دخولتسجيل الدخول

الدرس السابع والعشرون كتاب الزكاة شرح فضيلة الشيخ /عبد الله بن عبد الرحمن الميمان حفظه الله.6

عبدالله بن عبدالرحمن الميمانالشيخ عبدالله بن عبدالرحمن الميمان
  • مدة الدرس:
  • قراءة

يقول النبي ﷺ: «من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين». ومعنى ذلك أن الذي لا يتعلم ولا يتفقه ما أراد الله به خيراً. نسأل الله العظيم، واقتفى أثرهم إلى يوم الدين. اللهم يا معلم إبراهيم علمنا، ويا مفهم سليمان فهمنا.

نبدأ بدرس اليوم: الوقت. بسم الله، الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله. اللهم اغفر لنا ولشيخنا وللسامعين. قال المصنف رحمه الله تعالى: «باب زكاة النقدين. يجب في الذهب إذا بلغ عشرين مثقالاً، وفي الفضة إذا بلغت مائتي درهم، ربع العشر منهما. ويضم الذهب إلى الفضة في تكميل النصاب، وتضم قيمة العروض إلى كل منهما».

هنا تكلم المؤلف رحمه الله تعالى عن الصنف الثالث من الأموال الزكوية، وهي زكاة النقدين. والنقدان هما الذهب والفضة، وما يلحق بهما من الأوراق النقدية التي تستعمل في البيع والشراء وتكون ثمناً للأشياء. وقد دل على وجوب زكاة النقدين القرآن والسنة والإجماع.

فمن القرآن قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [التوبة: 34]. ومن السنة أحاديث كثيرة عن النبي ﷺ، منها قوله ﷺ: «ما من صاحب ذهب ولا فضة لا يؤدي حقها، إلا إذا كان يوم القيامة أُحمي عليها، فتُكوى بها جنبه وجبينه وظهره، فإذا بردت أعيدت له يوم كان مقدارها خمسون ألف سنة حتى يقضى بين العباد، ويرى سبيله إما إلى الجنة وإما إلى النار».

والإجماع: أجمع العلماء رحمهم الله تعالى على أن الذهب والفضة تجب فيهما الزكاة في الجملة، وهذا هو الأصل وقد يستثنى من ذلك أشياء. هنا ذكر المؤلف رحمه الله تعالى نصاب الذهب ونصاب الفضة؛ فنصاب الذهب عشرون مثقالاً، وهي بالدنانير عشرون ديناراً، وبالجرامات خمسة وثمانون جراماً؛ فالمثقال يساوي أربعة جرامات وربعاً، فإذا ضربنا أربعة وربعاً في عشرين فالناتج خمسة وثمانون جراماً.

أما نصاب الفضة فهو مائتا درهم، وهي بالجرامات خمسمائة وخمسة وتسعون جراماً. أما تحديد نصاب الذهب بعشرين مثقالاً فقد ورد في عدة أحاديث عن بعض الصحابة، منهم عمر وعائشة، أن النبي ﷺ كان يأخذ من كل عشرين مثقالاً من الذهب نصف مثقال.

أما الفضة، فقد جاء في الصحيحين من حديث أبي سعيد الخدري: «ليس فيما دون خمس أواق من الورق صدقة»، والأوقية أربعون درهماً. وأيضاً جاء في كتاب أبي بكر في الزكاة تحديد نصاب الفضة بمائتي درهم، أنه إذا لم يكن عنده إلا مائة وتسعون درهماً فليس فيها صدقة إلا أن يشاء ربها.

قال: «ربع العشر منهما». وقبل أن نذكر الواجب فيها؛ فهذه الخمسة وثمانون جراماً من الذهب، وخمسمائة وخمسة وتسعون جراماً من الفضة، يجب أن تكون من الذهب والفضة الخالص. أما إذا كان مغشوشاً فيراعى نسبة الغش.

فمثلاً عندنا الذهب عيار أربعة وعشرين، وعيار واحد وعشرين، وعيار ثمانية عشر. الخالص هو أربعة وعشرين، أما الواحد والعشرون ففيه خلط بين الذهب ومعدن آخر، والثمانية عشر فيه خلط أكثر؛ فنسبته للـ 24 هي ثلاثة أرباع، وربعه ليس ذهباً، فيراعى ذلك.

فمثلاً امرأة عندها حلي -على القول بوجوب الزكاة في الحلي المستعمل- وعندها حلي من عيار واحد وعشرين، لو بلغ خمسة وثمانين جراماً، فهذا هو نصاب الذهب، لكن الخمسة وثمانين جراماً هذه ليست كلها ذهباً، بل جزء منها مخلوط، فيراعى ذلك.

كيف يعرف الواجب في الذهب مثلاً؟ عيار الواحد والعشرين أو الثمانية عشر؛ نقول: اضرب خمسة وثمانين في أربعة وعشرين ثم اقسمها على واحد وعشرين، هنا يطلع لك نصاب الذهب من عيار واحد وعشرين. وعيار ثمانية عشر: اضرب خمسة وثمانين في أربعة وعشرين ثم اقسمها على ثمانية عشر، فالناتج هو نصاب الذهب في عيار ثمانية عشر، وهكذا، فيتنبه لذلك.

قال: «الواجب ربع العشر منهما». أما كون الواجب في الفضة ربع العشر فهذا جاء في الصحيحين، وأما الذهب فجاء في حديث عائشة وابن عمر وغيرهما أن النبي ﷺ كان يأخذ من عشرين مثقالاً من الذهب نصف مثقال، ونصف المثقال يساوي ربع العشر.

قال: «ويضم الذهب إلى الفضة في تكميل النصاب». هذه المسألة الثانية، إذا أخذنا نصاب الذهب والفضة والواجب فيهما، فالمسألة الثالثة هي ضم أحد النقدين إلى الآخر، أو ضم عروض التجارة إلى أحد من النقدين في تكميل النصاب.

فالمؤلف رحمه الله تعالى يرى أنه يضم الذهب إلى الفضة في تكميل النصاب؛ بمعنى شخص عنده خمسة عشر مثقالاً من الذهب، وعنده مائة وثمانون درهماً من الفضة، لا هو بلغ نصاب الذهب ولا بلغ نصاب الفضة، فيقولون: يضم الذهب إلى الفضة في تكميل النصاب؛ لأنهم في حكم الجنس الواحد، لأن مقاصدهما متفقة، وزكاتهما متفقة، فواجب فيهما ربع العشر، فهما بمثابة الجنس الواحد، فيضم أحدهما إلى الآخر.

وذكر الفقهاء رحمهم الله تعالى أن الضم يكون بالأجزاء لا بالقيمة. كيف بالأجزاء لا بالقيمة؟ لو قلنا مثلاً عشرة مثاقيل ومائة درهم؛ فعشرة مثاقيل انسبها إلى النصاب فهي نصف نصاب، ومائة درهم انسبها إلى نصاب الفضة فهي نصف نصاب الفضة، فنصف زائد نصف يساوي واحداً.

فهذا هو مقصودهم بأن الضم يكون بالأجزاء، أي بنسبة كل منهما إلى نصابه، ولا يضم بالقيمة. فلو قلنا يضم بالقيمة لربما لم تجب الزكاة؛ وكذلك ذكروا أن قيمة العروض تضم إلى كل منهما، كشخص عنده عروض تجارة.

عروض تجارة، لكن لا يبلغ النصاب. سيأتينا في عروض التجارة أن نصابها يقوم بالأحظ للفقراء من الذهب أو الورق. فلو قلنا مثلاً عروض التجارة التي عنده بعد تصفية ما عليه من الديون لا تبلغ حتى 500 ريال، فالعروض هنا لا زكاة فيها. لكن يقول: عندي أموال خاصة ليست من التجارة، نقول تضمها إليها فتخرج زكاتها، وهذا مجمع عليه؛ ضم قيمة العروض إلى كل من النقدين، كما نقله الموفق ابن قدامة رحمه الله تعالى.

قال رحمه الله: «ويباح للذكر من الفضة الخاتم وقبيعة السيف وحلية المنطقة ونحوه. ومن الذهب قبيعة السيف وما دعت إليه ضرورة كأنف ونحوه. ويباح للنساء من الذهب والفضة ما جرت عادتهن بلبسه ولو كثر».

أحسنت، هنا ذكر المؤلف رحمه الله تعالى ما يباح للذكر والأنثى من لبس الذهب والفضة، وهذه مسألة لا علاقة لها بالزكاة، فالمؤلف رحمه الله تعالى ذكرها استطرادًا ليبني عليها ما بعدها؛ وهو زكاة الحلي المباح والمحرم. فهو سيذكر فيما بعد أن الحلي المباح لا زكاة فيه، وسيأتينا قيود له، وأن الحلي المحرم فيه الزكاة.

ما الحلي المباح وما الحلي المحرم؟ ذكره هنا استطرادًا ليبني عليه. قال: «يباح للذكر من الفضة...». إذاً عندنا النقدان الذهب والفضة، والأنثى يباح لها التحلي بما جرت العادة بلبسه ولو كثر؛ لأن الشارع أباح لهن التحلي ولم يحدهن بحد معين، فحدهن بشيء هذا فيه تحكم.

هذا بالنسبة للنساء، لكن الذكر ما الذي يباح له؟ ذكر المؤلف رحمه الله تعالى أنه يباح له من الفضة الخاتم، وهذا هو الشيء الوحيد الذي على المذهب أنه يجوز للذكر أن يتحلى به. أما قبيعة السيف وحلية المنطقة فهذه شيء لا يلبسه وإنما يستعمله، واللباس هو الخاتم فقط. قالوا: لأن الأصل منع الذكر من التحلي، فجاء النص بإباحة لبس الخاتم من الفضة لفعله ﷺ حيث اتخذ خاتمًا من ورق نقشه محمد رسول الله ﷺ. فقالوا لما كان كذلك أبحنا للذكر التحلي بالخاتم من الفضة ويبقى ما عداه على المنع، وهذا هو المذهب عندنا.

وهناك قول آخر في المذهب وهو أن الأصل في الفضة للذكر الإباحة، ولا يحرم منه إلا ما جاء الدليل بتحريمه؛ إما كان تشبهًا بالنساء أو تشبهًا بالكفار ونحو ذلك. ويقولون إن الأصل فيه الإباحة لأنه لم يأتِ دليل خاص بالمنع من لبس الفضة، وإنما الأصحاب أخذوه من أن الذي أبيح له التحلي بنصوص الشرع هي النساء، والذكر ليس من أهل التحلي؛ فلذلك يقتصر التحلي على ما جاء في النص، والذي جاء في النص هو الخاتم. وقلنا لكم القول الثاني: أنه يباح له لأن الأصل في الأشياء الإباحة ولا يمنع إلا ما جاء الدليل بمنعه، وهذا قول في المذهب وهو اختيار شيخ الإسلام رحمه الله تعالى.

قال: «وقبيعة السيف...». قبيعة السيف يعني المقبض، هذا يجوز أن يكون فضة ويجوز أن يكون ذهبًا كما سيذكر المؤلف رحمه الله تعالى، وهذا لأن قبيعة سيف رسول الله ﷺ كانت من الفضة كما ذكر ذلك أنس رضي الله تعالى عنه. وقال: «وحلية المنطقة»، والمنطقة هي الحزام الذي يجعل فيه النفقة، فيجوز أن يحليه بالفضة، وهذا ورد عن بعض الصحابة رضي الله تعالى عنهم أنهم يحلون مناطقهم بالفضة. أما الذهب فلا يجوز.

وقال: «ونحوه»، ونحو المنطقة كحلية الخوذة التي تلبس على الرأس ونحوه، فهذه تجوز أن تجعل من الفضة لأنها في معنى حلية المنطقة. والأصحاب قصروا جواز لبس الذكر واستعماله للفضة على ما ذكر هنا، والقول الثاني كما قلنا إن الأصل في الفضة الإباحة.

قال: «ومن الذهب...». يباح للذكر من الذهب قبيعة السيف؛ لفعل عمر رضي الله تعالى عنه وعثمان بن حنيف رضي الله تعالى عنه حيث كانت قبيعة سيف من الفضة، وورد أيضًا أن قبيعة سيف رسول الله ﷺ كانت من الفضة لكن الحديث الوارد المرفوع في ذلك ضعيف. وقيده الإمام أحمد رحمه الله تعالى باليسير، يعني لابد أن يكون يسيرًا.

وقال: «وما دعت إليه ضرورة كأنف ونحوه»، يعني هذا الشيء الثاني الذي يجوز للذكر أن يستعمله من الذهب وهو ما دعت إليه الضرورة كأنف ونحوه. وهم يستدلون بحديث عرفجة رضي الله تعالى عنه أنه قطع أنفه فاتخذ أنفًا من الفضة فأنتن، فأذن له النبي ﷺ أن يتخذ أنفًا من الذهب. وهذا ليس خاصًا بالأنف، لكن المؤلف ذكره مثالًا؛ فنقول: كل ما دعت الضرورة إلى استعمال الذهب فإنه يستعمل، وإلا فالأصل أنه لا يجوز للذكر استعمال الذهب، فالنبي ﷺ حرم استعمال الذهب على الذكور في عدة أحاديث، فلا يجوز للذكر استعمال الذهب إلا ما ورد النص باستعماله، وكذلك ما ورد فيه الضرورة، والضرورة تبيح المحظور. والنساء ذكرنا أنها ما جرت عادتها بلبسه فإنه يباح لها لبسه من الذهب أو الفضة.

قال رحمه الله: «ولا زكاة في حليهما المعد للاستعمال أو العارية، وإن أعد للكراء أو النفقة أو كان محرمًا ففيه الزكاة». هنا ذكر المؤلف رحمه الله تعالى مسألة زكاة الحلي، وهذه مسألة طويلة تكلم فيها الفقهاء رحمهم الله تعالى كثيرًا، خاصة المعاصرون، وفيها عدة بحوث.

الحلي الذي تلبسه المرأة سواء كان من الذهب أو الفضة، هل فيه الزكاة أم لا زكاة فيه؟ المؤلف رحمه الله تعالى ذكر أنه أحيانًا تجب فيه الزكاة وأحيانًا لا تجب. فيقول: لا تجب الزكاة في حلي النساء، ولا في حلي الذهب والفضة سواء كان لرجل أو امرأة، إذا أعد للاستعمال أو أعد للعارية؛ يعني امرأة عندها ذهب تستعمله في المناسبات، أو عندها ذهب تعيره لمن يحتاجه.

فيقولون هنا لا زكاة فيه. متى تجب فيه الزكاة؟ قالوا: تجب الزكاة في الحلي إذا أعد للكراء، أي للتأجير؛ فإذا كان عند المرأة حلي تؤجره لمن احتاج إليه، أو أعد للنفقة، كأن يكون عندها حلي لا تستعمله وتقول: إذا احتجت إلى سيولة أبيعه وأستعمل قيمته فيما أحتاج إليه.

أو كان محرماً، مثل الذهب للرجال، أو كان على شكل صليب، أو على شكل حيوان من ذوات الأرواح ونحوها، فالمهم أنه يكون حلياً محرماً، فالحلي المحرم هذا فيه الزكاة.

بعض المفتين أحياناً يفتي على حسب ما يسأل، فتجده لا يفصل لأنه يفتي حسب السؤال، فغالباً الأسئلة عن زكاة الحلي المستعمل. لكن إذا أردت التفصيل في المسألة فنقول: الحلي، هل فيه زكاة أو لا؟ الكلام على المذهب؛ نقول على المذهب إنه لا زكاة فيه إذا أعد للاستعمال أو للعارية، أما إذا أعد للكراء أي للتأجير، أو للنفقة، أو كان محرماً ففيه الزكاة.

والقول بأن الحلي المستعمل المعد للاستعمال لا زكاة فيه هو قول جمهور أهل العلم رحمهم الله تعالى، فهو قول المالكية والشافعية والحنابلة، ومأثور عن عدد من الصحابة رضي الله تعالى عنهم. قال الإمام أحمد: ورد عن خمسة من الصحابة أنهم لا يوجبون الزكاة في الحلي، وهم: أنس، وجابر، وابن عمر، وعائشة، وأسماء بنت أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنهم. ويستدلون على ذلك بأن هذه أقوال الصحابة، ومن أصل الإمام أحمد رحمه الله الاستدلال بأقوال الصحابة، وأيضاً يستدلون ببعض النصوص التي فيها أن الحلي ليس فيه زكاة، كحديث جابر رضي الله تعالى عنه، لكن هذا الحديث ضعيف عند الطبراني وغيره. والنصوص الواردة في إيجاب الزكاة في الحلي، أو في منعها، لا يصح منها شيء كما ذكره الترمذي وغيره رحمه الله.

قالوا: ولأنه غير معد للنماء، والزكاة تكون فيما أعد للنماء، وقالوا: لأن هذا مما تعم به البلوى، فهو منتشر عند النساء، والأصل أن ما تعم به البلوى لابد أن يبين بياناً عاماً. هذه مجمل أدلتهم أو أقوى أدلتهم في المسألة.

والقول الثاني في المسألة أن في الحلي المستعمل زكاة، وهذا مذهب أبي حنيفة رحمه الله، وهو رواية عن الإمام أحمد رحمه الله تعالى، وبه يفتي الشيخ بن باز رحمه الله والشيخ ابن عثيمين رحمهما الله تعالى. وكان القول بعدم الوجوب هو السائد في هذه البلاد، حتى أبرز القول الآخر الشيخ بن باز رحمه الله، وهو اختيار شيخ الإسلام رحمه الله وابن القيم، وإن كان يختلف عن المذهب نوعاً يسيرًا، لكن في الجملة قول شيخ الإسلام وابن القيم والجمهور على أنه ليس في الحلي المستعمل زكاة.

ويستدل أصحاب القول الثاني بالعمومات الواردة في إيجاب الزكاة في الذهب والفضة، قالوا: والحلي من الذهب، مثل قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ﴾، وحديث «ما من صاحب ذهب أو فضة»، فيقولون إن هذه تشمل الحلي. وأيضاً يستدلون بحديث صاحبة المسكتين، التي قال النبي ﷺ: «أتؤدين زكاتهما؟» قالت: لا، قال: «أيسرّك أن يسوّرك الله بهما سوارين من نار؟» أو قال: «هما حسبك من النار». وأيضاً حديث عائشة رضي الله تعالى عنها وهو نص في المسألة، حيث قال النبي ﷺ: «أتؤدين زكاته؟» قالت: لا، قال: «هما حسبك من النار». قالوا: فهذا دليل على وجوب الزكاة في الحلي وهما حلي مستعمل، لكن هذين الحديثين اختلف فيهما العلماء، فمنهم من صححهما ومنهم من ضعفهما، وهذه أقوى أدلتهم.

والشيخ الشنقيطي رحمه الله تعالى في أضواء البيان أطال في هذه المسألة، وذكر أدلة القولين وأنواع الأدلة وناقشها، وخلص إلى أن الأحوط إخراج الزكاة. إذن الحلي المستعمل أو العارية ذكرنا خلافاً فيه، أما الحلي المعد للإجارة أو للنفقة أو كان محرماً فهذا فيه الزكاة؛ قالوا: لأن هذا هو الأصل، وهو أن تجب الزكاة في الذهب، وإنما أخرج ما تقدم من المعد للاستعمال أو العارية لفعل الصحابة رضي الله تعالى عنهم. والحلي المحرم فيه الزكاة لأن وصف التحريم أزال سبب الرخصة، فهو إنما رخص له لأنه يستعمله استعمالاً مباحاً، فلما استعمله استعمالاً محرماً نقول: هذا وصف التحريم أزال سبب الرخصة، فعاد إلى الأصل وهو وجوب الزكاة.

الشيخ الشنقيطي في تفسيره لآية: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ﴾ ذكر أن ما عليه زكاة أصلاً، لكن الأحوط إخراجها، وإن كانت أدلة الجمهور يبدو أنها أقوى، لكن الأحوط إخراجها.

قال رحمه الله: باب زكاة العروض؛ إذا ملكها بفعله بنية التجارة وبلغت قيمتها نصاباً زكى قيمتها، فإن ملكها بإرث أو بفعله بغير نية التجارة ثم نواها لم تصر لها.

هنا ذكر المؤلف رحمه الله تعالى الصنف الرابع من الأموال الزكوية وهي عروض التجارة، وهي ما أعد للبيع والشراء لأجل الربح. وقد دل على وجوب زكاة العروض الكتاب والسنة وفعل الصحابة رضي الله تعالى عنهم. فمن الكتاب قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنفِقُوا مِن طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ﴾، ومن السنة حديث سمرة: «أمرنا رسول الله ﷺ أن نخرج الزكاة مما نعده للتجارة» أو «مما نعده للبيع»، وهذا حديث مختلف فيه في صحته وضعفه. لكن ورد عن الصحابة رضي الله تعالى عنهم كعمر رضي الله تعالى عنه أنه ألزم بأداء زكاة العروض، حيث قال لأحد التابعين: «قومها ثم أدي زكاتها». ونقل بعضهم الإجماع على وجوب الزكاة في العروض، وطبعاً الإجماع فيه خلاف حقيقة، لكن الخلاف شاذ، وهو قول عامة أهل العلم رحمهم الله تعالى.

قال المؤلف رحمه الله تعالى: «تجب زكاة العروض إذا ملكها بفعله بنية التجارة وبلغت قيمتها نصابًا». أما بلوغ النصاب فهذا شرط في كل الأموال الزكوية، لكن عندنا شرطان خاصان بزكاة العروض، وهما: أن يملك هذه العروض بفعله، أي باختياره؛ هذا لإخراج ما ملكها بغير اختياره، ملكًا قهريًا وهو الذي سيذكره المؤلف فيما بعد في قوله: «فإن ملكها بإرث».

فإذا ملكها بفعله، يعني باختياره، سواء ببيع أو بقبول هبة أو بمثل ذلك؛ كأن تملك امرأة عوض الصداق، فهذا كله ملك بالفعل. إذا ملكها بفعله بنية التجارة، والنية هذه قارنت التملك، وبلغت قيمة النصاب، هنا تجب الزكاة. مثلاً شخص اشترى سيارة، هنا إذاً ملكها بفعله، ونوى من حين أن يشتريها أن يتاجر في السيارات، يبيع ويشتري في السيارات، فهنا نقول ملكها بفعله بنية التجارة، وبلغت قيمة النصاب، هنا تزكى.

نذكر مثالاً لما لم تتوفر فيه الشروط: شخص ورث من أبيه مثلاً مزرعة، ثم نواها للتجارة. أو مثلاً ورث من أبيه سيارة، ثم نواها للتجارة، سيتاجر بالسيارات؛ فهنا ما الذي اختل؟ ملكها بغير إرادة، ليس باختياره، فهذه لا زكاة فيها إلا... سنذكر متى تؤدى الزكاة أو متى تجب فيها الزكاة.

شخص اشترى سيارة لأجل أن يستعملها، ثم نوى فيما بعد أن يتاجر في السيارات، يبيع ويشتري في السيارات؛ فهنا ما الذي اختل؟ نية التملك، ما نوى التجارة عند التملك. إذا توفر الشرطان: ملكها بفعله بنية التجارة، نقول خلاص الآن وجبت عليك الزكاة، وبلغت قيمتها النصاب، وجبت عليك الزكاة عند تمام الحول.

إذا اختل أحد الشرطين؛ ملكها بالإرث مثلاً ثم من حين ورثها نوى التجارة، أو ملكها بفعله لكنه لم ينو التجارة مباشرة، إنما نوى التجارة فيما بعد؛ فهنا يقول الفقهاء رحمهم الله تعالى إنه لا تصير للتجارة بمجرد النية، لا بد أن يحدث مع النية شيء. لا بد أن مثلًا من ملك سيارة بإرث ثم نوى التجارة، نقول: ليس من حين نويتها نبدأ باحتساب الحول، بل افعل شيئًا، مثلًا اعرض السيارة على الناس، أو انظر كم تسام السيارة، أعلن عن السيارة، هنا إذا اقترن بالنية فعل، نقول صارت للتجارة. وكذلك المثال الثاني، لو أنه اشتراها لمجرد القنية، ثم بعد ذلك نواها للتجارة فيما بعد، فنقول: مجرد النية لا ينقلها للتجارة، لا تجب فيها الزكاة إلا إذا فعل فعلًا، فعلًا مقارنًا للنية، يعني مع النية يفعل فعلًا.

قالوا: «بلغت قيمتها نصابًا»، وهذا قلنا إنه شرط في كل الأموال الزكوية. ذكر المؤلف أنه يزكي القيمة ولا يزكي العروض نفسها، يعني لا يخرج الزكاة من العروض. مثلاً شخص عنده محل يبيع أدوات غذائية، نقول: لا يجوز لك أن تخرج الزكاة من الأدوات الغذائية، تخرج الزكاة من قيمتها. قالوا: لأن القيمة هي محل الوجوب، لأن النصاب معتبر بالقيمة، ولا تجزئ من العروض لتعلق الزكاة بالقيمة. طبعًا هذا هو المذهب، وهو قول جمهور أهل العلم رحمهم الله تعالى، وهناك قول آخر في المذهب أنه يجزئ أن يخرج الزكاة من العروض، وهذا رواية في المذهب، قالوا: لأن هذا هو الأصل، أن يخرج الزكاة من المال نفسه.

قال: «فإن ملكها بإرث»، هنا سيذكر ما اختل فيه أحد الشرطين. ملكها بإرث هنا اختل الشرط الأول وهو أن يملكها بفعله، فهو ملكها بغير فعله، يعني بغير اختياره؛ لأن الإرث هذا قهري، ملك قهري، يدخل ملك الإنسان بغير اختياره. أو ملكها بفعله بغير نية التجارة، ملكها لنية القنية مثلاً، ثم نواها للتجارة، لم تصل لها بمجرد النية، لا بد أن تقرن بالنية فعل، فإذا مثلاً نواها، في واحد محرم نواها للتجارة لكن ما عرضها إلا مثلاً في واحد ربيع الأول، نقول: من واحد ربيع الأول تكون مالًا زكويًا، فاصبر سنة إلى أن يحول عليها الحول ثم تزكيها.

العلة في ذلك لماذا لابد أن تقترن بالفعل؟ هناك قاعدة وهي: أن الرجوع الشيء إلى أصله يكفي فيه النية، وخروج الشيء عن أصله لابد فيه مع النية من فعل. يعني مثلاً لو أتينا للصلاة، الآن الأصل الإقامة أو السفر؟ الإقامة. الشخص نوى أن يسافر ولم يسافر بعد، هل نقول بمجرد النية له أن يقصر؟ لا، فلا يقصر إلا إذا اقترن بالنية فعل، نوى ثم خرج، هنا يقصر؛ لأنه الآن خرج عن الأصل، فخروج عن الأصل لا تكفي فيه النية، لابد مع النية من فعل.

الزكاة هنا، الأصل في المال القنية وليست تجارة، فلا يكون للتجارة إلا إذا ملك بفعله بنية التجارة، هنا تملك بفعله ونوى التجارة فاقترنت النية بالفعل. لكن لو نواها للقنية ثم فيما بعد قال سأنويها للتجارة، نقول: الآن أنت نقلتها من الأصل إلى ما يخالف الأصل، فلا بد أن يقترن بالنية فعل. هذه القاعدة عندهم.

قال رحمه الله: «وتقوم عند الحول بالأحظ للفقراء من عين أو ورق، ولا يعتبر ما اشتريت به، وإن اشترى عرضًا بنصاب من أثمان أو عروض بنى على حوله، فإن اشتراه بسائمة لم يبن». هنا ذكر المؤلف رحمه الله تعالى بما تقيم أو بما تقوم العروض، قال: «تقوم بالأحظ للفقراء من عين» يعني من ذهب، «أو ورق» يعني من فضة. قال: لأن هذا هو الأحوط وفيه الحظ للفقراء، لأنه هو المتيقن، أنك تخرج الزكاة وتنظر لمصلحة الفقير.

فلو مثلًا عندنا الآن أردنا أن نقوم الذهب، كم يساوي نصاب الذهب بالريال؟ طبعًا إذا أردت أن تقوم تنظر في يوم وجوب الزكاة كم يساوي جرام الذهب، لو قلنا مثلًا 150 ريالًا لجرام الذهب، أضرب 150 في 85، هذا يطلع نصاب الذهب، يعني يمكن يطلع 12000 أو يزيد قليلًا.

نصاب الفضة 595، اضربها في سعر الجرام. سعر الفضة ترى يمكن يساوي ريالين أو ثلاثة ريال. نصاب 595 تضربها بثلاثة ريال مثلًا، يساوي تقريبًا 1700 وكسور. هذا الفرق شاسع بين 1700 وبين 12000 وكسور، فالأحوط للفقراء تقديرها بالفضة. لكن لو جاء وقت وكانت الفضة كاسدة والذهب هو الغالي، فنقول يقومها بالذهب، إذًا التقويم عند الحول يكون بالأحوط للفقراء.

قال: ولا يعتبر ما اشتريت به، يعني إذا جاء يقومها بسعر يومها. لا يقول أنا اشتريتها مثلًا هذه السلعة التي في المحل اشتريتها بـ 50000، إذًا نساوي زكاتها بـ 50000، لا. نقول لو بعتها اليوم كم بتبيعها؟ سعر السوق هذا اليوم كم بتبيعها؟ الحين يكون 40000 أو يكون 60000. أرض مثلًا اشتراها بـ 200000، في واحد محرم عام 38، جاء في محرم عام 39، كم قيمتها؟ قد تكون ثبتت، قد تكون أقل، قد تكون أكثر؛ فأنت لا تنظر القيمة التي اشتريتها بها، لكن انظر قيمتها وقت وجوب الزكاة.

هنا ذكر المؤلف رحمه الله تعالى متى يبدأ الحول؟ نقول يقوم عند الحول. يشترط في زكاة عروض التجارة حولان الحول. متى يبدأ الحول؟ سنخالف ترتيب المؤلف؛ نقول هذا عرض التجارة الذي اشتراه إذا اشتراه بنية التجارة، يعني من حين اشتراه ناويًا به التجارة، فحوله حول المال الأصلي. فنقول شخص مثلًا زكاته كل سنة في رمضان، جاء في ذي الحجة واشترى من المال الذي عنده شيئًا للتجارة، أو فتح محلًا تجاريًا في ذي الحجة، متى يؤدي زكاته؟ في رمضان. لماذا؟ لأن الذي اشترى عرضًا بنصاب من أثمان أو عروض بنى على حوله؛ فهو اشترى عرضًا بنصاب من أثمان، اللي هي الذهب والفضة، أو بنصاب من عروض أخرى، فإنه يبني على حوله. فيقولون الذهب والفضة والعروض هذه في حكم الجنس الواحد. هذا إذا اشتراه بنية التجارة من حين اشتراه ناويًا به التجارة.

طيب إذا اشتراه للقنية، اشتراه للقنية مثلًا في واحد محرم، ثم في واحد ربيع الأول نواه للتجارة، وفعل مثلًا عرض السيارة على المعارض ليشاهد كم قيمتها، فنقول يبدأ الحول من حين النية المقترنة بالفعل، ولا يبدأ الحول من حين الشراء ولا من حين تملك المال الأصلي. فنقول طبعًا إذا أراد أن يقدمه ما في إشكال، لكن الواجب فيه أن يؤدي زكاته إذا حال عليها الحول.

لو أنه أبدل السائمة بعروض؛ السائمة يعني مثلًا عنده إبل تسوم في المرعى، وتبادل هو وشخص بـ مثلًا سيارات هو اشتراها لكي يتاجر فيها، وهذا أخذ السائمة، فهل يبني على حول السائمة أو لا؟ لا يبني؛ لاختلاف الجنس، فجنسهما مختلف فلا يبني، يكون حولها مستقلًا. وهذه سبق وتكلمنا عنها لما تكلمنا عن إبراهيم عليه السلام أنه أبدل نصابًا بعروض ونحوه، فذكرنا أن الإبدال إذا كان من جنس المال أو في حكمه فإنه يكمل الحول، وإذا كان من غير جنسه ولا حكمه فإنه يستأنف حولًا جديدًا.

قالوا لأنه الأحوط، وهناك قول آخر في النظر إلى حظ الغني؛ قالوا لوجود بعض النصوص التي نظرت إلى حظ الغني مثل قوله صلى الله عليه وسلم: «وإياك وكرائم أموالهم». فقالوا ننظر إلى حظ الغني، هذا قول في المسألة، لكن المذهب عندنا وهو المفتى به عند مشايخنا أنه ينظر إلى حظ الفقير لأنه الأحوط.

لو شخص عنده محل يبيع فيه أجهزة، والمحل يقوم بـ 500,000، لكن المحل فيه بضائع اشتراها من الموزع نفسه بالآجل، وأيضًا التي لا تمشي في المحل يرجعها للموزع، كيف نحسب الزكاة؟ هنا عنده شيء له وشيء عليه. اللي له السلعة كلها له إذا زكى صاحب المحل، ولكن عنده ديون وهي الآجال. فعلى الخلاف السابق الذي ذكرناه في الدين، هل يخصم أو لا يخصم؟ أو يخصم إذا كان حالًا؟ فنقول على المذهب عندنا أنه يخصم مطلقًا، فيخصم الآجال هذه. يعني يقوم أول شيء قيمة السلع هذه التي يبيعها، لو قلنا مثلًا قيمتها 500,000، والديون التي عليه لو قلنا أنها 100,000، فإنه يزكي 400,000. والأشياء التي يرجعها للموزع ولم يرجعها إلى الآن هي في ملكه، يزكيها.

قال رحمه الله: بس في المحلات عندنا المحل يشتمل على أشياء تباع وأشياء لا تباع. يعني مثلًا عنده جهاز الحاسب الذي تطلع منه الفواتير هذا ما يباع، وعنده مثلًا ثلاجات هذه لا تباع؛ فنقول الذي يزكي الذي يقيمه هو الأشياء التي تباع. الأشياء التي لا تباع، مثلًا عنده مكيف في المحل، أو جهاز الحاسب، أو مكتب في المحل، ونحو هذه التي لا تباع، هذه لا يقيمها، إنما يقيم فقط التي تباع.

قال رحمه الله: باب زكاة الفطر. تجب على كل مسلم فضل له يوم العيد وليلته صاع عن قوته وقوت عياله وحوائجه الأصلية. ولا يمنعها الدين إلا بطلبه، فيخرج عن نفسه، ومسلم يموله ولو في شهر رمضان، فإن عجز عن البعض بدأ بنفسه فامرأته فربيبه فأمه فأبيه فولده فأقرب في ميراث. والعبد بين شركاء عليه صاع، ويستحب عن الجنين، ولا تجب لناشز. ومن لزم غيره فطرته فأخرج عن نفسه بغير إذنه أجزأت.

هنا انتقل المؤلف رحمه الله تعالى إلى صنف آخر من أصناف الزكاة وهي الزكاة المتعلقة بالبدن. عندنا الأنواع الماضية الزكاة متعلقة بالمال، هذه زكاة متعلقة بالبدن، فهي عن كل نفس، وتتبع الشخص في المكان؛ يعني أين يخرجها؟ في المكان الذي هو فيه، أما زكاة المال فإن الأفضل إخراجها في المكان الذي يوجد فيه ماله.

قال زكاة الفطر؛ ما هي التي تشرع بسبب الفطر من رمضان؟ قال: تجب على كل مسلم، إذًا هي واجبة. قول ابن عمر: «فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم زكاة الفطر من رمضان». تجب على كل مسلم، إذًا القيد الأول أنه يكون مسلمًا، والقيد الثاني أن يفضل له يوم العيد وليلته صاع عن قوته وقوت عياله وحوائجه الأصلية؛ إذًا هذا هو حد الغني في زكاة الفطر.

وغير حد الغنى في زكاة المال، حد الغنى في زكاة الفطر هو من يفضل له يوم العيد وليلته صاع عن قوته وقوت عياله، فهذا تجب عليه الزكاة. فإذا كان مثلاً قوته وقوت عياله يوم العيد وليلته يكفيهم ثلاثة أصواع من الطعام، وهو عنده خمسة أصواع، أو عنده عشرة أصواع، فهنا فضل له أكثر من صاع، فتجب عليه زكاة الفطر عن قوته، ولا بد أن يراعي قوته وقوت عياله ممن تلزمه نفقته وحوائجه الأصلية.

لو كان شخص ما عنده صاع زائد، لكن عنده أشياء يستطيع أن يبيعها ويشتري طعاماً زائداً، فنقول نعم يبيعها. لكن إذا قال هذه حوائج أصلية، كأن يكون عنده سيارة أو ملابس يحتاجها، فهذه نقول لا يبيعها لأن هذه حوائج أصلية. وقد ذكروا من ضمن الحوائج الأصلية كتب العلم، فإنه لا يبيعها، لكن شخص عنده نسختان من كتاب، فنقول النسخة الثانية زائدة عن الحاجة فتباع، وكذلك ملابس أكثر من حاجته، فيبيع ما زاد عن حاجته ويشتري به طعاماً لكي يتصدق به زكاة الفطر.

قال: «ولا يمنعها الدين إلا بطلبه». في زكاة المال تقدم أنه يمنعها الدين على المذهب، أما هنا في زكاة الفطر لأنها متعلقة بالبدن، قالوا لا يمنعها الدين إلا بطلبه، يعني إلا إذا كان الدائن يطالب المدين الآن، فيقول سدد لي ديني، فهنا نقول: إذاً سدده ثم تصدق؛ إذا وجدت شيئاً فائضاً. وقالوا فإذا طلبه يقدم الدين؛ لأن الزكاة واجبة مواساة، وقضاء الدين أهم؛ لأن حقوق العباد مبنية على المشاحة.

قال: «فيخرج عن نفسه ومسلم يمون ولو شهر رمضان». ذكر المؤلف رحمه الله تعالى ما الواجب على الشخص أن يخرجها، هل يخرج عن نفسه فقط؟ لا، يقول: يخرج عن نفسه وعمن يمون، يعني من تلزمه نفقته ومن ينفق عليهم، ويستدلون بحديث: «أدوا الفطرة عمن تمونون»، وهذا حديث فيه ضعف، لكن ورد عن بعض الصحابة كابن عمر رضي الله تعالى عنه، حيث يخرج زكاة الفطر عن نفسه وعن عياله، وهي متوجهة الوجوب على الكل، يعني على الأب وأولاده، لكن الأب متوجه عليه أن يتحمل الزكاة عن عمن تحت يده ممن ينفق عليهم، وإلا فهي متوجهة على الكل أصالة، وعلى الأب تحملاً عنه.

قال: «وعن مسلم يمون ولو شهر رمضان»، يعني لو كان شخص تبرع بنفقة شخص، كأن يكون عنده يتيم كفله وأتى به في البيت وينفق عليه من مما ينفق على أولاده، فهنا تحقق فيه أنه يمون، قالوا إذا كان يمون شهر رمضان فإنه يخرج الزكاة عنه، أما إذا كان يمون جزءاً من الشهر فإنه لا تلزمه زكاته، وإن أخرجها وتطوع بها فلا بأس.

قال: «فإن عجز عن البعض بدأ بنفسه». هنا يقول هو واجب عليه أن يخرج عن نفسه وعمن يمون، فإذا عجز عن البعض لا يخرج ما يستطيع أن يخرج عن الكل، بل يبدأ بالترتيب: فالأولى نفسه، ثم بمن، ثم امرأته، فامرأته تقدم على غيرها لأن نفقة المرأة واجبة مطلقاً سواء كان موسراً أو معسراً، ثم رقيقه أيضاً لوجوب نفقته على سيده، ثم أمه، لأنها أحق بالبر، وهذه نفقة وإحسان، والإحسان على الأم مقدم على الإحسان على الأب، ثم الأب، ثم الولد؛ لأنه أقرب من غيره، ثم عاد الأقرب في ميراثه.

قال: «والعبد بين شركاء عليهم»، يعني عبد يملكه مجموعة من الشركاء، بين ثلاثة أو بين اثنين، فهؤلاء كل شخص يخرج جزءاً من الصاع، أن يشتركوا في إخراج صاع عن هذا العبد. قال: «وتستحب»، ويستحب إخراجها عن الجنين، مستحب إخراجها عن الجنين لفعل عثمان رضي الله تعالى عنه، حيث روي أنه أخرج عن الجنين، وقيده بعض العلماء من الأصحاب بما إذا كان قد نفخت فيه الروح؛ لأنه يكون هنا إنساناً، أما قبل نفخ الروح فإنه لا يكون إنساناً، وهذا قيده بعض الحنابلة رحمه الله تعالى، وهو الذي اختاره شيخنا ابن عثيمين رحمه الله.

قال: «ولا تجب لناشز»، والناشز هي المرأة التي عصت زوجها وترفعت عليه، فلا تلزمه نفقتها حال نشوزها، تسقط نفقتها حال النشوز كما سيأتينا إن شاء الله في باب النكاح، فهنا إذا كانت ناشزاً فإنه لا يلزمه أن يخرج عنها زكاة الفطر؛ لأن زكاة الفطر تابعة للنفقة، وهو لا تلزمه نفقتها.

قال: «ومن لزم غيره فطرته فأخرج عن نفسه بغير إذنه أجزأت»، يعني شخص مثل ابن تلزمه الزكاة على أبيه، فقال: سأخرجها عن نفسي، فأخرجها عن نفسه بغير أن يستأذن أبيه، قال: تجزئ؛ لماذا؟ لأنها متوجهة عليه أصالة، وإنما توجهت على الأب تحملاً، فهو أخرجها لنفسه فإنها تجزئ.

قال رحمه الله: «وتجب بغروب الشمس ليلة الفطر، فمن أسلم بعده أو ملك عبداً أو زوجة أو ولداً لم تلزمه فطرته، وقبله تلزم، ويجوز إخراجها قبل العيد بيومين فقط، ويوم العيد قبل الصلاة أفضل، وتكره في باقيه، ويقضيها بعد يومها آثماً».

ذكر المؤلف رحمه الله تعالى وقت الوجوب، ووقت الاستحباب، ووقت الكراهة، ووقت التحريم. قال: وقت الوجوب بغروب شمس ليلة الفطر، عن غروب شمس آخر يوم من رمضان، فإذا غربت آخر شمس آخر يوم من رمضان هنا دخل وقت الوجوب. وما الدليل على ذلك؟ قالوا: لأن الزكاة وجبت بسبب الفطر، وأول وقت يحصل به الفطر من جميع رمضان هو غروب الشمس ليلة العيد، فقالوا: هذا هو وقت الوجوب.

ما الذي يترتب على ذلك؟ قالوا: يترتب على ذلك أن من كان واجب أن يتحقق فيه شرط الوجوب، الذي هو الإسلام والغنى (الذي هو يفضل له يوم وليلته صاع)، يتحقق فيه الشرطان في وقت الوجوب، فإنها...

فإنها تلزمه، لم يتحقق فيه الشرطان في وقت الوجوب، وإنما تحقق فيما بعد، فإنها لا تلزمه.

مثلاً: شخص من فقراء الناس، بدأ الناس يتصدقون عليه بصدقة الفطر قبل العيد بيوم أو يومين، ثم يوم غربت الشمس ليلة العيد أثر عنده مثلاً عشرون صاعاً من الرز. أقول هنا: الآن فضل له يوم العيد وليلته صاع، وقلنا قبل العيد بيوم أو يومين ما كان عنده شيء، فنقول هذا تجب عليه زكاة الفطر.

شخص أسلم قبيل غروب الشمس ليلة العيد، فإنه تجب عليه زكاة الفطر، أما إذا أسلم بعد الغروب فلا تجب عليه الزكاة. وشخص ولد له قبل الغروب يجب أن يخرج عنه الزكاة، وولد له بعد الغروب لا يجب، لكن يستحب لأنه كان جنيناً، لكن لا يجب. فشخص تزوج، عقد على امرأة أو دخل بزوجته قبل الغروب، فهنا تجب، دخل بها بعد الغروب لا تجب عليه، وتجب على من كان يعول زوجته، فهذا هو السبب أو ثمرة التحديد بالغروب. ومن مات قبل الغروب فلا تجب، ومن مات بعد الغروب تجب.

قال: «ويجوز إخراجها قبل العيد بيومين فقط»، هذا وقت الجواز، وقت الجواز قبل العيد بيوم أو يومين، لأنه يجوز إخراجها مثلاً يوم 30، يوم 29، يوم 28، لو افترضنا أن رمضان لم يتم، لحديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما، ومن فعل الصحابة أنهم كانوا يخرجونها قبل العيد بيوم أو يومين، وجاء في بعض الروايات أو ثلاثة أيام، لكن المعتمد عند الأصحاب أنه يومان.

قال: «ويوم العيد قبل الصلاة أفضل»، يوم العيد قبل الصلاة أفضل لحديث ابن عمر، كانوا يؤدونها قبل العيد، يوم العيد قبل الصلاة. قال: «وتكره في باقيه»، يعني بعد صلاة العيد فهي مكروهة، قالوا لأن النبي ﷺ قال: «من أداها قبل الصلاة فهي زكاة مقبولة، ومن أداها بعد الصلاة إنما هي صدقة من الصدقات». فكونه فرق بينهما دل على أنها مكروهة.

قال: «ويقضيها بعد يومه آثماً»، يعني لو ما أخرجها يوم العيد متعمداً فإنه يأثم لمخالفته ما جاء في الحديث: «أغنوهم عن السؤال في هذا اليوم». وفي الحديث: «طهرة للصائم، فرض رسول الله ﷺ زكاة الفطر طهرة للصائم وطعمة للمساكين». قال: «ويقضيها كسائر الديون»، لأنها دين في ذمته فيقضيها، وهذا قول عامة أهل العلم رحمهم الله تعالى أنها تقضى بعد يوم العيد.

بسم الله الرحمن الرحيم. قال رحمه الله: فصل في قدر الواجب ونوعه ومستحقه وما يتعلق بذلك. «ويجب صاع من بر أو شعير أو دقيقهما أو سويقهما أو تمر أو زبيب أو أقط. فإن عدمت الخمسة أجزأ كل حب وثمر يقتات لا معيب ولا خبز. ويجوز أن يعطي الجماعة ما يلزم الواحد وعكسه».

أحسنت، هنا ذكر المؤلف قدر الواجب في زكاة الفطر ومما تخرج، فالقدر الواجب صاع كما جاء في حديث أبي سعيد وغيره، أنهم كانوا يخرجونها صاعاً من طعام أو صاعاً من أقط. قال: «صاع»، ثم ذكر مما تخرج: بر، شعير، أو دقيق وسويق، أي دقيق البر وبعض الشعير، أو دقيق الشعير وسويق البر وسويق الشعير، أو تمر، أو زبيب، أو أقط. هذه الأصناف الخمسة وردت في حديث أبي سعيد.

المذهب عندنا أنه لا بد أن يخرج من أحد هذه الخمسة، ولا يعدل عنها إلا إذا عدمت، لذلك قال المؤلف رحمه الله: «فإن عدمت الخمسة أجزأ كل حب وثمر يقتات»، فيقولون لا يعدل عن الخمسة إلا إذا عدمت، لأنها منصوص عليها، والعدول عنها عدول عن المنصوص. والقول الثاني في المسألة وعليه العمل، أنه يعدل عنها إلى غالب قوت البلد، يعني لو كان قوت البلد من غير هذه الخمسة فإنه يخرج منها، قالوا لأن النبي ﷺ فرض صاعاً من طعام، وقوله «من طعام»؛ فقد فسرها الفقهاء بالبر، ومن العلماء من فسره بأنه طعام أهل البلد مما يقتاتون منه، وهذا هو قول أكثر أهل العلم رحمهم الله تعالى، أنه يخرج من قوت البلد ولو وجدت هذه الخمسة، وعليه العمل.

قال: «أجزأ كل حب وثمر يقتات، لا معيب ولا خبز»، يعني لا يجوز أن يخرج شيئاً معيباً لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَتَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ﴾ [البقرة: 267]، ولا يخرج الخبز لأنه ليس قوتاً.

قال: «ويجوز أن يعطي الجماعة ما يلزم الواحد وعكسه»، يعني عندنا المخرج صاع، وهذا الصاع يجوز أن يقسمه على الجماعة، فيعطي هؤلاء نصف صاع أو ربع صاع وهكذا، المهم أن يكتمل عنه صاع. ويجوز أن يعطي الواحد عدة أصواع، يعني مثلاً هو وأهل بيته خمسة أشخاص، يروح يتصدق على فقير واحد بخمسة أصواع، فلا يلزم أن يعطي لكل فقير صاعاً واحداً.

وذكر بعض أهل العلم رحمهم الله تعالى أن الواجب في الإطعام، كالكفارات ونحوها وزكاة الفطر، أنه يختلف باختلاف الصنف، فهي على ثلاثة أصناف: أحياناً يقدر الدافع والمدفوع إليه، وهذا في فدية الأذى، فقد قدرت بالإطعام ستة مساكين، كم يعطي كل مسكين؟ نصف صاع، إذاً قدر المدفوع هو نصف صاع لكل مسكين وقدر عدد المساكين ستة مساكين، فلا يقول سأعطي الثلاثة أصواع لمسكين واحد، بل لابد أن يعطيها ستة مساكين.

هذا صنف، وأحياناً يقدر المدفوع دون المدفوع إليه، كما في زكاة الفطر، فقدّر مدفوع صاع ولم يقدّر مدفوع إليه، فأنت بالخيار تعطيه الصاع لشخص واحد، أو تقسمه بين عدة أشخاص، أو تعطيه لشخص واحد أكثر من صاع. وأحياناً يقدر المدفوع إليه دون المدفوع، مثل إطعام ستين مسكيناً في كفارة الظهار أو كفارة القاتل أو كفارة الجماع في نهار رمضان، أو إطعام عشرة مساكين في كفارة اليمين، فهذا قدّر المدفوع إليه ولم يقدّر المدفوع. والحنابلة عندنا أنه إذا لم يقدّر المدفوع يقولون يدفع نصف صاع من غير البر أو...

مدّ من البر، يعني ربع صاع، أو مدّ من البر أو نصف صاع من غيره، هذه القاعدة عندهم. ومن الفقهاء رحمهم الله تعالى من قال إنه لا يقدّر بشيء، وإنما يدفع ما يشبع المسكين الواحد، أو ما يكفي المسكين الواحد؛ فهما قولان لأهل العلم رحمهم الله تعالى.

ما هي الأصناف في الإطعام أو الواجب بالإطعام؟ أحياناً يقدّر المدفوع والمدفوع إليه كما في فدية الأذى، وأحياناً تتقيّد بالمدفوع والمدفوع إليه، وأحياناً يقدّر المدفوع دون المدفوع إليه كما في زكاة الفطر، فتتقيّد بالمدفوع ولا تتقيّد بالمدفوع إليه. وأحياناً يقدّر المدفوع إليه دون المدفوع، فتتقيّد بالمدفوع إليه، لابد أن تكمل ستة مساكين، تكمل عدد مساكين، لكن لا تكرر على مسكين واحد عدة إطعام، بل لا تتقيد بالمدفوع، المدفوع حسب ما يشبع، أو على القول الثاني أنه المدفوع نصف صاع من غير البر أو مد من البر، والله تعالى أعلم، وصلى الله وسلم على محمد.

شيخنا أحسن الله إليك، زكاة الفطر أحياناً بعض الأشخاص يخرجها إلى قريب له يقول أخرجها عني، فيذهب العيد وهم لا يوكل. لكن هذا الوكيل ما أخرجها لسبب من الأسباب، هل تجزئ؟ إنا نسينا أنه إذا لم يخرجها يوم العيد نسياناً، سواء هو نسي أو وكل أحداً ونسي هذا الشخص، فنقول يقضيها بعد يوم العيد ولا يأثم. قول المؤلف يقضيها بعد يومه آثماً، هذا إذا أخرها متعمداً، لكن إذا أخرها نسياناً فيقضيها متى ما ذكرها ولا يأثم عليه، وتجزئه.

شيخنا، زكاة الفطر في الخادم الذي يعمل في البيت، هل تجب عليه؟ هل يلزمه نفقته؟ هي تأكل وتشرب، لكن لو قال: أنا كيف أعطيك راتب الآن؟ أنا ما أعطيك راتب لكن الأكل والشرب أنت تتصرف، قال: لا يأثم بذلك. إذاً لا تلزمه نفقتها، وعلى المذهب إذا تبرع بنفقتها طيلة الشهر فإنه يخرج زكاتها، لكن لو لم يتبرع بنفقتها وقال: أنا ما عندي إلا الأجرة، في عندك غرفة كذا لكن الأكل والشرب أنت تتصرفين به، عندك أموال واشتري بها، فهنا لا تلزمه نفقة.

زكاة الفطر إن أخرجها من عنده إحساناً فما في إشكال، لكن إن قال لا، فليس له وجه، ولا يأثم بذلك. في حال إخراجها يا شيخ هل يستأذن منها؟ إذا كان سيخرجها وهي لا تلزمه نعم يستأذنها؛ لأن الوجوب متوجه إليه، فيخبرها أنه سيخرجها.

السنة الجاية إن شاء الله أطلب يا شيخ أمر الحج. أنتم قد يكون اثنين أو قد يكون ثلاثة، ما في مشكلة ثلاثة.