دخولتسجيل الدخول

كتاب الشهادات

عبدالله بن عبدالرحمن الميمانالشيخ عبدالله بن عبدالرحمن الميمان
  • مدة الدرس:
  • قراءة

انتقل المصنف رحمه الله تعالى إلى بيان الشهادات، وهي من أنواع البينات التي يقدمها المدعي والمدعى عليه في الدعاوى، وأيضًا من الأنواع التي يتقوى بها جانب أحد الطرفين، واليمين سيأتينا إن شاء الله في خصم لاحق.

الشهادة، وهي كما قدمناه قبل قليل: هي أن يضيف الإنسان حقًا لغيره على غيره. يعني هذا توضيحها عمّا يشابهها. وبعضهم يعلقّه بأنه الإخبار عما يعلمه بلفظ مخصوص. وهنا نشهد بأن الحنابلة رحمهم الله تعالى يشترطون لفظ الشهادة؛ يعني يشهد، أشهد أنه قال كذا وكذا. لابد أن يقول: أشهد، أو به، أو بذلك شهدت؛ لابد أن يتكلم بلفظ هذا هو المشهور عند الحنابلة رحمهم الله تعالى. يعني هناك قول آخر أنه لا يشترط بلفظ أشهد، لكن المشهور عند الحنابلة اشتراطه.

شرع رحمه الله تعالى عن تحمل الشهادة. عندنا التحمل وعندنا الأداء. التحمل: أن يسمع أو يرى ما سيشهد به؛ يعني مثلًا اثنان عقدا بينهما سيارة، بيع أرض، إلى آخره، يبحثون عن مَنْ يشهد. فهنا لو دعي شخص ليشهد لهذا العقد، كونه يجيبه إلى ذلك هذا لا يلزمه إن كان في بلد ما عندهم غيره فهنا يتعين عليك، لكن إذا كان بوجود ناس كثر فنقول هو فرض كفاية، إذا امتنع كل -دعونا نقول- يأثمون جميعًا، لكن إذا امتنع واحد ووجد واحد، فإن المقصود به أن يكون واجبًا في حق المجموع؛ فإذا قام به شخص فإنه يتحقق به الوجوب ويسقط الإثم عن الباقي.

ويكون تحمل الشهادة بغير حق الله فرضًا، أما في حق الله تعالى فإنه مباح ولا يجب. يعني مثلًا الشخص... مثلًا شرب خمر، فجاء شخص إلى آخر وقال له: تعال، تعال، تعال انظر؛ هذا لأجل أن نذهب جهة الضبط نخبرهم بأننا شهدنا أن فلانًا شرب الخمر. هنا لا يلزمه، لا يلزمه الذهاب؛ لأن حقوق الله تعالى مبنية على الستر، فهو مخير في الأداء، فإنه فرض كفاية في حقه، فلم يجب اليعين، وهذا هو معنى فرض الكفاية.

والدليل على ذلك قوله تعالى: ﴿وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا﴾ [البقرة: 282]. فسرها ابن عباس رضي الله تعالى عنه وغيره بأن المراد بها التحمل للشهادة وإثباتها عند الحاكم. قالوا لدعاء الحاجة إليها لإثبات الشهود والحقوق للعقود؛ فكانت واجبة.

قال: وأداؤها فرض عين على من تحملها. يعني إذا أن شخصًا تحمل الشهادة، مثلًا شهد على حق، شهد على عقد بيت، ثم حصل بين الطرفين اختلاف في وجود العقد العدل؛ يعني مثلًا شهد على عقد بيت سيارة، باع السيارة على عمر بخمسين ألفًا، عمر ما سدد، يرفع الدعوى على أنظمة الأمر أصلًا: أنا ما شريت. الآن زيد سيقيم البينة، من الذي شهد معه؟ شهد معه محمد وخالد. فلا يجوز له أن يمتنع. أداء الشهادة هنا فرض عين لكونهم هم في الأول له امتناع، في الأول لا تشترط في الغير، لكن هنا الآن لقد شهد على هذا العقد. لقوله تعالى: ﴿وَمَن يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ﴾ [البقرة: 283]. هذا يدل على أنه يحرم عليه ألا يؤدي الشهادة التي تحملها.

متى يجب أداؤها؟ قالوا: إذا دعيت. شروط الوجوب متى تتعين؟ إذا دعي للشهادة فإنه يلزمه أن يؤديها؛ لأنه لا يلزمه قبل ذلك، ولا يلزمه أداؤها قبل أن يدعى إليها؛ لأنه لا يرغب في أداء الشهادة بدون طلب. كان النبي صلى الله عليه وسلم ذكر أن من أوصاف الناس بعد القرون الأولى ثم يأتي... خيركم القرون ثم الذين يلونهم ثم... فهم ما بين القلوب، يقولون: بين النبي صلى الله عليه وسلم من أوصافهم أنهم يشهدون ولا يستشهدون، وينذرون ولا يوفون، ويغلظون الأيمان. فهؤلاء هذه أوصاف من يأتون بعد القرون المفضلة، فدل على أن هذا الوصف غير مرغوب فيه، الذي هو الذهاب للشهادة أو الإدلاء بالشهادة قبل أدائها.

هذا الشرط الأول: أن يدعى إليه. والشرط الثاني: أن يقدر على أداؤها بدون ضرر يلحق في بدنه، أو عرضه، أو ماله، فإن وجد ضرر فإنه لا يلزم. لقوله تعالى: ﴿وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ﴾ [البقرة: 282]. وقبل كذا في التحمل يعني في التحمل أيضًا نقول: لابد أن لا ينتج الضرر، فإذا وجد الضرر في التحمل -قال له يعني اتصل محمد على زيد قال: أنا بروح للرياض لأجل أن تشهد- لا يلزمه ذلك؛ لأنه يوجد ضرر عليه في السفر، السفر شاق.

قالوا: ولا يحل كتمانها، فالآية هنا: ﴿وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ﴾ [البقرة: 283]. ولا أن يشهد إلا بما يعلمه، يعني لا يجوز له أن يشهد إلا على شيء يعلمه. لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء: 36]. ويستدل الأصحاب رحمهم الله تعالى على ذلك في حديث ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لرجل: «هل ترى الشمس؟» قال: نعم. قال: «على مثلها فاشهد أو دع». لكن هذا الحديث لا يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم، لكن قال ابن حجر: معناه صحيح.

قال: برؤية أو سماع. يعني هذه طرق العلم في التحمل بالشهادة، يعني كونه يعلم، يعلم في ماذا؟ طرق العلم كلها مشهودة عليه. يعلمه إما برؤية، بأن يرى زيدًا يضرب عمرًا، أو يسمع؛ يسمع -طبعًا- من المشهود عليه، يسمع المشهود عليه إقراره بأنه مثلًا: تقررت من عمر عشرة آلاف ريال مثلًا، فهنا سماع من المشهود عليه. قال: أو استفاضة، يعني يعلم الشيء بالاستفاضة، يعني يشهد على شيء قد استفيض، لم يسمع به لم يسمعه مباشرة، لكن قد استفاض عند أهل البلد، يعني قد انتشر واشتهر علمه.

هل تقبل الاستفاضة في كل شيء؟ إنما تقبل فيما يتعذر العلم بدونها، كنسب وموت وملك مطلق ونكاح ووقف ونحوها. كنسب، مثلًا الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله، اسم والده عبد الله، اسم والده عبد الله هذا الآن استفاض عند الناس، استفاض عندنا. طيب هل نحن توثقنا أن علمنا برؤية المشاهدة أو سماع الآذان سماع ممن حضر الحادثة أن امرأة عبد الله بن باز أنجبت ابنا اسمه عبد العزيز؟ لا، لكن هذا استفاض عند الناس كله، فلذلك لا نقول: لو جاء شخص قال: الشيخ عبد العزيز والده عبد الله بن..., ما الذي أخبرك؟ هل سمعت؟ سمعت؟ هل رأيته؟ لا، خلاص، الاستفاضة عند الناس. موت أو ملك مطلق أو نكاح؛ يعني هذه أمور تثبت بالاستفاضة عند أهل البلد أو عند أقارب الشخص المتوفى هنا أو لا. يعني من الصعب أن يكون الشخص مباشرة رؤيتها أو سماعها يشهد بالاستفاضة.

ذكر رحمه الله تعالى أن الشخص إذا شهد بعقد فلابد أن يذكر الشروط، كما ذكرنا في الدعوى، لأن هناك أحيانا شروطًا تنقل هذا العقد من الصحة إلى الفساد. ومثله النكاح، فلابد أن... فلابد أن يذكر الشروط في سببه صحته. شهدت برضاع أو سرقة، يكفي أنه يصفه، يصفه هذا الذي شهد عليه بما يتخلف... بما يتأثر بالحكم؛ يعني مثلًا إذا شهد: تشهد بأن فلانًا هذا راضع من فلانة. طيب، لابد أن يشهد عدد الرضعان كم؟ خمس وأقل وأكثر؛ لأن هذا مؤثر. لابد أن يشهد كذلك أنه رضع في الحولين؛ لأن هذا مؤثر. لكن هل يلزم أن يقول: أشهد أنه رضع منها في البيت الفلاني؟ لا، منها في الدمام في الرياض في مكة؟ غير مؤثر. لكن لابد أن يشهد على الأشياء المؤثرة، التي هي مثلًا صفة الرضاع، ووقت الرضاع؛ فنأخذه. وأنت في السرقة: فليذكر ما يعتبر ويختلف به في الكل، خسر؛ يعني مثلًا في الدور الأرضي، في الدور كذا، سرق في الليل، في النهار، فما يسوي في شروطنا تقبل شهادتنا.

شروط أنه تقبل الشهادة سبعة: الأول: البلوغ، فلا تقبل شهادة الصبي. الثاني: العقل، فلا تقبل شهادة مجنون ولا معتوه، وتقبل ممن يخفق أحيانا في حال إفاقته. الثالث: الكلام، فلا تقبل شهادة الأخرس إلا إذا أداها بخطه. الرابع: الإسلام. الخامس: الحرية. السادس: العدالة، ويعتبر لها شيئان: في الدين وهو أداء الفرائض بسننها الراتبة واجتناب المحارم بأن لا يأتي كبيرة ولا يدمن على صغيرة، فلا تقبل شهادة فاسق. الثاني: استصلاح المروءة، وهو فعل ما يجمله ويزينه واجتنابه ما يدنسه ويشيمه. فمتى زالت الموانع، فبلغ الصبي وعقل المجنون وأسلم الكافر وتاب الفاسق قبلت شهادته.

بارك الله فيك.

انتقل المصنف رحمه الله تعالى إلى شروط أن تقبل شهادته؛ لابد من شروطها. الشرط الأول والثاني: البلوغ والعقل، وهذا من شرط التكليف. فلا تقبل شهادة غير البالغ، صبي، سواء كان مميزا أو غير مميز، فلا تقبل أيضا شهادة المجنون أو المعتوه هنا؛ لماذا؟ لأن هؤلاء مقطوع عنهم القلم، كما يتحرجون من الكذب، لأنه مرفوع عنه القلم، فلذلك إذا انتفت القوة بقوله: مجنون ولا معتوه. صافي القلم أخفق أحيانا المجنون. قالوا: تقبل ممن يخفق أحيانا في حال إفاقته؛ شخص في جنون أحيانا، وفي إفاقة أحيانا، ففي وقت إفاقته تقبل شهادته، إذا تحملها وقت... أداها وقت الإفاقة.

الثالث: النطق؛ فلا تقبل شهادة الأخرس ولو فهم إشارته، قالوا بأن الشهادة يعتبر فيها اليقين، لابد أن نتيقن مقصود هذا الشاهد، في الإشارة ما ندري قد يقصد هذا وقد يقصد هذا، وليس كل الناس يفهمون الإشارة. قالوا: إلا إذا أداها بخطه، إذا أداها بخطه، خلاص، الكتابة محتملة.

الرابع: الإسلام لقوله تعالى: ﴿مِمَّن تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ [البقرة: 282]. الأصحاب رحمهم الله تعالى يستثنون قبول شهادة الكافر في وصية المسلم في السفر.

الخامس: الحفظ؛ فلا تقبل من شخص مغفل ينسى كثيرا، المعروف أن كثرة السهو والغلط؛ لأن هؤلاء لا تحصل الثقة بصدقهم.

والسادس: العدالة، وهي استواء أحواله في دينه واعتدال أحواله وأقواله. قالوا: يعتبر لها شيئان: صلاح في الدين واستعمال المروءة. الصلاح في الدين يقصد به أمران: أداء الفرائض في سننها الرواتب... السنن الراتبة. قال: فلا تقبل ممن داوم على ترك السنن. يعني السنن الراتبة هذه، يعني نقول: يأتي بها لو أحيانا، فإذا داوم على تركها لا يأتي بها أبدا فإنها ترد الشهادة؛ لأن ذلك دليل على عدم محافظته على أسباب الخير. الأمر الثاني: اجتناب المحارم، اجتناء المحارم بأن لا يأتي كبيرة ولا يدمن على صغيرة. والكبيرة هي ما فيه حد في الدنيا ووعيد في الآخرة، أو لعنة أو غضب ونحوه. وهنا يدمن على الصغيرة؛ فلا تقبل شهادة، سواء كان فاسقًا بفعل كالزنا، أو فاسقًا باعتقاد كالرافضة والجهمية. يذكرون أن أصحاب العقائد المبتدعة يقولون: دعوتهم، المجتهد يكفر، وأما المقلد فإنه لا يكفر، وإنما يعتبر. وصاحب الإقناع الحجاوي رحمه الله تعالى في... لما أتى هنا إلى شرط العدالة وذكر الصلاح في الدين، ذكر أمثلة كثيرة على الكبائر، وثم نظمها... ثم نظمها. الكبائر موجودة، هو مشروع شرحها السفاريني رحمه الله تعالى، رحمه الله في أول يعني لما شرح لم يكن يعرف، ثم شرحها... لم يكن يعرف من هكذا نقول؟ ثم عرفه لاحقًا، ولذلك ذكره في شرح منظومة في كتاب... صاحب المنظومة هو الحجاوي رحمه الله تعالى.

الثاني من ما يحصل به... ما يحصل به العدالة: استعمال المروءة. استشهد بقوله: فعل ما يجمله ويزينه، واجتناب ما يدنسه ويشينه؛ أي فعل كريم يفعله كالسخاء والحلم مع ذلك هو... أو لئيم يتركه، فهذا من المروءة. والمروءة حقيقة تختلف باختلاف الأعراف والازمان والأماكن، فهنا تكون تصيب المروءة في زمن دون زمن، لذلك الفقهاء رحمهم الله يذكرون مما يخل بالمروءة: الأكل في الطريق. تفضلي، فهو في وقت يعني إذا أردنا أن نطبقهم أنصحنا أن نطبقه يعني نقول: أي شخص يأكل في الطريق، يأكل في المطاعم، نقول: هؤلاء... أحد فلا تقبل شهادتهم؟ هذا أمر ميسر، لذلك نقول: هذا يختلف باختلاف الأعراف، على أن العدالة عند شيخ الإسلام رحمه الله تعالى يوسع، شيخ الإسلام رحمه الله يذكر أن العدل في كل زمن بحسبه. فلو أراد أن يطبق كلام الفقهاء هنا نقول مثلا: حلق اللحية، لا تقبل شهادته؛ لماذا؟ حلق اللحية صغيرة، لكنه أدمِن عليه فإنه يحلقها، انتشرت الثقة بقولك؛ فإذا كان أكثر الناس ممن يفعل هذا الأمر المفسد، لكن يغلب على الظن صدقهم، فيقولون: إننا نعتبرهم عدولًا، وهذا الذي... هذه العمل.

قالوا: متى زالت الموانع؟ فبلغ الصبي وعقل المجنون وأسلم الكافر وتاب الفاسق قبلت شهادتهم. ثم بعد أن صبي تحمل... تحمل شيئا وهو صغير، ثم أداه بعد كبره، فإنه تقبل شهادته. ولو كان المجنون يتحمل وهو عاقل، ثم جُـنّ، ثم أفاق لاحقًا، انتفى المانع، فزيادة... فتقبل شهادة عدد الشهور. لا تقبل شهادة عمى بصر.

بعضهم لبعض، ولا شهادة أحد الزوجين لصاحبه وتقبل عليهم، ولا من يجر إلا نفسه نفعا أو يدفع عنها ضررا، ولا عدو على عدوه، كما شهد على من قطع الطريق عليه، ومن سرّه مساءة شخص أو غمه فرحه فهو عدوه.

أحسنت، انتبه، مسند رحمه الله تعالى، إذًا باب موانع الشهادة، يعني هناك أشخاص توفرت فيهم هذه الشروط الستة، لكن أحيانا تقترن أوصاف بما يجعلنا نرد شهادتهم لأجل أحد الشروط لوجود أحد الموانع؛ لأن الشيء لا يتم إلا إذا توفرت شروطه وانتفت موانعه، وهذه قاعدة فخذوها معكم مثلا في: إذا وجد أسباب الإرث، سيدي، قتل أباه بما يرضي الله، نقول توفر فيه سبب الإرث وهو القرابة، لكن وجد مانع من الإرث وهو القاتل، فهنا لا يرد وجود المال، لابد أن يتوفر السبب وينتفي المانع.

وقبل منع الشهادة: عمودي النسب تعظيم النظام، هذا المانع الأول: قرابة عمودي النسب، فلا تقبل شهادة الأب لابنه ولا الأم لابنها ولا الجد أو بنت ابنه أو ابن بنته ونحوهم، وكذلك العكس، لا تقبل شهادة الابن لأبيه ولا الابن لأمه ولا الابن لجده ولا الجد لابنه، شهادتهم بوجود التهمة لوجود قوة القرابة، وهذا خاص بالقرابة من عمود النسب، أما قرابة الإخوة: الأخ لأخيه، أو الصديق لصديقه، أو مثلا العم، فإنها تقبل بعد التهمة.

الثاني: الزوجية، قالوا ولا شهادة أحد الزوجين لصاحبه، قوة الأسرة المؤدية إلى التهمة، هؤلاء لا تقبل شهادتهم لهم لكن تقبل شهادتهم عليهم، فلو أن ابنا شهد على أبيه، أو العكس أب شهد على ابنه، أو زوجة شهدت على زوجها أو العكس الزوج شهد على زوجته، فإنها تقبل شهادتهم عليه، لا تقبل لهم بالوجود، كما تقبل عليهم، والله عز وجل يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَىٰ أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ﴾ [النساء: 135]، قبل أوفى أمر بأداء الشهادة ولو على الوالدين فدل على أنها مقبولة إذا كان شاهدا عليهم وليست لهم.

والثالث من موانع الشهادة: من يجر لنفسه نفعا بهذه الشهادة.

الرابع: من يدفع عن نفسه ضررا بهذه الشهادة، يعني الواقع العملي، شهد شخص على شخص، شهرنا سيأتي بالشهود موظفين مناسبتين فنقول هنا لا تقبل لأنه يجر لنفع نفسه بهذه الشهادة، فهذا ما سيوزع على الموظفين وتنظيم، فلا تقبل شهادته.

كذلك المانع الرابع: إذا كان يدفع عنها ضررا، شاف الموظف مدن مؤسسة، لماذا؟ لأنه لو لم يسب له، فربما يعني يحصل من باب استحقاقات ونحو ذلك.

فهذا من الأنفل رحمه الله تعالى، يقولون: شهادة العاقلة بجرح شهود القتل الخطأ، يعني لو أن مثلا شخص دعي عليه بأنه قتل فلان خطأ، ثم جاؤوا بشهود يشهدون على ذلك، فجاءت العاقلة عاقلة هذا القاتل وقال: نجرح هؤلاء الشهود، فلا يقبل جرحهم، لماذا؟ قالوا: لأن جرحهم هنا يستفيدون فيه، يستفيدون فيه لماذا؟ لأنهم لم تترتب في ذمتهم هذه الدية فهم يدفعون عن أنفسهم.

الأمر الخامس: شهادة العدو على عدوك فإنها لا تقبل، فمن شهد على من قذفه ومن قطع الطريق عليه، وذكر ضابطا في العداوة يقول: العدو هو من سرّه مساءة شخص أو غمه فرحه، كل من سر بمساءة شخص أو هم قرأها فانه يعتبر عدوا، فهذه هي العداوة الدنيوية، أما العداوة الدينية فيصفحة رحمهم الله تعالى أنها ليست مانعا، فيقول: يجوز شهادة الكافر على المسلم وإن كان عدو له، لأن دينه يمنعه من الكذب على الكافر السني على المبتدع، طبعا ليس العكس، فلا تقبل شهادة الكافر على المسلم لا لكونه عدوا وإنما في وجود شرط اختل الإسلام، وكذلك الفاسق المبتدع على السني لا تقبل شهادته لا لوجود المانع وإنما لانتفاء شرط العدالة، لأنه يعتبر فاسقا، على المصنف رحمه الله تعالى: ولا يقبل في الزنا والإقرار به إلا أربعة، ويأتي على من أتى بهيمة رجلان، ويكفي في بقية الحدود والقصاص، وما ليس بعقوبة ولا مالا ولا يقصد به المال وهي تقبل عليهم غالبا كنكاح وطلاق ورجعة وخلع ونسب وولاء وإيصاء إليه يقبل فيه رجلان، ويقبل في المال وما يقصد به كالببيع والأجل والخيار ونحوه رجلان أو رجل وامرأتان أو رجل ويمين المدعي، وما لا يطلع عليه الرجال كعيوب النساء تحت الثياب والبكارة والسيوبة والحيض والولادة والرضاع والاستهلال ونحوه يقبل فيه شهادة امرأة عدل والرجل فيه كالمرأة، ومن أجاز رجل وامرأتين أو الشاهد اليماني فيما يوجب القصاص لم يثبت فيه قود ولا مال، وإن أتى بذلك في سرقة ثبت المال دون القطع، وإن أتى بذلك رجل في خلع تسكت بمجرد دعواه.

أحسنت بارك الله فيك.

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، رحمة الله تعالى إلى بيان عدد الشهود، يعني ما الذي نشترط فيه العدد؟ وما الذي لا نشترط فيه العدد؟ وكم العدد الذي يقبل فيه؟ أو كم العدد الذي يشترط فيه في الشهادة؟ لأن هناك أشياء لابد فيها من اشتراط أربعة، وهناك أشياء يكفي فيها اثنان ونحو ذلك، ففصل المصنف رحمه الله تعالى هنا الأمور التي يختلط فيها عدد الشهود، فقسّم الأمور إلى أربعة أقسام.

القسم الأول: ما يقبل فيه شهادة أربعة رجال، الذي ذكر المصنف رحمه الله تعالى بقوله: ولا يقبل في الزنا ولا الإقرار به إلا أربعة، وهذا دليل واضح قوله تعالى: ﴿لَوْلَا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ﴾ [النور: 13]، ويذكرون أن اللواط في حكم الزنا لأنه تقدم لنا في المذهب أن حد اللوطي كزان، أنه لا يقبل في الشهادة عليه إلا أربعة رجال، كذلك الإكراه بالزنا فلابد أيضا أربعة شهود، يعني يشهدون أن هذا الشخص الزاني قد أقر على نفسه أنه زنا بفلانة، يشهدون على أنهم لم يروا يزني بالمرأة لكن سمعوه يقر على نفسه، وقد سبق لنا في كتاب في حد الزنا أنه لابد في الزنا الإقرار أربعة مرات، قالوا: كذلك إقراره هذا أربع مرات لابد، يعني لو لم يقر به عند الحاكم لابد أن يشهد عليه أربعة، قالوا: لأن الإقرار لما اشترط فيه العدد قياسا على الشهادة فانه يشترط في سماعه أيضا هذا العدد.

الأمر الثاني: هذا إذًا يقبل في أربعة رجال، الأمر الثاني مما ذكره المصنف رحمه الله تعالى: ما يقبل فيه رجلان رجلان فقط، وهي عدة أمور ذكرها المصنف رحمه الله تعالى.

الامر الأول: الشهادة على ما يوجب التعزير، يكفي على من أتى بهيمة رجلان، من أتى بهيمة فانه يكفي في شهادة رجلين لأن إتيان البهيمة يوجب التعزير ولا يوجب الحد، ويقبل فيها، ويقاس عليها جميع ما يوجب التعزير فانه لابد فيه من شاهدين.

الامر الثاني: مما يشترط فيه الشاهدان الرجلان بقية الحدود، يعني ما عدا حد الزنا واللواط كما سبق، فبقية الحدود يقبل فيها أو يشترط فيها شهادة رجلين، كحد القذف مثلا والسرقة وشرب الخمر هذه لابد فيها من شهادة رجلين.

الامر الثالث: القصاص، القصاص لابد فيه من شهادة رجلين، ولا مبنى رجلين ولا مدخل للنساء في الشهادة على الحدود والقصاص، وهذا قول عامة أهل العلم رحمهم الله تعالى، وفي أثر عن الزهري رحمه الله موت السنة أنه لا تقبل شهادة النساء في الحدود والقصاص.

الامر الرابع: مما يشترط فيه شهادة رجلين قال ما ليس بعقوبة ولا مال ولا يقصد به المال ويطلع عليه الرجال، يعني الأمور التي ليست بعقوبة لأن العقوبات تقدمت قبل قليل، ولا مال ولا يقصد به مال لأنها ستأتي بعد قليل، ويطلع عليها الرجال، ثالثا: النكاح، رجلان، لا ندخل النساء في الشهادة على النكاح ونحوه، وهذه لابد فيها من شهادة رجلين.

الشيء الثاني: إذا اخذنا ما يقبل فيه أربعة رجال، ومن سقطت رجليه، الأمر الثالث ما يقبل فيه رجلان أو رجل وامرأتان أو رجل ويمين المدعي، وهذه في الأموال وما يقصد به المال، مثلا الشهادة على وجود أجل في البيع، الشهادة على وجود خيار في البيع، الشاهد على القرض، الشهادة على الرهن ونحو ذلك، فهذه لابد فيها من رجلين أو رجل وامرأتين أو رجل ويمين المدعي، أما الدليل على اشتراط الشاهدين رجلين أو رجل وامرأتين فهو من الآية قوله تعالى في آية الدين: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ [البقرة: 282]، والدليل على أنه يكفي فيها شاهد بيمين أن النبي صلى الله عليه وسلم قضى كما جاء ذلك في صحيح مسلم من حديث ابن عباس.

الأمر الرابع: ما لا تقبل فيه شهادة شاهد سواء كان رجلا أو امرأة، ما لا يطلع عليه الرجال غالبا، مثل المصنف رحمه الله تعالى قال: كعيوب النساء تحت الثياب، الذي تذكره مرت علينا في باب العيوب في النكاح أن هناك عيوبا مختصة بالمرأة، هناك عيوب مختصة مثل القرن العاثر الرطب هذه عيوب مختصة بالمرأة، طيب لو قال الرجل: أنا سافسخ نكاحي من زوجتي لوجود هذا العيب، قالت لي: لا ليس بي هذا العيب، طيب ما بينتك على وجود هذا العيب؟ قال: عندي شهادة امرأة، فجاءت امرأة فشهدت بذلك، فهنا تقبل شهادة وهي لا تحتاج إلى امرأة ثانية، قالوا: لأن هذا لا يطلع عليه الرجال، والأصحاب رحمهم الله تعالى يصلون باحاديث أن النبي صلى الله عليه وسلم قبل شهادة القابلة يعني على الولادة، وهذا يعني كذا يتناقلونه وهو لم يرد في النصوص في الكتب المعروفة والمأثورة، لكن ورد في صحيح البخاري أن النبي صلى الله عليه وسلم في حديث عقبة بن الحارث أنه رأى امرأة سوداء قالت زعمت أنها أرضعت عقبة وامرأته، فذهب عقبة للنبي صلى الله عليه وسلم فذكر ذلك فقال النبي صلى الله عليه وسلم: كيف وقد قيل؟ وأمره بفراقها، فهنا استدل به بعض الأصحاب رحمهم الله تعالى بأن النبي صلى الله عليه وسلم هنا أجاز شهادة المرضعة أو لأن الرضاع غالبا لا يطلع عليه الرجال، فقاسوا عليه كل ما لا يطلع عليه إلا النساء، وقال المصنف: الرجل كالمرأة يعني سواء شهدت امرأة وهذا هو الأصل أو شهد رجل واحد، قالوا: لأن الرجل أكمل من المرأة فإذا قبلنا شهادة المرأة وحدها فمن باب أولى أن نقبل شهادة الرجل.

ثم ذكر المصنف رحمه الله تعالى أنه أحيانا ينقص نصاب الشهادة، لكن هذا الأمر المشهود به يحتوي أو يشتمل على أمريني، يشتمل على أمرين، ففي أحدهما كملت من النصاب وفي الآخر لم يكمل فيه النصاب، يعني يصير شق منه مالي فشئت منه حدي، يقول أحيانا إذا كان الشق المالي ليس بدلا عن الشق الحدي أو شق العقوبة سيقولون: إذا نقص النصاب فانه لا يثبت لا الشق الحدي ولا الشق المالي.

مثال ماثله المصنف رحمه الله تعالى: قال ما أتى برجل امرأتين أو شيء أمي فيما يوجب القول لم يثبت فيه قول دون الأموال، مثال: جاء شخص وقال إن هذا قتل أبي، أنكر هذا المدعي، وش بينتك؟ رجل شهد على ذلك وامرأتان، أحضر رجل أمهات، قلنا قبل قليل أن القصاص لا يثبت إلا بشاهدين رجلين، طيب لا يثبت من القصاص، طيب هل تثبت به الدية؟ يقول: لا، لا تسكت في الدية، لماذا؟ لا تثبت الدية لماذا؟ قالوا: لأن الدية فرع عن ثبوت القصاص، ولما لم يثبت يعني الدية بعد القصاص، فلما لم يثبت القصاص لم يثبت بدله لم يثبت بدله.

أحيانا يكون الشق المالي ليس بدلا عن شق العقوبة، مثلا المصنف بالسابقة المثال: جاء شخص وقال إن هذا سرق مني، سبق مني مبلغ مثل عشر آلاف ريال، ما بينة القناع؟ هذا اتى بشاهد جاء رجل وامرأتان فشهدوا بالمال، فإنهم رأوا هذا يسرق، طيب نقول: لا يثبت الحد، لا يثبت الحد، لماذا؟ اللي هو القطع، لماذا؟ لأن القطع حجم الحد لابد فيه من شاهدين رجلين، خلاص ما يفتح، طيب هل يثبت غرم المال؟ يعني هل يلزم هذا برد المال مع السكوت؟ نعم تلزمه، لماذا؟ لأن المال يسمح بشاهدك، فرق بين المسائل هنا والمسجد الثاني بالقصاص قلنا لا يجوز، لماذا؟ لأن الدية فرع عن ثبوت القصاص، ولما لم يثبت القصاص لم يثبت الدية، فهنا أخذ المال غرم المال ليس فرعا عن ثبوت السرقة لأنه قد يلزم برفع المال ولو لم يثبت الحد، كما لو غصب مالا، لا تنازل بينهما، لكن الدية والقصاص متلازمان.

ثم ذكر المصنف رحمه الله تعالى من سنة ثابتة وهي أن رجلا ادعى أنه خالع امرأته، خالع امرأة، قال: إني خالعت امرأتي على مبلغ مثلا ثلاثين ألف ريال، وين أنت؟ المرأة تقول: لا، وأنا لا زلت زوجة له، ما زلت زوجة له، طيب ما بيناتك؟ اتى بشاهد امرأتين، نقول: الشاهد امرأتان، هؤلاء من الخلع في مال وفيه مخالعة وفيه بينونة، طيب الشاهد امرأتان هل بهما البينونة؟

أحسن الله إليكم شيخنا، خصم في الشهادة على الشهادة.

قال المصنف رحمه الله تعالى: ولا تقبل الشهادة على الشهادة إلا في حق يقبل فيه كتاب القاضي للقاضي، ولا يكتفى بها إلا عند تعذر شهادة الأصل في موت أو مرض أو غيبة، ولا يجوز للشاهد الفرع أن يشهد إلا أن يسترعيه شاهد الأصل، بأن يقول: اشهد على شهادتي أو يسمعه يقر بها عند الحاكم أو يعزوها إلى سبب قوي، كبيع أو نحوه. وإذا رجع شهود المال بعد الحكم لم ينقض ويلزمهم الضمان دون من زكاهم، وإن حكم بشاهد ويمين ثم رجع الشاهد غرم المال كله.

أحسنت. هنا يتكلم المصنف رحمه الله تعالى عن الشهادة على الشهادة، وهذه تطرقنا لها بالأمس، تكلمنا عن كتاب القاضي إلى القاضي. الشهادة على الشهادة أن يكون شخص عنده شهادة لكن لا يحضر إلى المحكمة للإدلاء بشهادته لعذر، فيقول لاثنين: تعالوا اشهدوا أن فلانا أخذ من فلان عشرة آلاف ريال، فيأتي هذان الشهدان فيقولان: نشهد على كذا وكذا وكذا، نشهد أننا سمعنا فلانا يقول كذا وكذا؛ هذه الشهادة على الشهادة.

المصنف رحمه الله تعالى ذكر أنه لا تقبل الشهادة على الشهادة إلا في حق يقبل فيه كتاب القاضي، وذكرنا بالأمس أن كتاب القاضي للقاضي يقبل في حقوق الآدميين دون حقوق الله؛ فإن حقوق الله مبنية على الدرء والستر والمسامحة.

طيب، هل يحكم بها على كل حال؟ المصنف رحمه الله تعالى ذكر شرطين للحكم: أن يتعذر حضور شاهد الأصل، جاز أن يشهد على شهادته. وتعذره إما بموت، مثلاً شخص عنده شهادة على أن فلانا يملك هذه الأرض، فخشي أن يموت ولم يدرك بشهادته فجاء الشاهدان وقالوا: رأي، اشهدوا علي أنني أشهد بكذا وكذا وكذا. فلما مات هذا رفع الدعوى وتوفي الشاهد، فجاء الشاهدان شاهد الفرع وقالا للقاضي: إننا نشهد أن فلانا أرشدنا على كذا وكذا وكذا. تقبل، لماذا؟ لتعذر حضور شاهد الأصل بالموت. قال: أو المرض، مريض مثلاً فقال اشهدوا أن كذا وكذا، أو مسافة القصر فأكثر، مثلاً هم في الرياض ويشق عليه الحضور إلى الدمام، فجاء وقالوا: اشهد بكذا وكذا؛ فهنا تقبل. إذن تقبل بشرطين: الشرط الأول أن يتعذر حضور الشاهد الأصلي.

الشرط الثاني ما ذكره المصنف رحمه الله: أن يسترعيه شاهد الأصل، يعني يقول له: تعال اشهد على شهادتي. لو أن شخصاً لم يتكلم مرة، قال: والله أنا مثلاً جاني فلان، وكل اللي شفته أن فلان اقترض المبلغ، بس يسولف سواليف، ثم جاء أحد وقال إن فلاناً قال كذا وكذا، فإنه لا تقبل؛ لأنه لم يطلب منه أن يشهد على شهادته. لماذا؟ قالوا: لأن الشهادة على الشهادة فيها معنى النيابة، والنيابة لابد فيها من الإذن، والنيابة هي الوكالة، يعني الوكالة لابد أن يوكل شخصاً آخر، يعني يأذن له في التوكيل، فكأنه أذن له في الشهادة عنه، وقالوا: لابد أن يسترعيه، يستعيه يعني يقول: اشهد على شهادتي.

واستثنى المصنف رحمه الله تعالى مسألتين لا يحتاج فيها إلى الاسترعاء، الأولى: إذا سمعه يدلي بها عند الحاكم، فله أن يذهب إلى القاضي الثاني ويقول له: إنني سمعت فلاناً يشهد عند القاضي فلان في كذا وكذا. هنا قالوا: إدلاؤه بها عند الحاكم يأخذ حكم الاسترعاء. الأمر الثاني: قالوا إذا سمعه يعزو سبب ما به من شهادة إلى سبب من قرض أو بيع، يعني سمع أن فلاناً قال: إنني شهدت أن فلاناً أقر فلاناً مالاً، أو أن فلاناً عقد بيعاً مع فلان. فهنا قالوا: يحق له أن يشهد؛ لأنه قالوا هذا بمثابة الاسترعاء. لكن لو أنه قال: اشهد أن لفلان في ذمة فلان كذا، ولم يذكر سبب هذا الحق، فقالوا إنه لم يستسترع، فإنه لا يقبل منه ذلك.

ثم ذكر المصنف رحمه الله تعالى مسألة رجوع الشهود. إذا رجع شهود المال بعد الحكم؛ يعني شخص ادعى على فلان، مثلاً زيد ادعى أن عمراً اقترض منه ستة آلاف، وحكم القاضي على زيد بأن يدفع، ثم كذب زيد بن عمرو فيما أقرضه من المال، هل ينقض الحكم؟ لا. قال: ما ينقض الحكم؛ لأن الحكم صحيح ظاهراً، إنما أقضي على نحو ما أسمع، والح الحكم صحيح مباح فلا ينقض. قالوا: يلزمهم الضمان لمن قُضيَ بالحكم؛ لأن الحكم تم في شروطه. طيب، يلزم من الضمان هؤلاء الذين قالوا: نشهد أن كذبتنا في شهادتنا، خلاص نقول أنتم اضمنوا لعمرو العشرة آلاف التي بها. نقول: لكن أنتم الذين تسببتم بذلك، أنتم الذين تسببتم باخراج هذا المال وحلتم بينه وبين ماله، فتضمنون ذلك دون من زكاهم؛ لأن المزكين لا يضمنون. لماذا؟ قالوا: لأن الضمان يتعلق بالشهادة لا بالمزكي، وهؤلاء زكوا بالنسبة للظاهر، حنا اللي نعرف أنهم عدول، أما مواطنهم وأنهم أضمروا الكذب فهذا لا نعلم عنه شيئا، فلا يكلفون ما لم يبلغ علمهم.

قال مسألة أخرى: إذا كان الحكم متعلقاً بشاهد ويمين، ثم رجع الشاهد، فهل يضمن المال كله؟ نعم. هنا المسألة الأولى: إذا شهدوا، الاثنين يغرمون، يعني كل واحد يغرم النصف. طيب، إذا شهدوا بشاهد ويمين، فهل يضمن نصف المال؟ لأن الحكم امتنع عن تمامه، قال المصنف رحمه الله: يغرم المال كله. لماذا قالوا؟ لأن الشهادة هي حجة، واليمين هذا قول الخصم، والخصم لا القول على خصمه، لكن اليمين هنا صارت شرطاً للحكم، فالأصل في الشهادة فقط، فقالوا: لما صارت أصل الحجة في الشهادة، فإن الشاهد يغرم المال كله.

أحسن الله إليك شيخنا، ما بدليلة الدعاوى؟

قال المصنف رحمه الله تعالى: ولا يستحلف في العبادات ولا في حدود الله، ويستحلف المنكر في كل حق لآدمي سوى النكاح والولاية والنسب والقذف، واليمين المشروعة مجموعة هنا.

تطرق المصنف رحمه الله تعالى إلى اليمين، وهي كما قدمنا سابقاً أنها قاطعة للخصومة وليست مثبتة للحق، وذكرنا ما يترتب على ذلك، وأنها إذا قلنا أنها قاطعة للخصومة فلو أن المدعي جاء بعد الحكم وقال: عندي بينة، فهنا تسمع الدعوى. لكن لو قلنا أنها مثبتة للحق، خلاص الحق انتهى، الحكم انتهى، ولا تسمع بينة بعد الحكم.

لكن هل اليمين تدخل في كل دعوى أو لا؟ المشهور عند الحنابلة رحمهم الله تعالى أن اليمين إنما تدخل الدعاوى المالية فقط، المال وما يقصد به، وما سوى ذلك فلا تدخل فيه الأيمان. يقول المصنف رحمه الله تعالى: ولا يستحلف في العبادات، مثل الزكاة، لو جاء شخص يقال له: ادفع الزكاة. فقال: إني دفعت سابقاً للفقير. فهنا لا يحق له أن يقول: احلف أنك دفعت الزكاة؛ لا، العبادات بين الإنسان وبين ربه. مثلاً الكفارة، قال: إني دفعت كفارة. لا نقول: احلف بالله أنك دفعت كفارة؛ لأن الكفارة حق لله تعالى، وحقوق الله تعالى لا يستحلف فيها. قال: وفي حدود الله، مثل السرقة ونحو ذلك، فهذه لا يستحلف فيها.

قال: ويستحلف المنكر في كل حق لآدمي، يعني ما يقصد به المال، مثل البيع، الرهن، الإجارة، القرض؛ فهذه حقوق آدمية مالية. قال: سوى النكاح، يستثني النكاح؛ لأنه ليس مالياً، النكاح عقد رجل، فهذه لا يستحلف فيها. لماذا قال: لا يستحلف فيها؟ قالوا: لأنها لا تستباح بالبذل، المرأة مثلاً ما تستطيع أن تبذل نفسها بمجرد كلامها، لابد من ولي إلى آخره، بخلاف المال تستطيع أن تنازل عنه بكلامك. لو أن شخصاً أقرض آخر ألف ريال ثم قال: خلاص، أنا تنازلت عنه، خلاص يتنازل عنه بمجرد الكلام. فقالوا: إن المال لما أبيح بالبذل فإنه يحكم فيه بالنكول، والأيمان إنما تدخل ما يحكم فيه. لو ادعى شخص على امرأة أنها زوجته ولم يأت ببينة، لو قلنا: احلف اليمين، فرفضت، هل نحكم بكونها زوجة له بمجرد النكول؟ لا؛ لأننا كأننا نبيح النكاح بمجرد الكلام، والنكاح لا يستباح بالبذل بخلاف المال. هذا تقرير الأصحاب رحمهم الله تعالى في هذه المسألة.

وهذه المسألة محل خلاف بين الفقهاء رحمهم الله تعالى؛ فبعض الفقهاء يقولون: إن اليمين في كل حق لآدمي، مالي أو غير مالي؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لو يُعطى الناس بدعواهم لادعى رجال دماء قوم وأموالهم، ولكن اليمين على المدعى عليه»، فذكر الدعوى المالية ودعوى الدماء، دعوى القصاص، فقالوا: إن هذا يدل على أن اليمين تدخل حتى هذه الحقوق، حتى ما ليس بالمال. وهذا قول في المذهب.

قال: واليمين المشروعة هي اليمين بالله تعالى، يكتفى بلفظ «والله»، ما في مشكلة، «والله العلي العظيم»، «والله الحي القيوم» إلى آخره، لكن لو أتى بلفظ «والله» فقط فهذا كاف، ولذلك النبي صلى الله عليه وسلم في قصة ركانة قال له لما طلق امرأته البتة: «واحدة؟» قال: والله ما أردت إلا واحدة، فاكتفى بلفظ الله.

قال: ولا تغلط إلا فيما له خطر. يعني لا تغلط اليمين؛ إما تغلطها بالصفة، يعني بذكر الأوصاف، يقال: والله العلي العظيم الحي القيوم القادر القاهر إلى آخره، أو الزمان بأن يحلف بعد العصر، أو بالمكان بأن يحلف في المسجد أو عند المنبر أو في المسجد الحرام والمسجد النبوي ونحو ذلك. فلا تغلط اليمين إلا فيما له خطر، قال: ثلاث جنايات لا توجب قوداً فالحاكم.