بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله الذي علم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم، أحمده سبحانه وتعالى حمد الذاكرين الشاكرين، وأصلي وأسلم على المبعوث رحمة للعالمين ومحجة للسالكين، نبينا وحبيبنا وقرة أعيننا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً مباركاً إلى يوم الدين. حياكم الله أحبائي إلى مجلس جديد نعقده في مدارسة كتاب دليل الطالب لنيل المطالب مع الإمام مرعي بن يوسف الكرمي رحمة الله عليه على مذهب السادة الحنابلة.
في المحاضرة السابقة أحبائي دخلنا في كتاب جديد، ألا وهو كتاب الحج، وعرفنا الحج والعمرة في اللغة وفي المفهوم الشرعي، وتعرفنا على شروط وجوب الحج والعمرة واستوفيناها بإذن الله. اليوم ننتقل إلى باب جديد من أبواب هذا الكتاب المبارك، ألا وهو باب الإحرام، وفي هذا الباب ذكر الشيخ مرعي مجموعة من المسائل التي تتعلق بالإحرام، لكن قبل أن ندخل في هذه المسائل علينا أن نعرف الإحرام، لأن الشيخ مرعي لم يتطرق إليه.
فنقول أحبائي: ما المراد بالإحرام في كلام الفقهاء عندما يقولون في باب الحج والعمرة: الإحرام، والإحرام ركن من أركان الحج وركن من أركان العمرة؟ ما المراد بالإحرام؟ الإحرام هو باختصار نية الدخول في النسك. هذا هو التعريف باختصار، الإحرام هو أن ينوي الإنسان الدخول في النسك. وهنا انتبهوا معي لفرق مهم جداً أو لتفصيل دقيق جداً: الإحرام أحبائي في وجهة نظر الحنابلة هو أن ينوي الإنسان الدخول في النسك.
الآن أن يعين أن نسكه حجاً أو عمرة هذا ليس شرطاً في تحقيق الإحرام. ليس شرطاً في تحقيق الإحرام أن تعين هذا النسك هل هو حج أو عمرة؟ وسيأتي معنا إن شاء الله أن الإنسان يمكن أن يحرم، أي يمكن أن ينوي الدخول في النسك من دون أن يعين ابتداءً هل نسكه هو حج أو عمرة، ويعين في وقت لاحق. هل يمكن هذا يا شيخ؟ نعم يمكن.
لذلك الإحرام بتعريفه الدقيق هو أن ينوي الإنسان الدخول في نسك. الآن يمكن أن ينوي الدخول في النسك ويعين مباشرة، فيقول: أنوي الدخول في نسك عمرة، أو أنوي الدخول في نسك حج. الآن إذا عين مباشرة هذا أفضل وأكمل بالتأكيد، لكن لو لم يعين هل يريد الحج أو العمرة وإنما نوى نية مطلقة، فقال: أنوي الدخول في النسك، هل هو حج أو عمرة؟ هذا أعينه في وقت لاحق، هل يصح هذا الإحرام؟ قال الحنابلة: يصح.
بالتالي التعريف الدقيق للإحرام أن نقول: الإحرام هو أن ينوي الإنسان الدخول في النسك، سواء عينه ابتداءً بأنه حج أو عمرة، أو لم يعينه ابتداءً وأجل التعيين إلى وقت لاحق. فليس إذاً من شرط الإحرام أو من مفهوم وماهية الإحرام أنه لابد أن يعين هل هو حج أو عمرة، لا، مفهوم وحقيقة الإحرام هي مجرد أن تنوي الدخول في نسك. يمكن أن تعين مباشرة فتقول: والله أريد الدخول في نسك العمرة، أو أريد نسك الحج، أو أريد أحج متمتعاً أو مفرداً أو قارناً، ويمكن أن تؤجل التعيين إلى وقت لاحق، فهذا الأمر مهم.
إذن الإحرام بالتعريف الدقيق هو نية الدخول في النسك، سواء عينه ابتداءً أو أجل تعيينه بالضبط إلى وقت لاحق. الآن هناك استعمال آخر في الحقيقة وهذا للفائدة لمفهوم الإحرام، في بعض المصنفات يستعملون مفهوم الإحرام ولا يقصدون به نية الدخول في النسك، لا، يقصدون به الأعمال التي يفعلها الإنسان إذا أراد أن يشرع في النسك من إزالة ما عليه من المخيط والاستحمام والتنظيف ولبس الإزار والرداء، فهذه الأعمال أعمال الجوارح التي يفعلها من يريد الحج أو العمرة ابتداءً في المواقيت.
هذه الأعمال من كما قلنا نزع المخيط والاغتسال والتنظيف ولبس الإزار والرداء، يطلق عليها في بعض المصنفات أنها إحرام أيضاً. فالإحرام إذن مفهومه الأساسي والدقيق هو النية، نية الدخول في النسك، ويطلق أحياناً ويراد به الأعمال التي يفعلها الحاج أو المعتمر في المواقيت قبل أن يشرع فعلياً أو يعزم على الدخول في النسك من تنظيف واغتسال وإزالة المخيط ولبس الإزار والرداء وما شابه ذلك من سنن الإحرام وهيئاته. فهذه يطلق عليها أيضاً إحرام، وإن كان التعريف الأول هو التعريف العلمي الدقيق.
إذًا هكذا نكون انتهينا من بيان حقيقة كلمة الإحرام، الآن أول مسألة شرع فيها الشيخ مرعي هي قضية المواقيت، فقال: باب الإحرام، وهو واجب من الميقات. ومن منزله دون الميقات فميقاته منزله. في الحقيقة الشيخ مرعي اختزل جداً الكلام في المواقيت، ورأى أن هذا الاختزال يسبب نوعاً من التشويش على الطالب، يعني هذه المرحلة مرحلة مهمة أن يعرف الطالب أنواع المواقيت، وأنها مواقيت زمانية ومكانية، وإيش المواقيت المكانية، فلا ينبغي أن يختزل الكلام بهذه الصورة. لذلك أنا رأيت أنه يجب أن أستوعب أطراف هذه المسألة بإذن الله، فانتبهوا معي يا رعاكم الله لنتكلم عن المواقيت.
المواقيت أحبابي، ما معنى كلمة الميقات؟ الآن الكلمة الميقات لغة معناها الحد. وأما الميقات بالمفهوم الشرعي لما نقول مواقيت، فنقول: هي عبارة عن مواضع وأزمنة معينة لعبادة مخصوصة. هذا تعريف الميقات، الميقات إما مواضع وإما أزمنة، لكنها محددة لعبادة مخصوصة. ومن خلال هذا التعريف لاحظتم أن المواقيت تنقسم إلى مواقيت مكانية، مواضع، أو مواقيت زمانية، أزمان وأوقات. هذه المواقيت المكانية أو الزمانية تتعلق بها عبادة مخصوصة.
الآن أحبائي، الحج والعمرة كلاهما يشترك في المواقيت المكانية، كلاهما يحتاج إلى المواقيت المكانية ليكون الإحرام منها، ليكون الإحرام منها. وأما المواقيت الزمانية فهي خاصة بالحج، لأن الحج له وقت محدد في السنة. وأما العمرة فلأنها ليست مربوطة بوقت محدد، فليس لها ميقات زماني. فإذاً المواقيت تشجر، تقول: مواقيت مكانية، ومواقيت زمانية. المواقيت المكانية يشترك فيها الحج والعمرة، كلاهما يحتاج إلى ميقات مكاني يتم منه الإحرام. وأما المواقيت الزمانية فهذا خاص بالحج، لأن الحج له ميقات زماني محدد في العام، وأما العمرة فتصح في أي وقت في السنة، فليس لها ميقات زماني. هكذا انتهينا من أصل الفكرة.
الآن دعونا ننتقل إلى المواقيت المكانية التي يشترك فيها الحج والعمرة، أي التي تكلم عنها الشيخ مرعي، لنعرف ما هي هذه المواقيت المكانية وما دورها في عملية الإحرام، كونه ذكرها تحت باب الإحرام، فقال: باب الإحرام، وهو، أي الإحرام، الضمير هو يعود على الإحرام، الإحرام واجب من الميقات. الآن خذوا هذه القاعدة عند الحنابلة، يقول الحنابلة: من تجاوز الميقات وهو غير محرم، عليه أن يعود ليحرم منه.
إنسان إخواني ذاهب للحج أو العمرة، مر بالميقات، سواء كان ناسياً، جاهلاً، عالماً، عامداً، بغض النظر إيش السبب، إنسان تجاوز الميقات قبل أن يحرم، وقال: أنا بدي أحرم بعد الميقات، نقول له: ما بينفع. إذا تجاوزت الميقات الخاص بك، وسنتعرف الآن على المواقيت الخاصة بكل أهل بلد أو منطقة، إذا تجاوزت الميقات الخاص بك قبل أن تحرم، نقول لك: عليك أن تعود إلى الميقات فتحرم منه، ما بينفع تكمل السفر، عليك أن تعود إلى الميقات فتحرم منه.
فإن تجاوزت الميقات وأحرمت بعد الميقات، فحينئذ لزمك دم، عليك دم. لأنك تركت واجباً من واجبات الحج كما سيأتي، وهو الإحرام من الميقات. سنتعرف إن شاء الله أحبابي على أن الإحرام ركن من أركان الحج والعمرة، لكن أن يكون الإحرام من الميقات هذا واجب من واجبات الحج أو العمرة. وسنتعرف إن شاء الله إيش الفرق بين أركان الحج والعمرة وبين واجباتها، إنه في شيء يمكن يستدرك وفي شيء لا يمكن أن يستدرك. فالأركان لا يمكن استدراكها، بخلاف الواجبات فهذه يمكن أن تستدرك من خلال الفدية أو ما يجبر عنها.
المهم، شخص كما قلنا تجاوز الميقات قبل أن يحرم، ولساته ما أحرم، هو لسه الآن لم يحرم بعد، بنقول له: أنت لسه ما أحرمت، ارجع للميقات واستدرك نفسك، ارجع للميقات واستدرك نفسك وأحرم من الميقات. فإذا عاد قبل أن يحرم، عاد إلى الميقات فأحرم منه، خلاص لا يلزمه شيء. أما إذا تجاوز الميقات وأحرم بعد الميقات ثم سأل فقال: يا شيخ إيش يلزمني؟ بنقول له: عليك دم. انتهى الأمر، أنت الآن أحرمت خلاص.
فقال: لا، خلاص أنا برجع للميقات وبعيد الإحرام مرة أخرى، بنقول: ما بينفع. إذا تجاوزت الميقات ثم أحرمت، لا ينفع الآن أن تعود للميقات وتحرم منه مرة أخرى. بمجرد أن تجاوزت الميقات وأحرمت لزمك الدم. لو ما أحرمت آه بنقول لك: ارجع إلى الميقات وأحرم منه، وهنا أسقطت عن نفسك الدم. لكن المشكلة إذا تجاوزت الميقات قبل أن تحرم ثم أحرمت بعد الميقات هنا لزمك الدم، ولو عدت إلى الميقات لن ينفعك بعد ذلك، فهذه قاعدة اكتبوها: من تجاوز الميقات وهو غير محرم ابتداءً، نقول عليه أن يعود فيحرم من الميقات، فإن أحرم بعد الميقات كان خلاص محرم وانتهى الأمر، هنا عليه الدم عموماً، خلاص لزمه الدم، ولو عاد بعد ذلك إلى الميقات لا ينفع أن يحرم مرة أخرى، هو دخل في النسك وانتهى الأمر. هذا إذا قاعدة عامة.
الآن دعونا نتعرف على المواقيت المكانية. الآن المواقيت المكانية أحبائي إذاً هي مواضع محددة، ينبغي أن لا يتجاوزها من يريد الحج أو العمرة حتى يحرم منها. هذه المواقيت المكانية عبارة عن مواضع محددة، كل من يريد الحج أو العمرة ينبغي أن لا يتجاوز هذه المواطن إلا وقد أحرم. ما هي هذه المواضع التي حددها الشارع والتي لا ينبغي أن يتجاوزها من يريد الحج أو العمرة حتى يحرم منها؟
الآن سنتكلم عن المواقيت الأساسية أحبائي، المواقيت الأساسية خمسة. أول هذه المواقيت هو ميقات ذي الحليفة، وهذا هو ميقات أهل المدينة وما حولها، هو ميقات ذي الحليفة والآن يسمى آبار علي، وهذا الميقات يبعد عن مكة المكرمة كما ترون عندكم في الشاشة 450 كم، فهو أبعد ميقات عن مكة، بين ذي الحليفة وبين مكة 450 كم فهو أبعد المواقيت.
الآن الميقات الثاني خلينا ننتقل على الترتيب، الميقات الثاني هو ميقات الجحفة، ميقات الجحفة هذا ميقات يقولون هو لأهل الشام ومصر والمغرب الإسلامي ومن أتى من هذه الجهات. الجحفة ميقات أهل الشام ومصر والمغرب الإسلامي ومن أتى من هذه الجهات، ميقاتهم الجحفة. طبعاً الجحفة بينها وبين مكة أحبائي كما ترون هنا 183 كم. لكن في الحقيقة الجحفة هجرت من زمن طويل وأصبح الناس يحرمون من منطقة قبل الجحفة بيسير اسمها رابغ. الجحفة أصبحت منطقة مهجورة هجرها الناس فما عادت فيها حياة، فأصبح الناس يحرمون من منطقة رابغ، وهذه منطقة قبل الجحفة بيسير، هذه انتبهوا لها للفائدة. الآن سمعت أنهم أعادوا وأصلحوا منطقة الجحفة لكن الله تعالى أعلم بدقة هذه المعلومة، لا أمتلك معلومة دقيقة عن إصلاح ميقات الجحفة، لكن من زمن طويل والناس تحرم من رابغ الذين يأتون من الشام ومصر والمغرب، هؤلاء ميقاتهم الجحفة.
نذهب إلى الميقات الثالث، يلملم. يلملم هذا ميقات من يأتي من جهة اليمن وجنوب بلاد الحرمين، ميقات أهل اليمن وجنوب بلاد الحرمين يلملم، ويلملم تبعد عن مكة مسافة 92 كم، بين هذا الميقات وهذه المنطقة وبين مكة 92 كم.
الميقات الرابع، أهل العراق كما يقولون، ميقات أهل العراق اسمه ذات عرق، وهذا الميقات طبعاً اختلف فيه، هل الذي حدده عمر بن الخطاب رضي الله عنه باجتهاده، أم أن النبي صلى الله عليه وسلم هو الذي حدده؟ كثير من أهل العلم يذهبون إلى أن النبي صلى الله عليه وسلم هو الذي حدده، وعمر لم يبلغه ذلك فحدده باجتهاده أيضاً لأهل العراق، فوافق اجتهاد عمر الحديث النبوي، يعني هذا من أقرب الأقوال التي قيلت في هذه المسألة، فهذا يسمى ميقات أهل العراق، والبعض يقول هو ميقات أهل المشرق عموماً، وتجدون في بعض مصنفات الحنابلة يقولون: ميقات أهل المشرق عموماً ذات عرق، ذات عرق تبعد أو المسافة بينها وبين مكة 94 كم، يعني مثل يلملم تقريباً، يلملم 92، ذات عرق 94 كم، فهذا ذات عرق ميقات أهل المشرق.
الميقات الأخير هو ما يسمى بالسيل الكبير، وفي كتب الفقه وفي الأحاديث يسمونه قرن المنازل، النبي صلى الله عليه وسلم قال: قرن، سماه قرن، لكنه الآن يسمى منطقة السيل الكبير، في الوقت المعاصر تسمى السيل الكبير، فقرن المنازل أو السيل الكبير كلاهما اسم لموطن واحد، هذا هو ميقات أهل نجد وما حولها. أهل نجد، أهل الرياض وما حولها من المناطق، كل من يأتي من هذه المناطق فهذا ميقاتهم السيل الكبير، والسيل هو أقرب المواقيت في الحقيقة إلى مكة، المسافة بينه وبين مكة 75 كم. هذه المواقيت هي التي حددها النبي صلى الله عليه وسلم لعموم الناس الذين يريدون أن يأتوا من أقطار الأرض حتى يعتمروا أو يحجوا بيت الله الحرام، لا يجوز أن يتجاوزوا هذه المواقيت إلا وقد أحرموا بحج أو عمرة حسب النسك.
انتبهوا معي لهذه الفائدة: إذا كان الشخص في الأصل من أهل الشام أو مصر أو المغرب، لكنه سيمر ابتداءً على المدينة فيجلس فيها أياماً كما نفعل نحن الآن في عمرتنا، ثم بعد ذلك سينتقل إلى مكة، فهو في الحقيقة لن يمر من ميقاته الأساسي. أحسنتم، عرفنا ميقات أهل الشام ومصر والمغرب الجحفة أو رابغ.
الآن إذا جاء أهل الشام ومصر والمغرب على المدينة أولاً فلم يمروا من ميقاتهم، بل مروا من ميقات أهل المدينة وهو ذو الحليفة، ففي هذه الحالة يحرمون من هذا الميقات؛ لأن النبي ﷺ أخبر أن هذه المواقيت لأهلها ولمن مر عليها من غير أهلها. النبي ﷺ قال: «هذه المواقيت هي لأهلها ابتداءً، ولمن مر عليها من غير أهلها». فلو أن شخصاً من الشام ذاهب في مشوار إلى الرياض ليزور أقارب له، وقال: سأعمل عمرة بعد ذلك، الآن الميقات الذي سيمر منه السيل الكبير، فبالتالي يحرم من السيل الكبير. ولا نقول له: ارجع إلى الأردن حتى تحرم من ميقاتك الخاص الجحفة، بل يجزئك أن تحرم من السيل الكبير؛ فالسيل الكبير هو ميقات لأهل الرياض ولمن أتى من جهة الرياض إلى مكة.
فهي لأهلها ولمن مر بها من غير أهلها، وهذا أمر انتبهوا عليه؛ لأن بعض الناس يظن أنه إذا قلنا إن هذه الجحفة لأهل الشام ومصر والمغرب، يعني لا يجوز لواحد شامي أو مصري أو مغربي أن يحرم من غيرها. لا، المراد أن أهل الشام والمغرب ومصر إذا أتوا على طريق القوافل التي كانت معروفة قديماً فيحرمون من الميقات الذي يمرون به، لكن إذا ذهبوا إلى منطقة المدينة وجلسوا فيها ثم مروا من ميقات المدينة، فقد أصبح ميقاتهم ميقات أهل المدينة. أو شخص شامي جاء إلى اليمن لعمل ثم أراد أن يذهب لمكة لحج أو عمرة فمر من يلملم، يحرم من يلملم، وهكذا. هذه الفكرة أرجو أن تكون واضحة لكم؛ فهذه المواقيت لأهلها ولمن مر عليها من غير أهلها.
الآن تأتي الأسئلة الأخرى في هذا الباب. اسمحوا لي أن أمسح المسافات ونعيد الصورة نقية كما يقولون، ونعيد طرح الأسئلة. المسألة الأولى التي سنتكلم عنها هي أن بعض الناس الذين سيأتون إلى الحج أو العمرة لا يمرون بميقات من هذه المواقيت أبداً؛ فالطريق التي سلكوها براً أو بحراً أو جواً لا تجعلهم يمرون على ميقات من هذه المواقيت. في هذه الحالة ما العمل؟ هنا عندنا شخصان: شخص لن يمر بميقات من هذه المواقيت لكنه سيحاذي بعضها أثناء مسيره، وشخص آخر لن يحاذي في طريقه إلى مكة أي ميقات من هذه المواقيت. ويمثلون لذلك بمن جاء من منطقة سواكن في السودان، فهذا ميناء يأتي بسفينة إلى جدة، وهذا في طريقه إلى مكة لن يحاذي أصلاً ميقاتاً من المواقيت. سأترك هذه الحالة الثانية الآن، وأتكلم عن الشخص الأول الذي سيحاذي بعض المواقيت في أثناء مسيره.
هذا الرجل الأول الذي سيحاذي بعض المواقيت سأقسمه إلى حالتين. الحالة الأولى: شخص سيحاذي في مسيره ميقاتاً واحداً فقط. والمحاذاة -وهذه معلومة احفظوها وقل أن تجدوها في الكتب- تكون بمد خط مستقيم بين الميقات وبين طريق السير بحيث تكون الزاوية 90 بين طريق السير وبين الميقات. فإذا وصل إلى نقطة الزاوية 90 فحينئذٍ نقول إنه حاذى الميقات، وعليه أن يحرم من هذه النقطة، ولا يجوز أن يتجاوزها قبل أن يحرم. هذه حالة من سيحاذي ميقاتاً واحداً.
أما من سيحاذي ميقاتين في أثناء مسيره إلى مكة، كمن يأتي من طرق معينة سيحاذي فيها ميقاتين، فمتى يحرمون؟ هل حينما يحاذون الميقات الأول أم عندما يحاذون الثاني؟ يقول الحنابلة: يحرم من أقرب الميقاتين إلى طريق مسيره بعد صنع الزاوية 90. فننظر: أي الميقاتين أقرب إلى هذا الطريق؟ الذي مسافته أقل بالخط المستقيم هو الميقات الذي يجب أن يحرم عنده، حتى لو تجاوز محاذاة الميقات الآخر.
فإذا تساوى بعد الميقاتين عن الطريق، بحيث يبعد الأول 100 كيلو مثلاً ويبعد الثاني 100 كيلو، ففي هذه الحالة يقول الحنابلة: يحرم من أبعد الميقاتين عن مكة. فننظر أيهما أبعد عن مكة، فإذا كان ذو الحليفة أبعد من ذات عرق، فإنه يحرم حينما يحاذي ذا الحليفة. هذه تفاصيل دقيقة؛ لابد أن يتروى الإنسان في طلب العلم، وأن يفهم الأمور بالتؤدة، وتحسب الحسابات رويداً رويداً. نلخص أفكارنا: من سيحاذي ميقاتاً واحداً يحرم إذا حاذى هذا الميقات بالزاوية 90. ومن سيحاذي ميقاتين في طريقه يحرم من أقرب الميقاتين إلى طريقه، وإذا استوى بعدهما يحرم من أبعدهما عن مكة. هذا تفصيل هذه المسألة، وهكذا نكون انتهينا من الشخص الأول الذي لن يمر بالمواقيت لكنه سيحاذي بعضها.
أما من لم يحاذِ ميقاتًا من المواقيت، ويمثلون في كتب الفقه من يخرج من ميناء سواكن ويتجه إلى جدة. إذا لاحظنا أنه يقولون في أثناء مسيره -وطبعًا هذه مسألة فيها خلاف طويل وشائك بين المعاصرين: هل فعلًا لن يحاذوا أم لا، وهل ستصبح محاذاة بينهم وبين الجحفة؟ هناك إشكاليات- لكن مذهبنا يمثل بهذا المثل، ويعتبر أن من خرج من ميناء سواكن إلى جدة، هذا لن يحاذي في طريقه باتجاه مكة أي ميقات من المواقيت.
فهذا يقول الحنابلة عليه أن يحرم من مسافة مرحلتين عن مكة المكرمة، ومسافة مرحلتين عن مكة المكرمة هي تقريبًا 79 كلم. قالوا: «من كان في طريقه لن يمر بميقات ولن يحاذي شيئًا من المواقيت، عليه أن يحرم عن بعد مرحلتين عن مكة». طبعًا كلمة المرحلة هذا مقياس قديم للمسافات، وأنا ترجمت لك إياها بالمفهوم المعاصر، المراد بالمرحلتين تقريبًا 79 أو 80 كلم.
وهذه لماذا من مرحلتين؟ قالوا لأنه أقرب المواقيت إلى مكة هو السيل الكبير كما اتفقنا. كم يبعد السيل الكبير عن مكة؟ 75 تقريبًا، وهي عبارة عن مرحلتين. هيك قالوا؛ قالوا السيل الكبير هو أقرب المواقيت إلى مكة، أليس كذلك؟ كم يبتعد السيل الكبير عن مكة؟ 75 تقريبًا هي عبارة عن مرحلتين.
إذا كنت أنا إنسانًا سأحج أو أعتمر وسآتي إلى مكة لكنني لن أمر بميقات ولن أحاذي ميقاتًا، فأقل شيء أن أحرم عن بعد مرحلتين عن مكة؛ لأن بعد مرحلتين هي بعد أقل المواقيت بعدًا عن مكة، فأحرم من منطقة تبعد عن مكة مسافة مرحلتين. فقالوا إذا الذين يأتون من منطقة سواكن إلى جدة، هؤلاء يحرمون من جدة لأن بينها وبين مكة تقريبًا مسافة مرحلتين 79 كلم.
بين مدينة جدة وبين مكة المكرمة تقريبًا هذه المسافة، مسافة مرحلتين. فهؤلاء الذين لن يحاذوا أي شيء من المواقيت، نقول لهم: احرموا من بعد مرحلتين، يعني لو أحرمتم من جدة ينفع؟ ينفع، لأنها تبتعد عن مكة 79 كلم، أي مرحلتين، والأمور تقريبية ويصعب التحديد. فهذا إذًا حال من لن يحاذي شيئًا من المواقيت، فتكتب: يحرم عن بعد مرحلتين عن مكة، يعني تقريبًا 79 كلم. وتذكروا هذا المثال: ميناء سواكن إلى جدة، لن يحاذوا شيئًا، فيحرمون من جدة لأنها تبتعد عن مكة 79 كلم.
جميل، تقريبًا مرحلتين. هذا تفصيل لم يذكره الشيخ مرعي، لكن كان لابد أن أذكره لتفهموا هذه القضايا. إذًا هكذا نكون انتهينا من بيان المواقيت المكانية وما هي الأحكام المتعلقة بها، لكن عفواً بقيت مسألة، دعونا نكملها، وهي مسألة الذين يسكنون دون المواقيت، وهي مسألة مهمة، وقد أشار إليها الشيخ لما قال: «ومن منزله دون الميقات».
إحنا الآن تكلمنا عن الذين يسكنون من المواقيت فصاعدًا؛ يعني لو مددنا خطًا بين المواقيت، يسكنون في هذه المنطقة من المواقيت فصاعدًا، يأتون من أصقاع الأرض. لكن هناك أناس أحبائي يسكنون دون المواقيت، يسكنون في هذه المنطقة دون المواقيت، بينهم وبين مكة 10 كلم، 20 كلم فقط، 30 كلم، 50 كلم، المهم يسكنون دون المواقيت.
فمن كان يسكن دون المواقيت في قرية من القرى حول مكة أو تبعد عن مكة 20 أو 30 أو 40 كلم، فهؤلاء من أين يحرمون؟ قالوا: هؤلاء يحرمون من دويرية أهلهم، من منازلهم ومن قراهم. انتهى الأمر. من كان يسكن دون المواقيت في هذه المناطق، يسكنون في القرى حول مكة أو على قرى قريبة منها ليست على بعد المواقيت، فهؤلاء يحرمون من منازلهم، يعني من دويرية أهلهم ومن قراهم، ولا يجوز لهم أن يتجاوزوا دويرية أهلهم من دون أن يحرموا، يعتبرون هكذا تجاوزوا المواقيت الخاصة بهم. لذلك إيش قال الشيخ مرعي؟ «ومن منزله دون الميقات فميقاته منزله»، يعني من دويرية أهله، فلا يتجاوزها حتى يحرم بالحج أو العمرة.
ممتاز، بقي أيضًا صورة أخيرة نختم بها، الذين يعيشون في داخل مكة نفسها، سكان مكة نفسها، من أين يحرمون؟ يقول الحنابلة: سكان مكة بالنسبة للحج يصح أن يحرموا من داخل مكة، ومن داخل حرم مكة، لنكن دقيقين؛ سكان مكة المكرمة بالنسبة للحج يحرمون من داخل حرم مكة لا إشكال عليهم.
وأما بالنسبة للعمرة فعليهم أن يخرجوا إلى أدنى الحل، يريدون أن يطلعوا خارج أسوار الحرم المكي، خارج أسوار حرم مكة، فيحرمون من أدنى الحل ثم يدخلون إلى مكة مرة أخرى. إذًا سكان مكة المكرمة أحبائي فيهم تفصيل؛ بالنسبة للحج يقول الحنابلة: ما في مشكلة أن يحرموا من داخل الحرم المكي للحج ويخرجوا إلى المشاعر.
طبعًا هناك فلسفة لهذه الفكرة، وهم يقولون إنه في النسك سواء كان حجًا أو عمرة يجب أن تجمع بين الحل والحرم. فسكان مكة بالنسبة للحج، هم سيجمعون بين الحل والحرم؛ أنهم سيحرمون من داخل الحرم المكي، ثم حينما يذهبون إلى المشاعر سيخرجون خارج الحرم، فجمعوا بين الحل والحرم. لكن في العمرة، العمرة كلها داخل حرم مكة، فحتى نجعلهم يجمعون بين الحل والحرم، يقولون: نطلب منهم إذا أرادوا أن يعتمروا أن يخرجوا إلى أدنى الحل.
واليوم الناس عادةً تخرج إلى مسجد التنعيم، مسجد عائشة رضي الله عنها، وهو على حدود حرم مكة، يحرمون بالعمرة ثم يدخلون إلى مكة مرة أخرى. فأهل مكة اليوم إذا أرادوا أن يحرموا، عادةً يذهبون إلى مسجد التنعيم وهو على حدود الحرم المكي، يحرمون من مسجد التنعيم، بعد ذلك يدخلون مكة، يعني يدخلون حرم مكة ويعملون العمرة. أما إذا كان الموضوع للحج، نقول لهم: ما في داعي تخرجوا إلى خارج حدود الحرم، احرموا بالحج من داخل الحرم، ما في مشكلة، لأنكم أنتم ستغادرون الحرم فعليًا لما تخرجوا إلى المشاعر.
فهذا التفصيل خاص بمن؟ بأهل مكة. يعني هكذا إن شاء الله نكون قد استوعبنا جميع الحالات؛ حالات الذين سيأتون من الخارج، إما أن يمروا من المواقيت، أو يحاذوا المواقيت، أو لا يحاذون المواقيت، وعرفنا كيف نتعامل معهم. ثم تكلمنا عن الذين يسكنون دون المواقيت، يحرمون من دويرية أهلهم. ثم تكلمنا عن الذين يسكنون في مكة بحد ذاتها، فعرفنا التفريق بين الحج والعمرة لهم. أرجو أن تكون المسألة قد استوعبت، وإن كانت أخذت منا جزءًا من الوقت لا بأس به، لكن المهم أن ينتفع الطالب، هذا الذي أقوله دائمًا لأحبائي.
والله يا أحبائي، من تجربة الحياة كما يقولون، وتجربة طلب العلم -الذي نسأل الله أن يحيينا عليه وأن يميتنا عليه- ليست القضية فقط أن تسلك الكتب سلكًا، وأن...
تذهب المعلومات لأن كثيراً من الطلبة الآن تقدموا في أعمارهم. صدقوني جاءني طالب علم كنت أعرفه من الصغر والآن تقدم في السن كثيراً، قال لي: تعرف يا شيخ هناك مسائل لم أتعلمها جيداً في مرحلة الطلب الأولى، والآن كبرت في السن وأستحي أن أسأل عنها. طبعاً هذا خطأ أن يستحي أن يسأل عنها، لكن أنا أقول لك كيف الإنسان لما لا يهتم ببعض التفاصيل وتصوير بعض المسائل ورسمها ولا يطيل النفس فيها، ويعتبر أن إطالة النفس تعب يا شيخ وبدنا نمشي، تذهب عليه الكثير من الفوائد ويبقى مهزوزاً.
لكن الطالب الذي تنقش الأفكار والمسائل في عقله نقشاً، هذا الطالب الذي يفلح ولو بعد حين بإذن الله. إذا واظب، إذا استمر، إذا لم يسمع إلى الهيشات والناس التي تقول له: دعك من هذا وأنت ما زلت تحتاج إلى سنوات. بعض الناس يسأمون سريعاً، الطالب العاقل يعرف إخواني مصلحته ويعرف أنه إنما يتعلم مسألة من أجل دينه، من أجل أمته، من أجل حضارته، فلا يهتم بقول الناس لأن الناس أغلبهم إخواني وما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين. والله الناس لا تنفعك لا بالدينار ولا بالدرهم ولا بأمور دينك ودنياك للأسف إلا القليل النادر ممن جعلهم الله من أهل النصح والخير والعقل والرشاد، فهؤلاء هم الذين تتبعهم، وإلا فدعك من الهيشات، هيشات الأسواق كما جاء في بعض الأحاديث.
إذاً باب الإحرام؛ عرفنا ما هو الإحرام، نية الدخول في النسك. وعرفنا أن الإحرام له مواقيت، مواقيت مكانية ومواقيت زمانية. تكلمنا عن المواقيت المكانية وعرفنا أن هذه مواقيت للحج وللعمرة. أما المواقيت الزمانية أحبائي فهي خاصة للحج، فالحج له ميقات زماني وهو ما يسمى بأشهر الحج. وأشهر الحج هي شوال وذو القعدة وعشر من ذي الحجة، وهذه انتبهوا لها لأن الحنابلة لهم رأي بعض المذاهب تخالفهم فيه. الحنابلة يقولون الميقات الزماني للحج هو شوال وذو القعدة وعشر من ذي الحجة، هذه هي أشهر الحج وهي المواقيت الزمانية للحج، وأما العمرة فليس لها ميقات زماني. تمام. بسم الله.
إذاً انتهينا من قضية المواقيت المكانية والزمانية، دعونا ننتقل إلى مسألة أخرى من مسائل الإحرام بعد أن تعرفنا على المواقيت. الآن مسألة جديدة يقول فيها: ولا ينعقد الإحرام مع وجود الجنون أو الإغماء أو السكر. الآن إخواني الإحرام لا ينعقد إذا كان العقل زائلاً أو مغطى؛ زائلاً بالجنون، ومغطى بالإغماء أو السكر. فالمجنون إذا أحرم لا ينعقد إحرامه، ومر معنا أصلاً أن من شروط صحة الحج العقل، أليس كذلك؟ شروط صحة ووجوب الحج العقل. لكن عموماً هو الآن يتكلم عن الإحرام فيقول المجنون إذا أحرم لا يصح إحرامه، والمغمى عليه إذا أحرم لا يصح ولا ينعقد إحرامه، والسكران إذا أحرم لا يصح ولا ينعقد إحرامه.
طبعاً قضية أنه مغمى عليه يحرم ربما يكون فيها شيء من الصعوبة، نقول لك مغمى عليه كيف يحرم؟ لكن الحنابلة يذكرون كل الأحوال حتى لو كانت أحوالاً ربما قريبة من الاستحالة، لكن يذكرونها جميعاً. يعني السكران يحرم مفهوم، ممكن يحكي الكلمة وهو سكران، كلمة الإحرام. أو الجنون ممكن المجنون يطرأ على خاطره شيء مثلاً، لكن المغمى عليه مغمى عليه فكيف يمكن أن يحرم؟ هذه فيها تعذر نوعاً ما والله تعالى أعلم. المهم قالوا: لا ينعقد الإحرام مع وجود الجنون أو الإغماء أو السكر لأنه لا يصح القصد، إنه إيش الإحرام؟ الإحرام هو نية الدخول في النسك مش هيك عرفناه؟ هل المجنون تصح له نية؟ لا. هل السكران يصح له قصد ونية؟ لا. هل المغمى عليه يصح له قصد ونية؟ لا. فبالتالي الجنون والإغماء أو السكر لا ينعقد معه الإحرام.
أما إذا أحرم المجنون أو المغمى عليه أو السكران في حال يقظته ثم طرأ الجنون والإغماء والسكر بعد ذلك فإنه لا يبطل الإحرام السابق. يعني إذا أحرم وهو مستيقظ بتمام قواه العقلية ثم بعد ذلك طرأ الجنون والسكر والإغماء هنا لا يبطل الإحرام. فإذاً لا ينعقد الإحرام مع وجود الجنون والإغماء أو السكر معناه إنه إذا كان أثناء جنونه أحرم لا ينعقد، أو أثناء إغمائه أحرم لا ينعقد، أو أثناء سكره أحرم لا ينعقد، هذا المراد. أما إذا أحرم وهو في كامل قواه العقلية ثم طرأ الجنون والإغماء والسكر بعد ذلك فإن الإحرام لا يبطل بذلك ويكون منعقداً صحيحاً. جيد.
طيب إذا انعقد الإحرام، هل يمكن أن يبطل؟ قال: وإذا انعقد لم يبطل إلا في حالة واحدة عند الحنابلة حالة الردة. إذا عقد الإحرام ممن يصح منه عقده حينئذ لا يمكن أن يبطل إلا بصورة واحدة وهي أن يرتد، فإذا ارتد خرج من إحرامه وبطل حجه. قال: لكن يفسد. آه، إذاً في فرق عند الحنابلة واضح الآن بين البطلان والفساد في كتاب الحج، ربما هذا لم يأت معنا في الأبواب السابقة لا في الصيام ولا في الزكاة ولا في الصلاة ولا في الطهارة، تفريق بين البطلان والفساد في الأبواب السابقة البطلان والفساد كان شيئاً واحداً، في الحج لا، هناك فرق بين البطلان وبين الفساد عند الحنابلة.
فالبطلان يعني إلغاء الحج تماماً، يخرج من إحرامه وينتهي الحج ولا يكمله، وهذا إنما يكون بالردة فقط. وأما الفساد فهذه مرتبة أقل من البطلان، هذا يكون إذا جامع في الفرج قبل التحلل الأول، إيش قال: لكن يفسد بالوطء في الفرج قبل التحلل الأول ولا يبطل. يفسد لكن لا يبطل بل يلزمه إتمامه والقضاء. الآن إخواني دعونا نرجع هنا، الآن نقول الحج والعمرة، هو الآن في الحقيقة كان يتكلم عن الحج، فسأختصر عليه الحج؛ هناك باطل وهناك فاسد. هناك فرق بين البطلان والفساد، الباطل إذا ارتد، الفاسد إذا جامع قبل التحلل الأول.
أنت راح تقول لي شو يعني التحلل الأول؟ الآن إخواني إن شاء الله راح نتعرف بعد أيام بإذن الله أن الحج له تحللان؛ هناك تحلل أول وهناك تحلل ثاني، التحلل الثاني هو التحلل الكامل. التحلل الأول يحصل إذا فعلت شيئين من ثلاث: رمي جمرة العقبة يوم النحر، الحلق، طواف الإفاضة. ممتاز؟ فالتحلل الأول أحبائي يحصل باثنين من ثلاث. إذا فعلت اثنين من هذه الثلاث، رميت جمرة العقبة يوم النحر وطفت الإفاضة، أو حلقت وطفت الإفاضة، ممتاز؟ أو حلقت ورميت جمرة العقبة. إذا فعلت اثنين من ثلاث أنت فعلت التحلل الأول، إذا فعلت الثلاث أنت فعلت التحلل الثاني. جميل؟
فالآن إذا شخص جامع قبل أن يحقق التحلل الأول، لسه لم يفعل اثنين من ثلاث، من جامع قبل التحلل الأول هذا فسد حجه. طيب إيش الفرق بين من بطل حجه ومن فسد حجه؟ إذا بطل الحج إخواني بالردة هنا لا يكمل المرتد الحج، خلاص. خرج من إحرامه وانتهى حجه، أصبح مرتداً كافراً، يستتيبه الحاكم وإلا فإن تاب وإلا يقتل. وأما من فسد حجه، لا هذا لا يخرج من الحج، لا يخرج من الحج. أنت تقول حجك فاسد، بس بدك تكمله. لذلك إيش قال؟ قال: ولا يبطل. اللي حجه فاسد بسبب أنه جامع قبل التحلل الأول إيش بنقوله؟ بنقوله حجك فاسد صح، لكن لا يبطل. وينبني على ذلك أنه يلزمك أن تتمه، وجوباً بده يكمل الطريق للآخر، مش بيقول خلاص حجي فاسد معناته خليني أتحلل وأروح، ما بينفع. عليه أن يكمل شعائر الحج. هذا أولاً.
وعليه أن يقضي فوراً من العام القادم إن كان مكلفاً، ها، إن كان مكلفاً. وإن لم يكن مكلفاً فعليه أن ينتظر حتى يكلف، غير المكلف متى بيقضي؟ يقضي بعد أن يكلف ويحج حجة الإسلام، بعدين يحج حجة القضاء. ليش يعني شيخ لو غير المكلف؟ يعني اللي هو مثلاً صبي عمره 10 سنين، 11 سنة جامع، هل هذا يمكن؟ مر معنا في الطهارة أنه ممكن. أنه غير مكلف، لم يبلغ بعد لكنه جامع، يعني لو صبي عمره 10 سنين، 11 سنة، لسه لم يبلغ غير مكلف لكنه حج، وإحنا مر معنا أنه الصبي مميز ولا غير مميز أصلاً يصح حجه. فلو أنه صبي مميز عمره 10 سنين يطيق الجماع أو 11 سنة جامع، فهذا أيضاً فسد حجه، نفس الفكرة، نقول حجك فاسد أيها الصبي لأنك جامعت قبل التحلل الأول، وعليك أن تقضيه، بس متى بيقضيه؟ بنقوله إذا أنت الآن غير مكلف، ها، أنت الآن غير مكلف، ننتظر حتى تصبح مكلف.
ركزوا ننتظر حتى تصبح مكلف وتحج حجة الإسلام الرسمية لك ثم عليك أن تحج حجة قضاء مكان هذه الحجة اللي أفسدتها وأنت صبي. أما إذا كان صاحبنا مكلفاً، فالحمد لله وجاهز وأفسد هذه الحجة بالجماع قبل التحلل الأول، حينئذ بنقوله عليك أنك تقضي هذه الحجة فوراً من العام القادم. فهناك تفصيل عند الحنابلة بين المكلف إذا أفسد حجه بالجماع وبين غير المكلف إذا أفسد حجه بالجماع، فالمكلف هذا مباشرة يحج من العام الثاني فوراً، وأما غير المكلف فبنقوله له حتى تصبح مكلف وتحج حجة الإسلام ثم بعد ذلك تحج حجة قضاء عن هذه الحجة التي أفسدتها. جميل؟ طيب. إذاً هذا تفريق الحنابلة بين الحج الباطل والحج الفاسد. الحج الباطل لا يكمل، انتهى. وأما الحج الفاسد هذا يتم، يكملوه. وعليه أن يقضيه فوراً إن كان مكلفاً، وإن لم يكن مكلفاً إلا بعد التكليف وحجة الإسلام. جيد.
طيب، نكمل الآن أحبائي. ثم قال: ويخير من يريد الإحرام بين أن ينوي التمتع وهو أفضل، أفضل الأنساك، أو ينوي الإفراد أو القران. الآن إخواني عرفنا مفهوم الإحرام، عرفنا المواقيت المكانية والزمانية، الآن بدنا نتكلم عن ما هو الإحرام الذي أحرمه للحج، سنتكلم الآن عن أحكام الحج بالتحديد. بالنسبة للحج إذا أحرمت بالحج، يعني نويت الدخول في النسك وقصدت بهذا النسك أن يكون حجاً، هنا حينئذ يخيرك الحنابلة بين ثلاثة أنواع، عندك ثلاث خيارات؛ إما تحرم بالتمتع أو بالإفراد أو بالقران. أيها أفضل يا شيخ؟ الأفضل عند الحنابلة أن تحرم متمتعاً، ثم بعد ذلك في الأفضلية الإفراد، ثم بعد ذلك القران. طيب، الآن بدك تقول لي إحنا قبل ما نعرف الأفضلية يا شيخ بدنا نعرف إيش يعني تمتع وإيش يعني إفراد وإيش يعني قران.
أنواع الإحرام بالحج؛ عندنا تمتع، إفراد، قران. جميل أحبائي؟ أفضلها التمتع، ثانيها الإفراد ثم القران. ما معنى التمتع؟ انظروا إيش قال الشيخ مرعي؟ قال: التمتع هو أن يحرم بالعمرة في أشهر الحج. تمتع أن تحرم بعمرة في أشهر الحج، هذا قيد. إيش أشهر الحج؟ اللي هي ذكرتها لكم قبل قليل: شوال، ذو القعدة، وعشرة من ذي الحجة. هاي بسموها الميقات الزماني للحج أو أشهر الحج. التمتع معناه أنك تحرم بالعمرة في أشهر الحج؛ في شوال أو في ذي القعدة، قبل ما تأتي أيام الحج. المهم قبل ما تأتي أيام الحج لكن لازم تحرم بها في أشهر الحج. يعني لو أحرم بالعمرة قبل شوال، يعني أحرم بالعمرة في رمضان، في شعبان، في رجب، ما بينفع. حتى تحصل التمتع لا بد تحرم بالعمرة في أشهر الحج، يا في شوال، يا في ذي القعدة، يا في أول ذي الحجة قبل ما يأتي موعد الوقوف بعرفة. ممتاز.
أن يحرم بالعمرة في أشهر الحج، ثم بعد فراغه منها ويتحلل منها، بعد ذلك يحرم بالحج. هذا هو التمتع. إذاً التمتع أن تجمع بين نسكين: العمرة والحج. لكن صورة الجمع أنك ابتداء تحرم بعمرة، هيك بتعمل ابتداء؛ تحرم بعمرة فقط، لكن لازم تحرم بها داخل هذه المدة الزمنية، داخل أشهر الحج في شوال أو في ذي القعدة. تحرم بعمرة، ثم تقوم بفعل هذه العمرة، وبعد أن تفرغ من هذه العمرة تقوم وتتحلل منها وتخلص أمورك، تحرم بالحج، تحرم بالحج وتبدأ بمشاعر الحج في الأيام المعلومة. وإحرامك بالحج مش شرط يكون من داخل مكة، نص الحنابلة أنه الإحرام بالحج يمكن أن يحرم من مكة ويمكن يحرم من منطقة قريبة منها ويمكن يحرم من منطقة بعيدة منها للحج، فليس من شرط الإحرام بالحج أن يقع داخل مكة كما يتوهم البعض. بل الحنابلة يقولون: أنت ممكن تعمل عمرة في أشهر الحج، بعدين تجيك بعض المشاغل وتغادر وتطلع برا مكة، لكنك بدك ترجع وتحرم بالحج، فتحرم بالحج على حسب طبعاً ما فصلناه قبل قليل في المواقيت وما شابه ذلك.
فإذا كنت في مكة تحرم من مكة، إذا رجعت مثلاً لدويرة أهلك وكانت دويرة أهلك دون المواقيت بتحرم من دويرة أهلك، إذا كنت عند ميقات تحرم من ميقات وهكذا. ممتاز. إذاً هذا هو المتعة أو التمتع، تسمى متعة أيضاً، وبعض الناس يخطئون بينها وبين المتعة التي عند الروافض، لا، هذه تسمى متعة الحج. أن يحرم بالعمرة في أشهر الحج ويفرغ منها ويتحلل، ثم لما يأتي موعد الحج يشرع أو يحرم بالحج، سواء أحرم بالحج من مكة أو من منطقة قريبة منها أو من منطقة بعيدة عنها. وأضيف لكم معلومة لم يذكرها الشيخ مرعي، لكن ستعلم فيما بعد، أن في التمتع هناك هدي، يلزمك هدي. طبعاً الهدي بالنسبة للتمتع والقرآن.
كما سيأتي، له شروط حتى يلزم. لذلك سأوضح، هناك هدي بشرط؛ خليني أضع هذه العبارة من الآن: هناك هدي بشرط. هناك شروط حتى يلزم المتمتع الهدي، وهناك شروط حتى يلزم القارن الهدي، سنأتي إليها إن شاء الله في وقت لاحق، ما يهمني الآن.
دعوني نتكلم الآن عن النسك الثاني أو النوع الثاني من أنواع الإحرام بالحج، وهو الإفراد. الإفراد إيش عرفوه؟ قالوا: هو أن يحرم بالحج ثم بعد فراغه منه يحرم بالعمرة. في الحقيقة إخواني، حتى أكون دقيق معكم، الإفراد هو الإحرام بالحج فقط. يعني شخص جاء من الأردن، جاء من بريطانيا، جاء من أي مكان، ويريد الحج فقط، ولا يريد أن يفعل معه عمرة؛ هذا هو الإفراد، لذلك سمي إفرادًا؛ أنك تفعل نسكًا واحدًا وليس نسكين.
شخص أتى إلى مكة ليفعل الحج فقط، فيحرم بالحج، مر على الميقات تبعه، أحرم بالحج، قال: «لبيك اللهم بالحج»، وشرع في الحج، ولا يريد أن يفعل عمرة. إذًا، قول الشيخ مرعي بعد ذلك: «ثم بعد أن هو أن يحرم بالحج، ثم بعد فراغه منه أن يحرم بالعمرة»، في الحقيقة إحرامه بالعمرة بعد أن ينتهي موسم الحج هذا ليس من صورة حج الإفراد. هذا في الحقيقة ليس من صورته.
لكن الحنابلة يقولون، وفي الإقناع -ترى- خالف عبارة الدليل. في الإقناع يقولون لما عرف الإفراد: «هو أن يحرم بالحج، فإن فرغ منه اعتمر عمرة الإسلام إن كانت بقيت عليه». يعني بنقول لهذا الشخص: أنت الآن عليك في حياتك حجة واحدة وعمرة واحدة واجبة في ذمتك، صح؟ فأنت الآن فعلت هذه الحجة، أنت الآن فعلت هذه الحجة بالإفراد، وطب بقيت عليك عمرة الإسلام، خلص بعد ما تخلص من هذه العمرة، بيقول لك صاحب الإقناع الشيخ الحجاوي: اخرج إلى التنعيم، إلى أدنى الحل، وأحرم بعمرة، وأتِ بعمرة الإسلام بعد الحج.
لكن هل الإتيان بعمرة الإسلام بعد حج الإفراد هو جزء من مفهوم حج الإفراد؟ لأنه تصرفه هنا لما قال: «الإفراد هو أن يحرم بالحج، ثم بعد فراغه يحرم بعمرة» يوهم القارئ أن الإحرام بالعمرة وفعل عمرة بعد الحج هو جزء من مفهوم الإفراد، وهذا ليس بصحيح، وليس هذا أصلاً مقصود الحنابلة حقيقة؛ لأن الإفراد هو أن تأتي بالحج فقط. لكن بعد أن تفرغ من الحج يقول لك الحنابلة: الأفضل والأكمل لك أنه بدل ما ترجع لبلدك وتعود مشوارًا آخر حتى تنجز حجة الإسلام -عمرة الإسلام الواجبة- أنك أخي الكريم تأتي الآن وتأتي بعمرة الإسلام، أن تخرج وتأتي بعمرة الإسلام من أدنى الحل مثلاً، وتأتي بإحرام عمرة وتأتي بعمرة الإسلام الواجبة في ذمتك. فالإتيان بعمرة الإسلام الواجبة في الذمة ليس من مفهوم الإفراد، هذا الذي أريد أن أقوله، ليس من مفهوم الإفراد، والله تعالى أعلم.
وإنما يذكر طبعًا لماذا؟ لأنه الإنسان المفرد هو يحرم بالحج فقط، وبالتالي ستبقى في ذمته العمرة، فيقولون له إذاً بعد ما تخلص الحج اذهب فاعمل عمرة الإسلام حتى تبرأ ذمتك منها. جيد، والمفرد أحبائي لا يوجد عليه هدي، لا هدي عليه. هذه نقاط أساسية ينبغي أن تكون محفوظة عند طالب العلم: المفرد لا هدي عليه.
نأتي الآن أحبائي للثالث وهو القران. ما هو القران؟ قالوا هو أن يأتي بالحج والعمرة معًا، هذا هو القران؛ أن يحرم بالحج والعمرة معًا. لاحظ: يحرم، أن يحرم بالحج والعمرة معًا، يعني من لما جاء إلى الميقات صاحبنا أحرم بنسكين معًا بعمرة وحج، لذلك سمي قرانًا، قرن بينهما عند الإحرام، عمرة زائد حج، من لما أحرم أحرم بهما معًا.
طيب شو الفرق بين القران والتمتع؟ قبل أن أدخل على الفرق بين القران والتمتع خليني أكمل صور القران، لأنه له عدة صور وأشكال، بعد ذلك برجع للفرق بينهم. القران قال هو أن يحرم بالحج والعمرة معًا، هذه الصورة الأساسية لها، لأنه الآن سنأتي إلى صور أخرى لذلك أحببت أن أكملها. قال: أو يحرم بالعمرة ثم يدخل الحج عليها قبل الشروع في طوافها، هذه صورة أخرى من صور القران، لذلك بدي أقسمها لكم إلى صور أفضل.
الصورة الأولى: أن يحرم بهما معًا، أن يحرم بهما معًا من الميقات مباشرة، أحرم قال: «لبيك عمرة وحجًا».
الصورة الثانية للقران قالوا: أن يحرم بعمرة، تمام أن يحرم بعمرة، ثم قبل الشروع في طوافها يدخل نية الحج. أن يحرم بعمرة، ثم قبل الشروع في طوافها، قبل ما يتشرع في طواف هذه العمرة قال: بدي أدخل الحج برضه، بدي أضيف على نيتي حج، فقبل أن يطوف طواف العمرة قرر أن يدخل الحج على النية هذه، إضافة جاءت متأخرة تنفع، تنفع نعم، فإذا هذه الصورة الثانية أن يحرم بعمرة ثم قبل الشروع في طوافها يدخل عليها الحج.
هناك صورة ثالثة لم يذكرها الشيخ، وهي فيها إشكال في الحقيقة لذلك أنا اجتنبت ذكرها على السبورة وسأذكرها فقط باللسان. يقولون الصورة الثالثة من صور القران أن يحرم بعمرة ويطوف ويسعى ولكن يكون قد ساق معه الهدي ابتداءً، يعني شخص جاء من بلدته ومعه هديه، خاصةً في الزمن القديم كانوا يسوقون الهدي معهم من المدينة من الطائف من الأماكن، فإذا شخص أحرم بعمرة وساق الهدي معه، هذا الشخص إذا انتهى من العمرة هو ملزم أنه ما يتحلل، ويبقى على إحرامه للحج.
فالآن البعض سمى هذه الصورة الثالثة أنها قران، لكنه قران خلينا نسميه إجباري؛ أنه أنت أحرمت بالعمرة صح، لكن سقت معك الهدي، هدي الحج، فإذا أحرمت بالعمرة وسقت معك هدي الحج، بعد ما تعمل العمرة أنت مجبر أنك لا تتحلل وتبقى على إحرامك للحج. طيب هل معنى هذا أني تحولت إذاً إلى قارن أيضًا بهذه الصورة؟ الحقيقة الحنابلة المذهب عندهم أن هذه الصورة لا تتحول بها إلى قارن، إذا أنت فقط أحرمت بعمرة وما كنت ناوي تدخل الحج لكنك سقت الهدي، إذا سقت معك الهدي من بلدتك وفعلت العمرة وخلصت، عند الحنابلة من ساق معه الهدي لا يجوز له أن يتحلل بل يبقى على إحرامه للحج، لكنه وإن بقي على إحرامه للحج ما بيعتبروه قارن، بيعتبروه متمتعًا، صورته صورة المتمتع.
فهذه الصورة فيها نقاش، البعض بيقول لا صار قارن، البعض بيقول صار متمتع، لذلك ما بدي أغلبكم فيها وهي نادرة الحصول في وقتنا، فخلونا على الصور الأساسية للقارن: إما أن يحرم بالحج والعمرة معًا، أو أن يحرم بالعمرة ثم قبل الشروع في طواف العمرة أدخل نية الحج فجمع بينهما.
لو شخص فعل العكس، هل يزبط؟ يعني شخص أحرم بالحج وقال مثلًا بدي أكون مفردًا، فأحرم بالحج، وبعد ما أحرم بالحج ومشت أموره قال بدي أقلب، يعني بدي أضيف على الحج عمرة، خلص بدي أتحول من مفرد لقارن، أنا نويت الحج بدي أدخل على حجتي عمرة وأصير قارن، بينفع؟ ما بينفع. إدخال العمرة على الحج ما بينفع، وإدخال الأصغر على الأكبر ما بينفع.
لكن العكس، إنك تكون نويت عمرة ثم قبل الشروع في طواف العمرة بدك تدخل حج، إدخال الأكبر على الأصغر بينفع. فعليكم أن تفرقوا بين الصورتين؛ إنه اللي أحرم بعمرة وقبل أن يشرع في طواف العمرة أدخل الكبير الحج، بينفع وبيتحول من متمتع في الحقيقة إلى قارن. لكن إذا العكس صار، إنه هو كان مفردًا نوى الحج فقط بعدين بده يغير ويدخل العمرة على الحج، نقول له الصغير ما بيدخل على الكبير فما بينفع. لذلك قال: فإن أحرم به أي بالحج ثم بها أي ثم بالعمرة أدخلها لم يصح، هذا معنى قوله: فإن أحرم به، أي الضمير في به يعود على الحج، ثم بها أي ثم بالعمرة فأدخل العمرة على الحج، هذا لا يصح. أما العكس وهو أن يحرم بالعمرة ثم قبل الشروع في طوافها ينوي الحج، هذا بينفع وبيتحول من متمتع إلى قارن.
خلوني أتكلم عن الفرق بين القران والتمتع، طبعًا بدي أعطي معلومة هنا أيضًا أن القران فيه هدي بشرطه، والتمتع فيه هدي بشرطه، الإفراد ما فيه هدي. شو الفرق بين القران والتمتع؟ التمتع أساسًا إنك تعمل عمرة في أشهر الحج وتتحلل، ثم بعد ما تتحلل وتظبط أمورك وترجع أمورك عادية طبيعي، لك كل الأمور وتجامع النساء وما شابه ذلك، لما يأتي موعد الحج تحرم بالحج؛ فهذه اسمها متعة من العمرة إلى الحج، لذلك سميت متعة، إنه أنت بين العمرة والحج تستطيع أنك تتمتع. يعني تعمل كل الأشياء المحظورة على الحاج وعلى المعتمر من تقليم الأظفار وحلق الشعر ومقاربة النساء والطيب، فأنت متمتع تستطيع أن تتمتع بين العمرة إلى الحج وتفعل ما تريد.
أما القارن لا ما بينفع، القارن يبقى عليه، بما إنه قارن بين العمرة والحج حتى لو لما قدم مكة طاف وسعى، لكن لا يستطيع أن يتحلل، وعليه أن يبقى محرمًا إلى وقت الحج، فيفعل الحج ويتحلل مع الحجاج. وسنعرف أن هناك فرقًا بينهم أيضًا في ماذا يجب عليهم؛ فالمتمتع في الحقيقة يجب عليه طواف العمرة وسعي العمرة وطواف الحج وسعي الحج، القارن لا، عليه فقط طواف واحد وسعي واحد، هذا الذي يلزمه. فحينما يأتي القارن إلى مكة أول ما يأتي في الحقيقة هو لا يقوم بماذا؟ يسمونها الطواف الذي يطوفه لا يسمى طواف العمرة ابتداءً، وإنما يسمى طواف القدوم، فإنه يطوف طواف القدوم، وإن أحب أن يسعى بعده سعى كما ذكرنا، وإن أحب أن يؤخر سعيه إلى بعد طواف الإفاضة له ذلك، فالطواف والسعي بالنسبة للقارن هو طواف واحد وسعي واحد، هذا الذي يلزمه.
أما بالنسبة للمتمتع لا، هناك طواف وسعي للعمرة وهناك طواف وسعي للحج. أما القارن هو في الحقيقة أدخل قرن الحج والعمرة فعمرته وحجته بيفعلهم مع بعض، فلو إنه قدم مكة وما طاف أصلًا طواف القدوم وما سعى ما عليه أي مشكلة؛ لأنه دمج ومزج بين النسكين فيكفيه أن يقف بعرفة ويطوف طواف الإفاضة ويسعى بعدها ويفعل باقي أفعال الحج، وتقوم هذه الحجة عن حجة وعمرة، هذا هو القران. لكن في التمتع في فصل، العمرة تفعل وحدها ويتحلل منها، والحج بعد ذلك يفعل وحده ويتحلل منه. فهذه فروق أساسية وستتضح أكثر وأكثر حينما نتكلم عن أركان الحج وواجباته وهيئته وصفته. إذاً هو أن يحرم بالحج والعمرة معًا أو يحرم بالعمرة ثم يدخل الحج عليها قبل الشروع في طوافها، فإن أحرم بالحج ثم أدخل العمرة عرفنا أن هذا لا يصح.
ثم قال: ومن أحرم وأطلق صح وصرفه لما شاء. الآن مرت معنا هذه المسألة في بداية المحاضرة، هل يجوز للإنسان أن يحرم من دون أن يعين النسك؟ ما عين نسكه أصلًا هل هو حج ولا عمرة، وما قال والله إذا حج إنه تمتع أو إفراد أو قران، قال: خلاص أنا نويت أدخل في النسك، إيش هو النسك؟ بعدين بعينه. هل بينفع هذا الإحرام؟ نعم، قال: ومن أحرم وأطلق لم يحدد طبيعة النسك صح وصرفه لما شاء، لك بعد ذلك أن تصرفه لما شئت.
قال: وما عمل قبل فلغو. أي شيء تفعله من طواف أو سعي أو أي شيء من أعمال العمرة والحج قبل أن تعين النسك هذا بيكون لغو. أنت الآن أحرمت إحرام مطلق، نويت الدخول في النسك وأطلقت ما عينت النسك حج ولا عمرة، الآن أي شيء ستفعله من طواف أو سعي أو رمي جمار أو ما شابه ذلك قبل أن تعين هذا النسك ما هو بالضبط يعتبر لغو لا قيمة له، وإنما تبدأ تحسب لك الأعمال بعد أن تعين. نحن صحيح صححنا لك الإحرام من دون تعيين، لكن لن نصحح لك الأعمال من طواف وسعي وما يلحقها إلا إذا عينت. إذاً قال: وما عمل قبله، قبل أن يعين، فلغو، لكن السنة والأفضل لمن أراد نسكًا أن يعينه ابتداءً، يعني إذا أنت أردت نسكًا وأردت أن تحرم، فالأكمل والأفضل أنك تعين هذا النسك ولا تترك تعيينه إلى وقت لاحق.
ويسن أيضًا في الإحرام أن تشترط. ما هو الاشتراط؟ الاشتراط أن تقول حينما تحرم من الميقات أو من دويرية أهلك حسب مكانك: اللهم إني أريد النسك الفلاني عمرة أو حجًا وما شابه ذلك فيسره لي وتقبله مني، وإن حبسني حابس فمحلي حيث حبستني. الآن هذا يسمى الاشتراط، إن حبسني حابس أحصرت أو منعت أو مرضت، فمحلي حيث حبستني. ووظيفة هذا الاشتراط أنه إذا قدر الله أنك ما تستطيع تكمل رحلتك بعد ما أحرمت، أنت الآن أحرمت، وقدر الله حادث سير يصير معك أو أي شيء يصير معك، لا تكمل رحلة العمرة أو الحج، فإذا كنت اشترطت في البداية تستطيع أن تتحلل من دون أن يلزمك أي شيء.
أما إذا كنت لم تشترط في البداية، فهنا ستترتب عليك التزامات نتعرف عليها إن شاء الله في باب الفوات والإحصار من قضاء وأحيانًا دم وفي بعض الصور لها أمور وصفات معينة نتعرف عليها، لا أريد أن أشغلك بها لأنها ليست صورة واحدة عدة صور قضايا الإحصار، لكن المهم نفهم ما فائدة الاشتراط. أي شخص اشترط أثناء الإحرام هذا أمن نفسه، يعني في حالة أنه لم يستطع أن يكمل نسكه بعد أن أحرم فيه لظرف أو طارئ من الطوارئ فإنه يستطيع أن يتحلل ويعود إلى منزله من دون أن يلزمه شيء. أما الذي ما اشترط ولم يقل إن حبسني حابس فمحلي حيث حبستني، هذا الشخص إذا منعه أو طرأ طارئ وحجز بينه وبين أن يكمل النسك، هذا سيلزمه أمور من دماء وقضاء وما شابه ذلك نتعرف عليه إن شاء الله في وقتها في باب الفوات والإحصار، باب مستقل من أبواب الحج.
فلذلك يسن أنك تعين النسك ابتداءً وأنك تشترط حتى تؤمن نفسك، إذا ما عينت أو ما اشترطت ما عندنا مشكلة، فأساس الإحرام هو نية الدخول في النسك، إذا وجدت خلص وجد الإحرام، بعد ذلك أنت تعين في الوقت الذي تريد. وأما إذا طبعًا لم تشترط ابتداءً لا يصح الاشتراط أثناء المسير، يعني ممكن شخص يقول: طيب شيخ أنا ما اشترطت عند الإحرام وأثناء مسيري وذهابي وعودتي تذكرت بدي اشترط في وقت متأخر؟ بنقول لا، إذا لم تشترط ابتداءً مع الإحرام ذهبت صلاحية الاشتراط، لابد يكون الاشتراط مقارنًا للإحرام فلا يصلح أن تشترط بعد ذلك. إذا نسيت أنك تشترط ومشى بك الباص والحافلة ووصلت لمكة، لا الآن هنا لا يصح لك أن تشترط، نقول الاشتراط ينبغي أن يكون مقارنًا لنية الإحرام، ولا أطيل عليكم أكثر من ذلك، إن شاء الله في المحاضرة القادمة ندخل في محظورات الإحرام، وسامحونا على الإطالة، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
الشيخ إبراهيم رفيق الطويل