قبل أن نبدأ درس هذا اليوم، أحببت أن أقرر الدرس الماضي عن عقد النكاح عن طريق الأجهزة المرئية أو أجهزة الاتصال المرئية. أذكر أن في قرار مجمع الفقه الإسلامي -الله يجزاه خير- أخذه، نسيت أنا، طبعاً السؤال الأول معنون: لا يصح إجراء عقد النكاح عن طريق الاتصال الحديث، وهل يجوز إجراء عقد النكاح عن طريق الإنترنت؟ قرار المجمع هذا، إذا أُجري عقد النكاح عن طريق الاتصال الحديثة كالهاتف واللاسلكي والبرق والفاكس فإنه لا يصح؛ لاشتراط الإشهاد فيه على الإيجاب والقبول، وهذا لا يمكن في هذه الأحوال لأنه يمكن أن يزور الخط وأن يقلد الصوت. لكن إذا احتيج إلى العقد مع غياب الزوج أو الولي، فإن أحدهما يوكل شخصاً ينوب عنه في إجراء العقد.
والثاني قالوا: ويجوز على الصحيح إجراء عقد النكاح مع تباعد أماكن تواجد الزوج والولي والشهود، وذلك عن طريق الشبكة العالمية الإنترنت؛ فيمكن لأطراف العقد والشهود الاشتراك جميعاً في مجلس واحد حكماً وإن كانوا متباعدين في الحقيقة، فيسمعون الكلام في نفس الوقت، فيكون الإيجاب ويليه فوراً القبول، والشهود يرون الولي والزوج ويسمعون كلامهما في نفس الوقت، فهذا العقد صحيح لعدم إمكان التزوير أو تقليد الأصوات، حتى على القول باشتراط اتحاد مجلس العقد، فإنه وإن كانوا في أماكن متباعدة لكنهم حكماً في مكان واحد يرون بعضهم ويسمعون كلام بعضهم في نفس الوقت واللحظة.
بارك الله فيك، إذاً قرر المجمع يفرقون بين المرئي وغير المرئي؛ مثلاً الفاكس أو الهاتف يعني بالاتصال أو الجوال، يقولون لا ينعقد؛ لماذا؟ لأنه لابد أن يسمع الشهود الإيجاب والقبول، وقد يكون الشخص المتصل -مثال ولي غير حاضر- قد يتصل ويصير شخص يقلد صوته، فلا يتمكنون من التأكد من صوت هذا الشخص؛ هل يعود إلى الولي أو غيره؟ لأنه يمكن أن تُقلد الأصوات. لكن إذا كان الحال الثاني إذا كان الاتصال مرئياً، بمعنى أن الشهود يرون الزوج ويرون الولي، والزوج يرى الولي، والولي يرى الشهود مثلاً، فكلهم يرون بعضاً وهم في مجالس متفرقة، يقولون يصح هذا ويكون المجلس كأنه في حكم المجلس الواحد.
إذاً هذا التفريق بين الحالين ذكره مجمع الفقه الإسلامي. مجمع الفقه الإسلامي الدولي، طبعاً عندنا مجمعان مشهوران؛ مجمع الفقه الإسلامي التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي، هذا أصله في جدة لكن الدورات تُعقد كل سنة في دولة، حين تُعقد هنا وحين تُعقد في الكويت، في مصر، إلى آخره من الدول المشاركة، يرأسه حالياً الشيخ ابن حميد، وقبله الشيخ بكر أبو زيد رحمه الله. والمجمع الفقهي الإسلامي هذا تابع لرابطة العالم الإسلامي، هذا مقره في مكة وكل دوراته تقام في مكة، ويرأسه حالياً سماحة المفتي وقبله الشيخ ابن باز رحمه الله تعالى.
بعضهم يفرق يقول هذا دولي وهذا محلي، محلي أنه فقط في مكة، وإلا العلماء يُستدعون من دول أخرى في كلا المجمعين. قرارات المجمع الفقهي الإسلامي الدولي تُطبع القرارات والبحوث والمناقشات كل دورة، يطبعون بحوثهم ومناقشاتهم والقرارات التي انتهوا إليها. أما مجمع الفقه الإسلامي الذي في مكة، لا يطبعون بعض البحوث، يطبعون قراراتهم، أما مناقشاتهم غير مطبوعة، وهي كلها سنوية.
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء وسيد المرسلين نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. اللهم علمنا ما جهلنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً يا رب العالمين. اللهم اغفر لشيخنا ولنا جميعاً، رحمه الله تعالى والمسلمين والمسلمات. فصل الثالث الولي، وشروطه التكليف والذكورية والحرية والرشد بالعقل، واتفاق الدين سوى ما يُذكر والعدالة، فلا تزوج امرأة نفسها ولا غيرها.
أحسنت، هنا ذكر المؤلف رحمه الله تعالى الشرط الثالث من شروط النكاح وهو وجود الولي، وقد دل على اشتراط الولي الكتاب والسنة والنظر الصحيح. فمن الكتاب؛ الله عز وجل ذكر في آيات وجه الخطاب فيها إلى الأولياء، الله عز وجل في القرآن وجه الأمر إلى الأولياء في الإنكاح، أحسنت ﴿فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ﴾ [البقرة: 232]، ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ﴾ [البقرة: 232]، هذه نزلت في معقل بن يسار رضي الله تعالى عنه لما طلقت أخته، فأراد زوجها يعقد عليها مرة ثانية بعد أن أخذت من العدة، نعقد عليه مرة ثانية فرفض، كيف يعني تتزوجون وأنت مطلقها؟ وهي تريده وهو يريدها، فنزلت هذه الآية. وأيضاً قول الله تعالى ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا﴾ [البقرة: 221]، يعني لا تمكّنوا بناتكم أو مولياتكم من المشركين، وهذا الخطاب موجه للأولياء أيضاً، وقول الله تعالى ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ﴾ [النور: 32]، هذا الخطاب أيضاً موجه للأولياء، فهذا دليل على أن الولي يوجه له الحكم أو يوجه له الخطاب في الإنكاح.
ومن السنة جاءت أحاديث كثيرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه لا نكاح إلا بولي، جاء عند الخمسة إلا النسائي عن أبي موسى رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا نكاح إلا بولي». وجاء لعدد من الصحابة رضي الله تعالى عنهم، رواه هذا الحديث عدد من الصحابة رضي الله تعالى عنهم، وصحح الحديث جمع من الأئمة، علله بعضهم بالإرسال، لكن صحح الوجه الموصول جمع من الأئمة كالإمام البخاري رحمه الله تعالى، وابن المديني وابن معين وغيرهم رحمهم الله تعالى. وأيضاً جاء في حديث عائشة عند الأربعة والنسائي: «أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها فنكاحها باطل، فنكاحها باطل». وأيضاً هو قول عامة الصحابة رضي الله تعالى عنهم كما ذكره ابن المنذر رحمه الله تعالى.
النظر الصحيح يقتضي ذلك؛ لأن المرأة تغتر بحال الرجل، لو أُسند قبول أو موافقة النكاح للمرأة فقط ربما فرطت في هذا الرجل؛ فكم من رجل يتصنع بصنعة الرجل الزاهد المتمسك وهو بضد ذلك تماماً! والرجل أقدر على معرفة حال الخاطب من المرأة، فلذلك اشترط الولي في النكاح. قوله صلى الله عليه وسلم: «لا نكاح إلا بولي»، حمله بعضهم على الاستحباب، لا نكاح كامل إلا بولي، ولكن جمهور أهل العلم رحمهم الله تعالى على أن النفي هنا يدل على الوجوب، هذا النفي نفي الصحة. والقاعدة أن النفي إذا ورد النص منفياً في كتابه وفي السنة، فالاصل أنه يحمل على نفي الوجود، فإن تعذر حُمل على نفي الصحة، فإن تعذر حُمل على نفي الكمال.
ولذلك مثلاً قوله صلى الله عليه وسلم: «لا صلاة إلا بطهور». النفي للوجود أو للصحة أو للكمال؟ أول شيء نفي الوجود؛ هل ممكن أن توجد صلاة ولا يتطهر لها؟ ممكن يصلي صلاة ظاهرية، يعني ظاهرة أنها صلاة لكن لا تُقبل لأنها بغير طهارة. طيب ننتقل إذاً إلى المرتبة الثانية وهي نفي الصحة، فنقول إذاً هو يدل على نفي الصحة. لكن لو مثلاً قوله صلى الله عليه وسلم: «لا صلاة بحضرة الطعام». هل يمكن أن نحمله على نفي الوجود؟ لا يمكن؛ لأنه يمكن أن يصلي وأمامه طعام. طيب هل نحمله على نفي الصحة؟ لا، تصح، نعم تصح؛ لماذا؟ لأنه إذا وجد الطعام هنا سيفقد الخشوع، والخشوع ليس من أركان ولا واجبات ولا شروط الصلاة، إذاً انتقلنا للثالثة وهي نفي الكمال، وهكذا في كل نفي أتاك في الكتاب أو في السنة تسلك هذه المراتب؛ في الأصل أن النفي للوجود، فإن تعذر حُمل على نفي الصحة، فإن تعذر حُمل على نفي الكمال.
طيب، ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى شروط الولي، ذكر ستة شروط، وربما إذا قسمنا التكليف إلى شرطين قلنا سبعة كما فعله غيره. الستة شروط وهي: الشرط الأول التكليف، وقلنا المكلف هو البالغ العاقل، لابد للولي أن يكون مكلفاً، فإن لم يكن مكلفاً بأن كان صغيراً أو كان مجنوناً فإنه لا يكون ولياً؛ لماذا؟ لأن الصغير والمجنون يحتاج إلى من يُولَّى عليه، فلا يكون ولياً على غيره.
الشرط الثاني الذكورية، ودليل ذلك ما جاء في حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا تزوج المرأة المرأة، ولا تزوج المرأة نفسها»، وهذا عند ابن ماجة وغيره، وقال الحافظ في البلوغ: "رجاله ثقات". وإذا قال الحافظ عن حديث أن رجاله ثقات، هل هذا يقتضي صحة الحديث؟ توثيقه للرجال لا يستلزم صحة الحديث، أحسنت؛ يعني السند صحيح لكن المتن قد يكون فيه شيء، قد يكون فيه شيء. أحسنت، قد يكون المتن فيه شيء، قد يكون أيضاً عدم اتصال فيه إرسال وإن كان رجاله ثقات صحيح كلهم عدول، لكن احتمال أنه فيه انقطاع في السند. فقول الحافظ والإمام عن حديث أن رجاله ثقات لا يلزم منه الصحة، لا أقول إنه ضعيف، لكن أحياناً يقصد الرجال الثقات لكن المتن فيه كلام، أو أن السند فيه انقطاع؛ فلذلك لو مثلاً قال الحافظ، ثم وجدته في موضع آخر يقول الحديث ضعيف، لا تقول اختلف وتناقض، أو أن له رأيين في الحكم على الحديث؛ لا، هناك حكم على الحديث بعمومه، وهنا حكم على رجاله فقط. وأيضاً هذا الدليل قالوا لأن المرأة لا تلي نفسها، فمن باب أولى ألا تلي غيرها، يعني أنها لا تزوج نفسها، فمن باب أولى ألا تزوج غيرها.
الشرط الثالث الحرية، فلابد أن يكون الولي حراً، فالعبد لا يزوج من تحت يده، قالوا لأن العبد وما يملكه لسيده، فهو لا يملك نفسه فكيف يملك غيره؟
والرابع الرشد في العقد. الرشد مر علينا في باب الحجر، الرشد الذي يتكلم عنه الفقهاء بسبب الحجر هو الرشد في المال والتصرفات المالية، أما المقصود بالرشد هنا فهو الرشد فيما يخص النكاح، ولذلك المؤلف قال: الرشد في العقد، بأن يعرف الكفء ومصالح النكاح، يعرف أن هذا كفء لموليته أو لا، ويعرف مصلحة موليته في النكاح أو لا. فالرشد في كل شيء بحسبه، فلو كان شخص لا يعرف يتصرف، يعني يستطيعون أن يخدعوه في التصرفات المالية لا يعرف أن يبيع ولا يشتري، هو حريص على موليته، فهنا نقول إنه يعقد النكاح لهن.
واتفاق الدين؛ هذا الشرط الخامس، بأن يكون المسلم يزوج موليته المسلمة، والكافر يزوج موليته الكافرة، فلا يزوج مسلم كافرة ولا كافر مسلمة، ولا يزوج الكافر مسلمة. أما تزويج الكافر للمسلمة، فلقوله تعالى ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾ [النساء: 141]، فلا يكون الكافر ولياً على مسلمة. وأما تزويج المسلم للكافرة، قالوا لا يصح لانقطاع التوارث بينهما، لما انقطع التوارث بينهما انقطع التوالي بينهما.
قال: "سوى ما يُذكر"، ذكر في الروض المستثنيات وهي ثلاث مسائل؛ قال: أم ولد لكافر أسلمت. إحنا أخذنا أم الولد وهي، طيب أحسنت، أم الولد هي التي من وُطئت من الحر فحملت منه، فلو كانت هناك أمة لكافر، وهي كافرة، فوطئها فحملت منه ولدت، الآن صارت أم ولد له، لو أسلمت ثم تقدم أحد للزواج منها، يقولون يزوجها سيدها الكافر، لأنه ما زالت أمة له. والمسألة الثانية الأمة الكافرة للمسلم؛ شخص عنده أمة كافرة، جاء شخص كافر ليتزوجها، قالوا يزوجها وليها المسلم، لأنها ملك له. والمسألة الثالثة السلطان؛ السلطان المسلم يزوج الذمية التي لا ولي لها، فإن السلطان ولي. إذاً هذه الثلاث مسائل التي استثناها الأصحاب من اتفاق الدين.
السادس العدالة، والعدالة يقصدون بها استقامة الدين والمروءة؛ استقامة الدين بأن يفعل الفرائض ويجتنب المحرمات، استقامة المروءة يفعل ما يجمله ويزينه، ويترك ما يدنسه ويشينه. ويُكتفى في ولاية النكاح بالعدالة الظاهرة، والمراد بها ألا يجاهر الولي بالفسق، فلو كان مثلاً ولي يفعل المحرمات، كان مثلاً يدخن لكنه لا يدخن أمام الناس، إنما يدخن في بيته مثلاً، فقالوا هذا عدل، لا تنفسخ ولا يختل بذلك. قال: "بانك استثناء"، هل عندك اشتراط العدالة الباطنة؟ حرج ومشقة، فلا يسلم أحد من فعل المحرم أو التقصير في الواجب. لو أردنا أن نطبقه على حال الناس اليوم لأبطلنا كثيراً من الأنكحة، لماذا؟ يعني أقرب مثال حلق اللحية، هذا فسق، قال المذهب لا يزوج أو كان الأب حليقاً لا يزوج ابنته، تنتقل إلى من بعدها، لكن في تطبيق ذلك حرج عظيم، ولذلك القول الثاني في المذهب أن المنظور إليه أن يكون الولي حريصاً وأميناً على موليته، ولا يزوجها إلا الكفء، حتى لو كان فاسقاً.
لكن فسق الولي لا يؤثر على اختيار مصلحة ابنته؛ فإنه يعتبر ولياً، ولا تزول ولايته بذلك. وهذا هو المعمول به.
قال: فلا تزوج امرأة نفسها ولا غيرها لاختلال شرط، أي شرط من الشروط. نعم.
أصحابي رحمهم الله تعالى استثنوا من اشتراط العدالة مسألتين: مسألة السلطان، وقالوا: السلطان يزوج من لا ولي لها ولو كان السلطان فاسقاً، فلو كان السلطان فاسقاً. المسألة الثانية: السيد يزوج أمته ولو كان فاسقاً.
ويقدم أبو المرأة في إنكاحها، ثم وصيه فيها، ثم جدها، ثم ابنها، ثم بنوه وإن نزلوا، ثم أخوها لأبوين، ثم لأب، ثم كذلك، ثم عمها، ثم لأبيه، ثم بنوهما كذلك، ثم أقرب عصبة نسباً كالإرث، ثم المولى المنعم، ثم أقرب عصبته نسباً، ثم ولاء، ثم السلطان. أحسنت. هنا ذكر المؤلف رحمه الله تعالى ترتيب الأولياء.
لو لاحظتم ترتيب الأولياء لوجدتم أنه يشابه ترتيب العصبة، لكن فيه اختلاف؛ الوصي دخل، وتقديم الجد، وتقديم السلطان. إذاً قدموا الأب والجد في النكاح وفي الميراث، ويقدم الابن على الأب والجد. أيضاً أدخلوا الوصي، وأدخلوا السلطان، وإلا فالباقي ترتيب العصبات؛ يعني عندنا العصبات تقدم جهة البنوة ثم الأبوة ثم الأخوة ثم العمومة.
هنا فقط المرتبة الأولى الأبوة ثم البنوة، وهناك الأبوة ثم البنوة. وأيضاً دخل بعد الأب الوصي، وهذا على المشهور من المذهب أن ولاية النكاح تستفاد بالوصاية؛ يعني أن للأب أن يوصي بأن يزوج بناته بعده فلان، سواء كان قريباً أو غير قريب، قالوا له ذلك. والقول الثاني في المذهب أنه ليس له ذلك، وأنه إذا مات تنتقل الولاية إلى من يليه.
وسر تقديم الأب على الابن مخالفين لذلك الميراث، قالوا لأن الأب أكمل نظراً وأشد شفقة، فقُدّم على الابن، والجد قالوا في حكم الأب لأن له الإدلاء والتعصيب. وسبب الترتيب كترتيب العصبة قالوا لأن مبنى الولاية على الشفقة والنظر، فاعتبر ذلك بما هو مظنته، وهو القرابة، فيقدم الأقرب، وألحق بها الولاء، وألحق بالقرابة الولاء لاشتراك في الإرث بالتعصيب، ثم بعد الولاء السلطان، السلطان الإمام أو نائبه.
في حديث: «السلطان ولي من لا ولي له»، وحديث عائشة السابق: «السلطان ولي من لا ولي له». ونقل الموفق رحمه الله تعالى الإجماع على أن للسلطان ولاية تزويج عند عدم الأولياء أو عضلهم. والسلطان أو نائبه، والآن في وقتنا هذا القاضي، والآن في وقتنا هذا أوجه الأمر إلى القضاة في تزويج من لا ولي لها.
فإن عُدم السلطان؟ يعني استغربت مثلاً في بلدة كافرة، امرأة في بلدة كافرة وأقاربها كفار، أبوها وأخوها إلى آخره كفار، فمن يزوجها؟ قالوا: يزوجها ذو سلطان. وفي أصل هذا إما رئيس المركز الإسلامي في البلد الذي تقيم فيه المرأة، هو يتولى التزويج، أو كما في المركز الإسلامي فنقول تقوم سفارة الدولة الإسلامية في تلك البلدة بتزويجها، لو فرض عدم ذلك قالوا توكل من يزوجها من المسلمين الذين في بلدهم، فإن عُدم، أسلم الله. وهذا الزوج الذي تقدم لها، من قال توكل الزوج ومنهم من قال هي تزوج نفسها في هذه الحال للضرورة، للضرورة لذلك.
نعم، إذا عضل، أو لم يكن أهلاً، أو غاب غيبة منقطعة لا تقطع إلا بكلفة ومشقة، زوج الأبعد. وإن زوج الأب عدواً أو أجنبياً من غير عذر لم يصح. هنا يتكلم المؤلف رحمه الله تعالى متى تنتقل الولاية إلى الأبعد، يقصد من يلي، أنها تنتقل إلى هذا ثم الذي يلي، ثم الذي يليه. قال إن عضل الأقرب تنتقل في ثلاث مسائل.
المسألة الأولى: إذا عضل الأقرب. عضل يعني منع من التزويج، والمؤلف رحمه الله أذكرها، يذكرون لفظ العضل اتباعاً بلفظ القرآن: ﴿فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ﴾ [البقرة: 232]. ومتى يتحقق العضل؟ قالوا إذا منع الولي موليته من الزواج من كفء تقدم لها وقد رضيت به، وبذل ما يصح مهراً. بثلاث قيود: القيد الأول أن يكون المتقدم كفئاً، والثاني أن ترضاه المرأة، والثالث أن يبذل ما يصح مهراً ولو كان دون مهر مثلها.
تقدم شخص للمرأة ورفض الأب تزويجها منه، لماذا؟ قال لأنه مثلاً يشرب المسكر، نقول هذا العضل بسبب، لم يكن كفئاً، سيأتينا الكفاءة تعتبر فيها خمسة أشياء منها الدين، وهنا لم يكن كفئاً. لكنه قال: ليس من قبيلتنا، ونحن لا نزوج إلا من قبيلتي، وهو من قبيلة أخرى، هو قبيلي لكن ما من قبيلة أخرى، فهل هذا مسوغ للرد؟ ليس مسوغاً للرد، فلذلك يثبت العضل به. ويسكت، العضل به، قال الفقهاء ويفسق إن تكرر، نرد مرة ومرتين وثلاث، يفسق خلاص، تنتقل منه الولاية مطلقاً، تنتقل ولاية حتى لبناته الثانيات خلاص، ما يزوجه، إلا طبعاً إذا تاب.
الحالة الثانية: إذا لم يكن الأقرب أهلاً. كان مثلاً امرأة لها أولاد، أبوها وجدها متوفيان، وأولادها أكبرهم عمره عشر سنين، وجاء شخص يتقدم لخطبتها، فالآن عندنا يا إخوان فالآن الابن هو الأقرب، الأخ أبعد، لكن الابن ليس أهلاً؛ لأنه صغير غير مكلف، فننتقل إلى من يليه. إذا غاب غيبة منقطعة لا تقطع إلا بكلفة أو مشقة، ذهب إلى مكان بعيد، التوكيل يتعذر عليه، السفر، هنا قالوا ننتقل إلى من يليه.
في مسألة العضل هل ننتقل إلى من يليه أو ننتقل للسلطان مباشرة؟ يعني لو أن شخصاً جاء يتقدم للزواج من امرأة رفضه الأب، ننتقل إلى الجد لو وُجد، مثلاً ما عنده أبناء ينتقل إلى الأخ، سأل مذهب الإخوة قالوا والله من واصل وأبونا إحراج تسبب في مشكلة، على كلام الفقهاء أنه لا بد أن ننتقل إلى الأخ، ننتقل من أبعد إلى أن يصل السلطان. هناك قول آخر في المسألة وهو أنه إذا عضل الأقرب ننتقل للسلطان مباشرة، لأنها أصلح للمرأة وأبعد عن إثارة الخصومات بين الأقارب.
في هذه الثلاث مسائل يزوج الأبعد مباشرة أو السلطان. يعني أحياناً في عصرنا هذا، لو كان بعيد نقول الآن التوكيل متيسر، يصدر وكالة ويرسلها بالبريد، لو تعذر إرسال الوكالة وتعذر التواصل معه ولا يُعلم مكانه وتعذر التواصل معه، هنا يزوجها تكون في حكم معدوم الولي، سننتقل إلى من بعده، أو إلى السلطان إذا لم يجد ولياً بعده. بعض النساء السوريات ممن أولياء في الحرب فرج الله عنهم، كانوا يقولون لا نعلم، نتصل بين فترة وفترة طويلة ويتعذر عليهم الخروج، التوكيل، السفر إلى آخره، يقولون نخشى أن يفوتنا، لذلك يتولى القاضي تزويج النساء بحكم أنها تعذرن، تعذر الولي.
هنا تكلم المؤلف رحمه الله تعالى لو ما وُجد سبب من هذه الأسباب وزوج الأبعد مع وجود الأقرب ولم يكن عاضلاً ولم يكن الأقرب غير أهل، وأيضاً الأقرب موجود أو غاب غيبة قريبة، فزوج الأبعد، يقول المؤلف لم يصح، لأنه ليس ولياً، قالوا لعدم الولاية من العاقد عليها بوجود الأقرب.
طيب، هنا مسألة: وإذا تساوى وليان في القرب، فمن يزوجها؟ مثلاً امرأة توفي والدها وجدها، لها ثلاثة إخوان أشقاء، من يزوجها؟ كلهم الأشقاء. أوسط وزوجها، افترضنا أن الأخ الأكبر موجود في السعودية لكنه في بلدة أخرى، هنا يبتل النكاح، تصحيح العضل، أقول زوجها عمها وأخوها موجود، لمن؟ مسألتهم واحدة، الإخوة إذا كانوا في منزلة واحدة قالوا إذا أذنت لواحد منهم فإنه هو يكون الولي، إذا ما صرحت لواحدة منهم وسكتت، يكون أي واحد منهم يتقدم يكون ولياً.
لو تشاح كل واحد منهم قال أنا أريد أن أكون ولياً، ننظر الأفضل، من كان أكثر عدالة يعني أقرب. قال الفقهاء يُسن، يُسن ليس يجب، يُسن تقديم الأفضل، فإن تساووا فالأسن، أكبر سناً، إن تشاحوا يرضى المخطوب بتقديم أفضل ولم يرضَ الصغير بتقديم أسن، فإنه يُقرع بينهم. متساوون في سبب الاستحقاق، ما يؤخذ برأيها هي، لو كانت موقعة، أي أخوتها فلان ليزوجني، أنا خلاص يكون هو أفضل، لو سكتت ما قالت شيئاً أو ما أخذ رأيها من أصل، وهنا نقولهم متساوون، أن يُقدم الأفضل، ثم الأسن.
فإن حتى لو اخترت، إذا اخترت أي واحد منهم خلاص.
الشرط الرابع: الشهادة. فلا يصح إلا بشاهدين عدلين، حرين، مكلفين، سميعين، ناطقين، وليست الكفاءة وهي ديناً ومنصباً، وهو النسب، والحرية، شرطاً في صحته. فلو زوج الأب عفيفة بفاجر، أو عربية بأعجمي، فلم يرضيا لم يمنع من المرأة أو الأولياء الفسخ.
هنا يتكلم المؤلف رحمه الله تعالى عن الشرط الرابع من شروط صحة النكاح، قال الرابع الشهادة، لا بد أن يتم الإشهاد على النكاح، هذا قول أكثر أهل العلم رحمهم الله تعالى، واستدلوا على ذلك من القرآن بدليل قياسي من القرآن، قالوا إن الله عز وجل أمر بالإشهاد على الرجعة، وهي استدامة نكاح، الإشهاد على ابتدائه من باب أولى، فقال الله تعالى في الأمر بالإشهاد على الرجعة: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِّنكُمْ﴾ [الطلاق: 2]، قالوا فأمر الله بالشهادة بمثل إشهاد الرجعة وهي استدامة النكاح، فالأمر بابتداء من باب أولى.
واستدلوا أيضاً من السنة: «لا نكاح إلا بشاهدي عدل»، هذا الحديث جاء عن عدد من الصحابة لكنه لا يصح موصولاً إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وجاء معناه من حديث ابن عباس عند الترمذي: «البغايا اللاتي ينكحن أنفسهن بغير بينة من غير شهود»، وذكر الترمذي رحمه الله تعالى أن العمل على هذا عند عامة أهل العلم من الصحابة فمن بعدهم، وذكر أن في المسألة خلافاً.
وبعض الفقهاء رحمهم الله تعالى اشترط الإعلان، اشترط إعلان النكاح ولم يشترط الإشهاد، يقول الله عز وجل شرع في النكاح ما يخرجه عن شبه السفاح، فشرع المهر وشرع الولي وشرع إعلان النكاح، لأن الإصرار به تكون ذريعة أن يكون شخص يزني بامرأة والعياذ بالله ثم يقبض عليه ويدعي أنه تزوجها ولم يشهد عليها. وقالوا إن في إعلان النكاح تحقيقاً لهذا المقصد الذي قصده الشارع من الفرق بين النكاح والسفاح.
شيخ الإسلام رحمه الله ذكر أنه إذا اجتمع الإعلان والإشهاد صح النكاح قطعاً، وإذا خلا النكاح من إشهاد فإنه باطل قطعاً، وإذا كان هناك إشهاد بلا إعلان، قال في صحته نظر، وإذا كان هناك إعلان بلا إشهاد، الشيخ رحمه الله أنه يكتفى به. أصحابنا يرجعون الشاهدين منزلة الإعلان، لا الإعلان، الإعلان يكون بعد النكاح، المقصود بالإعلان أن مثل إقامة حفلة الزواج، هذا هو الإعلان، فالمذهب أنه لا بد من الإعلان، يكفي الشاهدين ولو لم يتم الإعلان.
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى شروط الشاهدين، ذكر ستة شروط من الشاهدين؛ الأول العدد، أن يكون اثنين، للاية والحديث: «واشهدوا ذوي عدل منكم»، والحديث: «وشاهدي عدل». قال عدلين، وهنا أيضاً قالوا العدالة ولو ظاهرة كما ذكروه في الولي لأن غرض إعلان النكاح، غرض إعلان النكاح. ذكرين، للآية: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِّنكُمْ﴾، هذا يقتضي أنهم ذكور، وأيضاً الحديث: «وشاهدي عدل»، هذا يقتضي أنهم ذكور. قالوا ولأن النساء لا مدخل لهن في الشهادة إلا في المال وما يُقصد به المال، أما النكاح والطلاق والعتق والحدود هذه لا مدخل للنساء في الشهادة عليهم.
إلا في ما يُقصد به المال، مثلاً الخلع، يُقصد به المال، تصح شهادة المرأة على الخلع، لأنه يُقصد به مال. النكاح هل هو مالي؟ أوكي، المعارضة أنها ليست هي محل ما، النكاح ليس مالياً، ولذلك الفقهاء يذكرون أن عقد النكاح من عقود المعاوضات غير المحضة، أنه ليس متمحضاً في المعاوضة، جلسة متمحضاً في المعاوضة. ما المعقود عليه؟ النكاح البضع والمراد به الاستمتاع، الاستمتاع بالمرأة، هذا طبعاً على المذهب، أنهم يقولون المعقود البضع المراد به الاستمتاع بالمرأة، وليس ومن قال إن الفقهاء، يعني أقصد الحنابلة، البضع لا يقصد أن الزوج يملك بضع زوجته.
وإنما يملك الاستمتاع به، لذلك لو كان يملكه لجاز له المعارضة عليه وهذا لا يمكن، لكن ما يملك الانتفاع، إنما يملك الانتفاع به. شيخ الإسلام رحمه الله ذكر أن عقد النكاح من عقود المشاركات وليس المعاوضات، فيقول: المعقود عليه في النكاح استمتاع كل من الزوجين بالآخر، فهو مشاركة منهما.
إذاً، الشرط الثالث الذكورية. أيضاً أثر الزهري: مضت السنة أنه لا تجوز شهادة النساء في النكاح. المكلفون، والمكلف هو البالغ العاقل، قالوا لأن غير المكلف ليس أهلاً للشهادة. قالوا لأن طريق الشهادة السمع؛ لأنه سيشهد على كلام الولي، وسيشهد على كلام الزوج إذا قال: قبلت هذا النكاح. ناطقين، قالوا لأنه ربما يحصل نزاع بين الزوجين، هل حصل الزواج أو لا؟ فيضطرون إلى إحضار الشهود، والشهود لا بد أن ينطقوا بالشهادة.
إذاً هذه شروط الشاهد وهي ستة: الأول اثنان، إذاً العدد والعدالة والذكورية والتكليف. أيضاً يضاف على المذهب شرط سابع وهو ألا يكون الشاهدان من أصول أو فروع الولي أو الزوجين. لماذا؟ سيأتينا في باب الشهادات أنه يشترط لصحة الشهادة خلوها من الموانع، ومن الموانع القرابة التي تسبب التهمة في الشهادة، والقرابة التي تسبب التهمة في الشهادة هي الأصول والفروع. بمعنى ألا يكون الشاهد أباً للمشهود له أو جداً أو ابناً أو أماً ونحو ذلك.
قالوا لا يكون الشاهد قريباً (أصل أو فرع) في الشهادة للمشهود له، لكن إذا أراد أن يشهد عليه يصح، يصح أن يشهد الابن على أبيه، لكن لا يصح أن يشهد الابن لأبيه. ولذلك في النكاح قالوا لا يصح أن يكون الشاهد أباً للزوج أو أباً للولي أو أباً للزوجة. الولي لا يكون شاهداً، أو قال: واحد خلاص نحط الولي وشاهد ثاني بس، نجيب شاهد واحد والولي يصير ولي وشاهد، نقول لا، الولي هو أبو الزوجة فلا، وأيضاً لا بد أن يشهد على كلام الولي فلا يكون شاهداً على كلام نفسه.
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى شرطاً مختلفاً فيه، قال: وليست الكفاءة شرطاً، وذكرنا سابقاً أن من أساليب المؤلف رحمه الله تعالى في ذكر الخلاف في هذا الكتاب أن ينفي الحكم، فإذا نفى الحكم فالغالب أنه يشير إلى نفي خلاف. إذا قال: ليس هذا شرطاً، أو ليس هذا واجباً ونحو ذلك، فإنه يقصد به غالباً الإشارة إلى الخلاف. وهنا يشير إلى شرط الكفاءة أو وصف الكفاءة، هل هو شرط للنكاح أو لا؟ المشهور عند المتأخرين من الحنابلة رحمهم الله تعالى أن الكفاءة شرط للزوم وليس شرطاً للصحة.
نتكلم عن الكفاءة أولاً ثم نتكلم عن حكمها. الكفاءة يقولون هي أن تتوفر في الزوج خمسة أمور: الأول الدين، الثاني المنصب -قال وهو النسب- والثالث الحرية، والرابع والخامس ذكر المحقق في الحاشية: الصناعة واليسار. فلا بد أن تتحقق الكفاءة، لابد أن يكون الزوج كفؤاً للزوجة في هذه الأمور الخمسة. لابد أن يكون كفؤاً لها في الدين، بأن يفعل الفرائض ويجتنب المحارم. أما كون أحدهما على دين والآخر يخالفه كأن يقول أحدهما مسلماً والآخر كافراً فهنا نقول هذه شرط، أنه لا يجوز أن تتزوج المسلمة كافراً ولا العكس، ولا يتزوج المسلم كافرة طبعاً إلا الكتابية. اختلاف الدين هذا شرط، لكن ما عدا اختلاف الدين، يعني شخص مثلاً حليق أو شخص يدخن فهو ليس كفؤاً لامرأة ليست حليقة أو نبات اللحية وليست مدخنة مثلاً، هو يسمع أغاني وهي لا تسمع أغاني، فهو ليس كفؤاً لها في الدين.
وأيضاً في الدين، العفيف بالفاجرة والعكس. الفقهاء رحمهم الله تعالى استثنوها، فقالوا: لا يتزوج العفيف فاجرة (زانية)؛ للآية: ﴿الزَّانِي لَا يَنكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ﴾ [النور: 3]. أما الفاجر بالعفيفة فقالوا يجوز، قالوا لأن الأول إذا تزوجها أفضى إلى اختلاط الأنساب، بخلاف لو تزوج الزاني العفيفة فإنه لا يفضي لاختلاط. إذاً هذا الكفاءة في الدين. ثانياً: الكفاءة في المنصب وهو النسب، ويقصد به أن يكون أحدهما عربياً والآخر أعجمياً، فلا يكون الأعجمي كفؤاً للعربية. الثالث: الحرية، فلا يكون العبد كفؤاً للحرة. الرابع: الصناعة، فلا يكون من صناعته رديئة كالحجام مثلاً كفؤاً لمن صناعتها عالية كالتاجرة مثلاً. الخامس: اليسار، فلا يكون المعسر كفؤاً للغنية. هذه الأمور الخمس إذا توفرت تحقق وصف الكفاءة.
فهل الكفاءة شرط صحة أو شرط لزوم؟ قلنا المشهور عند المتأخرين من الحنابلة رحمهم الله تعالى أن الكفاءة شرط لزوم، بمعنى أن النكاح يقع صحيحاً، لكن للمرأة وللأولياء لاحقاً أن يطلبوا فسخ النكاح إذا لم يسبق منهم رضا. إذا لم يسبق منهم رضا فلهم أن يطلبوا فسخ النكاح؛ لورود بعض النصوص التي تدل على اشتراط الكفاءة. طبعاً النصوص في الكفاءة غالبها أو المرفوع منها عن النبي صلى الله عليه وسلم لا يصح منه شيء، بل الذي يصح تزويج من اختلفت كفائتهم، خاصة في الصناعة وفي النسب. ففي النسب الذي هو المنصب النبي صلى الله عليه وسلم زوج فاطمة بنت قيس -وكانت قرشية- أسامة بن زيد وهو مولى، فلم تشترط الكفاءة.
كذلك تخيير النبي صلى الله عليه وسلم لبريرة أول شيء يدل عليه الحرية، هنا لم تتحقق الكفاءة لاحقاً لما عتقت بريرة، وخيرها النبي صلى الله عليه وسلم. النبي صلى الله عليه وسلم خيرها وكانت تحت عبد، فقالوا هنا لم تتحقق الكفاءة بعد النكاح، فهذه من أدلة الأصحاب رحمهم الله تعالى. أيضاً النبي صلى الله عليه وسلم حجمه أبو طيبة، وقال: أنكحوا أبا طيبة وأنكحوا إليه، فدل على عدم اشتراط اعتبار وصف الكفاءة. الفقهاء كما قلنا ذكروا أنه شرط لزوم، فلو لم ترضَ الزوجة أني زوجت مثلاً فأجبرها وليها، الفسخ بعد ذلك إذا لم يسبق منها إرضاء، أيضاً لو أن أحد الأولياء لم يرضَ يطالب بالفسخ، قالوا فله ذلك، قالوا لأن العار يلحقهم أجمعين.
المشهور من متقدمي الأصحاب أشد من هذا القول، متقدمو الأصحاب طلاب الإمام أحمد رحمهم الله تعالى ذكروا أن الكفاءة شرط صحة، بمعنى أن النكاح لا يقع صحيحاً. الحقيقة أن فتح الباب على هذا فيه إشكال، يعني العمل بالمذهب هنا فيه إشكال؛ لأنه لو أن باكستانياً تزوج امرأة سعودية، تتأخر الكفاءة، وأيضاً الصناعة قد يكون مثلاً بناء، فصناعة لم تتحقق، أبوها موافق وعقد له، والزوجة موافقة وإخوانها موافقون، أحد أولاد العم غير موافق، فعلى المذهب لهذا ابن العم أن يطلب فسخ النكاح. حظي على الزوجة، سيما إذا كان السبب وجيهاً، مثلاً هذا صحيح يعني كنا له وجه، لكن السبب غير وجيه أبداً أنه لا يتفقون في النسب اللي هو العربي بأعجمية أو بالصناعة، لأن هذا فيه إشكال كبير.
ولذلك ذهب بعض علمائنا كالشافعي وابن باز رحمه الله والشيخ ابن عثيمين أن المعتبر في الكفاءة هي الدين، تعتبر الكفاءة هي الدين فقط، فلا للأولياء الفسخ إلا إذا تبين مثلاً أن الزوج مفرط في الصلاة، أو أنه غير عفيف، أو أنه يشرب المخدرات، لهم حق. إذاً هذا هو المذهب، أن الكفاءة لما توفر فيه خمسة أوصاف: الدين، والمنصب (النسب)، والحرية، والصناعة، واليسار؛ إذا تحققت هذه الأوصاف الخمسة تحقق وصف الكفاءة. إذا اختل أحدها اختل وصف الكفاءة، والكفاءة على المذهب عند المتأخرين قلنا هي شرط لزوم، ومعنى شرط اللزوم أن النكاح يقع صحيحاً، لكن لمن لم يرضَ من المرأة أو الأولياء الفسخ، وعند متقدمي الأصحاب أنه شرط صحة.
قلنا إن الذي يفتي به الشيخ ابن باز والشيخ ابن عثيمين رحمه الله تعالى أن المعتبر في الكفاءة هي الدين فقط. على المذهب عند المتأخرين إذا اختلت الكفاءة بعد النكاح، مثل قصة بريرة، اختلت الكفاءة بعد النكاح، فالمنظور في الزوجة فقط، فهي التي تقرر مطالبتها بالفسخ من عدمه، لكن قبل النكاح ينظر للزوجة والأولياء.
ثم ذكر المؤلف رحمه الله فسخ، له مدة ولا وصل؟ لا، متى ما شئت، لكن إذا رضيت به يسقط، السكوت وعدم مطالبتها قرينة الرضا. لذلك كنت أقول له: لعلها ترضى به، لعلها يصبح حاله، كنت أحاول به في هذه المرة في هذه الفترة، لكن لما رأيت اتفاق أمري تقدمت.
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى ما يترتب على كونه شرط لزوم، قال: لو زوج الأب عفيفة بفاجر، هنا يصح هذا النكاح، لكن لمن لم يرضَ من المرأة أو الأولياء، أو عربية بأعجمي، فلمن لم يرضَ من المرأة، قالوا حتى لو رضي الولي الأقرب للولي الأبعد الفسخ لأن العار عليهم أجمعين.
هذا والله أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
الشيخ عبدالله بن عبدالرحمن الميمان