بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله الذي علم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم. أحمده سبحانه وتعالى حمد الذاكرين الشاكرين، وأصلي وأسلم على المبعوث رحمة للعالمين، فجة لسالكين، نبينا وحبيبنا وقرة عيننا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.
اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وارزقنا علماً نافعاً يا أرحم الراحمين. حياكم الله أحبابي الكرام لمجلس جديد نعقده في مدارسة كتاب دليل الطالب لنيل المطالب مع الإمام مرعي بن يوسف على مذهب السادة الحنابلة رضوان الله تعالى عليهم. في المحاضرة السابقة أحبابي الكرام أنهينا ثلاثة مواضيع، تكلمنا عن موضوع الأطعمة، وتكلمنا عن موضوع التذكية، وتكلمنا عن موضوع الصيد. اليوم موعدنا مع موضوع آخر مهم وكتاب آخر مهم من كتب الفقه، ألا وهو كتاب الأيمان، ألا وهو كتاب الأيمان.
ابتداءً دعونا نعرف ما معنى الأيمان؟ الإيمان أحبائي الكرام في اللغة جمع يمين، واليمين في معناها اللغوي الأصلي اليمين هي اليد اليمنى تمام؟ ثم أصبحت تطلق كلمة الأيمان واليمين في المعنى العرفي وكذلك في المعنى الشرعي على توكيد حكم من خلال ذكر معظم على وجه مخصوص. هذا هو معنى اليمين في المعنى العرفي الذي نتعارف عليه بيننا، وكذلك في المعنى الشرعي، وهذا الذي يهمني هنا، يهمني المعنى الشرعي.
فيقول الحنابلة في تعريف اليمين: اليمين هو عملية توكيد. ركزوا ماذا قالوا؟ اليمين توكيد. توكيد لماذا؟ لحكم من الأحكام. المراد بالحكم هنا الخبر، أريد أن أؤكد خبراً، سواء كان خبراً عن شيء حصل في الماضي أو خبراً عن شيء أريد حصوله في المستقبل، وستأتي معنا إن شاء الله أنواع اليمين. فاليمين إذاً هي توكيد لحكم لخبر. طيب، هذا التوكيد يتم من خلال ماذا؟ قالوا: يتم من خلال ذكر عظم، أن يذكر الحالف شيئاً معظماً عنده، أن يذكر الحالف شيئاً معظماً عنده مع هذا الحكم.
فإذا ذكرت شيئاً معظماً على وجه مخصوص، لأن هناك طريقة معينة وأحرف معينة تستعمل في اليمين، ولذلك النحاة الذين يدرسون حروف القسم يقولون: حروف القسم الواو والباء والتاء. فإذا ذكر المعظم على وجه مخصوص مع الخبر الذي تريد أن تطرحه، فانت هنا تقوم بتأكيد هذا الخبر، تقوم بتأكيد هذا الخبر. كيف أكدته؟ من خلال ذكر هذا الشيء المعظم عندك على الطريقة المخصوصة المتعارف عليها بين الناس.
إذاً هذا هو تعريف اليمين، أرجو أن تكتبوه عندكم لأن الشيخ لم يذكره: اليمين هو توكيد الحكم من خلال ذكر معظم على وجه مخصوص. فهمنا إذاً فلسفة اليمين ومعناها الفقهي الشرعي. الآن سنبدأ سريعا بذكر الأحكام التي يذكرها الحنابلة عموماً في هذا الباب، لأنه باب في الحقيقة فيه شيء من الطول. نبدأ أولاً، قال: لا تنعقد اليمين إلا بالله تعالى أو اسم من أسمائه أو صفة من صفاته؛ كعزة الله وقدرته وأمانته.
إذاً أحبابي الكرام هنا بدأ الشيخ مرعي رحمة الله عليه بذكر ما هو الشيء المعظم الذي يجوز للمسلم أن يذكره عندما يريد أن يؤكد خبراً من الأخبار. احنا قلنا: اليمين هي توكيد الخبر من خلال ذكر عظم. لكن في ملة الإسلام وعند أهل الإسلام، هذا المعظم ينبغي أن يكون شيئاً مخصوصاً، ليس لك أن تعظم ما شئت أيها المسلم، فتحلف بابيك أو تحلف بأمك أو تحلف بشرفك أو غير ذلك من الأمور التي يستعملها جهال الناس، بل الشيء المعظم الذي تذكره لتؤكد به الأخبار حصرته الشريعة.
وهذا الذي أراد أن يبينه الشيخ مرعي، ما هو الشيء المعظم الذي يجوز أن تذكره لتوكيد الأخبار؟ فقال: لا تنعقد اليمين، فاليمين الشرعية ها، اليمين الشرعية لا تنعقد إلا إذا استعملت لفظ الجلالة الله، لذلك قال: إلا بالله تعالى. يعني استعملت لفظ الجلالة الله فقلت: أقسم بالله. أو استعملت اسماً من أسمائه الحسنى، أو استعملت اسماً آخر من أسماء الله الحسنى؛ الرحمن، الرحيم، الملك، القدوس، السلام، المؤمن، المهيمن، العزيز.
أو استعملت صفة من صفاته العلا؛ كعزة الله، وقدرة الله، وأمانته، إلى غير ذلك من الصفات الثابتة عند أهل السنة والجماعة في الكتاب والسنة واتفق عليها سلف الأمة رضوان الله تعالى عليهم. فاذا اليمين المنعقدة تكون إما بلفظ الجلالة، أو باسم من أسماء الله الحسنى، أو بصفة من صفاته. ولو شخص قال: أقسم بالله، هذه يمين. لو قال: أقسم بالرحمن، أقسم بذي الجلال والإكرام، هذه يمين. لو قال: أقسم بكلام الله، أقسم بعزة الله، أقسم بقدرة الله، بإرادة الله، هذا أيضاً يمين لأنه أقسم بصفة من صفاته.
عندي تعليق فقط على موضوع من أقسم باسم من أسمائه الحسنى. أسماء الله سبحانه وتعالى الحسنى هي في الحقيقة على قسمين: هناك قسم يختص بالله عز وجل ولا يصح اطلاقه على غيره، كمثل الرحمن، أو خالق الخلق، أو ملك الملوك، هذا الأصل. فأسماؤه الحسنى المختصة به سبحانه وتعالى ولا تطلق على غيره، إذا استعملتها في القسم ها، إذا استعملتها في القسم، فإنها تنصرف مباشرة إلى الله عز وجل، لأن هي بطبيعة هذه الأسماء لا تستعمل في غيره.
وأما الأسماء الأخرى التي تطلق على الخالق وتطلق على المخلوق مثل الرحيم؛ فالرحيم هذا اسم من أسماء الله الحسنى، ويجوز أن تسمي المخلوق رحيماً، وإن كانت رحمة الله بالتأكيد تختلف عن رحمة المخلوق. فالأسماء المشتركة مثل الرحيم، الرؤوف التي يمكن أن تطلق على الله وتطلق أيضاً على المخلوق، فهذه حينما تستعملها في اليمين للتأكيد بها، لابد ألا ينوي بها غير الله عز وجل. كون هذا الاسم يصح اطلاقه على الله ويصح اطلاقه على المخلوق، بدك تنتبه انك حينما تطلقه حتى تكون يمينك شرعية منعقدة، ألا تقصد باطلاقه إلا الله عز وجل.
وإذا قصدت بإطلاق الرحيم فقلت: أقسم بالرحيم. إذا قصدت بالرحيم المخلوق، فهذه يمين غير منعقدة وغير شرعية ومحرمة شرعاً أيضاً. فالأسماء المختصة بالله سبحانه وتعالى هي أصلاً مختصة به فلا تطلق على غيره تماماً. فإذا أطلقها المسلم فإنها مباشرة تنصرف إلى الله، ما في داعي لأن نقيد فيها. وأما القسم الثاني من الأسماء، فهي الأسماء التي تطلق على الله وتطلق على غير الله، فهذه عندما تقسم بها يجب ألا تنوي بها غير الله، يجب ألا تنوي بها ولا تقصد بها غير الله، لأنك إذا قصدت بها غير الله سبحانه وتعالى، أصبحت اليمين غير شرعية وبالتالي غير منعقدة ولا توافق شرع الله سبحانه وتعالى.
إذاً لا تنعقد اليمين إلا باسم الجلالة الله، أو باسم من أسمائه، سواء الأسماء المختصة أو الأسماء المشتركة على التفصيل الذي ذكرته، أو بصفة من صفاته؛ كعزة الله وقدرته وأمانته. طيب، قال: وإن قال يميناً بالله، أو قسماً بالله، أو شهادة بالله انعقدت. يعني أحبابي الكرام الأيمان لا يشترط فيها أن تكون منحصرة فتقول بلفظ اليمين أن تقول يميناً بالله، يمكن أن تعبر يميناً بالله، يميناً بالرحمن، يميناً بعزة الله. يمكن تعبر بلفظة الشهادة فتقول: أشهد بالله حصل كذا، أو أشهد بالرحمن حصل كذا، أو أشهد بعزة الله.
لفظة الشهادة تستعمل في الأيمان وينعقد بها اليمين، ويمكن تستعمل لفظة أقسم؛ أقسم بالله، أقسم بالرحمن، وأقسم بعزة الله. فأنت مخير بين أن تستعمل لفظة يمين بالله، وبين أن تستعمل لفظة أقسم بالله، وبين أن تستعمل لفظة أشهد بالله. فهذه كلها ينعقد بها اليمين، ولا يتعين لفظ اليمين بحد ذاته، بل إذا عملت لفظ القسم والشهادة تنعقد به الأيمان كما يبين السادة الحنابلة.
قال: وتنعقد بالقرآن، وبالمصحف، والتوراة ونحوها من الكتب المنزلة. لو شخص قال: أقسم بالقرآن، أو أقسم بالمصحف، هل يصح؟ نعم. لأن القرآن والمصحف هو كلام الله سبحانه، فكأنك أقسمت بصفة من صفات الله. يعني لو شخص قال: والقرآن لافعلن كذا. نقول: القرآن ما هو؟ هو كلام الله. وكذلك لو قال: والمصحف لافعلن كذا. المصحف ما هو؟ المصحف عبارة عن كلام الله، وكلام الله صفة من صفاته، فمن حلف بالقرآن أو بالمصحف فقد حلف بصفة من صفات الله، ألا وهي كلام الله، ومثلها التوراة ونحوها من الكتب المنزلة.
هنا قضية التوراة ونحوها من الكتب المنزلة، يمكن شخص يقطب يا شيخ الكتب المنزلة هذه محرفة، فنقول: من أقسم بكتب الله المنزلة كالتوراة والإنجيل، فالمتبادر إلى الذهن ابتداءً أنه يقصد الكتب المنزلة من عند الله قبل التحريف فيها. يعني لو شخص مسلم قال: والتوراة، هل يصح عند الحنابلة؟ يصح. لماذا؟ قالوا: لأن المتبادر من الذهن لما شخص مسلم يحلف بالتوراة أو بالإنجيل إنما يحلف بها قبل أن تحرف، يقصد بما نزل من الله صافياً نقياً. فقبل الحنابلة هذا اليمين، ولا يظن بمسلم أنه يقصد التوراة المحرفة الموجودة الآن بين يدي اليهود، أو الإنجيل الموجود الآن المحرف الموجود بين يدي النصارى، لأنه إذا قصد هذا لا هون صار في مشكلة.
وإنما إذا حلف المسلم بالتوراة أو بالإنجيل أو بالزبور فإنه يصح، قالوا: لأن المتبادر من ذلك أنه يقصد الكتب المنزلة من عند الله قبل تحريفها، فهي تكون مثلها مثل القرآن كلام لله سبحانه وتعالى. ثم قال: ومن حلف بمخلوق؛ كالأولياء والأنبياء عليهم السلام، أو بالكعبة ونحوها، حرم ولا كفارة. المذهب المعتمد عند السادة الحنابلة أنه من حلف بأي مخلوق، بأولياء الله، أو حلف بنبي من الأنبياء، أو بالكعبة، أو بملك من الملائكة، حتى ولو هاي كانت مخلوقات معظمة، فالمذهب عندنا أن هذا اليمين حرام ولا تترتب عليه الكفارة لأنه يمين غير منعقد، لا تترتب عليه الكفارة.
لماذا يا شيخ؟ لأنه يمين غير منعقد، حتى تنعقد اليمين ما هو قال لك في بداية الصفحة: لا تنعقد إلا بالله أو باسم من أسمائه أو بصفة من صفاته. طبعا استثنى أكثر الحنابلة الحلف بالنبي صلى الله عليه وسلم، فالمعتمد عندنا في المذهب، أقول: المعتمد عندنا في المذهب أن النبي صلى الله عليه وسلم لا يجوز الحلف به، كما لا يجوز الحلف بسائر الأنبياء. لكن من حلف بالنبي صلى الله عليه وسلم، فهو في المنتهى وفي الإقناع أن عليه الكفارة، أن عليه الكفارة من حلف بالنبي صلى الله عليه وسلم فقالوا عليه كفارة.
لكن في الحقيقة هذا الكلام الذي ذكره في المنتهى وهو أن من حلف بالنبي صلى الله عليه وسلم فعليه الكفارة، الذي يظهر لي، أقول والله أعلم، أنه لا ينبني على الرواية المعتمدة في المذهب أنه لا يجوز الحلف بالنبي صلى الله عليه وسلم، بل ينبني على رواية أخرى عندنا في المذهب ذكرها في الفروع على جواز الحلف بالنبي صلى الله عليه وسلم، رواية أخرى ليست هي المعتمدة ذكرها السادة الحنابلة بجواز الحلف بالنبي صلى الله عليه وسلم، وبناء على هذه الرواية نقول: ومن حلف بالنبي صلى الله عليه وسلم وحنث فعليه الكفارة.
فهذا أردت التنبيه عليه، أننا في المنتهى وكذلك في الإقناع فيما أظن يقولون إنه لا يجوز الحلف بمخلوق لا بملك ولا بولي ولا بنبي، ويقولون ومن حلف بالنبي صلى الله عليه وسلم فعليه الكفارة، يعني من حلف به فحنت. من حلف، يعني أن بالنبي صلى الله عليه وسلم أن يفعل شيئاً فلم يفعله وحنث، فعليه الكفارة. فالحقيقة أقول هذا الكلام يحتاج إلى تحرير، والمرداوي في تصحيحه على الفروع بين ذلك، المرداوي في تصحيح هذا الفروع وبين أن الكفارة بالحلف بالنبي صلى الله عليه وسلم إنما تكون على رواية الجواز، يعني من أجاز الحلف بالنبي صلى الله عليه وسلم وهي رواية عندنا في المذهب فيقول: من حلف بالنبي صلى الله عليه وسلم فحنت فعليه الكفارة، كما أن من حلف بالله فحنث فعليه الكفارة.
فهذا أردت التنبيه عليه، فأنت الطالب يعني لا يخلط أو يعيد تحقيق المسألة بشكل أكبر، لأن ظاهر المنتهى يعني في الحقيقة في إشكالية عندما يقول: ويجب الكفارة لمن حلف بالنبي صلى الله عليه وسلم فحنت، مع أنهم يذكرون جواز الحلف بالنبي صلى الله عليه وسلم، فكيف تجمع هذا مع هذا؟ فنقول والله تعالى أعلم يعني المسألة دعها للنقاش، أن ذكر المرداوي في تصحيح الفروع أن الكفارة لمن حلف بالنبي صلى الله عليه وسلم فحنت إنما هي على رواية من أجاز الحلف به.
هناك رواية في المذهب تجيز الحلف به، ولكن المعتمد كما ذكرت لكم وما ذكره صاحب الدليل أنه لا يجوز الحلف بمخلوق لا ولي ولا نبي، حتى النبي صلى الله عليه وسلم على جلالة قدره لا يحلف به، ولا بالكعبة ونحوها من المعظمات، وهي يمين محرمة ولا كفارة في حالة وقوع الحنث لعدم انعقاد اليمين ابتداءً.
طيب، الآن ننتقل فصل آخر قال: وشروط وجوب الكفارة. متى تجب الكفارة على من حنث في يمينه؟ ما معنى حنث؟ معنى حنث في يمينه أنه لم يوفي بها، معنى فلان حنث في يمينه أنه لم يوفي بها وخالف ما حلف عليه، هذا معنى الحنث. ومن حنث فعليه الكفارة، لكن قال: بخمس ست شروط.
الان قبل معرفة الخمسة شروط لابد نعرف اقسام اليمين في الحقيقة. اليمين أحبابي الكرام تنقسم إلى ثلاثة أقسام: هناك يمين على أمر مستقبلي، اليمين على المستقبل. وهناك اليمين على الماضي. وهناك يمين اللغو. إذا هي ثلاثة أنواع. نبدأ باليمين عن المستقبل، ما معنى اليمين عن المستقبل؟ اليمين عن المستقبل كما عرفته لكم هو طلب تحقيق شيء في المستقبل وجوداً أو عدماً، طلب تحقق شيء في المستقبل وجوداً أو عدماً، فتقول: والله لأذهبن إلى المسجد.
هنا أنت تتكلم على أمر مستقبلي تريد أن يتحقق وجوداً. لما قلت: والله لأذهبن إلى المسجد، ما معنى هذا؟ هنا أنت تحلف على تحقيق شيء في المستقبل، تطلب من خلال هذا اليمين وتؤكد من خلال هذا اليمين تحقيق شيء في المستقبل وجوداً.
طيب، نؤخذ مثال على العدماً: والله لن أشرب اللبن، اه، هنا نفس الشيء، أنت تحلف يمين على المستقبل، طلب تحقيق شيء في المستقبل من جهة العدم، لأني قلت: والله لن أشرب، فأريد أن أعدم شرب اللبن في المستقبل. فإذا، اليمين على المستقبل هي اليمين التي فيها توكيد المراد منه طلب تحقيق شيء في المستقبل وجوداً أو عدماً، وإنما أقسمت اليمين لتحث نفسك على تحقيق هذا الطلب.
لماذا أقسمت؟ لماذا أتيت باليمين؟ حتى تحث النفس وتؤزها لتحقيق هذا الطلب. وسنعرف إن شاء الله أن الحنث والكفارة إنما يكون في هذا النوع من الأيمان، وهي الأيمان على أمور مستقبلية. أما القسم الثاني من الأيمان فهي اليمين على الماضي، معناها أن أخبر عن شيء وقع في الماضي وأقسم بالله، فأقول: أقسم بالله لقد زارني زيد البارحة. ها، أقسمت على شيء حصل في الماضي، أريد أن أؤكد هذا الخبر.
أريد أن أؤكد هذا الخبر الذي وقع في الماضي. الآن، من أقسم على خبر في الماضي، فإاما أن يكون صادقاً ويكون هذا الخبر مطابقاً للواقع، فهذه يمين برة، كما قالوا: يمين بر لا حرج فيها.
الحال الثاني: أن يكون أقسم على شيء وقع في الماضي هو يظن في نفسه أنه صادق، لكن في نفس الأمر وفي الواقع هو ليس بصادق، لكن لما حلف هو ظن نفسه صادقاً؛ فمثلا رجل قال: والله لقد زارني زيد البارحة، فيقول له صاحبه: متأكد؟ قال: والله لقد زارني زيد البارحة. فهذا الحالف هو يعتقد فعلا أن الذي زاره زيد، لكن لما فتشنا في الأمور وبحثنا اكتشفنا أن الذي زاره ليس زيداً، وإنما شخص آخر اسمه بكر. الآن هل هذا الشخص الذي حلف آثم؟ هو ليس آثماً، لأنه لما حلف على وقوع شيء في الماضي صحيح ثبت في الواقع خلاف يمين، لكنه لما حلف كان صادقاً، أو خلينا نقول لما حلف كان يعتقد صدق نفسه. هذه العبر الدقيقة، فمن حلف على يمينه في الماضي وهو يظن صدق نفسه وكان الواقع مخالفاً لهذا اليمين، فهذا لا شيء عليه، لا إثم عليه والله سبحانه وتعالى لم يجب عليه أي كفارة دنيوية.
النوع الثالث من الحلف على الماضي: وهو أن يحلف على شيء في الماضي وهو يعلم كذب نفسه، فيقول: والله لقد جاءني زيد البارحة، وزيد لم يأته وهو يعلم أن زيداً لم يأته. هذه هي التي تسمى اليمين الغموس والعياذ بالله وهي من الكبائر.
أن تقسم بالله على حصول شيء في الماضي وانت تعلم أنه لم يحصل، فهذه يمين غموس تغمس صاحبها في نار جهنم والعياذ بالله، لأن اسم الله عز وجل ليس لعبة تلعب بها وتستعملها في الكذب وتمرير الكلام الذي لا حقيقة له. فهذا الذي يسمى اليمين الغموس؛ الحلف على الماضي مع تعمد الكذب، يعني أنت تعلم أنك كاذب فيما حلفت عليه.
القسم الثالث من الأيمان: يمين اللغو، وهي التي قال الله عز وجل فيها: ﴿لَّا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾ [البقرة: 225]، أنه أنت في أثناء حديثك بشكل تلقائي من دون أن تقصد اليمين، أقول لك: بلى والله جاء فلان البارحة، لا والله ما أجى. ها، أنت أحياناً تقول: لا والله، أو بلى والله، والله صار كذا. بتحكي هذه الكلمات وهذه الأيمان من دون وعي، خلينا نقول بشكل تلقائي عفوي، فهذا يمين اللغو، وهذه لا يحاسب الله عز وجل عليها: ﴿لَّا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾ بنص كتاب ربنا سبحانه.
إذاً، الأيمان إما يمين على مستقبل، وإما يمين على ماضي، وإما يمين على لغو. اليمين على الماضي ما في كفارة وعرفنا أقسامه، يمين اللغو ما فيه كفارة، اليمين على المستقبل هي التي يكون فيها الحنث وبالتالي الكفارة، لكن بشروط.
لكن بشروط سنعرف إن شاء الله ما هي هذه الشروط الآن؟ إذا نقول: الشيخ مرعي رحمة الله عليه قال: وشروط وجوب الكفارة، طبعا إذا حصل الحنث، خمسة أشياء:
واحد: كون الحالف مكلفاً، أي بالغاً عاقلاً، هذه واضحة. كون الحالف يكون مكلفاً، لأنه غير المكلف لا يحاسب على ما يصدر منه.
اثنان: كونه مختاراً، أي لم يكن مكرهاً على اليمين. جاء شخص فوضع مسدساً على دماغك وقال: أقسم بالله لتفعلن هذا الشيء في المستقبل، نقول: هذا لا يقع به، يعني هذه اليمين أصلاً هو لم يقصدها صاحبها لأنه أكره عليها، لأنه أكره عليها، فبالتالي لا عبرة به، إذاً كونه مختاراً.
الثالث: كونه قاصداً ليمينه. أراد أن يخرج يمين اللغو، أراد أن يخرج بهذا الشرط الثالث يميناً، فلا كفارة في يمين اللغو، لأنها غير مقصودة. إذاً، الشرط الأول: أن يكون الحالف مكلفاً. أن يكون الحالف مختاراً وليس مكرهاً على يمينه. ثالثاً: كونه قاصداً ليمينه. أما أخرج اليمين من فمه، أخرجها مع انعقاد القلب عليها وليس يمين لغو، لذلك قال: فلا تنعقد ممن سبق على لسانه بلا قصد، كقوله: لا والله وبلى والله في عرض حديثه. هذه هي لغو اليمين التي ذكرتها لكم أثناء حديثك تجري على لسانك من دون قصد.
الشرط الرابع: كونها على أمر مستقبل، قال: فلا كفارة على ماضي. اليمين قال ماضي لا كفارة، بل إن تعمد الكذب اليمين التي على الماضي إن تعمد فيها الكذب فهذه هي اليمين الغموس وهي حرام، وإلا إذا لم يتعمد الكذب، الآن، إذا كان يمينه مخالفا للواقع وهو يظن صدقه فهذا فلا شيء عليه، وأما إذا كان يمينه على الماضي مطابقاً للواقع فهذا هو الصدق، وأنعم به وأكرم ولا حرج في ذلك.
طيب، الشرط الخامس: الحنث بفعل ما حلف على تركه أو ترك ما حلف على فعله. حتى تجب عليك الكفارة لابد يحصل الحنث، طب ما هو الحنث؟ ما مفهوم الحنث؟ الآن عرفه، فقال: الحنث بأن يفعل ما حلف على تركه. فقال: والله لن أشرب اللبن، فرح فعل ما أقسم على أن يتركه، أو العكس: ترك ما حلف على فعله، قال: والله لأذهبن إلى المسجد لأصلي العشاء فلم يفعل، حنث. فالحنث إذاً: أن يفعل ما حلف على تركه، أو أن يترك ما حلف على فعله.
وهنا أحبابي الكرام ننتبه على قضية، أنه من حنث مكرهاً أو جاهلاً أو ناسياً، فلا عبرة بهذا الحنث ولا كفارة عليه. بخلاف يمين الطلاق، مر معنا في الطلاق أن من علق طلاق زوجته على حصول شيء منه أو منها ففعل هذا الشيء ناسياً أو جاهلاً، أنه تترتب عليه الأحكام ويقع عليه الطلاق. من قال لزوجته: إن خرجت من الدار فأنت طالق، أو إن خرجت من الدار فأنت طالق فخرجت، أو خرج ناسياً أو جاهلاً، تترتب عليه يمين الطلاق. فيمين الطلاق لا عبرة فيها بالجهل والنسيان، لكن اليمين العادية، اليمين التي ليست بطلاق، لا، الجهل والنسيان يمنع الكفارة فيها، فهذا اكتبوه: من حنث مكرهاً أو جاهلاً أو ناسياً لا كفارة عليه، لا كفارة عليه. هذا الحنث يعني لا يعتد به.
إذاً، هذه خمسة شروط: أن يكون الحالف مكلفاً، مختاراً، قاصداً ليمينه، أن يكون اليمين على المستقبل، وأن يقع الحنث كما ذكرنا على الصورة التي بيناها.
طيب، قال: فان كان عين وقتاً تعين. ايش يعني فان كان عين وقتاً تعين؟ يعني إذا كان حلف أن يفعل الشيء خلال وقت محدد، مثلاً قال: والله لأذهبن غداً إلى المسجد، إذاً هو عين وقت الذهاب، فجاء يوم غد ولم يذهب طوال غد إلى المسجد، نعم، بمجرد انتهاء يوم غد فيكون هذا الرجل حنث وعليه الكفارة، لأنه عين وقتاً للفعل. إذا شخص عين وقتاً فقال: والله لأذهبن إلى المسجد غداً، فجاء الغد وانتهى وهو لم يذهب، بمجرد أن ينتهي يوم غد عليه الكفارة.
وكذلك لو كانت يمين بالإعدام، يعني: والله لن أشرب الحليب غداً. الآن إذا جاء غد فشرب في أي لحظة منه الحليب حنث، إذا انتهى يوم غد ولم يشرب الحليب خلاص أموره تمام وفى بيمينه، وبالتالي لو شرب فيما بعد الغد لا حرج عليه. فباختصار، من عين اليمين في مدة محددة لزمه هذا التعيين.
طيب، الحالة الثانية: وإلا إذا كانت اليمين ليست مؤقتة معينة في مدة محددة وإلا لم يحنث حتى ييأس من فعله إما بتلف المحلوف عليه أو موت الحالف.
لو كان لم يحدد وقتاً معيناً للبر بيمينه؛ رجل قال: والله لأعطينك يا زيد شاة، والله لأعطينك يا زيد شاة. الآن هو ما قال: سأعطيك إياها غداً أو بعد غد، ما حدد مدته، قال: والله لأعطينك شاة، وأطلق لم يقيد بزمن. الآن هذا الشخص متى يمكن أن يحنث بهذا اليمين وبالتالي تترتب عليه الكفارة؟ قال: إذا لم يكن معيناً لا يحنث حتى ييأس من فعله، حتى ييأس من أنه يفي بهذا اليمين. طب متى يحصل اليأس؟
قالوا: إذا تلف المحلوف عليه أو إذا مات الحالف. يعني أعطيك مثال على الحالة الثانية، إذا مات الحالف: شخص قال: والله لأعطينك يا زيد شاة، ممتاز، الآن ما في حنث لأنه لسا معه مجال هو ما حدد مدة، معه مجال يعطيها بكرة، بعد بكرة، بعد سنة، بعد سنتين، بعد ثلاث سنوات، بعد أربعة، بعد خمسة، بعد عشرين، لكن إذا فمات الحالف، اه، هنا قبل أن يعطي الشاة وقع الحنث، إذا مات الحالف قبل أن يعطي الشاة لزيد هنا وقع الحنث، لأننا يئسنا من أن يبر بيمينه، خلاص هو مات، أكيد يئسنا من أن يبر بيمينه، وقع الحنث وستجب الكفارة فيه تركاته. أنت بتقول لي مات يا شيخ، طب كيف من سيدفع الكفارة؟ من التركة، قبل أن توزع الوصايا والمواريث يتم إخراج الكفارة من تركة الحالف.
أو صورة أخرى من صور اليأس، إذا مات أو هلك أو تلف المحلوف عليه. يعني أنا قلت لزيد: والله يا زيد لأعطينك هذا الجوال. الآن أنا ما حددت، معي أعطي بكرة، بعد شهر، بعد شهرين، بعد سنة، بعد سنتين. يوم من الأيام إذا بهذا الجوال يتلف ويقع في البحر وينتهي، وهنا المحلوف عليه ذهب وتلف، وهنا بالتأكيد يئسنا من أن أعطي زيد هذا الجوال لأنه تلف وهلك، فيقع الحنث وتجب علي الكفارة، لذلك قال: إذا لم يكن محدد لمدة لا يقع الحنث حتى ييأس من الفعل، وهذا إما يكون إذا مات الحالف نفسه خلاص يئسنا من أن يبر بيمينه، وإما بتلف الشيء المحلوف عليه: والله لأعطينك هذا الجوال حددته وهلك هذا الجوال أو تلف هذا الجوال، وبالتالي هنا يئسنا من أن نبر بهذا اليمين قطعا فستترتب الكفارة هنا لترتب الحنث. إذاً من كان عين وقتاً ليمينه نتقيد بهذا التعيين، وأما من لم يعين وقتاً ليمينه فانه لا يحنث حتى نصل لمرحلة اليأس من أن يبر بها إما بهلاك المحلوف عليه أو بهلاك الحالف.
ثم قال: ومن حلف بالله لا يفعل كذا أو ليفعلن كذا إن شاء الله، ها، أضاف كلمة إن شاء الله بعد اليمين، أو إن أراد الله، أو لا يفعل كذا أو ليفعلن كذا إلا أن يشاء الله. واتصلت لفظ المشيئة لفظاً، واتصل المشيئة، اتصلت هذه المشيئة لفظاً باليمين أو حكماً. والاتصال الحكمي مر معنا في الطلاق بيانه أنه يكون كلمة إن شاء الله متصلة أو تعتبر في حكم المتصل باليمين، لأنه وقع فاصل اضطراري فقط بأن عطس أو كح أو ما شابه ذلك، فهذا الفاصل وإن كان فاصلاً لكنه غير معتد به، فتعتبر إن شاء الله متصلة حكماً باليمين.
من شخص قال: أقسم بالله لأذهبن غداً إلى الجامعة، بعدين عطس أو كح بعديها مباشرة قال: إن شاء الله. هسه بنلاحظ أنه في فاصل بين إن شاء الله وبين اليمين، لكن هذا الفاصل وجوده كعدمه، وتعتبر إن شاء الله متصلة حكماً بلفظ اليمين، حكماً تعتبر متصلة وإن كان واقعياً مش متصلة، لكن حكماً متصلة لأن الفاصل الذي هو العطاس أو الكحة ووجودها كعدمها كما قالوا.
فإذاً لابد، ركزوا، من أراد أن يحلف ثم يستثني فيقول إن شاء الله، بدنا نقول له: لازم إن شاء الله تكون متصلة باليمين، أما اتصالاً حقيقياً لفظياً، أو اتصالاً حكمياً. أما تحكي: والله لأذهبن غداً إلى الجامعة، وترروح وبعد ساعتين ثلاث ساعات ترجع فتقول: إن شاء الله، لا بنقول لك: مش رح ينفع، فخلاص لزمت هذا اليمين وهذا الاستثناء لا وجود له لا يعتبر، لأنك لم تصله بلفظ اليمين.
إذاً، إن شاء الله عندما تصل تتصل باليمين، ترفع حكم اليمين كما يقولون. متى؟ إذا كان اتصالها اتصالاً لفظياً أو اتصالاً حكمياً. يعني ايش فائدة إن شاء الله؟ من حلف على يمين أحبابه فقال: والله لأذهبن إلى المسجد غداً أو إلى الجامعة غداً أو إلى مجلس علم غداً، ثم قال: إن شاء الله. إن شاء الله خلينا أقول بترفع حكم اليمين، بترفع حكم اليمين، فلو أنك حنثت ولم توفي بما حلفت عليه ما عليه كفارة، فهي ترفع حكم اليمين، أو على الأقل من قول تذهب عنك الكفارة، فأي شخص خاف يتورط في كفارة بنقول له: يا أخي دائماً إذا أقسمت وخفت تتورط مباشرة احكي ايش؟ إن شاء الله. لكن في قيد، انظروا ايش قال.
من حلف بالله لا يفعل كذا أو ليفعل كذا إن شاء الله، أو إن أراد الله، أو إلا أن يشاء الله واتصل لفظاً وحكماً لم يحنث، وما عليه كفارة. لذلك قلت لكم «إن شاء الله» ترفع حكم اليمين، بس وضع شرط؛ قال: بشرط أن يقصد الاستثناء قبل تمام المستثنى منه. قوله بشرط أن يقصد الاستثناء قبل تمام المستثنى منه؛ لابد اه هذا شرط عند السادة الحنابلة. قالوا: لابد أن يقصد الاستثناء، المراد بالاستثناء هي نفسها جملة «إن شاء الله»، لابد أن يقصد قول «إن شاء الله» قبل تمام المستثنى منه، يعني قبل ما تنتهي من القسم فتقول مثلاً: أقسم بالله لأذهبن إلى المسجد. قبل أن تنتهي من قولك: «لأذهبن إلى المسجد»، لازم تكون ناوي في قلبك أنك بدك تحكي «إن شاء الله». فلو شخص قال: والله لأذهبن إلى المسجد غداً. وهو مش ناوي يحكي «إن شاء الله»، بعد ما خلص هذه الجملة طرأ في ذهنه أن يقول «إن شاء الله»، عند السيد الحنابلة ما بينفعش، راحت عليه باختصار. بقولوا: لازم تكون ناوي تحكي «إن شاء الله» قبل ما تخلص الجملة السابقة، قبل ما تخلص «والله لأذهبن إلى المسجد»، بدك تكون نويت في قلبك أني بدي أستثني، إذا ما نويت وطرأت النية بعد ذلك للاسف عند السادة الحنابلة رضوان الله تعالى عليهم لا يعتبر هذا الاستثناء وأصبحت اليمين ملزمة لك، إذا حنثت عليك الكفارة. هذا إذا ما دلك بقضية «إن شاء الله» ومتى تكون رافعة لحكم اليمين ومتى لا تكون رافعة.
ثم قال: ومن قال طعامي علي حرام، أو إن أكلت كذا فحرام، أو إن فعلت كذا فحرام، لم يحرم عليه وعليه إن فعل كفارة يمينه. هذه مسألة تلحق بباب الأيمان وهي مسألة من حرم شيئاً على نفسه، كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم لما حرم على نفسه مارية القبطية لما وطئها في بيت حفصة على إحدى الأقوال، أو على القول الآخر لما حرم على نفسه العسل، لأنه في خلاف في سورة التحريم ما كان سببه؛ هل سببه أنه وطئ مارية في بيت حفصة، أو كان سببها أنه شرب العسل في بيت إحدى زوجاته فحفصة وعائشة رضي الله تعالى عنهما تواطأتا على أن يخبرا النبي صلى الله عليه وسلم أن هذه الرائحة التي خرجت فحرم على نفسه العسل؟ القصة المهم: النبي صلى الله عليه وسلم حرم على نفسه مارية أو حرم على نفسه العسل، الله سبحانه وتعالى عاتبه فقال: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ ۖ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ ۚ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ * قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ [التحريم: 1-2].
فمن حرم شيئاً على نفسه فقال: حرمت على نفسي أن أشرَب العسل، حرمت على نفسي أن ألعَب الرياضة، حرمت على نفسي أن أتصل بالهاتف، حرمت على نفسي كذا. من حرم على نفسه شيئاً وقال هذا شيء حرام علي؛ الجملة الأولى قال: لا يحرم عليه، ما بصير حرام عليك، لكن إذا أردت أن تفعل أو أن تتناول الشيء الذي حرمته على نفسك فعليك كفارة يمين. يعني هي في النهاية أُعْتُبِرَت كأنها يمين من الأيمان؛ فمن حرم شيئاً على نفسه قال: أحرم على نفسي هذا الطعام أو هذا التصرف أو هذا الفعل أو هذا الجهاز أو ما شابه ذلك، بنقول له: تحريمك على نفسك هذا الشيء لا يجعله فعلياً واقعياً حراماً عليك، بل يجوز أن تأكل هذا الشيء الذي حرمته على نفسك، أو أن تتحدث بالهاتف، أو أن تمارس الرياضة، لكن متى فعلت هذا الشيء يكون عليك كفارة يمين، كما أمر الله عز وجل في كتابه: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾. فالله عز وجل أعتبرها يمين عليها الكفارة.
إلا شيء واحد، وهو من حرم على نفسه زوجته؛ من قال زوجتي علي حرام هذا ظهار، ومرت معنا أحكامه في باب الظهار. فلذلك حتى الحنابلة أظن في المنتهى استثنوا فقال: من حرم على نفسه شيئاً غير زوجته. لماذا استثنوا؟ لأن تحريم الزوجة هذا حكمه خاص، هذا ظهار، وله أحكام الظهار التي سبقت معنا وكفارة الظهار. أما من حرم سوى زوجته فهذا ليس ظهاراً، وعليه كفارة يمين. لذلك قال: وعليه إن فعل كفارة يمين.
ومن قال -بعض الناس للاسف تستعمل بعض الألفاظ التي لا تليق- فبقول: ومن قال عن نفسه هو يهودي، طبعا هي أنا بس أنا غيرت أنا ما بدي أحي أنا بدي أحي هو حتى لا أنسب إلى نفسي هذه المقولات الشنيعة. ومن قال عن نفسه هو يهودي أو نصراني أو تعبد الصليب أو الشرق إن فعل كذا، أو هو بريء من الإسلام أو من النبي صلى الله عليه وسلم، أو هو كافر بالله إن لم يفعل كذا؛ فقد ارتكب محرماً، لكنه لا يخرج من الملة، وعليه كفارة يمين إن فعل ما نفاه أو ترك ما اثبته. بعض الناس الجهال للاسف بحكي على لسانه أنه هو إذا بحكي معك -بعض الناس بده يمنع نفسه من أنه يحكي مع صديقه، تزاعل مع صديقه، حدثت مشكلة بينهم- فقال عن نفسه -لا أنسبه لنفسي حتى لا أقول الكلام الشنيع- هو نصراني إن تكلم معك، أو هو كافر بالله إن تكلم معك. شف الألفاظ ما بصير تحكي هيك، لكن بعض الناس جهلهم تصدر منه هذه الألفاظ، أو هو بريء من النبي صلى الله عليه وسلم إن حكى معك. طبعا هذا اليمين حرام، قال: هذه محرمات، لكن هل عليه الحنف؟ قال: ارتكب محرماً، لكن نعم عليه الحنف.
طب لماذا رتبتم عليه الحنف إذا كان هذا اللفظ حرام؟ نقول: لأن النبي صلى الله عليه وسلم في الأحاديث الصحيحة هو الذي أمر بكفارة اليمين في مثل هذه الألفاظ، كما في حديث الضحاك وغيرها من الأحاديث، أن النبي صلى الله عليه وسلم يخبر أن من استعمل هذه الألفاظ وفعل حراماً لكن إن خالف -ها إن خالف يعني هو حكى هو نصراني إن تحدث معك فراح تحدث معاه في المستقبل- هسا احنا بنقول له: أولاً انت ارتكبت حرام بقولك عن نفسك أنك نصراني إن فعلت كذا، وبما أنك حنثت في يمينك أصلاً ولم توفي بها فعليك كفارة اليمين. لذلك يقول: وعليه كفارة اليمين إن فعل ما نفاه أو ترك ما أثبته، يعني إن حنف باختصار يعني لو قالوا: عليه كفارة اليمين إن حنف، اختصر الموضوع عليه. فهي ألفاظ محرمة، والأصل الألفاظ المحرمة لا تنعقد بها الأيمان، ما هذا الأصل، ولا بالتالي لا تترتب عليها كفارات. طب ليش خالفتم هذا الأصل هنا؟ نقول: لأن النص هو الذي أمر في هذه الألفاظ بالتكفير، النص هو الذي أمر أنه من استعمل هذه الألفاظ فعليه أن يكفر إذا حنف، فاتبعنا النص، وإلا الأصل في الأيمان غير الشرعية أنها ليست منعقدة ولا تترتب عليها كفارات.
ثم قال: ومن أخبر عن نفسه بأنه حلف بالله ولم يكن حلف؛ فهذه كذبة لا كفارة فيها. يعني شخص قال: يا جماعة أنا حلفت بالله أن أذهب غدا إلى المسجد وهو في نفسه كاذب يعلم أنه لم يحلف بالله. هل باختصار إذا أخبر شخص عن نفسه أنه حلف بالله وأخبر عن نفسه أنه حلف بالله ليفعلن شيئاً وفي الواقع هو لم يحلف بالله فهذا ما حكمه؟ نقول: هذا كذب، أخبرنا أنه حلف بالله لكنه لم يحلف بالله، في الواقع هو يعتبر كذب نسأل الله العافية لكن لا كفارة عليه ما دام هو في الواقع لم يحلف بالله. فهذه هي الفكرة التي ختم بها هذا الفصل.
ثم قال: وكفارة اليمين. الآن الشيخ بده يخبرك عن كفارة اليمين، يعني إذا وقع الحنث باليمين، الآن شايفين كيف صارت الموضوع خارطة هنا خلاص امسح هذه المنطقة. إذا وقع الحنث باليمين أحبابي، اليمين التي على المستقبل بالشروط التي ذكرناها، مش قلنا هنا خمس شروط حتى تجب الكفارة، الشرط الخامس والأخير أن يقع الحنث. إذا وقع الحنث ووجبت الكفارة لوجود الشروط، ما هي الكفارة؟ قالوا: وكفارتي هو قال إيش قال وكفارة اليمين على التخيير. عبارة منتهى الإيرادات أدق من عبارة الشيخ مرعي أنه في المنتهى قال: وكفارة اليمين على التخيير ثم على الترتيب، وهذا سيظهر لكم أنه كفارة اليمين هي أولاً مخيرة ثم تصبح مرتبة، فليست على التخيير مطلقاً. لذلك أنا أفضل عبارة المنتهى أن نقول: اليمين على التخيير ثم على الترتيب.
كيف يا شيخ؟ قال: وكفارة اليمين على التخيير؛ التخيير ابتداءً بين إطعام عشرة مساكين أو كسوتهم أو تحرير رقبة مؤمنة. وهذا ما ذكره الله في سورة المائدة: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَٰكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا عَقَّدتُّمُ الْأَيْمَانَ ۖ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ ۖ فَمَم لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ﴾ [المائدة: 89]. فابتداءً بنقول كفارة اليمين ابتداءً مخيرة؛ يا بتطعم عشرة مساكين، طب كم مقدار الإطعام؟ نصف صاع من تمر أو شعير أو زبيب أو أقط أو مد بر، نفس الإطعام في كل الكفارات التي مرت معنا في هذا الكتاب. الكفارة دائماً الإطعام فيها؛ إذا فيها إطعام تقول: نصف صاع من تمر أو شعير أو زبيب أو أقط أو مد من بر. إطعام عشرة مساكين، كل مسكين هذا المقدار الذي ذكرناه، أو كسوة عشرة مساكين. ما مقدار الكسوة؟ اكتبوا عندكم للرجل يجزئ ثوب يستر العورة وتصح به الصلاة، ثوب يستر العورة وتصح به الصلاة. وبالنسبة للمرأة لابد من قميص، يعني قميص -طبعاً هو هذا الثوب هذا يسموه قميص عند العرب دشداش، لكن هو عند النساء بكون زي الجلباب خلينا نقول- والمرأة إذا أراد أن يكسو النساء فيكسو قميصاً، يعني ثوباً كاملاً مع خمار اللي هو غطاء الرأس. فإذا أراد أن يكسو عشرة مساكين نقول: إذا أعطيت رجالاً عليك أن تعطيهم أقل شيء ثوب يستر العورة وتصح به الصلاة، وإذا أردت أن تعطي النساء فتعطي المرأة قميص يعني ثوب من هنا إلى أقدامها والخمار الذي تغطي به رأسها. هذا هو مقدار الكسوة. إذا يا بتطعم عشرة مساكين، يا تكسوهم، أو تحرير رقبة مؤمنة أو تحرر رقبة مؤمنة. وعرفنا ضابط الإيمان، وعرفنا أنها ماشية شروط المؤمنة التي يصح إخراجها في كتاب الظهار. إذاً تحرير رقبة مؤمنة، أنت مخير؛ يا إطعام يا كسوة يا تحرير رقبة مؤمنة.
طيب شخص قال: أنا ما معي مال لأطعم ولا لأكسو ولا لأحرر رقبة، ما معي مال. فنقول له: فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام متتابعات، فعليه أن يصوم ثلاثة أيام متتابعة وجوباً، يعني التتابع هنا واجب إن لم يكن هناك عذر. فإذا كان هناك عذر وقع معه -هو صام يوم، صام اليوم الثاني بعدين مرض، خلص خلص- يصوم اليوم الثالث بعد أن يخلص من مرضه، وهذا الانفصال لا يؤثر، لا نقول له والله عليك أن تعيد الثلاثة أيام، فنقول: ثلاثة أيام يجب أن تكون متتابعة، إلا إذا وقع عذر منع تتابعها من مرض، أو امرأة حاضت، صامت اليوم الأول بعدين حاضت، خلص بقول لها: بعد ما تنتهي الحيض تكملين. فاذا حدث الانقطاع لعذر لا حرج، أما لغير عذر بالدكاتيت وقع الانقطاع لغير عذر بين الثلاثة أيام أي عليك أن تعيد، أما إن كان الإذن فلا يعيد.
ثم قال: ولا يصح أن يكفر الرقيق بغير الصوم. مرت معنا هذه الفكرة أن الرقيق ثقة -دائماً في الكفارات اللي فيها مال وفيها صيام- الرقيق لا يملك شيئاً، ما اله مال فلا يستطيع أن يكفر بالإطعام أو الكسوة أو تحرير رقبة مؤمنة، فيدائماً يوجه إلى الصيام وهذه مرت معنا أظن في كتاب كفارة القتل قريباً. وعكسه الكافر، الكافر دائماً عكس الرقيق، الكافر إذا في كفارة فيها صيام ومال ما بنفع في حقه الصيام، لأنه الكافر لا عبرة بصيامه، فتكون كفارته بماذا؟ تكون كفارته دائماً بالأمور المالية. إذاً الرقيق كفارته دائماً بالصيام، والكافر كفارته دائماً بالمال.
ثم قال: وإخراج الكفارة قبل الحنث وبعده سواء. اه هنا أنتبهوا: هل يجوز أن أخرج الكفار أن أخرج الكفارة قبل أن يقع الحنث؟ في الحقيقة نعم، يقولون: يجوز إخراج كفارة اليمين قبل الحنث كما تخرج بعد الحنث، فأنت مخير من حلف يمين وأراد أن يحنث نقول: إذا حلفت يمين والله لا أذهب والله لا أكلمك خلينا نقول شخص قال: والله لا أكلم زيداً، ثم تراجع وأنب نفسه وعرف أن الكلام اللي بحكيه خطأ، ولازم يرجع يتصالح مع زيد، فقرر أنه يرجع يحكي معه، متى عليه أن يخرج الكفارة؟ الآن نقول: لزوماً لزوماً الكفارة تلزمك بعد أن تحنث، لكن لو أخرجت الكفارة قبل أن يقع الحنث -يعني قبل أن تكلم زيد- في مشكلة؟ ما في مشكلة. لذلك قال: وإخراج الكفارة قبل الحنث وبعده سواء، كله بزبط، لكن هي متى بتلزمك فعلياً فعلياً؟ بعد الحنث.
ثم قال: ومن حنيتة ولو في ألف يمين بالله ولم يكفر؛ فكفارة واحدة. اكتبوا: ولو كانت على أفعال مختلفة شخص حلف ألف يمين بالله على أفعال مختلفة، فمثلا قال: والله لا أكلم زيداً، والله لا آكل التفاح، والله لا أزور عمراً، حلف آلاف مئات الأيمان على أمور كثيرة وحنث فيها جميعاً، حنث في هذا وحنث في هذا وحنث في هذا. الآن أنتبهوا يا أحباب في تفصيل ولم يذكروا إذا حنث في الأول.
فكفر، ثم حنث في الثاني؛ فعليه كفارة أخرى. ها، إذا حنث في يمينه الأول فأخرج كفارة لها، ثم بعد ذلك حنث في يمينه الثاني؛ فعليه كفارة أخرى. أما إذا حنث في يمينه الأول فلم يكفر، ثم حنث في الثانية ولم يكفر، ثم حنث في الثالث فلم يكفر، ثم في الرابع، ثم في الخامس، ثم في السادس، ثم في المئة إذا كان لم يكفر، أو ثم أراد بعد المئة يمين التي حنث فيها أن يكفر، نقول: يلزمك كفارة واحدة عن الجميع.
خلص، تجزئ كفارة واحدة عن الجميع. فإذا من حلف أيمان متعددة بالله ولو على أفعال مختلفة، فحنث فيها جميعا، بدنا نفصل بنقول: إذا حنث في الأول فكفر ثم حنث في الثاني هنا عليه كفارة أخرى. أما إذا حنث في الأول ولم يكفر، ثم في الثاني ولم يكفر، ثم في الثالث ولم يكفر، ثم في الرابع حتى انتهى عن كل الأيمان حنث فيها، ثم سألنا كم كفارة عليهم؟ نقول له بكفارة واحدة، نقول: عليك كفارة واحدة. والله هذه فكرة تكررت معنا في موضوع الكفارة لمن وطئ امرأته في نهار رمضان، أنه من كرر الوطء إذا قلنا وطئ أول مرة فكفر ثم وطئ مرة ثانية عليه كفارة ثانية. أما إذا وطأ أول مرة ولم يكفر ثم وطئ مرة ثانية فعليه كفارة واحدة.
هذه فكرة، يعني لاحظوا كيف الحنابلة عندهم اضطراب في المنهجية في كل الأبواب؟ لما تكون الفكرة واحدة تعطى نفس الحكم، وهذا الذي نريد أن نغرسه في الطالب في تعلم المذهب: أن تكون مضطردا في القواعد وفي الفتاوى التي تصدر منك. أما في الجماع في نهار رمضان تعطي فتوى، وفي اليمين تعطي فتوى أخرى، وفي الشرق فتوى وفي الغرب فتوى، هذا التناقض هو ثمرة عدم التمذهب. التمذهب يرتب ذهنك، ولذلك بعد أن تنتهي إن شاء الله من دراسة دليل الطالب على خير، لو أنكم قرأتم الكتاب مرة أخرى ستجدون لوحة فنية رائعة رسمها الحنابلة، والاطراد واضح في المنهجية في مختلف الأبواب، في العبادات، في المعاملات، في المناكحات، في الجنايات، في الحدود، لوحة فنية رائعة، وهذه اللوحة توجد في كل المذاهب الفقهية، رحم الله أصحابها.
بعد أن انتهينا من هذا الفصل، سننتقل إلى فصل أساسي ومهم حقيقة في باب الأيمان، وموضوع خطير جدا وحساس، كما يقول، وكل شيء جمعته لكم فيه، وهو: كيف تفسر أيمان المكلفين؟ لأنه في الحقيقة الأيمان هناك عدة عوامل تتدخل في تفسيرها. الأيمان التي يطلقها المكلفون، هناك الكثير من الأمور التي تدخل في تفسيرها، وبالتالي معرفة متى يكون حنث فيها ومتى يكون لم يحنث فيها. فلذلك يعقد الحنابلة دائما في مصنفاتهم باب اسمه باب جامع الأيمان يذكر فيه هذا الباب -اكتبوا- يذكرون فيه كيف تفسر أيمان المكلفين، وما هي الضوابط والخطوات التي يجب علينا أن نتبعها حتى نفسر اليمين التي صدرت من المكلف بالشكل الصحيح.
لأن تفسير اليمين بالشكل الصحيح هو الذي سيحدد أنه هل هذا المكلف حنث في هذا الفعل أو لم يحنث به. تفسير اليمين بالشكل الصحيح وفقا لهذه الخطوات هو الذي سيحدد متى يعتبر المكلف حنث في يمينه ومتى يعتبر المكلف لم يحنث في يمينه. فبالتالي يعقد الحنابلة باب كبير ومطول كما ستلاحظون اسمه باب جامع الأيمان، يبينون فيه كيف تفسر أيمان المكلفين، وما هي الخطوات التي يجب اتباعها حتى نفسر الأيمان بالشكل الصحيح.
فماذا قال فيه؟ باب جامع الأيمان. إذا، كيف نفسر أيمان المكلفين؟ هذا هو العنوان. قال: يرجع في الأيمان أولا إلى نية الحالف. إذا مكلف حلف يمينا على شيء مستقبلي، تفسير هذا اليمين والمقصود به يعاد فيه ابتداء إلى نية الحالف. بس في عنا قيود ها، نقول: ما لم يكن الحالف ظالما، فهنا لا عبرة بنيته؛ حتى ما ينوي شيء يضحك فيه على القاضي، ويكون العبرة بنية القاضي الذي استحلفه، هذه مهمة جدا في باب القضاء. أنه إذا كان الموضوع أمام القضاء تمام، أو الحالف خلينا نقول بشكل عام، إذا كان الحالف ظالما في يمينه واستحلف -بتعطي كلام عام- إذا كان الحالف ظالما هو الظالم والشخص المحلوف له هو المظلوم، هنا الحالف عليه أن يحلف على نية الطرف الآخر، على نية الشخص اللي أمامه سواء كان القاضي أو كان الشخص المظلوم، ولا عبرة بنية الحالف إذا كان ظالما.
فالكلام هنا لما نقول يرجع في تفسير أيمان المكلفين أولا إلى النية، يعني نية الحالف، نقول بشرط -اكتبوا هكذا- بشرط ألا يكون الحالف ظالما. هذا هو الشرط الأول. الشرط الثاني: أنه الحالف لما يخبرنا عن نيته، عن نيته يعني ماذا قصد بهذه اللفظة التي حلف بها؟ يجب أن يفسر الحالف يمينه ويخبرنا عن قصده بما هو محتمل للفظ. يعني الحالف اطلق يمينا وفسرها بمعنى اللفظ الذي تفوه به لا ينطبق أبدا ولا يمكن أن يحمل أبدا على هذا المعنى الذي فسر به بشكل من الاشكال.
يعني شخص قال: والله لا أزور زيدا. فقلنا له: تعال، شو بتقصد لا أزور زيدا؟ قال: أنا أقصد بازور يعني لا أطعمه التفاح، هذا الذي قصدت به. نقول: لا، هذا التفسير لا ينطبق مع اللفظ بشكل من الأشكال، فأنت أيها الحالف لما تخبرنا عن قصدك، عن نيتك بهذه اليمين التي تفوهت بها، يجب أن تكون الألفاظ التي استعملتها تساعد على هذا المعنى الذي قصدته. أما أن تقول والله لا أزور زيدا، ثم تفسر لنا نيتك وقصدك فتقول: قصدي لا أطعمه التفاح، ونقول: هذا المعنى لا أطعمه التفاح لا يتلائم مع اللفظ الذي تكلمت به وأقسمت به بشكل من الأشكال.
فدعوني أرتب الأمور فأقول: العودة إلى نية الحالف لها شرطان؛ الشرط الأول نكتب: بشرط ألا يكون ظالما، بأن الحالف إذا كان ظالما فلا عبرة بنيته هو، والعبرة بنية من يستحلفه من القضاء الشرعي أو المظلوم. الشرط الثاني: أن يكون ما فسر به يمينه يحتمله اللفظ، يعني المعنى الذي فسر به يمينه يكون اللفظ يحتمله بشكل من الأشكال حقيقة أو مجازا. أما اللفظ لا يحتمل المعنى الذي فسرت به بشكل من الأشكال، معناه هذا كلام لا قيمة له، وسنعتمد حقيقة اللفظ.
طيب، إذا أول خطوة ها، إذا شخص حلف يمينا بالله، أول خطوة نسأله: ما هي نيتك؟ وما الذي قصدت بهذه اليمين؟ بشرط ألا يكون ظالما، والشرط الثاني: لما يعطينا تفسير لما قصد ولما نوى، أن يكون هذا التفسير وهذا المعنى يحتمله اللفظ بشكل من الأشكال.
طيب مثال، خليني أبدأ بأمثلة: شخص قال والله لن أضعد إلى السقف -شخص قال: والله لن أصعد إلى السقف- فأتيني له، قلنا: ماذا تقصد لن أصعد إلى السقف؟ قال: قصدت بالسقف السماء، لأن السماء هي سقف للأرض. بنقول: تعال، أنت قلت والله لن أصعد إلى السقف أو على السقف، وفسرت لنا قصدك بهذا اليمين أنك تقصد بالسقف السماء لأن السماء سقف للأرض. هل هذا التفسير لهذا اليمين نقبله ولا لا نقبله منه؟ قالوا: يقبل، لأنه فعلا السماء تسمى سقفا ولو على سبيل المجاز، ولو على سبيل المجاز، والبعض يقول لا تسمى سقفا حقيقة. فلو قال شخص والله لا أعد على السقف أو إلى السقف، وقال: وقصدت بالسقف السماء، بالتالي هل نقبل منه هذا التفسير؟ نقبل منه هذا التفسير لأنه أولا هو مش ظالم، هذا الحالف ليس ظالما لأحد الحمد لله، وما فسر به يحتمله اللفظ، يحتمله اللفظ ولو على سبيل المجاز. فنقبل منه هذا التفسير، بالتالي إذا هو صعد على سقف بيته لا يحنث، ليه؟ لأنه خلاص أخبرنا إنه هو لما قال والله بأصعد إلى السقف إنه يقصد بالسقف السماء.
لو شخص قال: والله لا أبيت على فراش. شخص قال: والله لا أبيت على فراش. قلنا له: تعال، شو قصدك فراش؟ قال: أنا أقصد بالفراش الأرض، ما بدي أبات على الأرض، بدي أبات على سرير. الآن هو قال: والله لا أبيت على فراشي، استعمل كلمة الفراش. فأتيني له فقلنا له: ما هي نيتك؟ ما هو قصدك؟ هل عندك قصد معين؟ قال: نعم، أنا قصدي بالفراش الأرض، فقولي والله لا أبيت ولا فراش أقصد به أنني لا أبيت على الأرض. هل نقبل هذا التفسير منه ليمينه؟ قالوا: يقبل، لأنه فعلا الأرض تسمى فراشا، والله عز وجل أخبر أنه جعل الأرض فراشا والسماء بناء، فيصح تسمية الأرض فراشا، فقبلنا منه هذا التفسير.
إذا الخطوة الأولى إذا في تفسير الأيمان التي تصدر المكلفين هي الرجوع إلى نواياهم وإلى مقاصدهم، فإن فسروا أيمانهم بمعنًى من المعاني يحتمله اللفظ بوجه من الوجوه، فإننا نقبل منهم ذلك. لكن في الحقيقة الحنابلة يقسمون هذه المعاني التي يفسر بها المكلف قصده أو يفسر بها الحالف قصده، الحنابلة يقسمون المعاني التي يفسر بها الحالف قصده من اليمين إلى ثلاثة معاني.
يقولون: معان يفسر بها الحالف يمينه وتكون معان قريبة جدا يحتملها اللفظ بقوة. الحالة الثانية: أن يفسر الحالف لفظه في اليمين بمعنًى من المعاني متوسط، يعني اللفظ يحتمله على جهة التوسط. في هذه الحالة، إذا كان المعنى الذي فسر به الحالف يمينه معنى قريب فعلا متداول للفظ أو متوسط فإنه يقبل تفسيره حكما وديانة. أما إذا فسر الحالف يمينه بمعنًى من المعاني اللفظ لا يدل عليه إلا بوجه بعيد جدا جدا، هنا لا يقبل هذا التفسير حكما قضائيا وإن كان يقبل ديانة بينه وبين الله.
هذه من المواضع التي يفرق فيها بين الحكم القضائي والحكم الدياني، ومر معنا مثل هذا في الطلاق. تقولون: الحنابلة المعاني التي يفسر بها الحالف يمينه أما أن يكون معنى قريب (يعني يحتمله اللفظ بقوة) واما معنى متوسط (يحتمله اللفظ لكن لا على وجه القرب ولا على وجه البعد). ففي هاي الحالة الأولى والثانية أحبابي الكرام يقبل هذا التفسير، ها نقول: تفسير الحالف بيمينه أما أن يكون تفسير قريب أو متوسط، فهنا يقبل التفسير حكما قضائيا وديانة بينه وبين الله. واما إذا كان تفسير بعيد، فهنا لا يقبل قضائيا، قل له: لا، كلامك قضائيا ما بنقبله، ولكن ديانة بينه وبين الله يقبل.
فما فعلونا؟ أنت بدك تصير عندك يكون خبرة في هذا اللفظ، ما هي المعاني القريبة له هذا اللفظ؟ ما هي المعاني المتوسطة له هذا اللفظ؟ ما هي المعاني البعيدة له؟ الآن الحالف استعمل لفظا، إذا فسر هذا اللفظ بالمعاني القريبة أو المتوسطة يقبل أمام القضاء وديانة. إذا فسره بالمعاني البعيدة نقول له: تعال، قضائيا مش رح نمشي كلامك، كلامك مش صحيح، لكن ديانة بينه وبين الله خلص بيمشي ما دام اللفظ يحتمله ولو على وجه البعد. فهذا تقسيم لاحتمالات المعاني مع الألفاظ.
طيب والنية أحبابي الكرام لما نقول الحالف أولا نرجع في تفسير ما أن المكلفين إلى النية، فالنية إذن لها اثر في تفسير نفس اللفظ، والنية لها اثر في تخصيص عموم اللفظ، ولها اثر في تعميم خصوص اللفظ. يعني عندك النية لها قدرة -نية الحالف- فامسح سامحوني، ولاحظوا الموضوع كم هو موضوع كبير في الحقيقة، نية الحالف لها اثر، لها اثر -اكتبوا كلمة لها اثر- في تفسير اللفظ، في تفسيرها -ما زلنا نخطئ بالكتابة- في تفسير اللفظ، لها اثر في تخصيص عموم اللفظ، ولها اثر في تعميم نصوص اللفظ.
يعني الحالف إذا حلف يمينا، بنرجع لنيته وقصده في تفسير معنى اللفظ، لما قال: والله لا أصعد إلى السقف، شو قصدك بالسقف؟ قال: السماء. لما قال: والله لا أنام على فراشي، مش قلنا ايش قصدك بالفراش؟ قال: الأرض. فهنا رجعنا إلى نيته في تفسير نفس اللفظة، هذا واحد. ويرجع إلى نيته أيضا في تخصيص العموم، ممكن يكون استعمل لفظة عامة، فنعود إلى نيته في تخصيصها. وهنا ذكر الشيخ مرعي أمثلة، قال: فمن دعي إلى غداء فحلف لا يتغدى، لم يحنث بغداء غيره إن قصده.
يعني شخص دعي لدار فلان، قيل له: يا فلان، تعال يلا بدنا نغديك عند فلان اليوم. قال: والله ما بتغدى، وهو على ما حكى والله لا أتغدى. أصل شوفوا اللفظة عامة ها، شخص دعي إلى وليمة غداء عند شخص، فلما دعي إليها ايش قال؟ قال: والله لا أتغدى. هسه كلمة والله لا أتغدى هذه كلمة عامة، بتشمل أي غداء، أنه خلص ما بدك تتغدى بأي شكل من الأشكال، صح؟
طيب، لكن هو في سياق الكلام ما قصده وما نيته؟ هو قصده: والله لا أتغدى أي عند فلان بعينه. فلو هو ذهب فتغدى عند غيره هل يعتبر حانثا في يمينه؟ قالوا: لا يعتبر حانثا في يمينه. ليه؟ أو الآن لو ركزنا على اللفظة، اللفظة فيها عموم، لو مشينا مع اللفظة من دون ما ننظر إلى القصد والنية سيحنف بأي غداء تغدى، لأنه قال ايش: والله لا أتغدى، وهاي عامة. لكن لما نظرنا في قصده نيته، احنا قلنا ايش قصدك؟ قال: والله لمعركة الله لا أتغدى، قصدي إني ما أتغدى عند فلان في بيني وبينه مشكلة، مش قصدي إني ما بدي أتغدى أصلا أصلا. فهل هنا نمشي مع نيته؟ قالوا: نعم، النية تخصص العموم. فهو قال والله لا أتغدى، لكن قصد ونوى عند كشخص معين، فلو تعدى عند غيره، فلو تغدى عند غيره لا حرج.
وهنا جعلنا النية مخصصة لعموم قوله لا أتغدى. فهذا مثال على أثر النية وعلى قوة النية في تخصيص عموم الأيمان. جميل، طيب أو حلف مثلا لا يدخل دار فلان، وقال: نويت اليوم قبل حكماً فلا يحنث بالدخول في غيره. يعني شخص مثال آخر على تخصيص العقال شخص
والله دار فلان ما أنا داخلها، هيك بنحكي في لغتنا. والله لا أدخل دار فلان. جميل، أطلق هاي اللفظة العامة "والله لأدخل دار فلان" عمومها يشمل جميع الأزمان. صح ولا لأ؟ أبداً أبداً ما بدخلها.
أجينا له قلنا له إيش نيتك؟ قال والله قصدي ونيتي إني ما أدخل هاليوم بس. فإذا قال قصدي ونيتي إني ما أدخل هاليوم هنا نرجع إلى قصده، ونعتبر قصده مخصصاً لعموم قوله: والله لا أدخل دار فلان. ونحمله على أنه قصد اليوم، فلو دخله في يوم آخر لا يحنث، لأن القصد خصص والنية خصصت عموم هذا الإطلاق.
نأخذ مثال هذا الحال المعاكس الآن. قال: ولا عدت رأيتك تدخلين دار فلان. ينوي بذلك أن يمنعها من دخول الدار مطلقاً، فدخلتها، حنث ولو لم يرها. لاحظ هاي اللفظة وإيش قال: والله لا عدت رأيتك. ها، كلمة "رأيتك" ضعي تحت، ضعوا تحتها خطوط، أنه هي محبط الجملة. شخص قال لزوجته: والله لا عدت رأيتك تدخلين دار فلان. الآن هاي اللفظة ظاهرة، لو تعاملت معها حرفياً، قوي يحلف ألا يراها بعينيه تدخل دار فلان. ألا يراها بعينيه تدخل دار فلان. لكن طيب لو دخلت من دون ما تشوفها بعينيك؟ هل ستسمح لها؟ راح يقول: لا يا جماعة، أنا لما قلت: والله لا رأيتك تدخلين دار فلان، أنا شو قصدي؟ عشان هيك ركز عالقصد. يقصد وينوي: أنا أريد أن أمنعها من أن تدخل دار فلان مطلقاً. صح أنا خصصت الأمر بالرؤية قلت والله لا رأيتك، بس أنا قصدي يعني أبداً ما تدخل دار فلان، سواء رأيتها بعيني ولا ما رأيتها. فهنا نيتها تعمم اللفظ الخاص. الحالة الثالثة. لأنه هو لفظه قال والله لرأيتك بس قصده عام، يعني قصده إنه ما تدخلي دار فلان، سواء شفتك ولا ما شفتك بتدخليها، يعني مش العبرة إني أشوفك ولا لأ، العبرة ما تدخليها مطلقاً. فهو استعمل لفظة خاصة "لا رأيتك"، لكنه قصد العموم ألا تدخل دار فلان مطلقاً. رآها أو لم يرها، إذا دخلت.
وكيف يترتب الحنث إذا دخلت زوجته دار فلان من دون أن يراها؟ حنث في يمينه وعليه الكفارة، وإذا كانت يمين طلاق حدث الطلاق. ليه؟ لأنه هنا رجعنا إلى نيته، ونيته إيش عملت؟ عممت اللفظ الخاص. نيته عممت اللفظ الخاص. فلاحظوا قوة النية، وهي أساس النية هي أساس في تفسير الأيمان، أساس قوي جداً. النية لها قدرة على تفسير الألفاظ، لها قدرة على تخصيص العموم، لها قدرة على تعميم الخصوص. وهذه قواعد السادة الحنابلة.
تمام، هيك خلصنا من قضية النية، أول شيء في تفسير أيمان المكلفين بنرجع له، نعود إلى نيته. طيب، إذا أتينا لهذا الحالف فقال: والله يا جماعة أنا ما كان عندي نية معينة لما تلفظت بهذا اليمين. أتينا للحالف حتى نحاول أن ننسر يمينه بالشكل الصحيح، احنا وإيَّاه بدنا ننسر يمينه احنا، فذهبنا قلنا له: هل كان عندك نية؟ هسَّا إذا عنده نية خلاص خلصنا، نتبع نيته على التفصيل الذي ذكرته. قال: أنا صراحة لما تلفظت بهذا اللفظ ما كان عندي أي نية وما كانش خاطر ببالي أي شيء، خلص اعتمدت هاي اللفظة وطلعت مني.
إذا لم يكن له نية ننتقل إلى الضابط الثاني في تفسير الأيمان، وهو السبب الذي هيج هذه اليمين ودفع إلى النطق بها. ما معنى السبب؟ اكتبوا. المراد بالسبب يعني السبب الدافع الذي هيج اليمين وجعل الحالف ينطق بها، لأن هذا له أثر كبير في معرفة ماذا قصد. يقولون: السبب والدافع الذي هيج اليمين يقوم مقام في تفسير إيش؟ الأيمان في حالة أن المكلف الحالف قال لا أتذكر نية لي. فالسبب حينئذ يقوم مقام النية في تفسير الأيمان، لذلك قال: فإن لم ينوي شيئاً رجع إلى سبب اليمين وما هيجها. فمثلاً من حلف ليقضين زيداً حقه غداً فقضاه قبله.
شخص قال إيش؟ شخص قال: لاقضين زيداً حقه غداً. أجينا سألنا، قلنا: هل عندك نية؟ قال: أنا ما عندي نية حقيقة استحضرتها في هذا اليمين، فقلت: والله لاقضين زيداً حقه غداً. طيب، الآن قلنا له: ما السبب الذي هيج هذا اليمين وخلاك تحلفها؟ قال: والله يا شيخ زيد يلازمني من أيام وكل يوم يطرق بابي ويقول لي اقضني ديني، اقضني ديني، اقضني ديني. فجاءني اليوم وقال لي اقضني ديني، فأنا عصبت وقلت: والله لأعطيك حقك غداً. الذي هيج هذا اليمين هو كثرة مثلاً ملازمة زيد للحالف، دايمًا بطرق بابه أعطيني ديني، أعطني ديني. فالحالف بسبب هذه الأسباب المتكررة، هذه الواقعة، قال: والله لأعطيك حقك غداً.
وسبحان الله، قبل أن يأتي الغد، هذا الحالف توفر معه المبلغ المالي، فذهب فقضى زيد حقه قبل أن يأتي الغد. هو الآن إيش قال؟ قال: والله لأعطينك حقك غداً. توفر مع الحالف المبلغ قبل الغد، فذهب مباشرة إلى زيد وأعطاه حقه قبل أن يأتي صباح الغد. هل نقول أنت حنثت في يمينك لأنك قضيت حقه اليوم ولم تقضه في الغد؟ حقيقة قالوا: لا يعتبر حانثاً. لماذا؟ لأنه لما قال: والله لأقضين زيد حقه غداً، صحيح هو قال أنا ما عندي نية معينة، لكن نظرنا للسبب وللسياق الذي هيج هذه اليمين وجعل الحالف ينطق بها، فعرفنا أن السياق هو كثرة ملازمة زيد له. فلما قال: والله لأعطينك حق غداً، هو مش، لا يريد، وإن كان هو نيته مش مستحضرة، لكن السبب هو الذي جعلنا نفهم قصده. هيك هي الفلسفة.
السبب والسياق والقرائن هي التي جعلتنا نفهم قصده. هو لما قال: والله لأعطينك حق غداً، هو لا يقصد خصوص غد، ويقصد، يعني هو لما قال: والله لأعطينك حقيقة ما بقصد، مش بباله إنه إذا اليوم توفرت معي المصاري ما رح أعطيك ياها، لا لأ. أقصد عجلة قضاء الحق. طب هذا القصد كيف عرفتم؟ هو ما حكى هاي قصدي. قلنا: السبب والسياق. السبب والسياق جعلتنا نفهم طبيعة هذه اليمين، أنه قصد أن يخبر زيداً أنه سيعجل بقضاء دينه، فلن ينتهي يوم الغد إلا والمال عند زيد، لكن هو مش قاصد إنه إذا توفر المال قبل الغد إني ما راح أعطيك حقك، ما خطر بباله هذا القصد. طب كيف عرفتم أنه خطر بباله هذا القصد ولا ما خطر؟ هو نفسه لما سألناه عن قصده قال: والله ما استحضرت قصداً. نقول: السبب والقرائن المهيجة لليمين تقوم مقام القصد وتجعلنا نفهم القصد، وإن كان الحالف نفسه لا يستحضر شيئاً. فهذا معنى أننا نعود إلى السبب، لأن السبب يدلنا على القصد. وأظن القضية واضحة في المثال.
أو مثلاً شخص قال: والله لا يبيع كذا إلا بمئة، فباعه بأكثر. لاحظوا المثال الثاني، شخص بائع جوالات، جاء شخص مشتري بفاوضه عالجوال، فالمشتري قال: أعطيني إياه بتسعين. البائع قال: والله ما أبيعه بأقل، والله ما أبيعه إلا بمئة. خليني اعتمد عبارة الدليل. المشتري بفاوض، بحاول، بحاول ينزل في سعر الجوال، أعطيني بتسعين، أعطيني بثمانين. البائع انتفض غضباً فقال: والله لا أبيعه إلا بمئة، بدك تأخذه خده، ما بدك توخذه بلا. مش هيك بصير معنا؟ فهنا أحبابي الكرام، البائع، لاحظوا إيش قال البائع؟ قال: والله لا أبيعه إلا بمئة. قالها في سياق مناقشته مع المشتري، المشتري استفزه، عم بينزل في السعر، البائع حالف والله لا أبيعه إلا بمئة، تريد تأخذه؟ هل تريد تأخذه؟ وذهب مشتري آخر، فالْبَائع قال له: أبيعك هذا الجوال بمئة وعشرين، المشترى الآخر مسكين أخذ الجوال بمئة وعشرين وذهب.
هل البائع يعتبر حانث في يمينه لأنه قال للمشتري الأول: والله لا أبيعه إلا بمئة؟ قالوا: لا. لا يعتبر حانثاً في يمينه. ليش ما يعتبر حانث؟ قال: لأنه لما قال للمشتري الأول: والله لأبيعه إلا بمئة، احنا أجينا له قلنا له: هل عندك نية أو قصد في هذا اليمين؟ قال: لا والله ما كنت مستحضر قصد، بس أنا سياق كان سياق مساومة مع مشتري وعصبني، وأنا قلت يعني ما راح أنزل عن المئة فقلت له: والله لا أبيعه إلا بمئة. فأنا قصدي، لما، هو قصده ما كان مستحضر شيء، لما سألناه عن قصده عن نيته ما كانش مستحضر شيء، لكن السبب الذي هيج اليمين جعلنا نفهم قصده. هيك الفكرة، السبب والسياق الذي حدث جعلنا نفهم قصد هذا البائع، إنه هو المشتري يريد أن ينزل ينزل في السعر، فالبائع يريد أن يغلق باب المساومة، فقال: والله لا أبيعه إلا بمئة. هو إذا فعلياً، فعلياً لا يقصد أن لا يبيعه بأكثر من مئة إذا حصلت بيعة جيدة، هو فقط كان يقصد قطع المساومة. طب كيف عرفتم أنه لما أطلق هذا اليمين كان يقصد قطع المساومة، ما أنتم ذهبتم وسألتموه عن قصده قال: والله لا أستحضر قصداً. نقول: صحيح هو الحالف لا يستحضر قصداً ونية، لكن نحن عرفنا قصده ونيته من خلال السبب الذي هيج ودفع اليمين. فالأسباب لها أثر كبير جداً في تعيين مقاصد الحالفين، وإن كانت هذه المقاصد ليست تحضر عندهم لما أقسموا. هيك هي الفكرة، فأظن الأمثلة واضحة في هذا الأمر.
وكذلك قال: والله لا يدخل بلد كذا لظلم فيها، فزار هذا الظلم فدخلها. رجل كان مثلاً معتقل في سوريا أو في العراق، وخرج منها وسلموه للأردن، إيش قال؟ قال: والله ما بقرب عسوريا، والله ما بقرب عالعراق. الآن، ولماذا حدث هذا اليمين؟ حلف هذا اليمين للظلم الذي وقع عليه في بلاد الشام أو في العراق، احنا فاهمين. فلو قال: والله لا أدخل بلاد الشام أو والله لا أدخل العراق، وقالها، سألناه: شو نيتك؟ هل نيتك لا تدخلها أبداً أبداً؟ ولا نيتك ما تدخلها في وقت محدد؟ قالوا: يا جماعة صراحة ما فيش عندي نية، أنا هذي اليمين حلفتها من دون أن أستحضر نية. إذا النية مش موجودة بدنا نروح عالسبب. بنقول: شو اللي هيج هذي اليمين؟ إيش اللي دفعك تحلفها؟ قال: والله حلفتها لما تم الحمد لله إعادتي إلى أرض الوطن وتم تسليمي إلى الأردن. حلفت هادي اليمين إني ما بقرب تلك الديار. فنقول: آه، السبب الذي هيج هذا اليمين هو الظلم الذي وقع عليك في تلك الديار، هذا السبب، هاي القرائن. فأنت أطلقت هذه اليمين، فإذا معنى كلامك ومعنى يمينك في الواقع أنك لا تريد أن تدخل الشام أو العراق في حالة وجود هذا النظام فيها أو هذا الظلم فيها. فإذا زال هذا الظلم فدخلتها بعد ذلك أنت لا تعتبر حانث في يمينك.
ليه؟ لاحظوا أهمية تفسير اليمين بالشكل الصحيح، أنه السبب الذي هيج اليمين ألا يدخل العراق أو الشام هو الظلم الموجود في تلك البلاد الآن، فلما هو رأى الظلم قد زال فدخلها لا يعتبر حانثاً. لأن السبب، لاحظوا كيف السبب يفعل مفعول النية، لاحظوا كيف السبب خصص عموم اللفظ وقال: والله لا أدخل العراق، والله لا أدخل الشام، لفظة عامة، لكن السبب وهو الظلم جعلنا نقيد هذا العموم ونخصصه في حالة وجود الظلم. فإذا زال الظلم له أن يدخل من دون أن يكون حانثاً. باختصار: السبب يفعل مفعول النية، يفسر الألفاظ، يخصص العموم، ويعمم الخصوص.
نفس الموضوع، السبب الذي هيج اليمين له قدرة أن يفسر الألفاظ، "ليقضين زيداً حقه غداً" لاحظوا كيف فهمنا كلامه، "لا يبيع كذا إلا بمئة" فهمنا كلامه، وكذلك يخصص العموم ويعمم الخصوص. طيب، مثلاً يقول هنا مثال أذكره: والله لا أكلت تمراً. مثلاً يقول الحنابلة: شخص قال "والله لا أكلت تمراً"، قلنا له: ليش ما تقدرش توكل تمر؟ قال: حضرت، كنية؟ قال: ما عنديش نية. طب نقول: ما السبب الذي هيج هذه اليمين؟ آه، قال: حلاوته. أكل تمرة صاحبنا فشافها حلوة حلوة كثير كثير فقال: والله لا أكلت تمراً. نقول: ما الذي نويته؟ قال: ما عنديش نية. طيب، قلنا له: ما الذي هيج هذه اليمين "والله لا أكلت لا أكلت تمراً"؟ قال: شدة حلاوتها. بنقول: بناء على هذي اليمين، لاحظوا إيش المشكلة؟ لا يجوز لك أن تأكل أي شيء، ولو لم يكن تمراً، لكن حلاوته بنفس حلاوة التمر.
ركزوا، ما الذي حدث في هذه اليمين؟ شخص قال: والله لا أكلت تمراً. نظرنا للسبب الذي هيج هذه اليمين، عرفنا أن السبب هي شدة الحلاوة في التمر، فنقول: بناءً على كلامك أو على سياق الحادث السبب لا يجوز لك، مش لا يجوز لك يعني أنت ستحنث، أنت ستحنث إذا أكلت أي شيء في حلاوة هذا التمر ولو لم يكن تمراً. يعني لو أكلت برتقالة حلاوتها زي حلاوة هذا التمر أنت حانث. مع أنه هو أقسم وقال: والله لا أكلت تمراً، ما قال: والله لا أكلت برتقالاً، ولم يقل: والله لا أكلت سكراً، لا لا، هو قال: والله لا أكلت تمراً. لكن لما كان السبب الذي هيج هذا اليمين شدة الحلاوة، قلنا السبب هنا، لاحظوا، يعمم اللفظ الخاص. اللفظة خاصة تمر، لكن السبب لما كان شدة الحلاوة كان له أثر في تعميم اللفظ الخاص. فكل شيء ستأكله حلاوته كحلاوة تلك التمرة ستكون أنت حانثاً به، ولو كان برتقالة أو تفاحاً أو إجاصاً أو ما شابه ذلك. ليش يا شيخ؟ طب أنا حلفت إني ما آكل تمر، لماذا أحنث إذا أكلت برتقال أو إذا أكلت تفاح أو إذا أكلت إجاص حلاوته بنفس حلاوة التمرة؟ نقول: لأن السبب الذي هيج اليمين ليس هو التمر بذاته.
وإنما الذي هيج اليمين شدة الحلاوة، فكأنك لما قلت: والله لا آكل التمر، كانك من خلال السبب الذي هيج اليمين، كأنك قلت: والله لا آكل شيئاً حلواً بحلاوة هذه التمرة، فبالتالي أي شيء حلو أخذته بحلاوة هذه التمرة أصبح داخلاً في عموم يمينك فحنثت به.
فلاحظوا إذاً: السبب في الحالة السابقة لما قال: والله لا أدخل الشام وبغداد، خصص عموم هذه اللفظة بحالة الظلم. لكن في المثال الذي ذكرناه: والله لا آكل التمر، وعرفنا أن السبب هو الحلاوة، عمم لفظة التمر ليشمل أي شيء حلو كحلاوة التمر.
فإذاً تستطيع أن تقول: السبب يفسر الألفاظ، يخصص العموم ويععم الخصوص، إحدى كلياتها مناقشات لفظية مهمة جداً لنفهم كيف تفسر الأيمان. لاحظوا مثالاً آخر: شخص قال: لا أكلم أو لا يكلم زيداً لأنه كان يشرب الخمر، فكلمه وقد تركه، ولم يحنث في الجميع. شخص قال أحبابي الكرام: والله لا أكلم زيداً، قلنا له: إيش نيتك؟ هل نيتك ما تكلمه أبداً ولا وقت معين؟ قال: ما عنديش نية، أنا لما حكيتها ما كنتش مستحضراً نية. بنقول له: طيب تعال، ما هو السبب الذي هيجها؟ ليش أنت حلفتها؟ شو السبب اللي خلاك تحلف؟ قال: والله شفته بيشرب الخمر يا شيخ.
آه، نقول ممتاز، إذاً عرفنا السبب الذي هيج اليمين؛ إنه شفته بيعمل معصية فقلت: والله لا أكلمه، صح؟ فإذاً هذا السبب سيخصص عموم اللفظ. لاحظ هنا السبب عادة يخصص العموم، فلو كلم هذا الحالف زيداً بعد أن ترك شرب الخمر أو ترك المعصية وأقبل تائباً إلى الله، لو كلمه بعد أن يتوب هل يحنث؟ قالوا: لا يحنث. ليه؟ لأن قوله: والله لا أكلم زيداً، الذي هيجه وسببه هو شربه للخمر، فهذا السبب يخصص عموم قوله: والله لا أكلم زيداً، أي في حالة شربه للخمر، وما حكى هيك، بس السبب هو الذي جعله مخصصاً هذه الحالة.
فإذا لم يعد يشرب الخمر وتاب إلى الله، فانه يحق له أن يكلمه ولا يعتبر حانثاً في ذلك. إذاً ممتاز هيك عرفنا الخطوة الأولى، أن نرجع إلى الخطوة الثانية، نرجع للسبب. طيب، لم نعرف النية ولم نعرف السبب، نتمنى قال الحنابلة: الحمد لله اه أن عدم النية والسبب رجع إلى التعيين.
يعني شخص حلف بالله فقلنا له يميناً، فقلنا له: إيش نيتك؟ قال: والله ما كان عندي أي نية مستحضرة. طيب، ما هو السبب الذي هيجها؟ مش واضح ما هو السبب الذي هيجها؟ قالوا: حينئذ ننظر هل هناك تعيين لشيء في يمينه؟ إذا كان عين شيئاً في يمينه، فإننا سنذهب إلى التعيين.
ما معنى نذهب إلى التعيين؟ لاحظوا الأمثلة: قال: فإن عدم النية والسبب أرجع إلى التعيين. قال: فمن حلف لا يدخل دار فلان هذه فدخلها وقد باعها، أو وهي اه فضاء اه، أو لا كلمت هذا الصبي فصار شيخاً وكلمه، أو لا أكلت هذا الرطب فصار تمراً ثم أكله، حنث أو حنث في الجميع.
الآن شخص قال اه: والله لا أدخل دار زيد هذه، عينها، شخص إيش قال؟ والله لا أدخل دار زيد هذه، عين. صار في تعيين، قلنا له: أنت إيش قصدك؟ كان عندك نية أن لا أدخلها أبداً؟ لا أدخلها اليوم؟ في عندك نية؟ قال: ما عنديش أي نية، مش مستحضر أي نية لما حلفت. طيب، تعالوا شوفوا شو السبب الذي هيج هذا اليمين؟ زعلت منه؟ شفته بيشرب خمر فيها؟ كذا؟ قال: ما فيش أي سبب، أنا حلفت يمين إني ما أدخل دار زيد هذه.
نقول: إذاً تعينت دار معينة ولم يكن هناك سبب، ولم نعرف لك نية، وسنتبع التعيين. ما معنى سنتبع التعيين؟ معناه هذه الدار التي عينتها ما يجوز لك، أو إذا دخلتها بأي حالة من الأحوال، خليني أعبر بعبارة أدق: إذا دخلتها بأي حالة من الأحوال حتى لو أصبحت لغير زيد، حتى لو مضى عليها ألف عام، إذا دخلتها بحال من الأحوال أنت حلفت.
حتى يا شيخ لو ما عادت لزيد وصار يسكن فيها جماعة أخرى؟ نعم، حتى لو لم تعد لزيد وسكن فيها قوم آخرون لا تدخلها، فإذا دخلتها حنفت. ليش؟ قالوا: لأنه عينها، عينها ولم تكن عنده نية ولا سبب.
إذا هو قال: والله لا دخلت دار زيد هذه، وكان ناوياً في حالة وجود زيد فيها، كنا بنرجع للنية خلاص، إذا كان في سبب أنه رأى زيد يفعل فيها معصية فسكنها غير زيد ودخلها ما في عنا مشكلة رجعنا للسبب. بس هو ما عندوش نية ولا سبب، مش عارفين احنا، لم نستطع أن نصل إلى نيته، ولم نجد السبب الذي هيج اليمين، فلا حل إلا نذهب للتعيين الآن. فانت عينت هذه الدار، بالتالي إذا دخلت هذه الدار بأي شكل من الاشكال أنت حانث، حتى لو لم تصبح لزيد.
مثلا المثال الثاني: لو قال والله لا أكلم هذا الصبي. شخص قال: والله لا أكلم هذا الصبي، قلنا له: ما نيتك؟ قال: ما عندي نية. قلنا له: ما السبب الذي هيج اليمين؟ قال: والله ما في سبب، خلاص أنا حلفت هذه اليمين. بنقول: ممتاز، أنت عينت صبياً ولا توجد لك نية مستحضرة ولا سبب هيج، فسنتبع التعيين فلا تكلم هذا الصبي ولو أصبح شيخاً هرماً مسناً، فمتى كلم الحالف هذا الصبي في أي زمن من أزمانه حنث.
حتى يا شيخ لو الصبي هذا صار عمره مئة سنة؟ حتى لو صار عمره مئة سنة، لأنه عينه. فمن فقد النية والسبب سنذهب معه إلى التعيين، نقول: إن تعين شيء وما فيش نية ولا سبب بنعتمد تعيينك.
مثلا شخص أشار إلى رطب أمامه، بتعرف الرطب؟ قال: والله لا أكلت هذه الرطب، ولم تكن عنده نية مستحضرة ولا سبب، سنذهب إلى التعيين، نقول: أنت عينت هذه الرطب، بالتالي إذا أكلت هذه الرطب ولو تغير حالها وأصبحت تمراً واصبحت شيئاً رديئاً، إذا أكلتها بأي شكل من الاشكال أنت حانث لأنك عينت.
فإذا فقدنا النية والسبب سنذهب إلى تعيين الحالة، فإذا كان عين شيئاً في يمينه سنلتزم هذا التعيين، فلا يفعل الشيء الذي حلف عليه مع هذا المعين، ولو تغير شكل هذا المعين أو انتقل من حال إلى حال خلاص، أنت عينته وفقدت السبب والنية فعليك أن تلتزم بتعيينك.
طيب الحالة الرابعة: فقدنا النية وفقدنا السبب وفقدنا التعيين، ما في شيء هنا، قالوا: فان عدم فان عدم النية والسبب والتعيين رجع إلى ما تناوله الاسم. راح نبدأ نتعامل مع اللفظة التي تلفظت بها، وننظر هذه اللفظة ما الذي يقصد بها؟ بس عندنا لما نقول نرجع إلى ما تناوله الاسم، نقول الأسماء في اللغة العربية عموماً لها حقائق شرعية، وحقائق عرفية، وحقائق لغوية، طبعا مش كل الأسماء.
نقول بعض الأسماء، بعض الألفاظ، تكون لها حقائق معاني شرعية، يعني حقائق شرعية اسمها هذه، وحقائق في العرف، وحقائق في ماذا إيه؟ اللغة. مثل مثلاً كلمة الصلاة، يعني الصلاة معناها الشرعي هي الألفاظ المخصوصة والحركات المخصوصة المبتدأة بالتكبير والمختتمة بالتسليم، لكن الصلاة في معناها اللغوي معناها مثلاً الدعاء أو العطف. الصيام له معنى شرعي وله معنى لغوي.
اه، كذلك هناك ألفاظ لها معاني عرفية ولها معاني لغوية، مثلاً كلمة الدابة، الدابة معناها العرفي، العرفي: كل حيوان له أربعة أقدم، لكن الدابة معناها اللغوي: كل ما يدب على الأرض سواء كان له أقدم أو ليس له إلا قدم أو إلا قدمين أو إلا ثلاثة أو إلا أربع.
فهناك كثير من الألفاظ، كثير من الألفاظ، لها معاني شرعية ومعاني عرفية ومعاني لغوية، أو يكون لها معاني شرعية ولغوية فقط، أو يكون لها معاني عرفية ولغوية فقط. وهناك ألفاظ وهناك ألفاظ لا يوجد لها معاني شرعية وعرفية، خلاص، بقيت على معناها اللغوي.
فأقول أحبابي، اكتبوا عندكم هذا الكلام: الألفاظ التي ليس لها معاني شرعية ولا عرفية، طبعا قبل أن أقول هذه العبارة، الأصل هو المعنى اللغوي، الأصل في معاني الألفاظ هي المعاني اللغوية لأنه هي الأصل، ثم بعد ذلك الألفاظ قد تنقل في العرف إلى معاني عرفية خاصة، وقد تنقل في الشرع إلى معاني شرعية خاصة.
فالأصل هي الحقيقة اللغوية تمام؟ ثم العرف قد ينقل بعض الألفاظ إلى معاني خاصة، والشرع ينقل بعض الألفاظ إلى معاني خاصة. لا، نعود فأقول: الألفاظ التي بقيت على حقيقتها اللغوية ولم تنقل إلى معاني عرفية خاصة ولا إلى معاني شرعية خاصة، هذه خلاص متى أطلقها الحالف في يمينه ولن تكون هناك نية ولا سبب ولا تعيين، هنا مباشرة سنفسر هذه اليمين بناءً على المعنى اللغوي.
أما الألفاظ التي لها معاني لغوية وشرعية، يعني لها المعنى اللغوي الأصلي ثم استعملها الشارع في معنى خاص، أو لها معاني لغوية ومعاني عرفية، العرف خصصها بمعنى خاص، أو لها المعاني الثلاث، لها معاني لغوية وعرفية وشرعية، إنه بعض الألفاظ الهآ معنى شرعي وعرفي ولغوي، بعض الألفاظ الهآ معنى شرعي ولغوي، بعض الألفاظ الهآ معنى عرفي ولغوي، وبعض الألفاظ ما لهاش إلا المعنى اللغوي.
ممتاز، فاللفظ إذا فقط اله معنى لغوي بعد التعيين نذهب إلى المعنى اللغوي مباشرة. إذا كان اله معنى لغوي وشرعي أو معنى لغوي وعرفي أو معنى لغوي وعرفي وشرعي اه هنا سنتبع القواعد التي نذكرها، فنقول: اللفظ إذا كان له، راح أتكلم عن حالة اللي لفظ له ثلاثة معاني، ساعتمد هاي الحالة، لفظ له ثلاثة معاني، له معنى شرعي ومعنى عرفي ومعنى لغوي، فاننا نقول: إذا أطلق الحالف هذا اللفظ في يمينه ولم تكن له نية ولا سبب ولا تعيين، فإننا سنعتمد المعنى الشرعي لللفظ.
فإن لم يكن هناك معنى شرعي تمام؟ إن لم يكن هناك معنى شرعي سنذهب إلى المعنى العرفي، فإن لم يكن هناك معنى عرفي فسنذهب إلى المعنى اللغوي. هكذا يقولون، يقولون: المعنى الذي يعتمد ابتداء هو المعنى الشرعي، فإن لم يكن له معنى شرعي فنذهب إلى المعنى العرفي، فإن لم يكن له معنى عرفي سنذهب إلى المعنى اللغوي، وهكذا هو الترتيب.
جميل. طيب قال: فاليمين المطلقة، يقصد بالمطلقة المطلقة يعني لم تقيد بقرائن وسنعرف الفرق بين المطلقة والمقيدة هنا. قال: اليمين المطلقة اكتبوا التي لم تقيد بقرائن اليمين المطلقة تنصرف إلى الشرع، يعني تحمل على المعاني الشرعية، يعني الحالف استعمل لفظة من الألفاظ -أنا أنا لا أحب أن أن أرى هذه الدوشة هنا لأنها تثقل على الطالب- الحالف استعمل لفظة من الألفاظ ولم تكن له نية اه ولا سبب ولا تعيين واللفظ اللي استعملها لها معنى شرعي.
فنقول: إذا كانت اليمين مطلقة وسنعرف ما الفرق بين المطلق والمقيد الآن إذا كانت يمين مطلقة فاننا سنصرفها إلى المعنى الشرعي وتتناول الصحيح منه فقط، وتتناول المعنى الشرعي الصحيح يعني المعتبر شرعاً بخلاف الباطل أو الفاسد الذي لم يعتد به الشرع.
مثلا لو حلف، لاحظوا الآن، لو حلف لو حلف اه والله لا أنكح أو لا يبيع أو لا يشتري. شخص قال: والله لا أنكح أو لا أبيع أو لا أشتري. نجي نقول له: تعال، عندك نية لما قلتها؟ قال: ما عنديش نية. عندك سبب هيج لليمين؟ ما عندي سبب. هل عينت شيئاً؟ قال: لا ما عينتش. قلت: والله لا أنجح.
منقول جميل، إذاً بعد ما تجاوزنا النية والسبب والتعيين بنيجي بنشوف كلمة النكاح، وقال: والله لا أنكح، هل لها معنى شرعي؟ اه والله الهآ معنى شرع النكاح، النكاح له معنى اه شرعي وهو العقد بين الزوج وولي الفتاة بشروط وأركان تعرفنا عليها.
ممتاز، اللي قال والله لا أحبابي الكرام اه سنحمل كلمة النكاح على المعنى الشرعي، والمعنى الشرعي بصورته الصحيحة، يعني النكاح الشرعي الصحيح المستوفي لأركانه وشروطه، فلو أنه نكح نكاحاً لم يستوف الأركان والشروط فانه هذا النكاح سيكون فاسداً أو باطلاً، صح ولا لا؟ فمن نكح نكاحاً لم يستوف الأركان والشروط فإن نكاحه يكون فاسداً أو باطلاً، لكنه لا يحنث به.
طب متى يحنث؟ اللي قال: والله لا أنكح، إذا نكح نكاحاً شرعياً مستوفياً للشروط والأركان، لأنه من قال: والله لا أنكح، سنحمل كلمة النكاح على معناها الشرعي، والمعنى الشرعي الذي سنحمل عليه كلمة النكاح هو النكاح الشرعي المستوفي لشروطه وأركانه، النكاح الشرعي الصحيح. واما النكاح المختل الأركان أو الشروط فهو فاسد أو باطل، فلو فعله لا يحنث به.
لذلك قال آآ فلو حلف لا ينكح، لا يبيع، ليشتري، فعقد عقداً فاسداً من هذه العقود لم يحنث بها، لأننا كما قلنا اليمين المطلقة تنصرف إلى المعنى الشرعي ليس إلى العرفي ولا إلى اللغوي، وتتناول من الشرع الصحيح منه فقط، واما الشرع الذي لم يستوفي الأركان والشروط الشرعية لا عبرة به.
مثال آخر: لو قال: والله لا أبيع. قلنا له: عندك نية؟ قال: لا. عندك سبب هيج؟ لأ. عندك تعيين؟ ما عندوش تعيين. قلنا له: تعال، كلمة البيع هل لها معنى شرعي؟ اه والله البيع له معنى شرعي، مش عرفناه وجلسنا فيه مجالس؟ اه البيع إذاً له أركان وله شروط، فالذي قال: والله لا أبيع، سنحمل كلمة البيع على المعنى الشرعي، والمعنى الشرعي يعني بالشروط والأركان الشرعية.
البيع الشرعي الصحيح؛ فإذا قال: والله لا أبيع، معناه عندنا أنني لا أعقد عقد البيع الصحيح شرعاً. فلو عقد عقد بيع غير صحيح شرعاً مثل الربا -أصل هذا محرم- بس لا يحنث به؛ لأن الربا ليس عقد بيع صحيح شرعاً. أليس كذلك؟
فقولنا لا أبيع يحمل على البيع المقبول شرعاً، فإذا عقد بيعاً مقبولاً شرعاً حنث، وإذا عقد بيعاً غير مقبول شرعاً لم يستوف الشروط والأركان لا يحلف. فإذن اليمين المطلقة تحمل في المعاني الشرعية على العقود الصحيحة باختصار، ولا تحمل على العقود الفاسدة.
ثم قال: لكن لو قيد يمينه، هل هذا مقابل اليمين المطلق اليمين المقيدة؟ مثلاً قال: لكن لو قيد يمينه بممتنع الصحة كحلفه لا يبيع الخمر، ثم باع الخمر حلف بصورة ذلك. يعني لو شخص ما قال: والله لا أبيع، ما قال: والله لا أنكح؛ لأ، قيد يمينه بشيء يمنع صحة البيع. الآن شخص قال -ركزوا-: والله لا أبيع الخمر. قال: والله لا أبيع الخمر.
الآن بيع الخمر هل يصح ولا لا يصح شرعاً؟ نقول: بيع الخمر هو بيع لا يصح شرعاً، بيع لا يصح شرعاً، صح ولا لا؟ لكن الحالف لما قيد فقال -المشكلة أن العبارة دخلت في بعضها- الحالف قال: والله لا أبيع الخمر، هنا قيد البيع وخصصه بالخمر، ما قال: والله لا أبيع، يقال: والله لا أبيع.
شوفوا، لو قال: والله لا أبيع، فذهب فباع خمراً لا يحنث، زي ما حكينا قبل شوي. ليه؟ لأنه بيع الخمر بيع غير شرعي غير صحيح فلا يحنث به، لكن لو باع شيئاً حلالاً حنث. هذه القاعدة الأصلية لو قال: والله لا أبيع. نقطة.
لكن لما قال: والله لا أبيع الخمر -فقال: رجعنا مسحناه- فقيد الحلف ببيع ما هو ممنوع شرعاً. قيد الحلف ببيع ما هو ممنوع شرعاً، قال: والله لا أبيع الخمر. فذهب فباع خمراً. صحيح، الآن هذا العقد اللي عمله عقد غير صحيح شرعاً، لكنه سيحنث به. ليه؟ لأنه هو لما حلف قيد الحلف ابتداء بهذا الأمر المخصوص، قال: والله لا أبيع الخمر. هو لما حلف ابتداء حلف مقيداً، حلف وقيد البيع بالخمر. فلو ذهب فباع الخمر، صحيح هنا الخمر بيعها غير مقبول شرعاً، لكنه سيحنث به؛ لأنه تم تعليق المفهوم الشرعي وهو البيع عليه، تم تعليق الكلمة واللفظ الشرعي البيع عليه. فبالتالي هنا سيشمل أي بيع يعقده عليه، سواء كان عقد صحيح إن صح، أو عقد فاسد.
فلو قال: والله لا أبيع التمر، فإذا باع التمر سيحنث، وهذا عقد شرعي صحيح. وقال: والله لا أبيع الخمر، فإذا باع الخمر سيحنث، وهذا عقد شرعي أو عقد خلينا نقول بيع غير صحيح وغير مقبول شرعاً. فباختصار: الألفاظ التي لها معاني شرعية، الألفاظ التي لها معاني شرعية إذا أطلقت -وهذا معنى قوله في بداية الصفحة: فاليمين المطلقة- يعني إذا استعملت لفظة لها معنى شرعي أنت عملت المعنى الشرعي مطلقاً ولم تقيده بشيء، فإنما يحمل على المعنى الشرعي المستوفي لشروطه وأركانه.
فلو قال: والله لا أنكح، والله لا أبيع، والله لا أشتري، يحنث إذا فعل العقد الصحيح من هذه الأمور، ولا يحنث إذا فعل العقد الفاسد أو الباطل. وأما إذا استعمل اللفظة التي لها معنى شرعي مقيدة -ها، مقيدة بممتنع الصحة- وهذا مثاله: قال والله ذهب مثاله مع الذهاب والعودة، بأن قال: والله لا أبيع الخمر، والله لا أبيع المعازف. فهنا بما أنه قيد بهذا الأمر، فلو باع المعازف أو باع الخمر مع قولنا بعدم صحة العقد، لكنه سيحنث. فبدكم تفرقوا باختصار في الألفاظ الشرعية، أو التي لها معاني شرعية، بين حالة الإطلاق فلا يحمل إلا على المعنى الصحيح، وبين حالة التقييد فهنا يتبع التقييد، سواء كان صحيحاً أو غير صحيح العقد معه.
أي فكرة؟ طيب. فان عدم الشرعي -يعني إذا كانت اللفظة التي استعملها الحالف ليس لها معنى شرعي، لها معنى عرفي ما إلها معنى شرعي- فالايمان حينئذ مبناها على العرف. سنذهب ونفسر يمين هذا الحالف بناء على العرف.
فمن حلف لا يطأ امرأته، حلف بماذا؟ بجماعها. الآن كلمة الوطء -أحبابي الكرام- الوطء لغةً معناها الدوس بالقدم، شرعاً، آآ عفواً، عرفاً معناها الجماع. هسه شخص قال: والله لا أطأ امرأتي، وما عندوش لا نية ولا سبب ولا تعيين ولا معنى شرعي، بنقول له: تعال، كلمة الوطء هادي مش لفظة استعملها الشارع وضع لها معنى الشرعية، لأ، هاي لفظة إلها معنى عرفي ولغوي، معناها اللغوي وايش هو؟ معنى كلمة أوطأ، أقول: وطأ فلان أي داس بقدمه ووضع قدمه في الشيء، هذا معنى اللغوي.
وأما المعنى الشرعي العرفي للوطء -ولا أدري ما قصة اليوم- وأما المعنى العرفي للوطء فهو الجماع، صح؟ هذا هو المعنى العرفي لها. فالشخص قال: والله لو وطأت امرأتي، متى يحنث؟ لو أنه داس على امرأته، هل يحنث؟ قالوا: لا يحنث. طب ليش ما يحنث؟ ما هو قال: والله لا وطئت امرأتي، والوطء هو الدوس بالقدم. بنقول: الوطء هو الدوس بالقدم بالمعنى اللغوي، لكن الوطء بمعناها العرفي هو الجماع، ونحن إذا جاءت عندنا لفظة استعملها الحالف لها معنى عرفي ومعنى لغوي، نحملها على المعنى العرفي ابتداء.
فقوله: والله لا وطئت زوجتي، هو يقصد بالوطء الجماع، فنحمل اللفظ على معناها العرفي وهو الجماع، وليس على معناها اللغوي الوطء بالقدم، فاذا داس بقدمه لا يحنث، وإذا جامعها يحنث، تقديماً للمعنى العرفي على المعنى اللغوي. جميل.
طيب، لو شخص قال: والله لا أطأ أو لا أضع قدمي مثلاً، قال: أو لا يطأ أو لا يضع قدمه في دار فلان. قال: حنث بدخولها راكباً أو ماشياً حافياً أو منتعلاً. ناخذ هذا المثال الآخر: شخص قال والله لو وطأت دار فلان، شخص قال مثلاً: لو وضعت قدمي في دار فلان. الكلمة لا وضعت قدمي معناها اللغوي الحرفي ألا يدخل قدمه، هذا المعنى اللغوي الحرفي: لا وضعت قدمي أي لا أدخل قدمي في دار فلان. لكن أصبح هذا التركيب له معان عرفية، فمعنى لا وضعت قدمي في دار فلان في العرف معناها: لا دخلتها بأي طريقة، حتى ولو لم يضع قدمه، لو دخلها وهو راكب من دون ما يضع قدمه، لو دخلها وهو يلبس الحذاء من دون ما يضع قدمه، هل يحنث؟ نعم. قوله: والله لو وضعت قدمي، لو أجيت على معناها اللغوي الحرفي معناته أنني لا أدخل قدمي في هذه الدار، لكن معناها العرفي لو وضعت قدمي في العرف هذا التركيب يدل على عدم الدخول مطلقاً، سواء دخلها راكباً أو ماشياً حافياً أو منتعلاً، فأيهما يقدم؟ المعنى العرفي ولا اللغوي؟ المعنى العرفي، ولا يقدم المعنى اللغوي. جميل.
لو قال: والله لا أدخل بيتاً. الآن كلمة البيت، كلمة البيت هل تطلق على المسجد والحمام؟ لاحظوا ايش قال؟ قال: حنث بدخول المسجد والحمام وبيت الشعر. الآن البيت باللغة لا تطلق على المسجد ولا على بيت الشعر -الخيمة يعني- ولا على الحمام، لا تطلق عليها، لكن في العرف قالوا: تطلق على بيت الشعر والمسجد وعلى آآ الحمام. فأيهما يقدم؟ المعنى الشرعي ولا المعنى العرفي؟ قالوا: يحمل على المعنى العرفي. إذا قال: لا يدخل بيتاً، قالوا: حنث بدخول المسجد والحمام وبيت الشعر. وإن كان يعني قد يناقش في هذا الموضوع، قضية: هل في اللغة يسمى المسجد وبيت الشعر بيتاً ولا لا؟ سيناقش فيها، لكن أنا أتكلم عن تأصيلهم، إنه البيت العرف قد يكون أوسع من البيت في اللغة، البيت في اللغة خاص بالبناء الذي يسكن، أما بيت الشعر المصنوع من يعني جلود أو شعور البهائم آآ وكذلك الحمام والمساجد فاللغة لا تسمى بيتاً، لكن في العرف تسمى بيتاً. فمن دخل مسجداً أو حماماً أو بيت شعر حنث بناءً على اللغة، عفواً، بناءً على العرف، وإن كان في اللغة لا يحنث.
لو قال: والله لا يضرب فلاناً، فخنقها أو نتف شعرها أو عضها حنث. شخص قال: والله لا أضرب فلاناً. أصل كلمة أضرب في اللغة معناها الضرب المعروف. طب هو ما ضربها، هو خنقها أو نتف شعرها أو عضها. هسه هذا في اللغة ما بيسمى ضرب، بس في العرف يسمى ضرباً، بل هو ضرب وزيادة. فبما أنه في العرف قوله لا يضرب فلاناً يشمل عرفاً ألا يخنقها ولا يؤذيها بما هو أشد من الضرب، فبالتالي قالوا: وكأنه هنا في استعمال لمفهوم الموافقة -إذا بتذكروه في أصول الفقه- آآ كل من فعل خنقاً أو نتفاً أو عضاً يعتبر حانثاً بناءً على الدلالة العرفية؛ لأنه الشخص اللي بيقول: لا أضرب فلاناً في عرف الناس هو يقصد جميع أشكال الأذى. فإذا فعل أي شكل من أشكال الأذى ولم يكن ضرباً، هو حانث بناءً على الدلالة العرفية، وإن لم تكن دلالة لغوية أصلية لكلمة لا أضرب.
طب، أنتقل للحالة الثالثة والأخيرة، وهي إذا كان اللفظ ليس له معنى عرفي، فانه في هذه الحالة سيعتمد على المعنى اللغوي قولا واحداً. يعني لفظ استعماله الحالف ما فيش فيه له نية ولا سبب ولا تعيين، وادينا نظرنا في معنى شرعي ما فش، في معنى لغوي ما فش، أعف، في معنى عرفي ما في. إذاً سنعتمد على المعنى اللغوي، وهو الحقيقة اللغوية لهذه المفردة، الحقيقة اللغوية لهذه المفردة.
قال: فإن عدم العرف رجع إلى اللغة. فمثلا سيذكر أمثلة: فمن حلف لا يأكل لحماً، حنث عند الحنابلة بكل لحم، حتى لو أكل اللحم المحرم كالميتة والخنزير، لأنه كلمة لحم ما فش إلها حقيقة شرعية، الشارع ما استعملش اللحم بمعنى خاص، وليس لها حقيقة عرفية -وهل كان هذا قد يناقش فيه؟ لكن لا- آآ لها معنى لغوي، وبالتأكيد لها معنى لغوي. فسنعود إلى المعنى اللغوي، والمعنى اللغوي للحم يشمل أي لحم، حتى السمك، حتى اللحوم المحرمة هي داخلة، فلو أكل سمكاً، لو أكل ميتة، لو أكل خنزيراً حنث بذلك؛ لأنه كلمة اللحم في اللغة بتشمل كل هذه الأنواع.
طيب آآ قال: بما لا يسمى لحماً كالشحم ونحوه. طب إذا أكل شحماً، أكل كبداً، الشحم والكبد لا يسمى لحماً في اللغة، فلا يحنث بأكلها. فهنا لاحظ الاعتماد على المعنى اللغوي: ما الذي يدخل في هذه المفردة لغةً وما الذي لا يدخل؟
ولو قال: لا يأكل لبناً. ولو حلف لا يأكل لبناً فأكله، ولو من لبن آدمي، لو شرب لبن امرأة حنث؛ لأنه كلمة لبن في اللغة العربية بالمعنى اللغوي بتشمل أي لبن، لبن بهائم أو لبن آآ آدميين، فيحنث بأي لبن.
طيب لو قال: لا يأكل رأساً ولا بيضاً، حنث بكل رأس وبيض يأكله، حتى لو أكل رأس جراد أو بيض جراد؛ لأنه في النهاية في اللغة هو رأس وبيض، فاعتمدنا على المعنى اللغوي.
لو حلف لا يأكل فاكهة، حلف بكل ما يتفكه به، حتى بالبطيخ -لا القثاء والخيار، القثاء الفقوس يعني- القثاء والخيار والزيتون والزعرور الأحمر؛ لأن الفاكهة في اللغة لا تطلق على هذه الأمور. لاحظوا كل الاعتماد: ما الذي يدل عليه اللفظ لغةً وما الذي لا يدل عليه.
طيب لو قال: لا أتغدى فأكل بعد الزوال، لا يحنث. بعد الزوال يعني بعد الظهر. شخص قال: والله لا أتغدى، فأكل بعد الظهر. قالوا: لا يحنث. لماذا؟ لأن الغداء عند العرب يكون قبل الظهر. إحنا الغدا عنا عالساعة ستة سبعة بالليل، عند العرب الغداء قبل الظهر. فلو قال: لا أتغدى، فأكل بعد الظهر، نقول: لا يحنث؛ لأن الغداء يكون قبل الظهر لغةً.
طب بس -طبعا أحبابي الكرام- هاي الألفاظ يعني إحنا بندرسها من كلام الشيخ مرعي، لكن بدك تنظر في عرفك أن كلمة لا أتغدى في الحقيقة أصبح لها معنى عرفي، أصبح لها معنى عرفي ودلالة عرفية، فالاصل أن ينظر بالمعاني العرفية -ليست كل الألفاظ التي أطلقها الشيخ المرعي هنا نحن نتفق معه على عدم وجود معان عرفية، بل لها معان عرفية في الأصل أن ينظر إليها-.
لو قال آآ لا أتعشى فأكل بعد نصف الليل، أيضاً لا يحنث. لماذا؟ لأن العشاء عند العرب يكون قبل نصف الليل.
وقال: والله لا أتسر، فأكل قبل وقت السحور، لا حرج في ذلك ويحنت. لماذا؟ لأن السحور وقت محدد، فإذا أكلت قبله لا تكون حانثاً. نفس الفكرة لو قال: لا يأكل من هذه الشجرة، حلف باكل ثمرتها فقط؛ لأنه في اللغة يقولون من قال: لا آكل من هذه الشجرة، معنى هذا لغةً أنه لا يأكل من ثمرها، هذا المعنى اللغوي، فإذا أكل ثمرتها حنث، إذا أكل من غير ثمرها -إذا أكل خشبها، أغصانها- لا يحنث بناءً على المعنى اللغوي.
لو قال آآ لا يأكل من هذه البقرة، حنث باكل كل شيء منها لا من لبنها ولا من ولدها. لو قال: والله لا آكل هذه البقرة، أي جزء من البقرة أكلته أنت، أكلت من البقرة؛ لأن البقرة تشمل كل أجزائها، فنحن اسم أجلك لأي شيء، إلا إذا أكلت آآ ولدها أو شربت من لبنها، لأن هذا يعتبر جزء منفصل عنها، ولا يصدق عليه أنه جزء من البقرة، هكذا يقولون الدلالة اللغوية.
لو قال: لا يشرب من هذا النهر أو من هذا البئر فاغترف بإناء وشرب، قالوا: يحنث. لو قال شخص: والله لا أشرب من هذا النهر أو من هذا البئر.
في اللغة، النهر والبئر قالوا: لا يعتبر آلة للشرب، بل هو مكان يشرب منه. فلو أن شخصا قال: والله لا أشرب من هذا النهر أو من هذا البئر، هل المعنى اللغوي أنني لا أشرب منه مباشرة بأن أضع فمي فيه فأشرب؟ ولا المعنى اللغوي أنني لا أشرب من مائه بأي طريقة من الطرق؟ قالوا: المعنى اللغوي لمن قال لا أشرب من هذا النهر أو من هذا البئر المعنى اللغوي: لا أشرب بأي طريقة كانت، سواء شربت منه مباشرة بوضع الفم فيه، أو أتيته بكوز، أو أتيته بكأس فأخذت من النهر فشربت.
كلاهما يعتبر شربا من النهر أو من البئر لغة، يحنث بأي طريقة شرب فيها من هذا النهر أو البئر. لكن لاحظوا الحالة المعاكسة: لو قال لا أشرب من هذا الإناء فاغترف منه وشرب، قالوا هذا لا يحنث، لو كان مش نهر أو بئر، لا، هذا الإناء، هذا إناء فيه ماء، لو قلت والله لا أشرب من هذا الإناء، ما قلت لا أشرب من هذا الماء برضه ركزوا. لو قلت والله لا أشرب من هذا الإناء، المعنى اللغوي لهذه اللفظة أنني لا أستعمل هذا الإناء في الشرب، هيك معناها، لأنه لما قلت والله لا أشرب من هذا الإناء، الإناء آلة يشرب منها، فإذا قلت والله لا أشرب من هذا الإناء معناته أنا أحلف بالمعنى اللغوي ألا أستعمل هذا الإناء في الشرب.
فإذا أتيت إلى الماء الموجود هنا فنقلته بمصاصة، بمغرفة، بملعقة، فشربته من خلال المصاصة أو الملعقة لا أحنث، لأن قولي لا أشرب من هذا الإناء في اللغة معناه لغة أنني لا أستعمل الإناء في الشرب، فإذا استعملت الماء الموجود فيه فشربته بطريقة أخرى ما يحنث. لكن لو قلت لا أشرب من النهر أو من البئر، لا، في اللغة معلوم أن قول الإنسان لا أشرب من النهر أو من البئر ليس المقصود الشرب المباشر، بل لغة هو أي شكل من أشكال الشرب يعتبر شربا من هذا النهر، سواء بكأس أخذت منه، أو بوضعت فمي مباشرة، أو بأي طريقة.
طيب شو الفرق بين كلمة الإناء وبين كلمة النهر؟ الإناء هو وسيلة من وسائل الشرب، فإذا حلفت، لا، حلفت لا أشرب من الإناء، يعني لا أستخدم هذه الوسيلة. لكن النهر والبئر ليسوا وسيلة من وسائل الشرب، بل هو حوض يجتمع فيه الماء، والوسيلة التي يشرب بها من النهر أو من البئر وسائل متعددة، فباختصار تقول الماء النهر، خلنا نقول النهر والبئر ليس وسيلة من وسائل الشرب، بل هو مكان يجتمع فيه الماء، فمن حلف لا يشرب منه سيحنث بأي طريقة شرب منه، وأما الإناء هو وسيلة من الوسائل التي يشرب بها، فمن حلف لا يشرب من هذا الإناء يعني لغة أنه لا يستعمل هذا الإناء في الشرب.
فلو أخذ الماء الذي فيه ووضعه في إناء آخر، أو أخذ بمصاصة أو نحو ذلك فشربه لا يعتبر حانثا بناء على المعنى اللغوي. إذا تلاحظون أن موضوع الأيمان موضوع كبير، وأنا سعيت أني سريعا أفهمكم كيف تفسرون الأيمان، فأولا أنا أعود إلى نية المكلفين، فإن فقدوا النية نعود إلى الأسباب التي هيجت، لأن الأسباب التي هيجت تحدد لنا المقصود في حالة عدم قدرة الحالف على أن يحدد لنا مقصوده. فإن فقدنا الأسباب نذهب إلى التعيين، فإن عين لنا الحالف شيئا معينا التزمناه.
فإن فقدنا التعيين بأن استعمل كلمة مطلقة فقال لا أكل لحما أو لا أطأ أو لا أنكح، وأنا ما عين، هو أطلق، فننظر هاي اللفظة اللي أطلقها إللها معنى شرعي، إذا إللها معنى شرعي فإننا نحمله على المعنى الشرعي، وهنا ننظر إذا كان أطلق يمينه فيحمل على المعنى الشرعي بالصورة الصحيحة له. وإذا قيد المعنى الشرعي فقال لا أبيع الخنزير أو لا أبيع الخمر، لا، هنا إذا باع الخنزير أو الخمر فإننا سنحنثه، ولو كانت صورة البيع أو بالعقد غير مقبولة شرعا على التفصيل الذي ذكرته.
طيب، إذا اللفظة ما إلها معنى شرعي، زي ما تعبد، المعنى العرفي، إذا المعنى العرفي وجدناه نحمل عليه ولا نحمل على المعنى اللغوي، إذا فقدنا المعنى العرفي آخر شيء نذهب إلى المعاني اللغوية فنبحث عنها. بقي فصل نقرأه سريعا، هذا الفصل فيه أمثلة أظن أنني إذا قرأته سآخذ وقتا أطيل عليكم به، أتركه إن شاء الله للمحاضرة القادمة، نأخذه نأخذ النذر إن شاء الله ولعلنا نشرع في الكتاب الأخير والموضوع الأخير من كتب الفقه ألا وهو القضاء.
اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وارزقنا علما نافعا يا أكرم الأكرمين، نلقاكم على خير ومحبة والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
الشيخ إبراهيم رفيق الطويل