دخولتسجيل الدخول

الدرس الثلاثون كتاب الصيام شرح فضيلة الشيخ /عبد الله بن عبد الرحمن الميمان حفظه الله.

عبدالله بن عبدالرحمن الميمانالشيخ عبدالله بن عبدالرحمن الميمان
  • مدة الدرس:
  • قراءة

معنى ذلك أن الذي لا يتعلم ولا يتلقى ما أراد الله به خيراً، فقدر له التضييق، ففسروه بالتضييق، ضيقوا عليه. لأنه إجماع من الأصحاب، وإلا ذكرنا من اختار القول الثاني، قالوا أقدروا له، يعني بتسعة وثلاثين، بدليل ما فسر به الروايات الأخرى فأكملت عدة ثلاثين.

في المفطرات، ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المفطرات، وقلنا إنها سبع، وهي: الأكل، والشرب، والجماع، والصيام، والسعوط وما ألحق به، وهذا قلنا إيصال شيء إلى الجوف عن طريق منفذ. والجماع، والاستقاء، والحجامة، والاستمناء. وقلنا الجوف المقصود به في هذا المذهب الشيء المجوف، وهذا يشمل الدماغ، والحلق، والمعدة، والأمعاء، كل هذه يشملها أنها مجوفة.

نقرأ حفظكم: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد عليه وعلى آله وأصحابه أفضل الصلاة وأتم التسليم، ثم أما بعد. اللهم اغفر لشيخنا وللحاضرين. فصل فيما يتعلق بالجماع في نهار رمضان. ومن جامع في نهار رمضان في قبل أو دبر فعليه القضاء والكفارة. وإن جامع دون الفرج فأنزل، أو كانت المرأة معذورة، أو كان من نوى الصوم في سفره أفطر ولا كفارة.

أحسنتم. هنا ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المفطر السابع والأخير من المفطرات، وهو الجماع، وإنما عقد له المؤلف رحمه الله تعالى فصلاً مستقلاً، وهو صنيع الأصحاب رحمهم الله تعالى لاختصاصه ببعض الأحكام. فهو انفرد بأنه تجب به كفارة مع القضاء. والأمر الثاني أن الأصحاب رحمهم الله تعالى يشددون فيه، فلا يعذرون فيه بالنسيان والإكراه في جانب الرجل، أما سائر المفطرات غير الجماع فإنهم يعذرون فيها بالنسيان والإكراه كما تقدم في الفصل الماضي.

قال المؤلف رحمه الله تعالى: «ومن جامع في نهار رمضان في قبل أو دبر فعليه القضاء والكفارة». هنا ذكر المؤلف رحمه الله تعالى أن من جامع، والجماع المقصود به الجماع التام والإيلاج في الفرج، ويكون الجماع في نهار رمضان، فإيجاب الكفارة خاص بالجماع في نهار رمضان. فلو جامع في يوم غير رمضان لكنه يصوم قضاءً فلا كفارة عليه، عليه القضاء بدون كفارة. وكذا لو جامع في صوم تطوع فلا كفارة عليه، لأن الكفارة مختصة بالجماع التام، وأن يكون في نهار رمضان.

وهناك قيد ثالث أن يكون هذا الشخص ممن يلزمه الإمساك. فلو كان مثلاً شخص سافر إلى مكة، سيجلس فيها يومين ويرجع، وفي أحد اليومين جامع زوجته وهو صائم، فنقول عليه القضاء ولا كفارة، لأنه لا يلزمه الإمساك، فهو مسافر يباح له ويستحب له الفطر على المذهب. فيقولون إذا جامع فإنه لا تلزمه الكفارة وإنما يلزمه قضاء فقط.

إذاً متى تجب الكفارة بالجماع؟ أو متى تجب الكفارة على من أفسد صيامه؟ نقول يتحقق ثلاثة أوصاف: الوصف الأول إذا كان جماعاً تاماً، والثاني إذا كان في نهار رمضان، طبعاً ليس في صوم قضاء ولا تطوع ولا نذر ولا كفارة، والثالث إذا كان ممن يلزمه الإمساك.

قال: «في قبل أو دبر»، يعني سواء كان جماعاً مباحاً أو جماعاً محرماً، زنا أو لواط، فإنه يلزمه القضاء؛ لأنه أفسد الصوم. والجماع من المفطرات بالكتاب والسنة والإجماع. أما الكتاب فقوله تعالى: ﴿فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ ۚ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ۖ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ [البقرة: 187]. فقوله «حتى» هذا للغاية، وما بعد الغاية مخالف لما قبله، فلما أبيح له قبل الغاية الأكل والشرب والجماع، دل على أنه بعد الغاية لا يجوز له الأكل والشرب ولا الجماع. وأما في السنة فأحاديث كثيرة، منها أحاديث المجامع في نهار رمضان، ومنها قول النبي ﷺ: «يدع طعامه وشرابه وشهوته من أجلي». وأما من يجامع فالعلماء رحمهم الله تعالى مجمعون على أن الجماع من مفطرات الصيام التي وقع عليها الإجماع.

من المفطرات ثلاث وهي أصول المفطرات: الأكل، والشرب، والجماع، أما ما سواه فهذا فيها خلاف. ويكون ذلك قضاءً والكفارة لانتهاك الزمن الفاضل، وقد جاء ذكر الكفارة في حديث الأعرابي الذي جامع امرأته في نهار رمضان، فجاء لسيدنا النبي ﷺ فأرشده النبي ﷺ إلى الكفارة.

ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى مسائل لا يجب فيها الكفارة، قال: «إن جامع دون الفرج فأنزل»، فهنا ما الذي اختل فيه؟ ليس في جماع تام، جامع دون الفرج فأنزل، فهذا ليس جماعاً تاماً، فنقول هنا يجب القضاء فقط دون الكفارة؛ لأنه أخرج منياً دون الكفارة لأنه ليس جماعاً تاماً.

قال: «أو كانت المرأة معذورة»، بجهل أو نسيان أو إكراه، فإنه عليها القضاء وليس عليها كفارة؛ القضاء لحصول الفطر بالجماع، وأما الكفارة فلا تلزمها لكونها معذورة، إما أنها مكرهة من الزوج عليها، أو أنها ناسية، أو أنها تجهل حكم ذلك. والفقهاء رحمهم الله تعالى يعذرون المرأة ولا يعذرون الرجل؛ إذ قال: «أو كانت المرأة معذورة»، لم يقل «أو كان معذوراً»، فتخصيصه بالمرأة يدل على أن الرجل ليس معذوراً بالجماع في نهار رمضان، فيقولون لا يعذر بالجهل ولا بالنسيان ولا بالإكراه. لماذا؟ يقولون لأن الأعرابي لما سأل النبي ﷺ لم يستفصل منه، هل هو جاهل؟ هل هو ناسٍ؟ هل هو مكره؟ ما استفصل منه، وقالوا ترك الاستفصال في مقام الاحتمال ينزل منزلة العموم في المقام.

ومن الفقهاء رحمهم الله تعالى من قال لا فرق بين الرجل والمرأة في الجماع في العذر بالنسيان والجهل والإكراه، قالوا لعموم النصوص في العذر بالجهل والنسيان والإكراه، ولم تفرق جماعاً عن غيره، وقالوا تفريقكم بين الرجل والمرأة تفريق بين المتماثلات. وأما أن النبي ﷺ لم يستفصل منه، فقد يكون النبي ﷺ علم من حاله أنه عالم وليس مكرهاً وليس ناسياً، ولذلك هو نفسه قال: «هلكت»، وقال: «جامعت امرأتي في نهار رمضان»، هذا يدل على أنه يعلم التحريم. وفي حديث الأعرابي دليل على أن ما يترتب على المحرم.

الأمر المترتب على المحرم يلزم فاعله وإن كان يجهله. عندنا جهل بالحكم وجهل بما يترتب على الحكم؛ فلو كان يجهل أن الجماع في نهار رمضان مفطر، نقول على القول الثاني طبعًا أنه يعذر بجهله. لكن لو كان يعلم أنه مفطر ولكن ما علم بالكفارة، نقول لا يعذر بجهله؛ لأن النبي ﷺ لم يعذر هذا الجاهل، فهذا الأعرابي ما كان يعلم، فالنبي ﷺ علمه ما يترتب عليه ولم يعذره بجهله.

وهكذا لو أن شخصًا مثلًا سرق، فلما أرادوا أن يقيموا عليه الحد قال: ما علمت أن هذا حرام، أنا أدري أن السرقة حرام لكن ما دريت أن حدها قطع اليد، فنقول هذا لا يعذر. لكن لو قال لم أعلم أن السرقة حرام، فإذا كان مثله يجهل فنعذره بذلك.

قال المؤلف رحمه الله: «أو جامع من كان صائمًا في سفره أفطر ولا كفارة». هنا اختل فيه شرط؛ هنا يلزمه الإمساك، وهنا لم يلزمه الإمساك، لذلك يفطر ولا كفارة؛ لأنه لا يلزمه المضي في الجماع في الصوم.

وإن جامع في يومين أو كرره في يوم ولم يكفر، فكفارة واحدة في الثانية، وفي الأولى اثنتان. وإن جامع ثم كفر ثم جامع في يومه فكفارة ثانية. وكذلك من لزمه الإمساك إذا جامع.

ذكر المؤلف رحمه الله تعالى تكرار الجماع؛ فيقول الجماع أحيانًا يكرره في يوم واحد وأحيانًا يكرره في أكثر من يوم. إذا كرره في أكثر من يوم فلكل يوم كفارة؛ لأن كل يوم عبادة مستقلة.

أما إذا كرره في يوم واحد، فنقول هذه لها حالان: إما أن يكرره قبل التكفير، أو يكرره بعد التكفير. فإن كرره قبل التكفير كفاه كفارة واحدة، وإن كرره بعد التكفير فتلزمه كفارة ثانية.

نضرب لذلك مثالًا: شخص جامع زوجته الساعة مثلاً بعد صلاة الفجر، ثم قيل له: عليك كفارة، وهي عتق رقبة، فإن لم تجد فصيام شهرين متتابعين، فإن لم تستطع فإطعام ستين مسكينًا. يستطيع، موجودة الرقبة، فأعتقها الضحى، ثم جامع امرأته الظهر، جامع امرأته مرة ثانية الظهر، فهل تكفيه الكفارة الأولى أو لا؟ يقولون: لا تكفيه، لابد أن يكفر كفارة ثانية؛ لأن الكفارة الأولى للجماع الأول، فلا يلحقه الجماع الثاني؛ لأن الجماع الثاني لحقه هذا في وقت لزمه أن يمسك ولم يفعل، فنلزمه بكفارة ثانية.

لكن لو أنه جامع الضحى ثم جامع الظهر وهو لم يكفر حتى الآن، يقولون: تكفيه كفارة واحدة؛ لأنها تتداخل مع ما قبلها ما دام أنه لم يكفر. ويقيسون هذا على ما لو كرر محظورًا في الإحرام؛ لو مثلًا غطى رأسه اليوم، ثم غدا وهو محرم في الحج غطى رأسه مرة ثانية، فهل عليه كفارتان أو كفارة واحدة؟ يقولون: إذا كفر بعد الأولى فعليه كفارة ثانية للثانية، أما إذا لم يكفر بعد الأولى فتتداخل المحظوران وتكفي كفارة واحدة، وسيأتينا إن شاء الله في باب المناسك.

سائل يسأل: ما قاسوا على الجماع؟ لا، الجماع قاسوه لو كرره في يوم، أما لو كرره في يومين فلا، لم يذكروا قياسه. لكن لو كرره في يوم قاسوه على ما لو كرر محظورًا في الإحرام، سواء كرره في يوم أو في يومين المحظور ما يختلف؛ يكفر كفارة واحدة في الحج إذا كرره ولم يكفر، أما إذا كرره بعد التكفير فلابد من كفارة ثانية، وهكذا الجماع.

طبعًا إذا كرر المحظور، إذا كرر الجماع بعد التكفير، فالمذهب أنه تلزمه كفارة ثانية، وهو من مفردات الحنابلة، والجمهور على أنه يكتفى بالكفارة الأولى؛ لأنه عبادة واحدة، ولأن الصوم عبادة واحدة وقد فسد، فيكتفى بكفارة واحدة.

قال: «وكذلك يلزمه كفارة الجماع من لزمه الإمساك إذا جامع»، كما لو كان شخص مثلًا رؤي الهلال ليلة رمضان لكن ما أعلن إلا صباحًا، أو ما وصل الشهود إلى الحاكم إلا صباحًا فأخبروا الناس، الآن يلزمهم الإمساك؛ لو كان شخص جامع قبل أن يعلم بالخبر، جامع صباحًا أعلن مثلاً الساعة 10، فيقولون: يلزمه الكفارة لتهتك حرمة الزمن.

وإن جامع وهو معافى ثم مرض أو جن أو سافر، لم تسقط ولا تجب الكفارة بغير الجماع في صيام رمضان، وهي: عتق رقبة، فإن لم يجد فصيام شهرين متتابعين، فإن لم يستطع فإطعام ستين مسكينًا، فإن لم يجد سقطت.

أحسنت، هنا ذكر المؤلف رحمه الله تعالى أن الشخص إذا توفرت فيه شروط الكفارة، جامع في نهار رمضان وهو ممن يلزمه الإمساك وكان شخصًا غير معذور، هنا استقرت في ذمته الكفارة. لو طرأ عليه عذر بعد الجماع، جامع ثم جن، أو جامع ثم مرض، أو جامع ثم سافر، هنا خلاص الكفارة لا تسقط، ثبتت في ذمته قبل أن يطرأ عليه العذر فلا تسقط.

ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى أن الكفارة مختصة بالجماع فقط من سائر المفطرات، وأن يكون الجماع في نهار رمضان، وذكرنا أيضًا قيدًا ثالثًا وهو أن يكون ممن يلزمه الإمساك. ثم ذكر الكفارة وهي عتق رقبة، فإن لم يجد فصيام شهرين متتابعين، فإن لم يستطع فإطعام ستين مسكينًا؛ لحديث أبي هريرة وعائشة رضي الله تعالى عنهما في قصة الأعرابي الذي ذكر للنبي ﷺ أنه جامع، فأمر النبي ﷺ بالكفارة مرتبة: هل تجد ما تعتق رقبة؟ قال: لا. هل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين؟ قال: لا. هل تستطيع أن تطعم ستين مسكينًا؟ قال: لا. فإذًا الكفارة على الترتيب.

قال: «فإن لم يجد لم يستطع لا هذا ولا هذا ولا هذا، فإنها تسقط». لأن الأعرابي لما أحضر له النبي ﷺ تمرًا، قال للأعرابي: خذ هذا فتصدق به، فقال: أعلى أفقر منا يا رسول الله؟ فوالله ما بين لابتيها أهل بيت.

أحوج إليه منا. فضحك النبي ﷺ ثم قال: «اذهب فأطعمه أهلك». ولم يخبر النبي ﷺ باستقرارها في ذمته؛ قالوا: فدل على أن الكفارة في الجماع في نهار رمضان تسقط بالعجز عنها.

والمذهب أن الكفارات كلها لا تسقط بالعجز سوى كفارتين: كفارة الجماع في نهار رمضان، وكفارة جماع الحال، أحسنتم، جماع الحال. يقولون جميع الكفارات لا تسقط بالعجز عنها سوى كفارة الجماع في نهار رمضان وكفارة جماع الحال. وأقرب زمن الحال هو قليل.

أحد ما يثق، أنا خاصة في السعودية ما فيه، أنه أورق الرق في زمن الملك فيصل رحمه الله، لكن فيه في خارج البلاد يعني في موريتانيا فيه، لكن الواحد ما يثق؛ إذا كان يثق بأناس يتأكدون أن هذا رقيق، لأنه يحصل تلاعب، فإذا كان يثق بأناس يتأكد أن هذا رقيق ويتأكد أنه يعتق ولا يعود رقيقًا فيعتق، لكن أنا أقول هذا قليل جدًا.

باب ما يكره وما يستحب وحكم القضاء. يكره جمع ريقه فيبتلعه، ويحرم بلع النخامة، ويفطر بها فقط إن وصلت إلى فمه. ويكره ذوق الطعام بلا حاجة، ومضغ علك قوي وإن وجد طعمه في حلقه أفطر، ويحرم العلك المتحلل إن بلع ريقه، وتكره القبلة لمن تحرك شهوته.

بسم الله، هنا ذكر المؤلف رحمه الله تعالى أشياء في الصيام منها مكروهة ومنها مستحبة، وذكر أحكام القضاء. ذكر رحمه الله من المكروهات جمع ريقه فيبتلعه، قلت له مشكلة بالضم، والأصل الصواب أنها بالفتح؛ لأن الفعل المضارع إذا عطف على المصدر فإنه ينصب بأن مضمرة، فجمع هذا مصدر وعطف عليه فعل مضارع فينصب بأن مضمرة: يكره جمع ريقه فيبتلعه. قالوا: هذا خروجًا بالكراهة خروجًا من خلاف من ذكر أنه يفطر بذلك، هكذا عللوا به. والتعليل بالخلاف يمكن أن سبق أن ذكرنا أن التعليل بالخلاف غير سائد إلا إذا كان الخلاف قويًا، أي له وجه من النظر، فإنه يحتاط فيه. ويقول الناظم: «وليس كل خلاف جاء معتبرًا *** إلا خلاف له حظ من النظر».

قالوا: ويحرم بلع النخامة، هنا إذاً جمع الريق قالوا يكره، ورو لنا خلاف من قال يكره، النخامة قالوا يحرم بلعها، هذا صحيح، يحرم بلعها للمفطر للصائم؛ لأنها مستقذرة ولما فيها من الضرر، لكن هل يفطر ببلعها أو لا؟ قالوا: النخامة إذا وصلت إلى فمه فابتلعها فإنه يفطر بذلك، أما إذا لم تصل لفمه، يعني ما زالت في حلقه لم يخرجها ثم ابتلعها، فإنها لا تفطر، لا يفطر بذلك. قالوا: يفطر بها إذا وصلت إلى فمه لأنها جاءت من غير الفم فابتلعها، مع أنه يمكنه التحرز منها. الريق لا يمكن التحرز منه فيبتلعه ولا يمكن التحرز منه وفيه مشقة عليه لو قلنا كل ما جاء في فمك ريق فإنك تتفلُه، في مشقة عليه، لا سيما أن الريق من جنس ما في الفم، لكن النخامة شيء أجنبي عنه، فلا يجوز له أن يبتلعه إذا وصل إلى فمه.

قالوا: ويكره ذوق الطعام بلا حاجة، قالوا لأنه لا يؤمن وصول الطعم إلى الحلق فيفطر بذلك، فإن احتاج زالت الكراهة، مثل من كان يطبخ طعامًا فيحتاج إلى ذوقه، فإنها تزول الكراهة. ومضغ العلك القوي الذي لا يتحلل، قالوا هذا يكره لماذا؟ قالوا لأنه يجلب البلغم ويورث العطش، فيصير في مشقة على الصائم. قالوا: وإن وجد طعمهما -يعني طعم الطعام وطعم العلك القوي- وجد طعمهما في حلقه أفطر؛ لأنه أوصله إلى جوفه باختياره، والجوف هنا هو الحلق. ويحرم العلك المتحلل، العلك الذي يتحلل من أجزاء، هذا يحرم إن بلع ريقه لأنه يكون قد أوصل شيئًا من الطعام إلى الجوف وهو الحلق.

وتكره القبلة لمن تحرك شهوته. عندنا النبي ﷺ ثبت أنه كان يقبل زوجته وهو صائم، لكن تقول عائشة: «وكان أملككم لإربه» يعني لحاجته. فإذا كانت القبلة لا تحرك شهوته فإنه لا بأس بأن يقبل، أما إذا كانت تحرك شهوته فقالوا يكره أن يقبل لأنه لا يؤمن أن يعرض صومه للفساد. أما إذا كان يجزم بأنه سيحصل منه إنزال، فهنا قالوا يحرم؛ لأنه يعرض صومه للفساد. فنقول القبلة الأصل فيها الإباحة لمن لا تحرك شهوته، أما من حركت شهوته لكنه يضمن أو يغلب على ظنه أنه لن يخرج منه شيء فهنا نقول يكره له ذلك، أما إذا كان لا يأمن على نفسه أن ينزل منه شيء إذا قبل زوجته فإنه يحرم عليه لأنه يعرض صومه للفساد.

ويجب اجتناب الكذب والغيبة والشتم، وسنة لمن شتمه قوله: «إني صائم»، وتأخير السحور وتعجيل الفطر على رطب، فإن لم يوجد رطب فثمر، فإن لم يوجد ثمر فماء.

هنا ذكر المؤلف رحمه الله تعالى أن الصائم يجب عليه اجتناب الكذب والغيبة والشتم؛ لأن الصوم شرع لتحقيق التقوى، فإذا كان لن يحقق التقوى بهذا الصوم فما الفائدة من الصيام لذلك؟ يقول النبي ﷺ: «إن الله لا يحتاج إلى صيام من لم يدع قول الزور والعمل به والجهل». يعني ما الحاجة أو ما المصلحة في أن يمتنع عن الطعام والشراب وهو لم يمتنع عن المحرمات؟

وقال: وسنة لمن شتمه قوله «إني صائم» الحديث؛ فإن سابه أحد أو قاتله فليقل: «إني امرؤ صائم». وتأخير السحور وتعجيل الفطر لفعله ﷺ، فإنه كان يؤخر السحور حتى قال زيد بن ثابت: «تسحرنا مع رسول الله ﷺ ثم قمنا إلى الصلاة»، فسئل كم كان قدر ما بينهما؟ قال: خمسون آية. وتعجيل الفطر لقوله ﷺ: «لا يزال الناس بخير ما عجلوا الفطر». ويعجل الفطر عند تحقق غروب الشمس، ويفطر على رطب، فإن عدم الرطب فثمر، فإن لم تكن ثمرات فالماء؛ للحديث الوارد في ذلك، لفعله ﷺ، كان ﷺ يفطر على رطبات، فإن لم تكن رطبات فثمرات، فإن لم تكن ثمرات فماء.

«إذا أفطر أحدكم فليفطر على تمر، فإن لم يكن تمر فليفطر على ماء، فإنه طهور». وذكروا بعض الأحاديث الواردة منها: «اللهم لك صمت وعلى رزقك أفطرت»، ومنها: «ذهب الظمأ وابتلت العروق وثبت الأجر إن شاء الله». الحديث الأول ضعفه كثير من أهل العلم، والثاني يقولون لا بأس به، وهو أقوى من الأول.

يستحب القضاء متتابعة، ولا يجوز إلى رمضان آخر من غير عذر، فإن فعل فعليه مع القضاء إطعام مسكين لكل يوم، وإن مات ولو بعد رمضان آخر. وإن مات وعليه صوم أو حج أو اعتكاف أو صلاة نذر، استحب لوليه قضاؤه.

أحسنت، هنا ذكر المؤلف رحمه الله تعالى شيئًا من أحكام القضاء؛ يقول: يستحب القضاء متتابعًا. هنا الاستحباب للتتابع وليس القضاء، فالقضاء واجب، لكن الاستحباب منصب على التتابع، فيستحب أن يقضي من حين يزول عذره متتابعًا؛ لأن هذا أسرع في إبراء ذمته. ولا يجوز إلى رمضان الآخر من غير عذر، أي أن وقت القضاء موسع، لكنه من شوال إلى نهاية شعبان، ولا يجوز أن يؤخره إلى رمضان الآخر؛ لحديث عائشة: «كان يكون علي الصوم من رمضان، فما أستطيع أن أقضيه إلا في شعبان لمكان رسول الله صلى الله عليه وسلم مني»، فدل على أن هذا هو الغاية.

فإن أخره إلى رمضان الآخر، فعليه مع القضاء إطعام مسكين لكل يوم. هذا إن أخره لغير عذر، فإنه يطعم مع القضاء مسكينًا لكل يوم. ويستدلون على وجوب الإطعام لأن هذا ورد عن بعض الصحابة؛ عبد الرحمن بن هريرة، وابن عباس، وابن عمر، وقال ابن عمر إنه أكثر من أنه ورد عن ستة من الصحابة رضي الله تعالى عنهم.

وإن مات ولو بعد رمضان آخر، يعني أنه إن مات وعليه قضاء فإنه يطعم عنه عن كل يوم مسكين، ولو بعد رمضان، يعني حتى لو مات وهو قد أخر القضاء فيطعم مسكينًا لكل يوم. وأتى بقوله «ولو» إشارة إلى خلاف؛ لأن بعض الفقهاء قالوا إنه إذا مات بعد رمضان آخر فإنه يجب إطعام مسكينين عنه؛ مسكين لكونه لم يصم قضاءً عنه، ومسكين لكونه أخر القضاء إلى أن أدركه رمضان الآخر.

قال: وإن مات وعليه صوم أو حج أو اعتكاف أو صلاة أو نذر، استحب لوليه قضاؤه. هنا ذكر المؤلف رحمه الله تعالى أن الولي يقضي عن الميت ما عليه من نذر من واجبات؛ صلاة أو صيام أو اعتكاف أو حج، وهو مستحب فعله له وليس بواجب. قصر المؤلف رحمه الله تعالى الوجوب على النذر؛ قالوا لأن الذي سأل النبي صلى الله عليه وسلم كان في النذر؛ نعم، رُوي أن امرأة سألت النبي صلى الله عليه وسلم: إن أمي مات وعليها صوم نذر، وعائشة أيضًا جاءت في حديث آخر الذي قالت: إن أمي مات وعليها صوم نذر، وغيرهما. فقالوا إن هذا خاص بالنذر، فخصصوا ما ورد في حديث عائشة «من مات عليه صيام صام عنه وليه» بأنه محمول على النذر، أما غيره كصوم الكفارة وصوم القضاء، قالوا لا يصام عنه، وإنما يطعم عنه لكل يوم مسكين؛ هكذا قرر الفقهاء رحمهم الله تعالى.

وذهب بعض الفقهاء، وهم قلة رحمهم الله تعالى، إلى أن صوم القضاء -نعم أن قضاء الصوم الواجب الذي هو رمضان هذا وكذلك صوم الكفارة- يصام عن الميت؛ لعموم «من مات وعليه صيام صام عنه وليه»، قالوا الصيام نكرة في سياق الشرط، فالنكرة في سياق الشرط تفيد العموم؛ يعني أي صوم، قضاء أو نذر أو كفارة. وهذا ما يفتي به الشيخ ابن عثيمين والشيخ ابن باز رحمه الله تعالى، والله في المذهب وهو قول أكثر العلماء رحمهم الله أنه خاص بالنذر.

باب صوم التطوع: يسن صيام أيام البيض، والاثنين والخميس، وست من شوال، وشهر محرم وأكده العاشر ثم التاسع، وتسع ذي الحجة، ويوم عرفة لغير حاج بها. وأفضله صوم يوم وفطر يوم. ويكره إفراد رجب، والجمعة والسبت، والشك، وعيد للكفار بصوم. ويحرم صوم العيدين ولو في فرض، وصيام أيام التشريق إلا عن دم متعة وقران. ومن دخل في فرض موسع حرم قطعه، ولا يلزم في النفل ولا قضاء فاسده إلا الحج. وترجى ليلة القدر في العشر الأخير من رمضان وأوتاره آكد، وليلة 27 أبلغ، ويدعو فيها بما ورد.

أحسنت، ختم المؤلف رحمه الله تعالى مسائل الصوم بباب صوم التطوع. ومن حكمة الله عز وجل في تشريعه أن جعل لكل عبادة واجبة عبادة من جنسها مستحبة؛ لكي ترقع الخلل الذي فيها.

قال: يسن صيام أيام البيض، وطبعًا الفضل الوارد في الصيام وردت أحاديث كثيرة في فضل الصيام لا تخفى عليكم. قال: يسن صيام أيام البيض، أي الثالث عشر والرابع عشر والخامس عشر. ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه يصوم من كل شهر ثلاثة أيام، تقول عائشة: «لم يكن يبالي من أي أيام الشهر يصوم»، وورد أن صيام ثلاثة أيام من كل شهر كصيام الدهر. أما تخصيصها بالبيض فقد ورد في بعض الأحاديث كحديث أبي ذر وأبي الدرداء أن النبي صلى الله عليه وسلم أوصى بصيام أيام البيض.

قالوا: والاثنين والخميس. أما الاثنين فورد في صحيح مسلم عن أبي قتادة أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن صيام يوم الاثنين فقال: «ذاك يوم ولدت فيه وبعثت فيه أو أنزل عليّ فيه». وأما الخميس مع الاثنين فقد ورد في الحديث أن أعمال العباد ترفع كل اثنين وخميس، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يحب أن يرفع عمله وهو صائم.

قالوا: ستة من شوال، لحديث أبي أيوب: «من صام رمضان ثم أتبعه ستة من شوال كان كصيام الدهر». وشهر المحرم لحديث أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل: أي الصيام أفضل بعد رمضان؟ فقال: «شهر الله المحرم». قالوا: وأكده العاشر أو يوم عاشوراء، ويكفر صيام سنة، وهو وصيامه يكفر ذنوب سنة. ثم التاسع؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم في آخر حياته قال: «لئن بقيت إلى قابل لأصومن التاسع مع العاشر».

قالوا: وتسع ذي الحجة؛ لدخولها في عموم الأعمال الصالحة التي جاء الحث على الإكثار من العمل الصالح فيها، فما من أيام العمل الصالح فيها أحب إلى الله من هذه الأيام العشر، وورد في بعض الأحاديث أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصوم تسع ذي الحجة. قالوا: ويوم عرفة، ورد في حديث أبي قتادة أن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر أن صيام يوم عرفة يكفر.

السنة الماضية والسنة القابلة، قال: لغير حاج بها، فالحاج لا يندب له صيام يوم عرفة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يصم يوم عرفة بعرفة، كما جاء ذلك في حديث أم الفضل رضي الله عنها، وهي زوجة العباس، أن الناس اختلفوا في حديث النبي صلى الله عليه وسلم هل كان صائماً أو غير صائم يوم عرفة، والنبي صلى الله عليه وسلم كان مقبلاً على العبادة، قالت: فبعثت إليه أم الفضل بقدح من لبن وهو واقف على بعيره بعرفة فشربه، فعلموا أنه لم يكن صائماً عليه الصلاة والسلام.

قال: وأفضله، يعني أفضل صيام التطوع صوم يوم وفطر يوم؛ لأن هذا صيام داود عليه السلام، وهذا ما أرشد إليه النبي صلى الله عليه وسلم عبد الله بن عمرو بن العاص، وهذا أفضل لمن أطاقه، لكن من كان إذا صام ضيع الواجبات التي عليه، فنقول: هذا الصيام مستحب، وعندك واجبات عليك، فقدم الواجب على المستحب، لكن إذا كان إذا صام فإنه ينشط زيادة، فهنا نقول: إذاً استكثر من الصيام لكي تنشط على أعمالك الأخرى.

ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى بعض الأيام المكروه صومها، قال: يكره إفراد رجب بأن يصوم رجباً كله، فهذا يكره لأن فيه إحياءً للشعائر الجاهلية، والجمعة؛ لنهي النبي صلى الله عليه وسلم عن تخصيصها بالصيام: «لا تختصوا ليلة الجمعة بقيام بين الليالي، ولا تختصوا يوم الجمعة بصيام». ومن بين الأيام إلا أن يكون في صوم يصومه أحدكم، فإنه يكره إفراده، فإما أن يصوم يوماً قبله ويوماً بعده.

وكذا إفراد يوم السبت، وإفراد يوم السبت جاء في الحديث، حديث الصماء بنت بسر: «لا تصوموا يوم السبت إلا فيما افترض عليكم، ولو أن يجد أحدكم لحاء عنب فلينضغ»، وهذا الحديث مختلف فيه؛ منهم من قال إنه شاذ، ومنهم من قال إنه منسوخ، ومنهم من قال إنه موضوع، وهو مضطرب اضطراباً شديداً، ولذلك القول الثاني في المسألة أنه لا يكره إفراده لعدم صحة الدليل فيه.

ويكره أيضاً صوم يوم الشك على المذهب، ما المقصود به؟ يوم ثلاثين، إذا كانت ليلته صحوا، فإنه يعتبرونه يوم شك، يقول: يكره صومه لحديث عمار: «من صام اليوم الذي يشك فيه فقد عصى أبا القاسم»، والقول الثاني في المسألة أنه ليس يوم شك، وإنما يوم الشك إذا حال دونه غيم أو قتر.

قال: ويكره صوم يوم عيد الكفار؛ لأن فيه مشابهة لهم في تعظيمهم، ومن الفقهاء رحمهم الله من قال إنه يحرم صيام أيام عيد الكفار، وهذا ما قرره شيخ الإسلام رحمه الله تعالى في اقتضاء الصراط المستقيم. قال: ويحرم صوم العيدين ولو في فرض، فلا يجوز أن يصوم العيدين ولو في فرض، يعني لو كان يقول: سأقضي، عندي قضاء من رمضان، أريد أن أبدأ من يوم العيد، نقول: لا يجوز ذلك، ولو نذره أيضاً فإنه لا يجوز، لنهي صلى الله عليه وسلم عن صوم يومي العيدين كما جاء في ذلك في حديث أبي سعيد الخدري.

قال: والصيام أيام التشريق، حديث نبيشة الهذلي: أيام التشريق أيام أكل وشرب وذكر لله تعالى، قال: إلا عن دم متعة وقرآن؛ لأن المتمتع والقارن إذا لم يجد هدياً فإنه يصوم عشرة أيام، ثلاثة في الحج وسبعة إذا رجع إلى أهله، فلو أراد أن يصوم الثلاثة أيام التشريق فنقول: لا بأس بذلك، تقول عائشة وابن عمر رضي الله تعالى عنهما: لم يرخص في أيام التشريق أن يصمن إلا للمتمتع إذا لم يجد هدياً.

ومن دخل في فرض موسع حرم قطعه، يعني لو كان شخص عليه قضاء من رمضان، خمسة أيام من رمضان، فلما صام اليوم الأول قال: والله اليوم حار، بفطر وبصوم بعدين، نقول هنا: دخلت في فرض موسع، لأن عندك سعة إلى أن ينتهي شهر رمضان، فيحرم قطعه بدون عذر، إن كان لك عذر كمرض أو سافر ونحو ذلك مما يبيح الفطر، فإنه يجوز قطعه. قالوا: يحرم قطعه لأن الخروج من عهدة الواجب متعين، يعني لابد أن يؤدي الواجب، ودخلت التوسعة في وقت الواجب الموسع توسعة على المسلم المكلف، فإذا بدأ في هذا الواجب الموسع، تعين عليه إتمامه، وتعينت المصلحة في إتمامه.

قال: ولا يلزم في النفل، يعني لا يلزم إتمام النفل، فيجوز أن يقطعه ولو بدون عذر، لأن النبي صلى الله عليه وسلم مرة جاء لعائشة وقال: «هل عندكم شيء؟» قالت: أُهدي إلينا حيس، فقال: «أرني، فلقد أصبحت صائماً». ولا قضاء لفاسده، يعني لا يجب قضاء النفل الفاسد، مثل أن يصوم ست من شوال، ففي اليوم الخامس أفطر، فنقول: هل يلزمك أن تصوم بدله؟ لا، لا يلزمه، لكن يستحب له، لكن لا يلزمه.

قال: إلا الحج، يعني لا يجب قضاء الفاسد من النوافل كلها إلا الحج، فإنه يجب قضاء فاسده ولو كان نفلاً، وكذلك العمرة، لأن الإحرام يلزم، أو لأن الحج أو العمرة يلزم بالإحرام، فالإحرام ينعقد لازماً، فلا يتحلل منه إلا بإتمامه.

ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى أن ليلة القدر ترجى في العشر الأخير من رمضان، لقوله صلى الله عليه وسلم: «تحروا ليلة القدر في العشر الأواخر من رمضان»، قال: وأوتاره، لقوله صلى الله عليه وسلم: «التمسوها في العشر الأواخر في الوتر منه»، وليلة سبعة وعشرين أبلغ، لورود بعض الأحاديث التي فيها أن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر أنها تأتي ليلة سبعة وعشرين، وهي أبلغ من غيرها، ويدعو فيها إذا وافقها بما ورد في حديث عائشة: «اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عنا».

باب الاعتكاف: وهو لزوم المسجد لطاعة الله تعالى، مسنون، ويصح بلا صوم، ويلزمان بالنذر، ولا يصح إلا في مسجد يجمع فيه، إلا المرأة ففي كل مسجد سوى مسجد بيتها. ومن نذر الصلاة في مسجد غير الثلاثة، وأفضلها الحرام، فمسجد المدينة، فالأقصى؛ لم يلزمه فيه، وإن عين الأفضل لم يجوز فيما دونه، وعكسه بعكسه. ومن نذر زماناً معيناً، دخل معتكفه قبل ليلته الأولى، وخرج بعد آخره. ولا يخرج المعتكف إلا لما لا بد منه، ولا يعود مريضاً، ولا يشهد جنازة إلا أن يشترط، وإن وطئ في فرج فسد اعتكافه، ويستحب اشتغاله بالقرب، واجتناب ما لا يعني.

هنا ألحق المؤلف رحمه الله تعالى الاعتكاف بالصيام؛ لأن الاعتكاف مندوب، والسنة أن يندب في العشر الأخير من رمضان، حيث يتأكد في هذا الوقت، ولذلك ذكره المؤلف رحمه الله تعالى هنا.

والاعتكاف هو لزوم المسجد لطاعة الله تعالى، وهو مأخوذ من العكوف وهو اللبث؛ فإذا لبث في مسجد لطاعة الله تعالى مدة يصدق عليه فيها أنه حبس نفسه فإنه يعد معتكفًا. وهو مسنون لفعله ﷺ حيث اعتكف العشر الأخير من رمضان حتى توفاه الله عز وجل، ثم اعتكف أزواجه من بعده. وطبعًا النبي ﷺ ترك الاعتكاف في بعض السنوات؛ فمثلاً في السنة الثانية لم يكن معتكفًا لأنه وافق غزوة بدر، وفي السنة الثامنة وافق فتح مكة، وفي إحدى السنوات تباهت أزواجه في أخبِيتهن، فالنبي ﷺ ترك الاعتكاف في تلك السنة واعتكف في العشر الأول من شوال.

قال: ويصح بلا صوم، يصح الاعتكاف بلا صوم؛ لأن عمر رضي الله تعالى عنه قال للنبي ﷺ: «إني نذرت أن أعتكف ليلة في المسجد الحرام»، أي نذرت في الجاهلية أن أعتكف ليلة في المسجد الحرام، فقال له النبي ﷺ: «أوفِ بنذرك». فقوله ليلة، والليلة ليس محلاً للصوم، محل الصوم النهار، فدل على أنه لا يشترط للاعتكاف صوم.

قال: ويلزماني بالنذر الاعتكاف والصوم؛ يعني لو أنه نذر أن يعتكف، أو نذر أن يعتكف صائمًا، نقول يلزمه ذلك لقوله ﷺ: «من نذر أن يطيع الله فليطعه».

ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى أن الاعتكاف لا يصح إلا في مسجد يجمع فيه، لقوله تعالى: ﴿وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ [البقرة: 187]. وقوله: "يجمع فيه" يعني تصلى فيه الجماعة، وليس مسجدًا مهجورًا؛ لأنه إذا لم يكن مسجدًا تصلى فيه الجماعة فإنه سيضطر إلى أمرين: إما أن يترك الجماعة وهي واجبة عليه، أو أنه سيضطر في كل وقت أن يخرج إلى المسجد مرات متكررة، وهو يستطيع أن يتحرز من تكرار الخروج بأن يعتكف في مسجد جامع؛ لذلك قالوا: لا بد أن يكون هذا المسجد يجمع فيه.

قالوا: إلا المرأة؛ لأنها لا يلزمها الجماعة، فيقولون: لها أن تعتكف في المسجد المهجور، أن تعتكف في مسجد سوى مسجد بيتها، لأنه ليس مسجدًا حقيقة ولا حكمًا، ولا يأخذ أحكام المسجد.

ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى أن من نذر الاعتكاف أو نذر الصلاة في مسجد غير الثلاثة: المسجد الحرام، والمسجد النبوي، والمسجد الأقصى، لم يلزمه فيه. يعني لو نذر شخص مثلًا أن يصلي في جامع الراجحي بالرياض، أو نذر أن يعتكف فيه، نقول: لا يلزمه كذلك. قالوا: لماذا؟ قالوا: لأنه يلزم منه شد الرحل، والنبي ﷺ يقول: «لا تُشدُّ الرِّحالُ إلا إلى ثلاثةِ مَساجِدَ».

فإذا نذر أن يعتكف في مسجد في بلده، قالوا: لا يلزمه فيه، لأنه لا يجد الرحم، وله أن يعتكف في غيره. قال: سأعتكف في هذا المسجد، نذر أن يعتكف في هذا المسجد، يقولون: لا يلزمه فيه، وله أن يعتكف في غيره؛ لأنهم عللوا ذلك بأنه لو تعين غير هذه المساجد بتعيينه للزم المضي إليه دون غيره، وهو لا يلزمه أن يمضي إلى شيء عينه دون غيره إلا إلى هذه المساجد الثلاثة. والكلام في النذر؛ فإذا كان النذر لا يلزمه، فإذا كان بدون نذر فهو من باب أولى.

قالوا: لكن إذا نذر في مسجد يصلى فيه الجمعة، فإنه لا ينتقل إلى ما هو دونه، لابد أن يعتكف في مسجد مساوٍ له يصلى فيه الجمعة. لذلك يقول المؤلف رحمه الله: «إن عين الأفضل لم يجوز فيما دونه»، سواء الأفضل من هذه الثلاثة أو من سواها. فإذا قال: نذرت أن أعتكف في مسجد جامع، نقول: إما أن تعتكف فيه أو تعتكف في مسجد جامع آخر، لكن لا تعتكف في مسجد لا تصلى فيه الجمعة.

وعكسه؛ إذا نذر أن يعتكف في مسجد أدنى، فله أن يعتكف في مسجد أعلى. والدليل على ذلك أن رجلًا جاء النبي ﷺ عام الفتح وقال: «إني نذرت إن فتح الله عليك مكة أن نصلي في بيت المقدس»، فقال له النبي ﷺ: «صلِّ ها هنا»، فسأله ثانية فقال: «صلِّ ها هنا»، فسأله ثالثة فقال: «شأنك»، فدل على أنه لو صلى في المسجد الحرام أجزأه ذلك مع أنه نذر، فإذا انتقل من المفضول إلى الفاضل جاز له ذلك، والعكس لا يجوز.

قال: ومن نذر زمنًا معيناً، سواء نذر أو نوى زمنًا معيناً، مثلًا نوى أن يعتكف العشر الأخير من رمضان، يقولون يدخل قبل الليلة الأولى، فمثلاً العشر الأواخر من رمضان يدخل قبل غروب شمس ليلة الحادي والعشرين، ويخرج بعد آخره، أي بعد غروب شمس ليلة العيد؛ قالوا لأن اليوم يتبع لليلة التي قبله ولا يتبع لليلة التي بعده.

ولا يخرج المعتكف إلا لما لا بد منه، ولا يعود مريضًا ولا يشيع جنازة إلا إن اشترط. والاعتكاف كما قلنا هو لزوم المسجد، ويبطله الخروج. وذكر الفقهاء رحمهم الله تعالى أن له ثلاثة أحوال: إما أن يكون خروجًا لما لا بد منه، كأن يخرج لقضاء حاجته ودورة المياه خارج المسجد، أو يخرج ليتوضأ والمواضع خارج المسجد، فهذا لا بد منه، فلا يبطل الاعتكاف سواء اشترطه أو لم يشترط؛ لأن هذا خروج لما لا بد منه، أو كان مريضًا فخرج لأخذ علاجه أو للذهاب للمستشفى لفحص طبي ثم رجع، فنقول هنا: خروج لما لا بد منه. والحالة الثانية، يخرج ليحضر الأكل إذا لم يكن هناك من يحضر له الأكل، فيدخل فيه.

لكن إذا كان هناك من يحضر له الأكل، نقول لا. الحالة الثانية أن يكون شيئًا له منه بد، أي يستطيع، وليس ضروريًا، لكنه لا ينافي مقصود الاعتكاف. فيقولون: هذا إن اشترطه فإنه لا يبطل الاعتكاف، وإن لم يشترطه فإنه إذا خرج يبطل الاعتكاف، مثل زيارة المريض أو عيادة، أو اتباع الجنازة، فهذا نقول ليس ضروريًا ولا ينافي مقصود الاعتكاف. فنقول: إن اشترط أن يتبع الجنازة أو يعود المريض، فنقول له شرطه، وإن لم يشترط، فنقول إذا خرج بطل اعتكافه.

الحالة الثالثة أن يكون هذا الشيء ينافي مقصود الاعتكاف، فنقول هذا لا يخرج له، سواء اشترط أو لم يشترط، مثل البيع والشراء، ومثلًا لو اشترط أن يذهب إلى البيت ليجامع أهله، فهذا ينافي مقصود الاعتكاف. فنقول هذا لا يفعله، وإن فعله بطل اعتكافه، سواء اشترطه أو لم يشترطه.

قال المؤلف: «ولا يعود مريضًا ولا يتبع جنازة إلا أن يشترطه»، فهذا من الحالة الثانية. «وإن وطئ في فرج فسد اعتكافه»، هذا يفسد الاعتكاف لأنه ينافي مقصود الاعتكاف، والله عز وجل يقول: ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ [البقرة: 187].

ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى ما يستحب للمعتكف فعله، أن يشتغل بالقرب؛ لأنه لزم المسجد لطاعة الله عز وجل، فهو لم يلزم المسجد لفعل المباحات أو لتقضية وقت، إنما لزم المسجد لطاعة الله عز وجل والتقرب إليه. فينبغي أن يستغل كل ثانية بما يقربه إلى الله تعالى، وإن فتر يستعمل المباحات بقدر ما تقويه على الطاعة. ولا يكون بعض المعتكفين الأصل في فعله هو المباحات إن لم يتعدَّ إلى المكروهات والمحرمات، فنقول: لا، ما حققت مقصود الاعتكاف. مقصود الاعتكاف أن يعكف قلبك على الطاعة؛ لذلك قال المؤلف: يستحب اشتغاله بالقرب، أن هذا هو المقصود من الاعتكاف، واجتناب ما لا يعنيه.

حتى إن بعض الفقهاء رحمهم الله تعالى قالوا: إنه يشتغل بالقرب القاصرة التي نفعها قاصر، يعني يقرأ لنفسه، يصلي لنفسه، ما يتعلم العلم لأن هذا نفع متعدٍ، وبعضهم قال: إن هذا لا بأس به، لكن بعضهم ضيق في هذا، قال حتى النفع المتعدي لا يفعله المعتكف. نسأل الله بمنه وتوفيقه وتسديده وأن يبلغنا رمضان ويوفقنا فيه على الصيام والقيام إيمانًا واحتسابًا على الوجه المطلوب الذي يرضيه عنا، وأن يزيدنا من علمه وتسديده وتوفيقه، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

لا على المذهب كما قلنا إنه الجوف كله مجوف، فيشمل حتى الحلق، والدماغ، والمعدة، والأمعاء، فيقولون: إذا وصل الحلق أفطر. والقول الثاني في المسألة أنه لا يفطر إلا إذا وصل إلى المعدة، وهو اختيار شيخ الإسلام رحمه الله تعالى. والكلام فيها طويل في المنافذ وتحقيق معنى الجوف، حتى المنافذ؛ منهم من يفرق بين المنافذ، ومنهم من يقول يفطر ولو بمنفذ غير معتاد، لكن ما دام أنه منفذ فإنه يفطر بذلك.

لذلك الفقهاء عندنا يفطرون، واستثنوا فقط مسلك الذكر الذي هو الإحليل. وقالوا أيضًا: هذا ليس منفذًا، لكن قالوا لو وطئ به الحنظل -وتعرفون الحنظل؟ هو شيء حامض أو مر جدًا- يقول: لو وطئته تحس بطعمه من خلف الرجل، لو وطئته برجلك تحس بطعمه في حلقك، هنا قال: لو وطئ واحد يطعمه في حلقه لا يفطر؛ لأن هذا ليس منفذًا، فالرجل ليست منفذًا، فاستثنوا هذا، أما الباقي فيكون مفطرًا.

واجب تقديم التطوع على القضاء، إحنا ما ذكرناه هنا، ولا ما ذكره ابن قدامة في الززاد. المذهب عند الحنابلة أنه لا يقدم التطوع على القضاء، فإذا كان عليه قضاء يبدأ به، لا يجوز أن يقدم التطوع على القضاء؛ لأن القضاء واجب وهذا تطوع، فيبدأ بالواجب أولًا. وأكثر أهل العلم رحمهم الله تعالى يرون جواز ذلك، يرون جواز البدء بالتطوع قبل القضاء، وهو رواية عند الحنابلة والمرداوي رحمه الله يرجح هذه الرواية في الإنصاف، ويرجح الرواية الأخرى أنه له تقديم التطوع ما لم يضق الوقت. لو كان مثلا عليه قضاء خمسة أيام من رمضان والآن نحن في 25 شعبان، خلاص ما يقدر يصوم، هنا لا يجوز له أن يصوم تطوعًا. لكن إذا كان الوقت متسعًا، فأكثر أهل العلم رحمهم الله تعالى على جواز ذلك.

ومن الفقهاء من قال -وهو ليس المذهب عند الحنابلة- الشيخ محمد رحمه الله يرجح الجواز، لكن يقول: صيام ستة من شوال هذه لا تقدم على القضاء لأنها مرتبطة برمضان، فهو إذا صام ستة من شوال وعليه قضاء لا يصدق عليه أنه صام رمضان.

زكاة الأموال، هل يجب على الشخص يوم واحد في السنة يزكي؟ فإذا نقص المال خلال السنة هل تلزمه الزكاة إذا جاء اليوم؟ إذا نقص النصاب في أثناء الحول يبدأ من جديد، يبدأ من الشهر الذي نقص منه المال، متى ما اكتمل النصاب مرة أخرى يحسب له حول كامل. طبعًا إذا باع شيئًا من ذلك ليتهرب من الزكاة يعاقب، لكن إذا لم يكن تهربًا فإنه في القضاء والتطوع.

تجميع القضاء والتطوع لا بأس به، يعني مثلاً يصوم يوم عرفة على أنه عرفة وقضاء، لا بأس به، وعمر رضي الله عنه كان يستحب أن يكون قضاؤه في العشر، في عشر ذي الحجة، فلا بأس به، ويرجى أن يحصل له ثواب أمرين: ثواب القضاء وثواب التطوع. قضاء الست بغير الست، طبعًا الست هذه مستقلة.

هذه مالكم، كتاب الشيخ أحمد الخليلي في التراث المعاصر، والكتاب الثاني كتاب الشيخ محمد رحمه الله تعليق على حقيقة الصيام لشيخ الإسلام رحمه الله، وتعليق على كتاب الصيام من الفروع، للشيخ محمد بن صالح. بارك الله فيك.