دخولتسجيل الدخول

كتاب الجنايات الدرس الأول

عبدالله بن عبدالرحمن الميمانالشيخ عبدالله بن عبدالرحمن الميمان
  • مدة الدرس:
  • قراءة

على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. اللهم يا معلم آدم وإبراهيم علمنا، ويا مفهم سليمان فهمنا. اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علمًا وعملًا صالحًا يا كريم.

أما بعد، فقد وقفنا في شرح كتاب زاد المستقنع على كتاب الجنايات، وهو بداية الربع الرابع من هذا الكتاب، حيث يقسم الفقهاء -رحمهم الله تعالى- كتاب الفقه إلى أربعة أقسام: العبادات، والمعاملات، والأنكحة وتوابعها، والجنايات وتوابعها.

وهذا الترتيب المعتاد في كتب الفقه عند الحنابلة، وقد تجدون في بعض الكتب تقدم بعض الأبواب وتأخرها في كتب أخرى. مثلا هنا في هذا الكتاب ختم كتابه الزاد بالإقرار، في المختصر للخرقي لا ذكر للإقرار في أثناء أبواب المعاملات، فهذا يعني خلافًا داخليًا في ترتيب الأبواب، لكن الكتب غالبًا تسير على هذا الترتيب العام الذي سار عليه الأصحاب، ولكل أصحاب مذهب ترتيب لكتبه، وغالبًا يبدأون بالعبادات.

العبادات هي التي يبدأون بها، لكن ما بعد العبادات، بعضهم يقدم المعاملات، وبعضهم يقدم الأنكحة وتوابعها. أيضًا الجنايات، بعضهم يذكرها في الأخير وبعضهم يقدمها؛ فهذه اختلافات في سياق الأبواب في مختلف المذاهب.

الجنايات: قول الكتاب "الجنايات"، والجنايات جمع جناية، وهي التعدي على البدن بما يوجب قصاصًا. نعم، التعدي على البدن أو المال أو العرض، هذا المقصود بها لغة، لكن في الاصطلاح قصروها على التعدي على البدن خاصة بما يوجب قصاصًا أو مالًا. أما التعدي على المال والتعدي على العرض، فهذا يذكرونه في أبواب الحدود؛ التعدي على المال في السرقة أو في الحرابة، والتعدي على العرض في الزنا والقذف.

اللهم اغفر لنا ولشيخنا وللحاضرين. قال المصنف -رحمه الله تعالى-: «كتاب الجنايات، وهي عمد يختص القود به بشرط القصد، وشبه عمد، وخطأ».

أحسنت، هنا قسم المؤلف -رحمه الله تعالى- الجناية إلى ثلاثة أقسام: عمد، وشبه عمد، وخطأ. قال: "عمد يختص القود به"، إذن العمد هو الذي يختص القود الذي هو القصاص به بشرط القصد، وسياتي -شاء الله- تعريفهما.

العمد فيه قصد الجناية، وقصد القتل، يعني قصد الاعتداء وقصد القتل. وشبه العمد فيه قصد الاعتداء لكن بدون قصد القتل. والخطأ ليس فيه قصد. هذا التفريق الإجمالي بينهما.

عندنا العمد والخطأ، وهذا النوعان مذكوران في القرآن في قوله تعالى: ﴿وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا﴾ [النساء: 93]، والخطأ: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَن يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً﴾ [النساء: 92]. أما شبه العمد، فهذا ما ورد في القرآن، وإنما ورد في السنة. جاءت تسميته في حديث عبد الله بن عمرو -رضي الله تعالى عنهما- أن النبي ﷺ قال: «ألا إن دية الخطأ شبه العمد، ما كان بالصوت والعصا، مائة من الإبل، منها أربعون في بطونها أولادها».

وهنا تسميته شبه العمد، وجاء أيضًا أن النبي ﷺ حكم به في قصة المرأتين الهذليتين، التي رمت إحداهما الأخرى بحجر فقتلتها وما في بطنها، فهنا قصدت الاعتداء لكن لم تقصد القتل، فالنبي ﷺ غرمها الدية. فنقول هنا النبي ﷺ أثبت نوعًا بين العمد والخطأ وهو شبه العمد، والقول بوجود نوع هو شبه عمد هذا قول جمهور الفقهاء -رحمهم الله تعالى- وخالف فيه الإمام مالك -رحمه الله- وقال إنه ليس فيه إلا عمد وخطأ حيث لم يذكر في القرآن إلا هما، وألحق شبه العمد بالعمد.

بعض الأصحاب الحنابلة -رحمهم الله تعالى- زادوا نوعًا رابعًا، ومنهم الموفق في المقنع الذي هو أصل هذا الكتاب، زاد نوعًا رابعًا وهو ما جرى مجرى الخطأ، مثل النائم ينقلب على شخص فيقتله، وكذلك القتل بالسبب، مثل لو حفر إنسان فجاء إنسان فسقط فيها فمات، ففعل هذا الحافر جرى مجرى الخطأ.

هكذا زاده بعض الأصحاب، وإلا فأكثر الأصحاب -رحمهم الله تعالى- على أن القتل ثلاثة أنواع هي: عمد، وشبه عمد، وخطأ. وأما الجاري مجرى الخطأ فيقولون يدخل في النوع الثالث وهو الخطأ. ولذلك يقول المرداوي -رحمه الله- في الإنصاف: "إن الذي نظر إلى الأحكام المترتبة على القتل جعل الأقسام ثلاثة، لأن الرابع يأخذ قسم الثالث الذي هو القتل الخطأ، والذي نظر إلى الصور فهي أربعة بلا شك، وأما الأحكام فمتفق عليها". يقصد أن الخلاف فقط في التسمية، هل يسمى الرابع من جرى مجرى الخطأ، أم هو من النوع الثالث الذي هو الخطأ؟ وإلا فالأحكام متفق عليها بين الحنابلة، وإلا فيها خلاف بين المذاهب الأخرى.

السلام عليكم. قال رحمه الله: «فالعمد أن يقصد من يعلمه آدميًا معصومًا فيقتله بما يغلب على الظن موته به».

أحسنت، إذا القتل العمد هو ما اجتمعت فيه أربعة شروط. الأول القصد، أن يقصد؛ فإذا لم يقصد -مثلًا كان معه سلاح ووضع يده عليه، وما أدري هل ضغط إصبعه على الزناد فانطلقت الرصاصة وأصابت شخصًا- فهنا لم يقصد، فلا يكون القتل عمدًا.

الشرط الثاني: من يعلمه آدميًا. فإذا قصد شخصًا لا يعلمه آدميًا، يعني أراد أن يرمي صيدًا عند شجرة من بعيد، فلما رمى إذا هو ليس بصيد ولا بآدمي بل هو إنسان، أو أنه صيد لكنه هرب فأصابت الرصاصة إنسانًا فقتلته، فهنا نقول لم يقصد الآدمي، لم يقصد من يعلمه آدميًا معصومًا، فلا يكون قتل عمد.

قال: "معصومًا". فإذا قصد آدميًا غير معصوم فقتله فإنه لا يعتبر قتل عمد. المعصوم من هو؟ المسلم، أو الذمي، أو المستأمن، أو المعاهد. المستأمن -بكسر الميم لأنه طالب للأمان- فهؤلاء الأربعة معصومون، فإذا قصدهم فإنه يعتبر قتل عمد. إذا قصد مثلًا شخصًا حربيًا، أو شخصًا مهدر الدم كمسلم زنى وهو محصن، فإنه آدمي غير معصوم، فقتله لا يعتبر قتل عمد، يعني يعتبر قتل عمد لكن لا يترتب عليه القصاص.

بما يغلب على الظن موته به؛ يقتله بما يغلب على الظن موته به، هذا...

الشرط الرابع: فإذا قتله بما لا يغلب على الظن موته به فإنه لا يعتبر قتل عمد، مثل لو أنه رمى عليه حصى صغيراً فأصابه مثلاً في رجله فنزف دماً فمات؛ فهنا صحيح أنه أصابه، لكنه قتله بما لا يغلب على الظن موته به، فإنه لا يعتبر قتل عمد وإنما هو شبه عمد.

أحسن الله إليك. قال رحمه الله: مثل أن يجرحه بما له مَوْر في البدن، أو يضربه بحجر كبير ونحوه، أو يلقي عليه حائطاً، أو يلقيه من شاهق، أو في نار أو ماء يغرقه ولا يمكنه التخلص منهما، أو يخنقوه، أو يحبسه ويمنعه الطعام أو الشراب فيموت من ذلك في مدة يموت فيها غالباً، أو يقتله بسحر أو سم، أو شهدت عليه بينة بما يوجب قتله ثم رجعوا وقالوا: عمدنا قتله، ونحو ذلك.

أحسنت. هنا ذكر المؤلف رحمه الله تعالى صوراً للقتل العمد، ذكر هنا ثمانية صور، وهذه الصور ليست حاصرة، إنما هي أمثلة؛ لذلك لما ذكر الصورة الأخيرة قال: «ونحو ذلك»، يعني ما أشبهها مما ينطبق عليه الضابط الذي ذكره في أول الباب.

قال: الأول مثل أن يجرحه بما له مَوْر في البدن. هذا الأمر الأول وهو القتل بالمحدد، فإذا قتله مثلاً بسكين أو إبرة أو سيف، هذه كلها لها مَوْر في البدن. ما معنى مَوْر؟

- نفوذ.

نفوذ يا شيخ. هذه يفسرها بها بعض الحنابلة، لكن الحجاوي رحمه الله في حاشية التنقيح انتقد تفسيرها بالنفوذ، قال: لا هو ليس النفوذ، قال: هو الذي له دخول وخروج، يعني مثل الإبرة والسكين تدخل وتخرج، فيقول: هذا هو مقصود الفقهاء ومقصود اللغويين بذلك. وإلا صاحب الروض وصاحب التنقيح الذي هو المرداوي وغيرهم يفسرون المَوْر بالنفوذ، وهو يقول: لا، ليس النفوذ فقط، إنما ما له دخول وخروج.

هذا النوع الأول، المثال الأول. الصورة الثانية: القتل بالمثقل، يعني بالشيء الثقيل الذي يلقيه الإنسان، قال: يضربه بحجر كبير ونحوه كعمود أو فسطاط ونحو ذلك. قالوا: ولو في غير مقتل، إذا كان الضرب بشيء كبير فمات منه، فقالوا: هذا يغلب على الظن موته به. أما لو ضربه بحجر صغير فإنه يكون شبه عمد، إلا إذا كان في مقتل، أو كان في حال ضعف؛ مثلاً كان مريضاً جداً فضربه بحجر في غير مقتل فمات، قالوا: فإنه يعد عمداً. أو كرر عليه، ومعنى ذلك: أنه ضربه عدة مرات بحجر في غير مقتل فمات من التكرار؛ فهنا قالوا: في هذه الصور الثلاث يكون الحجر الصغير ونحوه يعد عمداً، اللي هو إذا كان في مقتل، أو كان في حال ضعف، أو كرروا عليه.

أحسنت. الفقهاء -أقصد الحنابلة- يقولون الذي له مَوْر في البدن فإنه يقتل غالباً، حتى لو لم يقصد القتل. والشيء الثاني قالوا: حتى لو كان شيئاً يسيراً أو في غير مقتل. يعني كلام الفقهاء أنه لو مثلاً جرحه بسكين في رجله فمات منها، فيقولون هذا عمد. هذا ضابط الدخول والخروج للموقع، حصوله يكون عمداً عند الحنابلة؛ أن المحدد هذا -القتل بالمحدد- يقولون إنه يكون عمداً حتى لو كان شيئاً يسيراً أو في غير مقتل.

القصد هنا في الجناية مجرد الفعل، يعني يعدون هذه الإبرة هي قصد عمد للقتل. الأصل في القصد أنه ينظر في نية الفاعل عموماً، سواء كانت جناية أو غيره، لكن هنا في الجنايات يقولون: إذا قتله بمحدد فإننا ننظر إلى الآلة ولا ننظر إلى القصد، فالآلة تدل على القصد؛ لأننا لو قلنا له ماذا تقصد؟ كل واحد سيتهرب من القصاص ويقول: أنا ما قصدت قتله، فيقولون هنا القصد أمر قلبي فينظر فيه إلى الآلة، فإذا كانت قاتلة فنقول: إن القصد إليه أنه قاصد للقتل.

ألحق الفقهاء رحمهم الله تعالى بالقتل بالمثقل ما لو ألقى عليه حائطاً أو ألقاه من شاهق، فيقولون: هذه كلها تعتبر من القتل العمد وهي ملحقة بالقتل بالمثقل.

الأمر الثالث: الإغراق أو التحريق، إذا ألقاه في نار فأحرقه أو في ماء فأغرقه، ولا يمكنه التخلص منهما لعجزه، كونه لا يجيد السباحة أو لا يجيد الخروج من النار، أو كثرتهما كأن يكون ماءً غريقاً أو ناراً عظيمة، فلم يمكنه التخلص منهما فمات منها فإنه يعد قتل عمد. لكن لو أمكنه التخلص منهما لكنه لم يفعل وبقي، فيقولون: لا ضمان عليه، هذا هادر؛ ولا يعني أن الجاني ينجو من العقوبة، بل يعاقب تعزيراً، لكنه لا يتسلسل التعزير إلى القتل.

الرابع: الخنق، أن يخنقه بحبل ونحوه فيمنع عنه التنفس فيموت من ذلك، فهنا يكون قتل عمد.

الخامس: أن يحبسه ويمنع عنه الطعام والشراب في مدة يموت منها غالباً، فهنا قتل عمد؛ لأنه فعل فعلاً يغلب على الظن موته به، وكان ذلك قصداً بالعمد والعدوان، وهذا بشرط تعذر الطلب عليه، فإن لم يتعذر الطلب عليه، إن أمكنه أن يستنجد فلم يفعل فمات، فيكون هذا هدراً.

السادس: أن يقتله بسحر يقتل غالباً، فإنه يعد قتل عمد.

السابع: أن يقتله بالسم يقتل غالباً، فإنه يعد قتل عمد.

الثامن: أن تشهد عليه بينة بما يوجب قتله ثم يرجعون ويقولون: عمدنا قتله، فإنهم يعدون متعمدين قتله.

- طيب، وش مثله؟

أحسنتم، يشهدون عليه بأنه زنى وهو محصن، فهنا يجب في حقه الرجم، فلما رجم قالوا: نحن نكذب. كلهم أقسموا، ولو أكذب أحدهم نفسه يقتل لوحده. فلو قالوا بعد أن رجم: عمدنا قتله، فهنا...

فهنا قالوا إنه يعد قتل عمد فيقتل هنا لذلك. التاسع الذي ذكره البهوتي رحمه الله، أن يسلط عليه حيوانًا، كأن يلقيه بحضرة أسد، أو يكتفه بحضرة أسد، أو يلسعه عقربًا أو حية ونحو ذلك، فيموت من ذلك؛ فهنا قالوا إنه قتل عمد. وهذه الصور قلنا إنها ليست حاصرة، وإنما هي أمثلة.

لا يقولون إن القتل فقط تسع صور، لا؛ القتل عمد صوره كثيرة لكن هذه أشهرها.

شيخ، أحسن الله إليك، فاضل كريم، قالوا في الروض حتى ركز عليها: «ما تقول عمدنا...» وش الفرق بين «عمدنا» و«عمدنا»؟ الآن حتى هنا شيخ، ضبطها «عمدنا»، ما أدري أنا لست أتراجع. وأنا برضه في الروض، في حاشية الروض، والله ما أدري، بس لكن متأكد يا شيخ أنه قال حتى أنا أركز على قال: «ما...» هل في يتغير يا شيخ المعنى لو أقول؟ ما أدري، هو عابد يا شيخ قصد عابد يا شيخ قصد إليه، ما أدري أنا ما ضبطه.

شيخنا، بالنسبة لقوله: "فيقتله بما يغلب على الظن موته"، هل يمكن أن يقال لكل مقتول بحسبه؟ هذا مثل يقتل مثل مريض السكر، الجرح قد يقتله، والمتعافي لا يقتل. هل ترى يختلف الحكم بناءً على حالة المقتول؟

إيه، لذلك إن قلنا إن القتل بالمثقل، مثل الحجر الصغير، الحجر الصغير إذا كان على المريض يعتبر قتل عمد، وإذا كان على شخص صحيح يعتبر قتل شبه عمد.

لو ذهب يا شيخ أحد السحرة وقتل بسحره، هل يقتل؟ أو هو ذهب إلى أحد السحرة مثلاً في أمر معين، عمل له سحر مثلاً ومات؛ يعني قال للساحر اسحرني ولا إيش؟ سحر عطف مثلاً أو سحر أو أي حاجة، فـ حالة لا ينطبق عليها هذه الصورة؛ لأنه هو اللي ذهب إلى هذا الساحر كان يريد منه شيء، عطف أو فقتل، فعمل له السحر على أنه لكن قتل، هل ينطبق عليه؟

إيه، إذا كان هذا السحر هو سبب القتل، نعم، هو اللي بدأ، حتى لو كان هو اللي بدأ. يا شيخ، الإشكال في هل السحر يقتل أو لا يقتل؟ قد تكون هيئة نظر فيها خبراء، فهم مو من أهل الخبرة. والله هل ذكر يعني من سبقنا كان فيه قصاص على شيء؟ ما أدري، يرجع لأهل الخبرة، لكن هم قالوا إذا كان السحر يقتل غالباً، يمكن عندهم، ما أدري أنا والله، فيها ضوابط أصلاً في المسألة، ما في وقائع قضائية ما أذكر.

أحسن الله إليك. قال رحمه الله: «وشبه العمد أن يقصد جناية لا تقتل غالباً ولم يجرحه بها، كمن ضربه في غير مقتل بسوط أو عصا صغيرة أو لكزه ونحوه». أحسنت. هنا شبه العمد قال أن يقصد الجناية، لكن هذه الجناية لا تقتل غالباً، لا تقتل غالباً، فهذا هو الفرق بين العمد وشبه العمد؛ العمد الجناية تقتل غالباً، وشبه العمد الجناية لا تقتل غالباً، والكلام فيه قصد. ويكون قصده إما للعدوان أو للتأديب لكن يسرف في هذا التأديب. مثلاً لو كان أب يؤدب ولده، فـ ضربه وأسرف في الضرب حتى توفي هذا الولد، فنقول هنا يكون هذا القتل شبه عمد. ثم مثل كمن ضربه في غير مقتل بسوط، ضربه بسوط مثلاً على ظهره فمات، أو عصا صغيرة، أو لكزه ونحو ذلك؛ فهذا كله يعد قتل شبه عمد؛ لأنه قصد الجناية لكن هذه الآلة أو الفعل الذي فعله لا يقتل غالباً، فلذلك يعد شبه عمد.

قال رحمه الله: «والخطأ أن يفعل ما له فعله مثل أن يرمي صيداً أو غرضاً أو شخصاً فيصيب آدمياً لم يقصده. وعمد الصبي والمجنون». أحسنت. الخطأ نوعان. النوع الأول أن يفعل ما له فعله فيصيب آدمياً معصوماً لم يقصده، وطبعاً المؤلف أدخل المثال في ضمن هذا النوع؛ قوله: "فمثل أن يرمي صيدًا أو غرضًا أو شخصًا" هي ترى مثال. فتكملة الخطأ النوع الأول أن يفعل ما له فعله فيصيب آدميًا لم يقصد، فلو أخر المثال لكان أولى لأجل أن لا يلبس: أن يفعل ما له فعله فيصيب آدميًا لم يقصد، مثل أن يرمي صيدًا، رمى صيدًا فأصاب إنسانًا، أو يرمي غرضًا، مثل أناس تسابقوا في الرمي على عمود، فلما رموا هذا العمود أصاب أحدهم إنسانًا، أو شخصًا؛ يعني شخصًا مباح الدم، مثل شخص مرتد ونحو ذلك فرماه، فوقعت الرصاصة على إنسان معصوم الدم، فهذا كله يعد قتل خطأ.

والنوع الثاني عمد الصبي والمجنون، فهذا من قبيل القتل الخطأ؛ لأن الصبي والمجنون لا يصح لهما القصد، فهما يعدان غير قاصدين، فـ عمدهما يعد من باب الخطأ.

قال رحمه الله: «فصل في حكم القصاص من المشتركين في القتل. تقتل الجماعة بالواحد. وإن سقط القود أدوا دية واحدة. ومن أكرهه مكلف». طيب، هنا ذكر المؤلف رحمه الله تعالى قاتل الجماعة بالواحد. الأصل أن النفس تفدى بنفس واحدة، فما الحكم لو اشترك جماعة في قتل شخص؟ اشترك جماعة في قتل شخص، هنا المؤلف رحمه الله تعالى يقول: تقتل الجماعة بالواحد. وهذا في حالين:

الحال الأولى أن يتواطأوا على قتله؛ فإذا تواطأوا على قتله فإنهم يقتلون به جميعًا. مثل الحالة الأولى يا شيخ ولا الشرط الأول؟ لا، الصورة الأولى، يعني يجرحه وكلهم جرح يقتل، ما يتواطأوا، تواطأوا، يفعلون كلهم ما لا يتم القتل إلا بمشاركة كل منهم بفعله، يعني المقصد هذا يحرس وهذا... نعم، أحسنت، يعني مثلًا واحد يمسك يديه، وواحد يمسك رجليه، وواحد هو الذي يتولى قتله، والرابع هو اللي يحرسهم، والخامس ينظر لهم الطريق ونحو ذلك، فهم كلهم تعاونوا وتمالأوا على قتل هذا الشخص، فهنا يقتلون به.

الصورة الثانية أن يصلح فعل كل واحد للقتل حتى لو لم يوجد تمالؤ؛ فلو مثلاً اثنين...

يريدون قتل واحد، لكن كل واحد خطط من جهة، ما دروا أنه فجأة اتفقوا، فتصادفوا أنهم كلهم دخلوا عليه في وقت واحد. فواحد مثلاً طعنه في صدره، وواحد طعنه في ظهره، فمات من هذه. فكل واحد منهم يصلح فعله للقتل، وهم لم يتواطؤوا على قتله. فهنا يقتلون به.

إذاً تقتل الجماعة بالواحد في حالين: إذا وجد تمالؤ، والثاني إذا صلح فعل كل واحد للقتل. أن عمر رضي الله تعالى عنه قتل سبعة من أهل صنعاء، قتلوا شخصاً، وقال: «لو تمالأ عليه أهل صنعاء لقتلتهم به».

إذا سقط القود، لو عفا الأولياء فهنا دية واحدة فقط؛ لأن القتل واحد، فلا يلزم أكثر من دية.

قال رحمه الله: «من أكره مكلفاً على قتل مكافئه فقتله، فالقتل أو الدية عليهما». الآن، الشخص جاء لشخص آخر، وقال: «اقتل فلاناً، وإلا قتلتك»، فأكرهه على أن يقتل فلاناً، فجاء وأخذ السلاح وقتل فلان. فعلى من انقض؟ المؤلف ماذا قال؟ عليهما، فالقود أو الدية عليهما. إذا طلب القود أو طلب الدية فإنهما يطالبون المكره والمكره. قالوا لأن المكره قصد استبقاء نفسه بقتل غيره، فهو فعل أمراً محرماً، والمكره هو الذي تسبب بهذا القتل وحصل منه عدوان، فاشتركا في الضمان.

الشيخ هنا يعتبر المكره الذي هو القاتل قصد استبقاء نفسه بقتل غيره، والمكره تسبب للقتل بإكراه هذا المكره، فاشتركا في الضمان. الشيخ هنا يعتبر المكره قاتلاً؟ لا، هو لو أنه جعله كالآلة، بمعنى مثلاً أخذ الشخص وضرب به شخصاً آخر فأصاب هذا المباشر، فالضمان على الضارب، والمضروب به هذا لا ضمان عليه لأنه يعتبر آلة. لكن الكلام إذا كان المكره لا أخذ السلاح وذهب وقتل الشخص المأمور بقتله.

قال رحمه الله: «وإن أمر بالقتل غيره فقتله، أو مكلف يجهل تحريمه، أو أمر به السلطان ظلماً من لا يعرف ظلمه فيه فقتل، فالقود أو الدية على الآمر». أحسنت، هنا ذكر ثلاث مسائل ليس فيها اشتراك في الضمان، وإنما يكون الضمان على الآمر الذي هو المتسبب.

قال: «إذا أمر بالقتل غير مكلف»، كأن قال لشخص صغير: «اقتل فلاناً»، فذهب وقتله، فهنا الضمان يكون على الآمر؛ لأنه هو الذي حصل منه العدوان، أما الصغير فإنه كما قلنا أن الصغير لا قصد له.

«أو مكلف يجهل تحريمه»، يعني أمر بالقتل مكلف لكنه يجهل تحريم القتل؛ لأنه حديث عهد بالإسلام، ولا يعرف أحكام الإسلام، وأن القتل أمر محرم، فيعذر بجهله في هذه الحال، فهنا لو قتل فالقصاص يكون على الآمر لأن المأمور المكلف معذور بجهله.

قال: «أو أمر به السلطان ظلماً من لا يعرف ظلمه فيه فقتل»، يعني لو كان السلطان أمر شخصاً أن يقتل فلاناً ظلماً، وهذا المأمور يعرف أن السلطان ظالم فنفذ هذا وقتل، فهنا القود والدية على الآمر الذي هو السلطان. قالوا لكون المأمور معذوراً لوجوب طاعة السلطان في غير معصية، والظاهر يعني في مثل هذه الأحوال أن الإمام لا يأمر إلا بحق، هكذا على الأصحاب رحمهم الله تعالى.

شيخ الإسلام رحمه الله يناقش في هذا ويقول: هذا مبني على وجوب طاعة السلطان في القتل المجهول، ويقال هذا في نظر، قال: بل لا يطاع حتى يعلم المأمور جواز قتله، وحينئذ فتكون الطاعة له معصية إذا أمره بالقتل وهو لا يعلم أن هذا مستحق للقتل، لا سيما إذا كان هذا السلطان معروفاً بالظلم. فهنا الجهل بعدم الحل كالعلم بالحرمة، هذا كلام شيخ الإسلام رحمه الله موجود في الاختيارات وذكره الشيخ منصور البهوتي في الكشاف وغيره.

سؤال: الجهل بعدم الحل كالعلم بالحرمة؟ قال رحمه الله: «ومن قتل مأموراً مكلفاً عالماً تحريم القتل فالضمان عليه دون الآمر». إذن هنا مسألة: إذا كان المأمور المكلف يعلم تحريم القتل، هنا ما فيه إكراه، وإنما في أمر: «اقتل فلاناً»، فجاء وأخذ السلاح وقتل. هنا يعلم تحريم القتل وليس فيه إكراه من الآمر، فهنا يقولون القود أو الدية على القاتل دون الآمر؛ لأنه هنا مباشر وحصل منه تعدٍ وهو غير معذور بذلك، والآمر يؤدب بما يراه الإمام.

أحسنتم. قال رحمه الله: «من اشترك فيه اثنان، لا يجب القود على أحدهما مفرداً لأبوة أو غيرها، فالقود على الشريك، وإن عدل إلى طلب المال لزمه نصف الدية». أحسنت، هنا مسائل الاشتراك في القتل. يقول المؤلف رحمه الله تعالى: إذا اشترك في القتل اثنان، لا يجب القود على أحدهما، يعني لا يقتص من أحدهما لمانع فيه، فالقود على الشريك، وإن عدل إلى الدية فله نصفها.

لو كان مثلما سيأتينا من ضمن موانع القصاص: الأبوة، فلو اشترك أب مع العم في قتل الابن، اشتركوا في قتل الابن، فهنا كان قتلاً عمداً أو شبه عمد، فيسقط القصاص عن الأب بوجود المانع وهو الأبوة، لكن العم ليس فيه مانع من القصاص، فهنا يقتص منه. طيب، لو أن أولياء الدم طلبوا بالدية من العم، فيقولون له نصف الدية، واضح؟ لو كان القاتلان صغيراً وكبيراً، الصغير لا يقتل، ولكن في حالة الدية.

نأتي إلى ما قال الشيخ عبدان في الحاشية، ماذا قال؟ قال: «ظاهر كلامه العموم، والمذهب كما في الإقناع والمنتهى التفصيل؛ فإن كان المانع يختص بالقاتل فالقود على الشريك، وإن كان المانع لقصور في السبب كعامل ومخطئ فلا قصاص عليهما». أحسنت، هذه عندي جواب السؤال. المذهب يعني كلام المؤلف رحمه الله على العموم والمؤلف اختصر، وإلا في الإقناع ذكر الحالتين، أن هنا التنصيف أو القود على الشريك إذا كان سقوط المانع...

القصاص عن الشريك لوجود مانع فيه، كالأبوة والحرية، كما لو اشترك حر وعبد في قتل عمد. لكن لو كان المانع لقصور في السبب، كما لو اشترك مخطئ وعامد، هنا يقول: لا قصاص على الاثنين؛ كلاهما، ولماذا؟ لأننا لا نعلم مقتل أحدهما، كلاهما اشتركوا، وقالوا لأن العامد ما استطاع أن يقتله إلا بمساعدة المخطئ، والمخطئ لا يقتص عليه، ولا يتنصف القتل، فلا نقدر أن نقتل نصف قتلة، فقال: يسقط القصاص عنهما ولا يجب عليهما إلا الدية.

يا شيخ، ليش ما قلت بنفس الصورة الأب مع الأجنبي؟ ولا الدية يا شيخ؟ لا، الأب، قالوا وجود مانع، يعني إيه؟ هنا إلا في الدية؛ في دية، عندك الكلام عن القصاص. الأب هنا في عمد كامل من الأب، لكن سقط القصاص لسبب ليس لقصور في السبب، وإنما لمانع في القاتل نفسه، الأب أو الحر الذي قتل عبده.

شيخ أصلحك الله، هل يلزم نصف الدية؟ اللزوم هنا لمن تحقق فيه المانع أم لمن خلا من المانع؟ كلاهما. طبعًا هو كلامه على من خلا من المانع وهو الشريك، لكن النصف الآخر لمن فيه المانع؛ يعني الأب يدفع الدية، الأب يسقط عنه القصاص فقط، ولا الدية ما فيها إشكال.

قال رحمه الله: باب شروط القصاص، وهي أربعة: إسلام المقتول، فلو قتل مسلم أو ذمي حربيًا أو مرتدًا لم يضمنه بقصاص ولا دية. الثاني: التكليف، فلا قصاص على صغير ولا مجنون. الثالث: المكافأة، بأن يساويه في الدين والحرية والرق، فلا يقتل مسلم بكافر، ولا حر بعبد، ولا عكسه، ويقتل الذكر بالأنثى والأنثى بالذكر. الرابع: عدم الولادة، فلا يقتل أحد الأبوين وإن علا بالولد وإن سفلا، ويقتل الولد بكل منهما.

أحسنت، هنا ذكر المؤلف رحمه الله تعالى شروط القصاص، لأن ليس كل قاتل فيه قصاص، لابد طبعًا القصاص مختص بالقتل العمد. وقبل أن نذكر ما يترتب على القتل، نقول: يترتب على القتل خمسة أمور: الأول الإثم، وهذا في أي أنواع القتل؟ في القتل العمد وشبهه. الثاني القود، وهو القصاص، وهذا في العمد فقط. الثالث الدية، وهذا في العمد وشبهه والخطأ؛ أي في الأنواع الثلاثة، لكنها تختلف في التغليظ والتخفيف. الرابع الكفارة، وهذا في الخطأ وشبه العمد، أما العمد فلا كفارة فيه؛ لأنه جرمه أعظم من أن يكفر، لا يكفره إلا التوبة النصوح. الخامس الحرمان من الإرث، وهذا تقدم معنا في القرآن.

على المذهب أن كل أنواع القتل الثلاثة تحرم من الإرث، وذكرنا القول الثاني في المسألة أنه ما عدا شبه العمد، أما قتل الخطأ فلا يمنع من الميراث، وهذا هو المذهب للإمام مالك رحمه الله، واختاره ابن القيم رحمه الله، وصدر فيه قرار هيئة كبار العلماء بالأكثرية، فهو قول في المذهب، لكن هل هو رواية عن أحمد أو لا؟ نسيت. كما قلنا هي المعتمد أن كل قتل مضمون فإنه يحرم فيه من الإرث.

إذاً هذه الأمور المترتبة على القتل. الأمر الثاني هو القصاص، هل كل قتل عمد فيه القصاص؟ قالوا: لا بد فيه من شروط، سيأتينا في الباب الذي بعده "استيفاء القصاص". وما الفرق بينه وبين شروط القصاص؟ شروط القصاص يعني نتحقق من الشروط التي يثبت لهم بها المطالبة بالقصاص، فإذا توفرت الشروط الأربعة ننتقل لاستيفاء القصاص. متى يستوفون القصاص؟ متى ينفذ القصاص؟ ينفذ القصاص إذا توفرت ثلاث شروط ثانية غير الشروط الأربعة؛ أربعة هذه لأجل يحكم بالقصاص.

شروط القصاص: الأول عصمة المقتول، يعني يكون المقتول معصوم الدم، وهو المؤمن، المسلم أو الذمي أو المعاهد أو المستأمن؛ لذلك قال: فلو قتل مسلم أو ذمي حربيًا أو مرتدًا لم يضمن بقصاص ولا دية؛ لأنه غير معصوم. الثانية التكليف، أي البلوغ أو العقل، فلا قصاص على صغير ولا مجنون؛ لأنه ليس لهم قصد. الثالثة المكافأة حال الجناية، قال: بأن يساويه في الدين والحرية والرق، يعني بأن لا يفضل القاتل على المقتول بها؛ فلا يقتل مسلم بكافر، هنا القاتل صار أفضل من المقتول في الدين فلا يقتل به، ولا يقتل الحر بالعبد؛ لأن القاتل أفضل من المقتول في الحرية والرق فلا يقتل به.

أما عدم قتل المسلم بالكافر، فقد جاء في حديث النبي ﷺ يقول: «لا يقتل مسلم بكافر»، هذا رواه البخاري من حديث علي رضي الله عنه. والحر بالعبد، هذا جاء في أثر عن علي رضي الله عنه أنه قال: «من السنة ألا يقتل حر بعبد»، وهذا عند ابن أبي شيبة وغيره وفيه ضعف، وجاء مرفوعًا عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما عند الدارقطني والبيهقي أيضًا ولا يصح، ولذلك هذه المسألة فيها خلاف، والقول الثاني في المسألة أنه يقتل الحر بالعبد، لكن أكثر أهل العلم رحمهم الله تعالى على عدم قتل الحر بالعبد.

قال: وعكسه يقتل؛ فيقتل الكافر بالمسلم، ويقتل العبد بالحر لأنه مقتول. قال: ويقتل الذكر بالأنثى والأنثى بالذكر لعموم الآية: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ [المائدة: 45]، ولما جاء في الصحيح أن النبي ﷺ قتل اليهودي الذي رض رأس الجارية بين حجرين، فقتل ذكرًا بأنثى. الرابع: عدم الولادة، يعني ألا يكون القاتل أبا للمقتول، أو أمًا للمقتول، أو جدًا أو جدة من أصوله؛ لقوله ﷺ: «لا يقتل والد بولده»، وهذا الحديث أخرجه أحمد والترمذي وغيرهما من حديث عمر رضي الله تعالى عنه، وجاء من أحاديث غيره من الصحابة رضي الله تعالى عنهم، ولا يخلو حديث منها من ضعف، لكن هذه الأحاديث مشهورة، يقول ابن عبد البر رحمه الله تعالى: هو حديث مشهور عند أهل العلم بالحجاز والعراق مستفيض، وذكر أن شهرته تكفي عن إسناده، وهذا يفيدك أن بعض الأحاديث قد لا تثبت من ناحية السند، لكنها مشهورة.

تكون مشهورة عند أهل العلم في مختلف الأمصار؛ الحجاز والعراق ومصر والشام ونحو ذلك، وهذا يدل على قوتها؛ لماذا؟ لأنها قد تكون ثابتة عندهم من طرق لم تبلغنا فأخذوا بها، خاصة إذا تكاثرت الطرق وتكاثرت البلدان التي أخذت بها.

فهذا مما يقول أهل العلم رحمه الله تعالى: إن شهرة الحديث تغني أو تكفي عن البحث في إسناده، وهناك بعض الأحاديث التي يذكرون أن شهرتها تغني عن البحث في إسنادها، ومنها نعم الأمثلة عليها حديث نهي النبي ﷺ عن بيع الدين بالدين. نهي عن بيع الدين بالدين، وهذا لم يصح فيه حديث بهذا اللفظ، يعني جاءت فيه عدة أحاديث، لكن ذكر بعض أهل العلم أن شهرته تغني عن إسناده.

ولها أمثلة، ومنها حديث «لا وصية لوارث»، والله أعلم، تكلم عنها في وقتها، أن ذكر ابن عبد البر أو غيره أن شهرته تغني عن إسناده. قال: ويقتل الولد بكل منهما، يعني إذا قتل الأب -نعم الأب- الابن أباه أو أمه فإنه يقتل بهما لعموم النص، وإنما خص منه الأبوان بهذا الحديث، فيبقى ما عداه على العموم.

أحسن الله إليكم. قال رحمه الله: باب استيفاء القصاص، اشترط له ثلاثة شروط؛ أحدها كون مستحقه مكلفًا، فإن كان صبيًا أو مجنونًا لم يستوف وحبس الجاني إلى البلوغ والإفاقة.

أحسن الله إليكم، هنا ذكر استيفاء القصاص، وقلنا لكم نفرق بين شروط القصاص واستيفاء القصاص؛ فمن شروط القصاص -يعني هذه تتوفر لكي يحكم بالقصاص- أما الاستيفاء، فهذه لكي ينفذ القصاص، لا ينفذ القصاص إلا بعد توفر الشروط الثلاثة التي سيذكرها المؤلف رحمه الله.

قال: يشترط له ثلاثة شروط، الأول: كون مستحقه مكلفًا. المستحق هو مستحق المطالبة بالقصاص، وهو أولياء الدم الذين هم ورثة المجني عليه، لابد أن يكونوا كلهم مكلفين، أي بالغين عاقلين. فإن كان من الورثة صبي أو مجنون، يقول: لم يستوفى، يعني لا يستوفى من غيرهما ولو من الولي أو الحاكم؛ لماذا؟ قالوا لأن القصاص ثبت لما فيه من التشفي والانتقام، والتشفي والانتقام لا يقوم غير ولي الدم مقامه فيه.

قال: لم يستوفى، ويحبس الجاني إلى البلوغ، يعني بلوغ الصبي أو إفاقة المجنون. بلوغ الصبي واضح، لكن إفاقة المجنون قد يفيق وقد لا يفيق، يمكن أربعين أو خمسين سنة لا يفيق، هذا هل يحبس هذه السنين؟ كلام الفقهاء أنه يحبس، ويستدلون بأن معاوية رضي الله تعالى عنه -طبعًا يستدلون على حبس الجاني حتى بلوغ الصغير- لكن قاسوا المجنون عليه، يستدلون بأن معاوية رضي الله عنه حبس هدبة بن خشرن في قصاص حتى بلغ ابن القتيل.

وهذا الأثر يتناقله الحنابلة رحمهم الله تعالى، وقد يكون غيرهم، لكن الحنابلة يتناقلونه، وهدبة بن خشرن هذا ورد عند الحنابلة في موضعين، كلاهما في القصاص؛ هنا في هذا الموضع في حبس الجاني حتى بلوغ الصبي، وفي العفو عن الدية، أنهم عفا عن القصاص إلى أكثر من الدية، يستدلون بأنه بذل لولي الدم سبع ديات فلم يقبل، فيستدلون به على أنه يجوز الصلح عن القصاص على أكثر من الدية، فيستدلون بهدبة بن خشرن في هذين الموضعين.

والعجيب أنه على حسب بعض الباحثين لا وجود لهذين الأثرين في كتب التخريج في كتب الحديث، وإنما توجد في بعض كتب التاريخ والأدب، فهدبة بن خشرن هذا من الشعراء، وقُتل بسبب شعره، يعني حكم عليه بالقصاص وسجن، فكان يتهاجى هو وشخص آخر من جماعته، فكل منهم هجى الثاني، وحصل بينهم الضرب حتى جاء هذا هدبة وترصد لخصمه فقتله، فبما أنه شاعر تجدون تفصيل قصته في كتب الأدب، ما ذكرها أو ابحث عنها، هذا الذي كنت أبحث عنه، لعلكم تجدونها في كتب التاريخ أو الآثار.

أنا ما بحثت عنها، لكن ببحث سريع يذكر أنها مذكورة في كتب الأدب والتاريخ، حتى أنهم في بعض الكتب لا يذكرون أنه حبس حتى بلغ ابن القتيل، أين جاء الأصحاب بأنه حبس حتى بلغ ابن القتيل؟ الشيخ في الرواية، يعني ما هي مروية على أن بعضهم يقول من الأصحاب، وبعضهم يقول الأصل أنه مجرد أن يرويه الإمام فهذا ثابت عنده ما ينظر في السند، لكن هل ينظر الإمام؟ الإمام أحمد، إي ينظر، ينظر الإمام، حتى الآن الألباني رحمه الله قال لم أقف عليه، ينظر في تخريجه في هذا الموضوع وفي الموضوع الآخر.

طبعًا حبس الجاني إلى البلوغ أو الوفاة، والعمل الآن في المحاكم أنه في البلوغ يحبسونه حتى يبلغ الصبيان ويطالبون مع الكبار، أما في المجنون فيقولون للولي أن يطالب عن المجنون لأن المجنون لا وقت له معلوم لأجل يفيق، بخلاف الصبي، وهذا قول في المذهب وهو الذي عليه العمل.

سؤال: هل المقصد في تأخيره من أجل التشفي؟ أم أنه يكون تشوفًا لهذه الصورة عنه؟ هم يذكرون التشفي، لكن محتمل أنه أيضًا من الأسباب أنه لعلهم يعفون، تعليل ببقاء في السجن حتى يصحو المجنون لعلهم يعفون، هم عاد يذكرون التشفي، وإلا فالعفو وارد.

بالنسبة للإسقاط، يطالب من الذي يطالب؟ الولي، ولي القاصر والمجنون، هنا الولي هو الذي يطالب، سواء كان مجنونًا أو كان مهذريًا، يعني مخرفًا في نهاية عمره، فكلاهما لهما.

الشرط الثاني، قال رحمه الله: "واتفاق الأولياء المشتركين فيه على استيفائه، وليس لبعضهم أن ينفرد به، وإن كان من بقي غائبًا أو صبيًا أو مجنونًا، انتظر القدوم والبلوغ والعقل".

أحسنت، الشرط الثاني أن يتفق الأولياء على الاستيفاء، لابد أن يطالب الجميع، فإن عفا ولو واحد سقط القصاص، لذلك قال: "وليس لبعضهم أن ينفرد به"؛ لأنه إذا انفرد به يكون استوفى حق غيره من غير إذنه. إذا كان من بقي غائبًا أو صبيًا أو مجنونًا، انتظر القدوم للغائب، والبلوغ للصغير، والعقل للمجنون. طبعًا هذا أيضًا الغائب يعالج الآن في وقتنا هذا بالتوكيل، إما أن يقدم أو يوكل، والبلوغ ينتظر إلى أن يبلغ ويطالب، والمجنون على القول الثاني لا ينتظر وإنما يطالب عنه وليه.

أحسن الله إليكم. قال رحمه الله: الثالث ما لا في الاستيفاء أن يتعدى الجاني. فإذا وجب على حامل فحملت، لم تقتل حتى تضع الولد وتسقيه اللبأ.

أحسن الله إليك. تسقيه اللبأ، واللبأ هو أول اللبن عند الولادة. ثم إن وجد من يرضعه وإلا تركت حتى تفطمه، ولا يقتص منها في الطرف حتى تضع. والحد في ذلك كالقصاص.

أحسنت. هذا الشرط الثالث: أن يؤمن في استيفاء القصاص أن يتعدى الجاني؛ لقوله تعالى: ﴿فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ﴾ [الإسراء: 33]. فإذا لم نأمن ذلك فإننا نؤخر الاستيفاء، وهذا يتصور في الحامل؛ فإذا وجب القصاص على حامل فإننا لن ننفذ عليها القصاص حتى تضع الولد وتسقيه اللبأ.

قال: لأن قتل الحامل يتعدى للجنين، والجنين لا جناية منه، حتى تذاق روحه. وقتلها بعد الوضع قبل إسقائه اللبأ يضره؛ لأنه في الغالب لا يعيش إلا به. قال: ثم إن وجد من يرضعه -يعني إذا أسقته اللبأ ووجد من يرضعه- فإنه يعطى لمن يرضعه، وإن لم يوجد من يرضعه فإنها تترك حتى تفطمه.

وهذا ورد في حديث؛ أقصد تأخير القاتلة حتى تلد، في حديث معاذ وأبي عبيدة وشداد بن أوس وعبادة بن الصامت عن النبي ﷺ قال: «إذا قتلت المرأة عمداً لم تقتل حتى تضع ما في بطنها إن كانت حاملاً، وحتى تكفل ولدها»، يعني تعطي ولدها من يكفله، وهذا رواه ابن ماجه لكنه ضعيف. ويشهد له حديث الغامدية في حد الزنا، فيقاس عليه.

قال: ولا يقتص منها في الطرف، يعني مثلاً لو قطعت يد امرأة أو يد رجل فإننا لا نقطع يدها إذا كانت حاملاً حتى تضع؛ لأننا لو قطعناها وهي حامل ربما يؤثر ذلك على جنينها. قال: والحد في ذلك كالقصاص، يعني أنه يؤخر حتى تضع. وفي حديث الغامدية وهو مقصور على الحد الذي يتضمن القتل، أما الحد بالجلد فقالوا إنه متى ما وضعت فإنها تجلد، لا يشمل تسقية اللبن وأن تعطيه من يكفله ونحو ذلك.

نعم. السؤال: قال رحمه الله: فصل في ذكر من يستوفي القصاص؛ يستوفي القصاص بحضرته، ولا يستوفى قصاص إلا بحضرة سلطان أو نائبه، وآلة ماضية، ولا يستوفى في النفس إلا بضرب العنق بسيف ولو كان الجاني قتله بغيره.

ذكر هنا آداب في القصاص، وهذه آداب واجبة. قال: لا يستوفى القصاص إلا بحضرة السلطان أو نائبه؛ لأن القصاص يفتقر إلى الاجتهاد، ولازم حضور السلطان ونائبه، وأيضًا يخاف من الحيف إذا لم يحضر السلطان ولا نائبه. وعندنا هذا يحضر القصاص مندوب من وزارة الداخلية، ويحضر القصاص مندوب من المحكمة ومندوب من الإمارة، هؤلاء هم نواب الإمام في ذلك.

قال أيضًا: لا يستوفى القصاص إلا بآلة ماضية؛ لأن الاستيفاء بالآلة الكالة فيه تعذيب وإسراف في القتل، والله عز وجل يقول: ﴿فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ﴾. قال: ولا يستوفى في النفس إلا بضرب العنق بسيف، ولو كان الجاني قتله بغيره، إنما لا بد أن يضرب العنق بالسيف. ويستدلون بحديث «لا قود إلا بالسيف»، وهذا حديث رواه ابن ماجه من حديث النعمان بن بشير وأبي بكرة رضي الله تعالى عنهما، ولكنه ضعيف.

والقول الثاني أنه يقتل بما قتل به، إلا إذا كان قتل بشيء محرم؛ لعموم قوله تعالى: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُم بِهِ﴾ [النحل: 126]، ولحديث اليهودي الذي رض رأس الجارية بين حجرين، حيث إن النبي ﷺ قتله بل أمر بقتله بذلك لأنه رض رأسه بين حجرين.

وإذا كان قتلاً بأمر محرم فإنه لا يجوز قتله به؛ يعني لو كان أسقى إنسانًا خمرًا حتى مات، فإننا لا يجوز أن نجرعه الخمر حتى يموت لأن هذا أمر محرم. والتحريق بالنار، هل نقول إن التحريق بالنار محرم لذاته؟ يعني لو حرق، ألا يجوز أن نحرقه من باب العقوبة بالمثل؟ هذا الأصل أنه لا يعذب بالنار إلا رب النار، فلو حرق، هل يقال نحرقه عقوبة له بالمثل؟ لا يجوز؛ لكونه محرمًا. الله أعلم. هو في حديث لكنه لا يصح، وفيه: «من حرق حرقناه ومن غرق أغرقناه»، لكنه لا يصح.

ومع ذلك، بعض الأصحاب الذين يقولون يقتل بما قتل به لم يستثنوا النار على أنها إنما حرمت ابتداءً، لكن إذا كانت قصاصًا أو معاقبةً بمثل فإنهم أجازوها. تبحث عن الصواب، والله تعالى أعلم. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. آمين.

نعم. بالنسبة شيخنا أكرمنا الله وإياكم، في إقامة الحد الآن، القصاص؛ هل صحيح في الزمن الماضي أنهم كانوا يعطون إبرة مخدرة بحيث أنه يؤتى به إلى مكان القصاص؟ في الزمن الماضي، ولا ما يحدث الآن؟

والله في الزمن الماضي، يقولون في الزمن الماضي، وأنا وقفت على فتوى في شرح البلوغ للشيخ البسام رحمه الله تعالى أن الأمير نايف رفع إلى كبار هيئة العلماء يستفسر في الأمر. فهل فعلًا كانت الأمور أنها تعطى هذه المادة؟

يمكن تقصد تخدير، ليس بالقصاص، مثل قطع اليد؟ نعم. القصاص أنه يأتي، يعني بعضهم الآن يأتي مطيعًا، يقول هذا أصلًا ما أعطيناه التخدير. هم الآن في حالات معينة يحرصون على النساء؛ النساء يعطونهم مخدرًا لكي لا تنزعج وتثير البلبلة، لكن الرجال ما أدري.

الفتوى يا شيخ ما قرأت قديمة موجودة في شرح البلوغ، كأنهم والله تعالى أعلم أنهم ما أجازوه بحيث إنه مثل ما قلت إنما من باب التشفي، ويبدو أنها تخدير في قطع اليد لأنه هو الذي بحثوا، ما أدري مجمع الفقه الإسلامي بحثوا؛ تخدير قبل قطع اليد هل يخدر أو لا؟ منهم من قال لا يخدر، يجب أن يذوق الألم، ومنهم من قال بل يخدر لأن المقصود هو إزالة يده وقد أزيلت، ومنهم من فرق.

بين أن تقطع اليد قصاصاً كما لو قطع يد شخص، أو تقطع حداً كما لو كان في السرقة. فقال: لو قطعت قصاصاً فلا يخدر؛ لأن المقصود أيضاً وزاد: فإذا خدرناه سويناه في إزالة اليد، لكن ما سويناه في الألم.

أما في الحد، قال: المقصود الردع بقطع يده، فيحصل هذا به. وهذا التفصيل هو اختيار الشيخ ابن عثيمين رحمه الله.

الشيخ بارك الله فيك، اعتماد الصور في المتوافق فيها يفيد الحصر، فمثل صور القتل الآن هنا؛ هل تدخل بهذا القائل؟ والقائل بالبقاء خاص بالخصائص، لا يعددون إلا للحصر. هو هذا الأصل، لكن هنا جاب بجملة تفيد أنها للتمثيل، يبدو أنه للتمثيل وليس للحصر.

عندي سؤال في المتن: «أو يحبسه ويمنعه الطعام أو الشراب، فيموت من ذلك». لو قلت يا شيخ: «فيموت من ذلك»، هذا لا يحتاج شيء؛ لأنه معطوف. ما ذكر الشيخ في الثلاثة أشياء: يحبسه، فيموت، ومعطوف معه. ولو وقف أو شراب أو الشراب فيموت من ذلك، لا؛ الجملة معطوفة، أنت اللي وقفت. هات لي. بسم الله. لكن لا.