؛ تعين لنا الجهة أو الشخص. فتقول: وقفته على المسجد الفلاني، أو وقفته على طالب العلم الفلاني، أو وقفته على المشفى الفلاني أو المؤسسة الفلانية. فلابد، سواء كانت جهة أو شخص، أن يعين لنا من هذه الجهة أو من هذا الشخص، فلا يقبل إذاً مبهماً ولا مجهولاً.
ثانياً: لابد أن يكون هذا المعين من جهة أو شخص يستطيع أو يصح أن يملك، يصح أن يملك ويقبل منه الملك. وهذا ربما في الأشخاص واضح لديكم، لكن حتى الجهات؛ الجهات عند الحنابلة سيأتي معنا أنها يصح أن تملك وإن لم يكن لها ذمة، لكن يصح أن يملك ويكون الملك فيها -هكذا يقولون- هو ملك لله، هكذا يعبرون، لكنهم يصححون ملكها.
فقوله: يصح أن يملك، إذاً ماذا أخرج به؟ أخرج به إخواني المعينات أو الأعيان التي أو المعينين الذين لا يصح أن يملكوا. أخرج به المعينين الذين لا يصح ملكهم، وسنأتي إلى ذكر أمثلة؛ فهو أولاً ذكر أمثلة على غير المعين، قال: فلا يصح الوقف على مجهول كرجل ومسجد. تقول: وقفت هذا العقار على رجل من المسلمين؛ من هو؟ أو وقفته على مسجد من المساجد؛ لابد تحدد لنا، هذا كله جهالة لا يصح بها العقد، أو على أحد هذين الرجلين.
قال: ولا على نفسه. الآن قضية ولا على نفسه، هذا ليس خارجاً بقوله على معين؛ لأن نفسك معينة. وإنما يخرج بقوله: معين يصح أن يملك. كيف ذلك؟ هذه مسألة أن تقف على نفسك، في الحقيقة أصلاً هي مسألة خلافية لعلمكم، وهناك أكثر من قول عند الحنابلة فيها؛ فهناك قول يصحح أن يقف الإنسان عيناً من أعيانه لصالح نفسه، فيقول: وقفت هذا العقار على أن تكون منافعه، وقفته على أن تكون منافعه لي. وماذا فعل؟ هو جعل هذا العقار موقوفاً، بالتالي لا يصح ولا يملك أن يبيعه، ولا أن يهبه، ولا أن يتصرف فيه تصرفاً ينقل عن الملكية، ومنافعه تكون مصروفة إليه.
وهذا ربما يفعله إنسان مثلًا مبذر، إنسان مسرف، حتى يخلص يمنع نفسه من التبذير أو الإسراف. يقول: خلاص، أنا حتى أمنع نفسي سأوقف أعياني، سأوقف الأعيان حتى أمنع نفسي من بيعها وهبتها وما شابه ذلك، وتكون المنافع لي. طب، ما المشكلة في ذلك؟ لماذا؟ الآن هذا على قول عند الحنابلة يصح، لكن المعتمد كما ذكر الشيخ مرعي لا يصح هذا الأمر.
لماذا لا يصح؟ في الحقيقة عليكم أن تفهموا فلسفة الوقف وما تأتي معنا في فصل قادم في الفصل في الوقف، وهو أننا عندما نوقف الأعيان -أنا شخص أملك عيناً أوقفتها- تنتقل ملكية هذه العين للموقوف عليه، هذه اكتبوها عندكم: مالك العين إذا أوقف عيناً، فإن ملكية هذه العين تنتقل للموقوف عليه. لكن الموقوف عليه عندما يملكها، لا يملكها ملكاً تاماً بحيث يستطيع أن يتصرف فيها كما يشاء، لا؛ يملكها ملكاً يقولون ناقصاً، أو ملكاً محدوداً بالجهة التي تم الوقف بها عليه.
فإذاً أنا وقفت هذا البناء على الفقراء والمساكين، أو على فقراء منطقة معينة، يكون ملكاً لهم، لكن هم ينتفعون به ويستغلونه، وليس كونه ملكهم أنه يصح أن يبيعوه وأن يهبوه، لا لا. عليكم أن تفهموا أن ملك الموقوف عليه للوقف ملك ناقص محدود؛ فهو يملكه بحيث تكون منافعه مسبلة له، ولا يستطيع أحد أن يأخذه من بين يديه، لكن في نفس الوقت لا يستطيع هو هذا الموقوف عليه أن يبيعه وأن يهبه، فهو ملك ناقص باختصار.
المهم، إذاً فلسفة الوقف تقوم على أن من وقف شيئاً، انتقل ملك هذا الشيء أو هذه العين للموقوف عليه. ممتاز؟ فيقول الحنابلة في المعتمد في المذهب: طيب، إذا أنا أوقفت شيئاً على نفسي، إذا أنا أوقفت شيئاً على نفسي، أنا مالك هذا الشيء، وأنا الموقوف عليه هذا الشيء، هيك أصبحت؛ أنا الواقف وأنا الموقوف عليه. الآن فلسفة الوقف حتى أفهمكم إياها؛ هناك واقف، وهناك موقوف عليه، وهناك العين الموقوفة. الآن الواقف عندما يقف عيناً، فإنها تنتقل ملكيتها للموقوف عليه؛ جيد.
فإذا أنا وقفت شيئاً على نفسي، فأنا سأكون الواقف وأنا سأكون الموقوف عليه في نفس الوقت، فكأن هذه العين انتقل ملكها من نفسي إلى نفسي، انتقل ملكها وعاد إلى نفسي، وقالوا: هذا لا يصح، أن تنقل العين من نفسك إلى نفسك، كأن تبيع من نفسك إلى نفسك وتشتري من نفسك إلى نفسك، الأصل هذا لا يصح. فبالتالي قالوا في المعتمد: الوقف على النفس لا يصح؛ لأن الواقف لما وقف أخرج العين من ملكه وأعطاها للموقوف عليه، وإن كان الموقوف عليه -كما قلنا- ملكه ناقص، لكن في النهاية هو يملكها.
الآن الموقوف عليه في هذا المثال هو نفسي أنا الواقف، ولا يصح للإنسان أن يملك نفسه من نفسه، أو أن يبيع نفسه من نفسه، فبالتالي قالوا: لا يصح الوقف على النفس؛ لأنك لا تستطيع أن تملك من نفسك، هكذا قالوا. لكن في الحقيقة في الإنصاف -يعني- رجح الرواية الأخرى، وهو أنه يصح الوقف على النفس، وقال المرداوي في الإنصاف: وهو الصواب، وفيه مصلحة عظيمة، وترغيب في فعل الخير، وهو من محاسن المذهب. لاحظ ايش يقول المرداوي؟ فالإنصاف أن القول القائل بجواز أن يقف الإنسان على نفسه من محاسن المذهب التي قل أن تجدها عند أو من أقوال المذاهب الأخرى.
يعني لا أعرف هل هناك قول في المذاهب الأخرى في الحقيقة في هذه الجزئية لم أقف، لكن كأن المرداوي هنا يمدح مذهب الحنابلة بأن هناك رواية تجوز الوقف على النفس، لما في ذلك في الحقيقة من المصالح العظيمة لو تأملنا فيها. لكن ليس هذا هو المعتمد في النهاية، وهذا ينبهنا أيضاً على قضية، وهو أنه ليس كل ما يصوبه المرداوي في الإنصاف يكون مذهباً معتمداً، ليس كل ما يصوبه المرداوي أو يختاره يكون مذهباً معتمداً، بل قد يكون المذهب المعتمد هو عند غيره.
فالمهم إذاً قوله: ولا يصح، أي على نفسه. قال: ولا على من لا يملك؛ كالرقيق أو ولو مكاتباً. فهو قال الشرط الرابع: أن يكون الوقف على معين ويكون يملك. طبعاً هو لما قال على معين، قال: كونه على معين غير نفسه، أو قوله قال: على معين غير نفسه، بعدين رجع مرة أخرى فقال: ولا على نفسه. قضية ولا على نفسه، يعني في الحقيقة لا يحتاج أن يكررها مرتين، يعني لماذا قال غير نفسه؟ بعدين رجع قال ولا على نفسه. طبعاً هذا التكرار لنفس المسألة، وهذا لا يستحسن حقيقة في المصنفات العلمية؛ لأنك أنت هنا تشوش على الطالب، الطالب يتشوش لما تذكر المسألة مرتين وكل مرة في سياق يختلف عن الآخر أو سياق خلينا نقول مشترك -ليس يختلف- سياق مشترك.
يشعر الطالب بشيء من الخلل، يعني لماذا قال ابتداءً غير نفسه ثم عاد فقال ولا على نفسه؟ فأنا كنت أفضل إما أن يقتصر على الأولى أو على الثانية. المهم، لابد أن يكون الوقف على معين يصح أن يملك. فقال: فلا يصح الوقف على مجهول، ولا على أحد هذين الرجلين؛ لأن هنا في إبهام أو جهالة، وهذا يجعل الموقوف عليه غير معين. وكذلك ولا على من لا يملك ولو كان معيناً؛ كالرقيق، العبيد العبيد لا يملקים ولو كان مكاتباً، فهم لا يملكون، وإنما المكاتب حالته مستثناة في قضية المكاتبة فقط، وليس له الملك المستقر عموماً.
إذاً كالرقيق أو المكاتب. وكذلك الملائكة: والله أوقفت هذا البنيان على جبريل وميكائيل، أو الجن: أوقفته على عفاريت الجن، أو البهائم، أو الأموات: والله أوقفت هذا البنيان على زيد الميت، أو على الأموات في بلدة عمان؛ ماذا يستفيد الأموات من ذلك؟ فهم لا يملكون. ولا على الحمل استقلالاً، بل تبعاً؛ الحمل استقلالاً أيضاً لا يصح؛ فلا يصح أن تقول: أوقفت هذا البنيان على الحمل الذي في بطن زوجتي، أو أوقفت هذا البنيان على الحمل الذي في مثلاً بطن عمتي أو خالتي، أو بطن مثلاً أختي، أو ما شابه ذلك؛ لا يصح الوقف على الحمل استقلالاً -يعني أن توقف عليه شيء استقلالاً وحده- لكن يصح تبعاً؛ يصح بأن تقول: هذا وقف عليك وعلى الحمل الذي في بطن زوجتك، ما عندنا مشكلة، لأن هنا جاء الحمل تبعاً وليس هو الأساس، وأما استقلالاً لا يصح.
ليش إخواني المشترك بين الرقيق وبين الملائكة وبين الجن والبهائم والأملاك والأموات والحمل المستقل، أن كل هذه كل هذه الأمور لا تملك؟ كل هذه الأمور لا تملك بالمفهوم الشرعي؛ فالملائكة لا يملكون من بني آدم، والجن لا يملكون منا، والبهائم لا تملك، والأموات أموات لا يملكون، والحمل في بطن أمه لا يملك. فكل ما لا يملك، حتى ولو كان معيناً، لا يصح أن يكون موقوفاً عليه؛ فالموقوف عليه يجب أن يكون أولاً معيناً؛ فتقول: لا يصح المجهول ولا المبهم، ولا بد أن يكون هذا المعين يملك -يعني يصح أن يملك-.
فمن كان غير معين لا يصح معه الوقف، وإذا كان الموقوف عليه معيناً لكنه لا يملك لا يصح معه الوقف؛ لا بد من اجتماع الأمرين، جميل. ثم قال الخامس، الشرط الخامس: كون الوقف منجزاً. الوقف إخواني لا يصح تعليقه، هذا هو الأصل، فلا يصح: أوقفته إن جاء شهر رمضان، أو هذا الشيء وقف إن حصل كذا؛ لابد أن يكون منجزاً حالاً. تقول: خلاص، هذا الشيء وقف كذا للفقراء والمساكين، أو وقف على المسجد الفلاني، أو الجهة الفلانية، أو المؤسسة الفلانية، أو الشخص الفلاني؛ يكون منجزاً حالاً، ولا يصح أن يعلق بحصول شيء أو إلى مجيء مدة زمنية، إلا شيء واحد، قال: إلا بموته.
فيصح أن يعلق الوقف بالموت، لكن ركزوا ماذا سيحدث؛ فيصح إذاً ابتداءً أن يقول: هذا العقار وقف بعد موتي. فلاحظوا أن هنا الوقف ليس منجزاً حالاً، بل علقه إلى ما بعد الموت، لكن ماذا قال؟ فلا يصح تعليقه إلا بموته فيلزم من حين الوقفية إن خرج من الثلث.
ما معنى هذا الكلام؟ الآن إذا قال شخص هذا العقار وقف بعد موتي، يصح، لكن يقول الحنابلة: يلزم الوقف من حين تلفظ به وليس من حين الموت. إيش يعني يلزم الوقف؟ الآن سنعرف إن شاء الله أن الوقف عقد لازم أو تصرف لازم، لا يستطيع الرجوع عنه، لا يستطيع من تلفظ به التراجع عنه. جيد؟ فالوقف هو من العقود اللازمة، لا يمكن أن يفسخ ولا أن يتراجع عنه. يقولون: إي من قال هذا العقار وقف بعد موتي، يلزمه الوقف من حين تلفظ به، فلا يستطيع من حين تلفظ ولو لم يمت، لا يستطيع أن يتصرف في العين الموقوفة، لا يستطيع أن يبيعها ولا أن يهبها ولا أن يفعل فيها أي تصرف يخرجها عن ملكيته أو عن ملكية الوقف عموماً؛ لأنه في الحقيقة خرج عن ملكيته، خرج عن ملكيته.
لكن دعوني نعيد العبارة: من وقف وقفاً معلقاً بعد الموت بأن قال: هذا العقار وقف بعد موته لطلبة العلم، نقول: يصح هذا الوقف، يصح، لكنه يلزم من حين تلفظ به. ما نقول: والله هو الآن مش لازم ولزومه يكون عند الموت؛ لأنه إذا حكيت أنه الآن هو مش لازم وإنما يلزمه عند الموت، معناه أنه خلال هذه الفترة يصح أن للمالك أن يبيعه وأن يهبه وأن ينقل ملكيته منه إلى غيره، وهذا ما بينفع.
فيقول الحنابلة: هو صحيح، هذا يصح التعليق بعد الموت، لكن هنا نلزمك الوقف من حين تلفظت بهذه العبارة، فيصبح هذا المبنى محجوراً عليك أن تتصرف فيه تصرفاً ينقل الملكية، لا تستطيع أن تهبه ولا أن توصي به ولا أن تفعل به أي شيء آخر، طيب.
لكن ها، لكن هو متى ستنتفع بها الجهة الموقوف عليها؟ لو قال: هذا العقار وقف بعد موتي لطلبة العلم مثلاً. الآن متى سينتفع به طلبة العلم؟ آه، انتفاع طلبة العلم به سيكون بعد موته، لأنه صححنا التعليق. فإذن طلبة العلم الموقوف عليهم سينتفعون بهذا العقار بعد موته، وإن كان العقار أصبح ملزماً به من حين تلفظ به.
طيب، الآن شوفوا لي هذا المقياس اللي اخترته هنا: هذه لحظة الموت، وهذه لحظة التلفظ بالوقف، بين التلفظ بالوقف وبين الموت هنا خمس سنوات، هو تلفظ بالوقف المعلق بالموت قبل خمس سنوات من موته وهناك مدة خمس سنوات. الآن بعد موته -كما قلنا- سينتقل للموقوف عليهم، يعني هم سينتفعون به بعد موته. لكن الفترة من حيث التلفظ بالوقف إلى حيث الموت، يقولون منافعه هذا العقار، هذه العين تكون لربها، أي تكون لمالكها الأصلي، تكون لمالكها الأصلي.
إذن المنافع خلال هذه الفترة خلال الخمس سنوات تكون للمالك الأصلي الذي وقف هذا العقار، وبعد موته تنتقل هذه المنافع للجهة الموقوف عليهم، والوقف لزم من حيث التلفظ، لزم من هنا. لكن عند الموت، اه، عند الموت سننظر -هي المعلومة الأخيرة، وهي أننا صحيح لزم الوقف من هنا، وخلال الخمس سنوات ستكون منافعه لمالكه الأول، يعني لمالكه الذي أوقفه، لكن عند الموت سننظر-: مات الرجل، الآن مات -رحمة الله عليه- هل هذا الوقف الذي أوقفه يعتبر من ثلث ماله ولا أكثر من ثلث ماله؟ إذا كان من
ثلث ماله فأقل، خلص ينفذ مباشرة، ويصبح نفعه للموقوف عليهم، وهم طلبة العلم في هذا المثال. أما إذا خرج الوقف أكثر من ثلث ماله، هنا سيتوقف الأمر على إجازة الورثة. إذا أجاز الورثة إمضاء هذا الوقف مشى، إذا لم يرضوا بذلك لا يمشي منه إلا مقدار الثلث فقط.
لا يخرج منه إلا مقدار الثلث، وما زاد على الثلث هذا سيعود للورثة يوزع بينهم. فلاحظوا إذاً تعليق الوقف بعد الموت له أحكام كثيرة. الحكم الأول أنه يلزم من حين التلفظ به. وهو من حين هذه المدة إلى لحظة الموت منافعه وما يخرج منه لمين؟ للمالك الأول. لكن المالك الأول ما معنى لزوم الوقف في ذمته؟ لزوم الوقف في ذمته معناه أنه فقط ينتفع منه انتفاعاً. لكن كما قلنا لا يستطيع أن يتصرف فيه تصرفاً يخرجه من ملكيته، لا يستطيع أن يبيعه، لا يستطيع أن يهبه.
يستطيع مثلاً أن يؤجره، يستطيع مثلاً أن يستغل الأرض مثلاً بالزراعة، بالمحاصيل، ينتفع كما شئت. لكن قضية أنك تنقلها من ملكيتك هذه انتهت، لأن الوقف لزمك من هنا. خلال الخمس سنوات نفعه لك فقط، لكن ليس لك أن تتصرف تصرفاً ينقل الملكية. لما تموت ننظر هل هو أقل من الثلث فأقل ولا أكثر؟ إذا من الثلث فأقل خلاص انتقل مباشرة إلى الموقوف عليهم بعد موتك. إذا هو أكثر من الثلث ولم يجز الورثة فالثلث فأقل يذهب للموقوف عليهم وما زاد على الثلث يذهب إلى الورثة، خلاص ينفك عنه الوقف ويذهب إلى الورثة ميراثاً. ينفك فيما زاد عن الثلث الوقف ويذهب إليهم ميراثاً.
فلاحظوا أن الشيخ مرعي ربما اقتصر على جزء منها، لكن مهم أن تتصوروها بهذه الطريقة. فالأصل في الوقف أنه عقد منجز، فلا يصح تعليقه إلا بالموت. وإذا علقه بالموت فيلزم من حين الوقفية. لكن لما تأتي لحظة الموت ننظر هل خرج من الثلث فأقل أو من أكثر من الثلث؟ فإن خرج من الثلث فأقل سيمضي جبراً عن الورثة، وإن خرج أكثر من الثلث فالزائد موقوف على إذن الورثة.
الشرط السادس من شروط صحة الوقف قالوا ألا يشترط فيه ما ينافيه. كقوله وقفت كذا على أن أبيعه أو على أن أهبه متى شئت، أو بشرط الخيار لي والله لي الخيار، أو بشرط أن أحوله من جهة إلى جهة. الآن الوقف له أحكام، فمن وقف وقفاً أو تلفظ بلفظ من ألفاظ الوقف الصريحة أو الكنائية، المهم من وقف وقفاً ولكنه اشترط فيه شرطاً ينافيه بطل وقفه.
من وقف وقفاً أي تلفظ بلفظ من ألفاظ الوقف واشترط معه شرط ينافيه لغى هذا الوقف، مثل ايش؟ قال وقفت هذا العقار بشرط أن لي أن أبيعه متى شئت بنقول لا، وقف هذا الوقف باطل. لأنه أهم شيء من أحكام الوقف أن الواقف وغير الواقف لا يستطيعون التصرف في عين هذا الوقف تصرفاً ينقل الملكية. وهذا ذكرناه في تعريفه، أنني لما أوقف شيئاً إخواني، ما معنى أوقفت؟ يعني حبسته، حبسته عن تصرفي وعن تصرف غيري في رقبته بأنني لا أستطيع أن أتصرّف فيه تصرفاً ينقل الملكية لا بيع ولا هبة ولا ما شابه ذلك. فإذا أنا قلت والله هذا العقار وقف على أن لي أن أبيعه هنا تناقضت، أو أن أهبه متى شئت أنا تناقضت، أو بشرط الخيار لي.
الوقف إخواني عقد لازم بمجرد أن يصدر، أو تصرف لازم بمجرد أن تتلفظ به، فهو مثل الرصاصة كما يقولون، أول ما تطلع منك لزمتك. ولا يوجد فيه خيار، لا خيار مجلس ولا خيار شرط ولا أي خيار من الخيارات. فلو قال شخص أنا أوقف هذا العقار بشرط أن لي الخيار ثلاثة أيام بنقول له الخيار ينافي لزوم الوقف، الوقف لازم ابتداءً والخيار ينافيه، فأنت اشترطت شرطاً يخالف طبيعة العقد.
قال: أو أن يشترط أن يحوله من جهة إلى جهة. لو قال مثلاً أنا أوقفت هذا الوقف على أن لي أن أنقله من الموقوف عليه الفلاني إلى الموقوف عليه الفلاني، مثل إيش؟ قال: مثلاً أنا أوقفت هذا الوقف على طلبة العلم بشرط أن يكون لي صلاحية أن أنقله متى شئت من طلبة العلم إلى مسجد أو إلى جهة أخرى، بنقول ملغي. ليه؟ لأنه الوقف إخواني بمجرد أن يتم بأن تقول: وقفت هذا العقار على طلبة العلم، انتقلت ملكية هذا العقار إلى الموقوف عليه، مش هيك حكينا؟
انتقلت ملكية العقار إلى الموقوف عليه، وهم طلبة العلم. فلا يستطيع الواقف أن يطالب أو أن يشترط على نفسه أحقية أن ينقل الوقف من الموقوف عليه، أي من جهة الموقوف عليه، إلى جهة أخرى يختارها فيما بعد. بنقول ما بينفع، لأنه أنت بمجرد أن وقفت العقار على جهة معينة، هذه الجهة المعينة ستمتلكه، صح، ملك ليس تام، لكنه ملك في النهاية. فلا تستطيع أن تسلبه منهم بعد أن امتلكوه، فشرطك أن لي أن أحوله، أي أن أحول الوقف من جهة إلى جهة أخرى يخالف طبيعة عقد الوقف ومفهومه وأحكامه الأساسية.
إذًا الشرط السادس ألا يشترط الواقف ما ينافيه، أي ما ينافي طبيعة عقد الوقف، كأن يقول وقفت على أن لي أن أبيعه أو أن لي أن أهبه، أو يشترط الخيار لنفسه، أو يشترط أن يحوله من جهة موقوف عليه إلى جهة أخرى، بنقول كل هذه الأمور لا يصح اشتراطها ولا يصح الوقف معها.
الشرط السابع قال أن يقف على التأبيد. طبيعة عقد الوقف أنه عقد مؤبد، لذلك في ألفاظه الكنائية ذكرنا من ألفاظه الكنائية أبدت، لأنه هي في الحقيقة فيها شبه بالوقف أو فيها شائبة وقف، فاحتجنا معها إلى نية أو اقترانها بحكم من الأحكام أو بلفظة أخرى صريحة أو كنائية. المهم الوقف بطبيعته ومفهومه أنه على التأبيد وليس مؤقتاً، فلذلك يشترط أن يقفه مؤبداً. فلو وقفه وقال أقفله شهراً أو إلى سنة ونحوها لم يصح.
في الحقيقة طبعا أنا كنت أتمنى أنه هو اختصر علينا وجعل الشرط السابع مع السادس، ليه؟ لأنه لو قال وقفته شهراً أو وقفته إلى سنة، هو هنا اشترط ما ينافي مقتضى العقد، صح ولا لا؟ لو قال وقفته إلى سنة أو وقفت إلى شهر، لماذا الوقف هنا باطل؟ لأنه اشترط شرطاً ينافي مقتضى أو طبيعة عقد الوقف. فالأصل أن يذكر هذا السابع مع السادس، أنه لا يجوز أن يشترط ما ينافيه، ويقول مثلاً كأن يقول وقفته شهراً أو إلى سنة، لأنه هذا التقييد ينافي طبيعة عقد الوقف.
ثم قال ولا يشترط تعيين الجهة، فلو قال وقفت كذا وسكت صح، وكان لورثته من النسب على قدر إرثهم. هذه سأختم بها المسألة وانتبهوا جيداً حتى لا تختلط عليكم، لأنه ستشتبه عليكم مع الشرط الرابع، لأن الشرط الرابع قلنا أن يكون على معين يصح أن يملك. طيب، هنا إيش بيقول؟ بيقول: ولا يشترط تعيين الجهة. طيب، كيف لا يشترط تعيين الجهة ويجب أن يكون على معين يملك؟
الآن، في الشرط الرابع هو كان يتكلم عن شخص أوقف عقاراً أو شيئاً على مجهول أو مبهم. شخص أوقف عقاراً أو شيئاً على مجهول، قال: وقفته على رجل، أو على مسجد، أو على أحد رجلين، مثل الأمثلة التي ذكرها، أو على معين، لكنه لا يملك، كالملائكة والجن والشياطين وما شابه ذلك. فكان يتكلم إذًا عن أنه يشترط إذا تلفظت بالموقوف عليه فلا بد أن يكون الموقوف عليه معيناً يصح أن يملك، هيك افهموها. إذا تلفظت أيها الواقف بالموقوف عليهم فيجب أن يكون الموقوف عليهم معينين، سواء كانوا جهة أو أشخاصاً، ويصح ملكهم.
طيب، إذا هو لم يتلفظ أصلاً بالجهة الموقوف عليها، قال: وقفت هذا العقار وسكت، لم يحدد الموقوف عليه، لا هو معين ولا هو غير معين، لا هو يصح أن يملك ولا هو لا يصح أن يملك، هل هذا يصح؟ هذه مسألة أخرى. إذًا، بدنا نفرق بين أن يتلفظ الواقف بالموقوف عليهم، فنقول هنا يجب أن يكون معيناً يصح أن يملك، اللي هو الشرط الرابع. فبنقول له: إذا أنت أيها الواقف، حضرتك، بدك تبين من الموقوف عليهم من الآن بنقولك بدك تبين أو تذكر معينين لا مبهمين ولا مجهولين ويصح أن يملكوا، فلا تذكر لي غير معين ولا تذكر لي من لا يصح ملكه.
أما إذا لم ترد أن تتلفظ بالموقوف عليهم أصلاً، فقط تلفظت أن هذا العقار وقف وسكت، أو هذه السيارة وقف وسكت، لم يشأ أن يتلفظ وأن ينص على الموقوف عليهم أصلاً، فهل هذا يصح؟ قال الحنابلة: نعم يصح. وهذا هو معنى قوله ولا يشترط تعيين الجهة، أي لا يشترط أن يتلفظ بمن هم الموقوف عليهم، فلو قال وقفت كذا وسكت من دون أن يعين الموقوف عليهم صح. طيب، أين سنذهب به؟
قال مباشرة قالوا ويكون لورثته من النسب على قدر إرثهم. هكذا قضى الحنابلة فيه أنه من قال وقفت هذا العقار وسكت يصح، لكن مباشرة سيكون لمن؟ سيكون لورثته من النسب ويوزع عليهم على قدر إرثهم. الآن قال ويكون لورثته هذا واضح، لكنه قيدهم ورثة من النسب.
الآن إخواننا اللي درسوا معنا الفرائض ونظم الفارضي يعرفون أن أسباب الإرث ثلاثة: الإرث بالنكاح، والإرث بسبب النسب، والإرث بسبب العتق، مش هيك تكلمنا عن أسباب الإرث؟ أسباب الإرث ثلاثة: نكاح، نسب، عتق أو بيسموه ولاء.
جيد، الآن من وقف شيئاً ولم يحدد الموقوف عليهم صح، ويذهب إلى ورثته، لكن لأي نوع من الورثة يذهب؟ للورثة من النسب، ويوزع عليهم على قدر إرثهم ونطبق قواعد إرث النسب. يعني إذا كان هناك في أهل النسب من يحجب بعضهم بعضاً، مثلًا الابن يحجب ابن الابن والأخ الشقيق يحجب الأخ لأب، نطبق قواعد الحجب وقواعد الإرث تماماً.
جيد؟ لكن الذين يرثون بسبب النكاح وهم الزوج أو الزوجة، أو بسبب الولاء، هؤلاء لا يحصلون على شيء من هذا الوقف. الزوج أو الزوجة والعبد المعتق اللي ورث بسبب الولاء هؤلاء لا يحصلون، يعني سيد العبد المعتق هو الذي يرث بسبب ولائه، لا يأخذون شيئاً من هذا الوقف.
إذن باختصار الحنابلة يقولون من وقف شيئاً ولم يحدد الجهة الموقوف عليها لم يذكرهم أبداً صح، ويصرف الوقف إلى ورثته نسباً من الفروع ومن الأصول ومن الحواشي ونطبق عليهم قواعد الإرث. يعني يقتسمون هذا العقار على قدر إرثهم كما أنه هناك مسألة ميراث بتقسم عليهم ونطبق قواعد الحجب وقواعد حجب الحرمان وحجب النقصان والتعصيب وغيرها. فإذن هذا هو حل هذه المعضلة، وإن شاء الله في المحاضرة القادمة بإذن الله نكمل مشوارنا في باب الوقف، لأنه باب الوقف الحقيقة من الأبواب الطويلة التي تحتاج إلى جهد من طالب العلم والشيخ مرعي أطال النفس كثيراً ما شاء الله.
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
الشيخ إبراهيم رفيق الطويل