دخولتسجيل الدخول

شرح زاد المستقنع الدرس العاشر كتاب النكاح

عبدالله بن عبدالرحمن الميمانالشيخ عبدالله بن عبدالرحمن الميمان
  • مدة الدرس:
  • قراءة

نحمد الله عز وجل على ما منّ به من هذا اللقاء بعد انقطاع في شهر رمضان وشهر شوال، وأسأل الله عز وجل أن يعين وينفع بهذا الدرس، وأن يعين على الاستمرار في شرح هذا الكتاب.

كنا توقفنا عند باب عشرة النساء في كتاب النكاح، وذكر المؤلف رحمه الله تعالى شيئاً من أحكام العشرة بين الزوجين، وذكرنا أن القاعدة العامة لذلك أن على كل من الزوجين معاشرة الآخر ومخالطته بالمعروف.

ذكر المؤلف رحمه الله تعالى في الفصل الثاني شيئاً من أحكام المبيت والوطء ولزوم المنزل، فقال رحمه الله: ويلزمه أن يبيت عند الحرة ليلة من أربع وينفرد إن أراد في الباقي. هنا ذكر المؤلف رحمه الله تعالى أن الواجب على الزوج لزوجته أن يبيت عندها إذا كانت حرة، أن يبيت عندها ليلة من أربع ليالي؛ يعني ينام معها في فراشها ليلة من أربع ليالي، وله أن ينفرد في الباقي.

ويستدل الأصحاب رحمهم الله تعالى على تقدير المبيت الواجب بليلة من أربع بقضاء كعب بن سور، حيث إن امرأة جاءت إلى عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه تشتكي زوجها، وأنه يصوم النهار ويقوم الليل، قال عمر يعني مدحه عمر رضي الله عنه وأثنى عليه بأنه رجل صالح، وكان عنده كعب بن سور. فلما ذهبت هذه المرأة، قال كعب لأمير المؤمنين: يا أمير المؤمنين، إن هذه جاءت تشكو زوجها أنه يعني لم يعطها حقها، فأمر عمر بردها وقال له: احكم بينهما، فقال: لها ليلة من أربع ونحو ذلك؛ يعني لماذا يقولون؟ لأن للزوج أن يجمع مع زوجته ثلاث نساء غيرها، فلما كان كذلك كان الحق الواجب لها ليلة من أربع، وهذا هو المشهور عند الحنابلة رحمهم الله تعالى.

وهناك قول آخر في المذهب أنه يجب أن يبيت معها كل ليلة إذا طلبته ولم يكن ثم عذر، إذا طلبت فإن الحق لها ولم يكن ثم عذر؛ لو كان عنده عذر يعني مثلاً كان مسافراً، أو كان مثلاً موظفاً وعنده نوبات ليلية، لم يتمكن معها من المبيت تلك الليلة، فهنا لا يلزمه، أما إذا كان موجوداً ولا عذر له في المبيت معها فانه يلزمه إذا طلبته، وذلك لأن هذا من العشرة بالمعروف، وقد قال الله عز وجل: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء: 19]، وليس من العشرة بالمعروف أن يدع الرجل زوجته ليالي عدد لا ينام معها ولم يكن ثم عذر، وهذا هو اختيار شيخ الإسلام رحمه الله تعالى.

وذكر شيخ الإسلام رحمه الله أنه ليس حال الانفراد كحال الاجتماع؛ يعني يقول إن إذا جمع معها ثلاث زوجات فهنا نقول: نعم، ليست من أربع، لكن إذا كانت منفردة مع زوجها فلا نقول لها ليلة من أربع، بل نقول لها كل الليالي؛ لأنه ليس هناك من يشركها في هذا الحق.

قال المؤلف رحمه الله: وينفرد في الباقي؛ يعني هذا مترتب على القول الأول وأنه يلزم أن يبيت عندها ليلة من أربع، فيقول: الليالي الثلاث الباقية ينفرد فيها ينام وحده. وعلى القول الثاني: أنه ليس له أن ينفرد إذا لم يكن هناك عذر أو لم تكن طلبت.

ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى حكم الوطء ومتى يجب الوطء؟ قال: يلزمه الوطء إن قدر كل ثلث سنة مرة، يعني أنه يلزمه الوطء كل أربعة أشهر مرة واحدة بطلب الزوجة، إذا طلبته وقادر على ذلك فإنه يلزمه كل أربعة أشهر مرة واحدة. لماذا قدره الأصحاب رحمهم الله تعالى بأربعة أشهر؟ قالوا: لأن الله عز وجل قدر في حق المولى أربعة أشهر، والمولي هو من حلف على ترك وطء زوجته، قالوا: فمن حلف على ترك وطء زوجته فإن الله عز وجل أمهله أربعة أشهر: ﴿لِلَّذِينَ يُؤُلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاؤُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ * وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: 226-227]. قالوا: فلما جعل له أربعة أشهر دل على أن الحكم في المولي كغيره، قالوا: فلو كان واجباً أن يطأ قبل الأربعة أشهر لما أمهل المولي تلك المدة، هذا هو المشهور عند الحنابلة رحمهم الله تعالى.

والقول الثاني في المذهب أنه يجب عليه أن يطأ بقدر كفايتها؛ لأن هذا من المعاشرة بالمعروف، وليس من المعاشرة بالمعروف أن تكون الزوجة تطلب الوطء وهو يقول: لا، بعد أربعة أشهر! وتصوروا زوجاً شاباً وزوجة شابة في مثل هذا الزمن زمن الفتن، وهو حديث عهد بعرس وتتزين له ويقول لها: لا، ما هنا إلا بعد أربعة أشهر! فماذا سيكون رد فعلها؟ وهل هذا من المعاشرة بالمعروف؟ لا، لا شك أنه ليس من المعاشرة بالمعروف. وهذا الثاني هو اختيار شيخ الإسلام رحمه الله تعالى وشيخنا ابن عثيمين رحمهما الله تعالى، أنهم يقولون: إن الوطء مقدر بالكفاية. وأجابوا عن دليل الأصحاب رحمهم الله تعالى، قالوا: إن حكم الإيلاء هذا حكم في قضية معينة فلا يكون حكماً في سائر الأحوال، لا سيما أنه معارض لقوله تعالى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء: 19]، فعندنا المعاشرة بالمعروف هذه دليل أقصد يستنبط منه النص في حكم الوطء وغيره، أما حكم الإيلاء فهذه قضية أخرى غير قضية الأمور الشخصية إذا كان مستقيماً حاله مع زوجه.

قلت: زوجه، أقصد زوجته؛ لأن الأفصح لفظ الزوج يعني إطلاق الأنثى، أن الزوج يطلق على الذكر والأنثى، لذلك يقول: عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم، هذا هو الأفصح، ورد القرآن: ﴿وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ﴾ [النساء: 12] ولم يقل زوجاتكم، وهذه قدمت معنا في من باب المواريث. يجوز لغة أن يقال للزوجة زوجة، ومنه قول الشاعر: وإن الذي يفسد زوجتي كساً إلى أسد الشرع يستبيلها. والفقهاء رحمهم الله تعالى في باب المواريث خاصة استعملوا اللغة الأخرى في إطلاق الزوجة على الأنثى للتفريق بين الزوجين.

ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى أحكام سفر الزوج عن زوجته ومتى يلزمه القدوم ومتى لا يلزم؟ يقول: وإن سافر فوق نصفها وطلبت قدومه قدرة لزمه. إذا سافر الزوج وهو كان يصفيها يعني فوق نصف السنة، يعني أكثر من ستة أشهر عن زوجته، وطلبت قدومه لحاجتها إليه وقادرة على القدوم فإنه يلزمه ذلك؛ لأن هذا من المعاشرة بالمعروف. قالوا: ما لم يكن سفره لحج أو غزو واجبين، أو طلب رزق يحتاجه فلا يلزمه القدوم؛ لأن صاحب العذر يعذر بعذره.

قلنا ويستثنى الأصحاب رحمهم الله ما لم يكن سفره لحج؛ هذا في الزمن السابق كان سفر الحج يستغرق أشهراً ربما زادت على ستة أشهر، رحلة الشنقيطي العلامة الأمين الشنقيطي رحمه الله رحلة الحج إلى بيت الله الحرام، خرج من بلده شنقيط في شهر رجب أو شهر جمادى الآخرة حتى وصل إلى جدة في أول ذي الحجة تقريباً، قرابة ستة أشهر، طبعا السفر حج وسفر علمي، ورحلة الشنقيطي رحمه الله فيها لطائف وفوائد جمة في التفسير وفي اللغة وفي الفقه، وأنصح بقراءتها ومطالعتها.

قلنا إن الأصحاب يستثنون إذا كان سفر لحج أو غزو واجبين أو طلب رزق يحتاجه، وهذه يحتاج إلى يعني مثل العمالة الوافدة الذين يقدمون إلى هذا البلد للعمل لطلب الرزق، لو طلبت زوجاتهم القدوم فهل يلزم ذلك أو لا يلزم؟ نقول: على المذهب أنه ما دام أن السفر لرزق يحتاجه فإنه لا يلزمهم الرجوع، إلا إذا اكتفوا من طلب أنواع السفر أن يقدر حاجة زوجته، مقدرة حاجة زوجته؛ فإذا كان غير مأمون عليها هناك فإنه لا ينبغي له أن يتأخر عنها متى ما قدر، بعضهم قد يتيسر له ذلك لتعنت من الكفيل أن يمنعه من السفر، يعني خلال السنتين أو نحوها يمنعه أربع سنين خمس سنين.

فإن أبى أحدهما هنا عندي في النسخة "احدهما" وهي خطأ، يعني ضبطها "أحدهما"؛ أحداهما مفعول به، والمقصود بأحدهما: الوطء أو القدوم من السفر فإنه يفرق بينهما بطلبها؛ لو يعني ترك أربعة أشهر لم يطأ ثم طالبت الزوجة بالتفريق بينهما فإنه يفرق بينهما بطلبها؛ لأن القدوم والوطء حق لها، فإذا أسقطته سقط، وإن طلبت به فإنه يتم ويكون الفسخ بحكم حاكم؛ لأن هذا الأمر مختلف فيه، إضافة إلى أنه لابد من تحقق المناط فيه، مناط الفسخ يعني لابد، يعني قد تقول الزوجة: أكثر من أربعة أشهر وهو يقول: لا، أنا لي شهرين، وهنا ما داموا اختلفوا في ذلك يعني أصل التأخر بالوطء مختلف فيه، وأضا فيه اختلاف في تحقق مناط الفسخ هل تأخر أربعة أشهر أو أقل أو أكثر؟

ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى عند الوطء ذكر آداب وذكر مكروهات وذكر محرمات، فذكر من الآداب التي تشرع عند الوطء أنه يسمي؛ تسن التسمية عند الوطء وقول الوارد. وهذا دل عليه حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لو أن أحدهم إذا أتي أهله قال: باسم الله، اللهم جنبنا الشيطان وجنب الشيطان ما رزقتنا، فإن إنه إن يقدر بينهما ولد في ذلك لم يضره الشيطان أبدا». ففيه التسمية، وفيه الحديث الوارد قول النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث: «لم يضره الشيطان أبدا».

اختلف العلماء فيها: هل المراد لم يضره أبدا في دينه ولا بدنه، أو المراد لم يضره ولادته من القران وعند ولادته عند خروجه من بطن أمه؟ فهل المراد هذا أو هذا؟ على خلاف بين أهل العلم رحمهم الله، والذين قالوا: إن المراد العموم، قد يستشكل بعضهم يقول: كيف يعني شخص دائم يقول هذا الذكر ثم يأتي أولاده فساق وما ضرهم الشيطان؟ سنقول: إن وهذا خذه معك في كل حديث فيه ذكر سبب؛ فيه ذكر سبب يعني مثلاً حديث: «من سره أن يبسط له في رزقه وينسأ له في أثره فليصل رحمه». يقول شخص مثلاً: أنا أصل رحمي لكن ما بسط لي في الرزق، أو ما نسئ لي في الأثر ما طال عمري، فيعني يقول شخص مثلاً إنني أعرف فلاناً يصل رحمه لكن لم يوسع له بالرزق ولم يمد في عمره.

ومثل هذا الجماع يعني يقول مثلاً شخص: أنا دائماً أقول هذا الذكر لكن خرج أولادي أو بعض أولاده فساق، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «لم يضره الشيطان أبدا». فنقول: إن هذا الذكر هذا سبب لمنعهم من ضرر الشيطان، وهذا السبب لابد تزول عنه الموانع، يعني الشيء لا يتم إلا إذا توفرت أسبابه وانتفت موانعه. فهنا أنت جئت بسبب، لكن قد يكون هناك موانع منع تحقق هذا الأمر، يعني مثلاً أنت جئت بهذا السبب وهناك مانع تحقق، مثلاً من ضمن الموانع أن تستهزئ تقول: الله يصلحهم، أ شغلونا، ما يعرف يربيهم فلان ونحو ذلك، استهزائك بهم قد ينجر على أولادك، فتجد الفسق في أولادك لماذا؟ باستهزائك بأولاد فلان. فهنا أنت أتيت بسبب، لكن هذا السبب لم يتحقق لوجود هذا المانع، وهذه خذها معك في كل سبب، في كل حديث أو نص ورد بسبب ولم يتحقق هذا السبب، نقول: قد يكون لوجود مانع، يعني مثل الأحاديث الكثيرة التي فيها لا يرد الدعاء مثلاً بين الأذان والإقامة، يقول شخص: أنا دائماً أدعو بين الأذان والإقامة ولم يتحقق إجابة دعاء، نقول: نعم، أنت تأتي بسبب، لكن قد يكون هناك مانع.

ومن اللطائف أن الإمام البخاري رحمه الله تعالى أورد حديث ابن عباس في أبواب الوضوء، قد تقول: ما علاقة حديث ابن عباس بأبواب الوضوء؟ لا أريد أن أجيب، لكن أدع المجال لكم لتبحثوا ما علاقة بأبواب الوضوء؟ البخاري رحمه الله تعالى دقيق في تراجمه، ولذلك قيل: إن فقهه في أبوابه.

ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى مكروهات أثناء الجماع قال: تكره كثرة الكلام؛ يعني حال الوطء تكره كثرة الكلام حاله، ويستدل الأصحاب رحمهم الله تعالى على ذلك بما روي صلى الله عليه وسلم من قوله: لا تكثروا الكلام عند مجامعة النساء فإن منه يكون الخرس والفأفة، الخرس يعني أن يكون الولد أخرس لا يتكلم، الفأفة أن يكون يتكلم لكن يكرر بعض الأحرف. وهذا الحديث رواه ابن عساكر وهو حديث منكر، وهو حديث منكر، مما ظن الأحاديث الضعيفة أن تكون لا تلفت في الكتب الأصول كالصحاح وكتب السنن ومسند الإمام أحمد وموطأ مالك والسنن البيهقي الكبير، فهذه الكتب الأصول هذه غلبت حولت غالب.

ونذر أن يخرج منها حديث صحيح، ونادرا أن يخرج عنها حديث صحيح، فلذلك إذا وجدت مثلا حديثا رواه الطبراني انفرد به، أو ابن عدي في الكامل، أو مثل هذا ابن عساكر؛ فالغالب أنه ضعيف، الغالب أنه ضعيف.

قال: والنزع قبل فراغه، أو قبل فراغه؛ يعني: يكره أن ينزع الزوج قبل فراغ زوجته من شهوتها، لأن في ذلك ضررا عليها، ومنعا من قضاء شهوتها، وهي لها حق، لها حق في الشهوة كما لك حق فيه، ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف، وروي في الحديث: «ثم إذا قضى حاجته فلا يعجلها حتى تقضي حاجتها». وهذا رواه أبو يعلى من حديث أنس، وهو ضعيف، لكن المعنى يدل عليه. بل إن بعض الفقهاء رحمهم الله تعالى ذكر أنه يحرم، وهو اختيار شيخنا رحمه الله أنه يحرم على الزوج أن ينزع قبل فراغ زوجته لأن في ذلك ضررا على زوجته، وجاء في الحديث: «لا ضرر ولا ضرار».

قال: والوطء بمرأى أحد؛ يعني: يكره الوطء بمرأى أحد، وهذا إذا كان مستوري العورة، فيراهما أحد يتحركان من خلف حجاب، فهذا يكره، يكره، قال: لأن هذا فيه دناءة. أما إذا كان مع رؤية العورة فهذا يحرم بالإجماع، لأنه لا يجوز للشخص أن يري عورته أحد بدون ضرورة إلا لزوجته وما ملكت يمينها. وشيخنا رحمه الله يرى التحريم في هذا، يرى التحريم تعمد الوطء بمرأى أحد حتى لو كانوا مستوري العورة.

قال: والتحدث به، أن يكره التحدث بتفاصيل ما يحصل في الجماع، للنهي عن ذلك في قوله صلى الله عليه وسلم: «من شر الناس منزلة عند الله يوم القيامة الرجل يفضي إلى امرأته وتفضي إليه ثم ينشر سرها». وهذا الحديث وعيد شديد، ولذلك وصف النبي صلى الله عليه وسلم بأنه من شر الناس عند الله منزلة يوم القيامة، ولذلك ذهب بعض الأصحاب رحمهم الله تعالى إلى تحريم ذلك، وهذا استظهره ابن مفلح في الفروع، وصوبه المرداوي رحمه الله في الإنصاف لظاهر الحديث السابق، وما دام أنه من شر الناس عند الله منزلة دليل على تحريم ذلك. أما ذكر أنه جامع زوجته فهذا لا بأس به، يعني لا بأس به للحاجة طبعا، النبي صلى الله عليه وسلم مثلا في حديث أم سليم وزوجها أبي طلحة لما توفي ابن أم سليم جامعه زوجته في تلك الليلة، فذهب إلى النبي صلى الله عليه وسلم وحكى له ما حدث لهم في ليلة وأنه جامع زوجته، وأيضا النبي صلى الله عليه وسلم لما قربت إحدى زوجاته، إحدى بناته، قال لصاحب: «أيكم لم يقارف أهله البارحة؟». فكون الإنسان يتحدث أنه جامع أو لم يجامعها هذا لا بأس به سيما إذا كان للحاجة، المكروه أو المنهي عنه على الخلاف والتحدث بتفاصيل ما يحصل في الجماع.

ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى أنه يحرم جمع زوجتيه في مسكن واحد بغير رضا، قول في مسكن واحد أي في غرفة واحدة، يحرم ذلك لأن عليهما ضررا في ذلك لما بينهما من الغيرة، واجتماعهما يثير الخصومة. فإذا رضي جاز ذلك، لأن الحق لهما. وهناك قول آخر في المذهب أنه لا يجوز ذلك ولو رضي، لأنه يفضي إلى أن يطأ إحدى زوجتيه والثانية تنظر أو تسمع حسهما، وتسمع في قلبها، فيحرم عليها لذلك القول الثاني في المذهب أنه يحرم ذلك ولو رضي.

ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى أن من حقوق الزوج على زوجته أن له منعها من خروج من منزله، قال: وله منعها من الخروج من منزله، لأن الزوج سيد على زوجته، الله عز وجل يقول: وألفيا سيدها لدى الباب، والسيد مطاع، حتى ذكر الأصحاب رحمهم الله تعالى أن للزوج منع زوجته حتى من الخروج لزيارة أبويها أو عيادتهما إلا بإذنه. لكن القول الثاني في المذهب أنه ليس له منعها من زيارة أبويها أو عيادتهما إذا لم يكن ثم عذرا، لأنه ليس من المعاشرة بالمعروف، فإذا كان هناك عذر مثلا، مثلا في منطقة أخرى، وقال: لا أسمح لك مثلا أن تسافر بهذا القدر، فليس لها أن تسافر إلا بإذنه. لكن إذا كانوا في البلد ذاته ولم يكن ثم ضرر، يعني مثلا من بعض الأمهات تفسد ابنتها على زوجها، فهنا للزوج أن يمنعها بذلك. لكن إذا كانت لا الحالة مستقيمة وليس هناك ضرر أو عذر فهنا لا ينبغي للزوج أن يمنع زوجته، لأن هذا ليس من العشرة.

قال: ويستحب بإذنه أن تمرض محرمها وتشهد جنازته؛ يعني يستحب أن يأذن لها أن تمرض محرمها على تمريضه وترافقه بذلك، وتشهد جنازته إذا توفي، لما في ذلك من صلة الرحم، وعدم إذنه قد يكون حاملا لها على مخالفته في ذلك، تشهد جنازته الصلاة الصلاة معه، لكن اتباع الجنازة هذا لا يجوز، الجنازة كما تقدم لدينا.

قال: وله منعها من إجارة نفسها ومن إرضاع ولدها من غيره إلا لضرورة. حق الزوج عظيم على زوجته، ولذلك الفقهاء رحمهم الله ذكروا أن حق الزوج مقدم حتى على حق الوالدين، يعني إذا أمرها زوجها بشيء أو والداها بشيء فإن حق الزوج مقدم، على أنه لا ينبغي للزوج أن يجعل نفسه ندا لوالدي زوجته، بمعنى أنه لا ينبغي له كلما أمرها والداها بشيء يأمرها بضدهما، هذا لا ينبغي وليس من العشرة بالمعروف. لكن يعني لو حصل في بعض الأحيان أمرتها أمها وأبوها بشيء وزوجها لم يأذن لعذر لديه وسبب موجه لديه، وهنا نقول: حق الزوج مقدم. لذلك حق الزوج مقدم على حق الوالدين وغيرهما، لذلك المؤلف قال: وله منعها من إجارة نفسها، يعني للزوج أن يمنع زوجته من أن تؤجر نفسها، مثلا تكون تخدم عند أحد، أو مثلا تقوم بالخياطة لأحد أو نحو ذلك، فله منع من ذلك، ومن ذلك الوظيفة، له منعها من الوظيفة، وهذا من تأجير نفسها، لأنها بذلك يفوتك مال حقه، يفوت كمال حق، فلا تؤجر نفسها إلا بإذنه، والوظيفة لا تؤجر لها إلا بإذنه، أو إذا كانت عليه في عقد النكاح فهنا ليس له منعها.

قال: ومن إرضاع ولدها من غيره إلا لضرورة، لأن اشتغالها بذلك يفوت كمال الاستمتاع بها، قد يكون يريدها، فقوله: لا، والآن سأرضع ولدي الذي من زوجها السابق، وله منعها من ذلك لأنه يفوت كمال الاستمتاع بها. قال: إلا لضرورة، يعني وضرورة الولد، لأن لم يقبل ثدي غيرها، فهنا ليس له منع من ذلك، لأن منع من ذلك فيه إضرار بولدها، وقد قال الله عز وجل: ﴿لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا﴾ [البقرة: 233]، وكذلك إذا اشتغلت عليه عند العقد، إذا اشترطت عليه عند العقد أن يكون ولدها معها فإنه ليس له منعها من إرضاعه.

ذكر المؤلف رحمه الله تعالى فصلا في القسم بين زوجاته وهذا للمعددين. قال: عليه أن يساوي بين زوجاته في القسم، يعني إذا كان عنده أكثر من زوجة فعليه أن يساوي بينهما في القسم، ويقسم لهذه ليلة ولهذه ليلة، لقوله تعالى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء: 19]، وليس من المعاشرة بالمعروف أن يميز إحداهما على الأخرى في القسم، فيقسم لها أكثر من الأخرى، فليس هذا من المعاشرة بالمعروف، ولما روي عنه صلى الله عليه وسلم من قوله: «من كانت له امرأتان فمال إلى إحداهما جاء يوم القيامة وشقه مائل». هذا حديث في السنن، وهو فيه وعيد شديد على من مال إحدى زوجتي عن الأخرى في شيء يملكه.

ما الذي يجب عليه أن يعدل فيه؟ الفقهاء رحمهم الله تعالى ذكروا أنه يعدل في القسم، وأما في غيره فقالوا: يجب عليه أن يعطي لكل واحد يعني من النفقة الكسوة السكن ونحو ذلك، قالوا: يجب عليه أن يعطي لكل زوجة الواجب عليه في ذلك، يعني مثلا الزوجة هذه يكفيها في الشهر خمسمئة ريال، طبعا أما نقدا وأما أغراضا بخمسمئة ريال، إذا وفر لها ذلك وهذه وفر لها حاجتها قالوا: لوفرة لديك فلا بأس أن يزيد، قالوا: يعني مثلا أم خمسمئة ريال أعطاها ألف ريال، وأم ثلاثمائة ريال أعطاها ثلاثمائة ريال، قالوا: هنا لا بأس به. لذلك أنا كلامي للفقهاء رحمهم الله تعالى يقولون إن الواجب علي أن يعطي لكل واحدة حقها، فإذا زاد فلا بأس، المهم ألا ينقص، المهم ألا ينقص، هذا ما ذهب إليه أصحابنا الحنابلة رحمهم الله تعالى.

القول الثاني في المذهب: أنه يجب عليه أن يعدل في النفقة والكسوة والسكنى والققسم بكل ما يستطيعه، فإذا وفي الهبات، فإذا وهب لهذه شيء يهب لهذه مثله، إذا اشترى لهذه شيئا فيشترى لهذه مثله. النفقة تكون النفقة بحسب الحاجة، إذا كانت هذه مثلا لها خمسة أولاد، هذه لا ما لها إلا ولد واحد، طبيعي أن من خمسة أولاد ستكون نفقتها أكثر من نفقة الولد الواحد، إذن النفقة تكون بالمعروف. الكسوة تكون بحسب الحاجة، تكون بحسب الحاجة أيضا، هذه أم خمسة أولاد دور كامل أم ولد له فيكفيها شقة نصف دور، فلا يلزم أن يتساوى بينهما في ذلك، لكن إذا زادا على ذلك فنقول: الزيادة تعتبر هبة، ويجب عليه أن يعدل بينهما في الهبة، لماذا؟ لأنه إذا لم يعدل بينهما في الهبة صار مائلا إلى إحداهما فيتحقق فيه الحديث: «جاء يوم القيامة وشقه مائل».

قال: لا في الوطء، فلا يجب العدل فيه، لأنه لا يدخل تحت الوسع والطاقة، لأن طريقه الشهوة والميل، ولا يستطيع الإنسان التحكم فيها، وجاء في الحديث في قوله صلى الله عليه وسلم: «اللهم هذا قسمي فيما أملك فلا تلمني فيما تملك ولا أملك»، اللي هي المحبة القلبية التي ينتج عنها الوطء. فإذا كان الزوج يحب إحداwebtoken زوجتين أكثر من الأخرى فهذا لا يلام فيه، وكذلك إذا كان يطأ إحدى زوجتيه أكثر من الأخرى لأن هذه مبنية على الشهوة والميل، ولا يلام فيه. وقد قال بعض أهل العلم -وكلام الفقهاء رحمهم الله تعالى مطلق أنه لا يجب الوطء، نعم العدل في الوطء مطلقا- بعض أهل العلم رحمهم الله تعالى قالوا: إنه إذا أمكن العدل بين النساء في الوطء فيلزمه ذلك، فسيلزمه ذلك، قالوا: فلذلك لا يجوز، لا يجوز له أن يترك وطء إحدى نسائه ليوفر نفسه لوطء الأخرى، لأن هذا يقصد ألا يعدل. لكن إذا كان لا، لم يقصد، لكن في ليلة هذه جاءت الشهوة وفي ليلة تلك لم تأتي الشهوة فلم يطأ، فنقول هنا لا يلام على ذلك، لا يلام على.

قال: وعمادة الليل لمن معه النار، لمن معاشه نارا؛ يعني أن القسم يكون في الليل، فنقول: يقسم لهذه ليلة ولهذه ليلة، النهار لا يلزمه أن يقسم في النهار، لأنه في النهار يخرج لمعاشه. قال: والعكس بالعكس، يعني هناك من يكون معاشه بالليل يعني وظيفته بالليل كمثل حراس ونحوهم، فنقول: هؤلاء يقسمون بالنهار، يكون لهذه يوم ولهذه يوم، في الليل يكون في عمله.

ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى أن المرأة إذا كانت حائضا أو نفساء أو مريضة أو معيبة أو مجنونة مأمونة، فهذه يقسم لها ولا يسقط حقها، يعني لو كانت مثلا له امرأتان الأولى بات عند الثانية حائط، هل يسقط حقها من القسم إذا كانت حائضا؟ نقول: لا، يقسم لها، لأن القسم ليس للوطء فقط، بل للانس الكلام والمعاشرة بما دون ذلك، فهذه كلها تتحقق، القسم يتحقق بالقسم، إذا لم يمكنه الوطء فنقول: لا يسقط القسم بذلك.

والنفساء، العرف عندنا أن النفساء لا يقسم لها إذا كان في بيتها، يعني إذا كان في بيت أهلها وجلست عندهم أربعين يوما أو أقل، وبات عند زوجته الثانية، فإنه إذا خلت هذه من النفاس يلزمه أن يقضي لها الأربعين ليلة؟ نقول: لا، العرف عندنا أن المرأة يسقط حقها بذلك، يسقط حقها بذلك، هذا العرف عندنا. لكن إذا كان عرف عند بعض البلدان أنها يقضى لها فإنه يقضى لها، فهذه مسألة خاضعة للعرف.

قول: مجنونة مأمونة ومريضة، فلو كانت زوجتي مريضة فإنه لا يسقط حقها يسقط حقها من القسم إلا إذا كانت مريضة يعني مثلا في المستشفى، في البيت فلا يسقط حقه، إذا كان مريض في المستشفى مثلا فإنه خلاص يسقط حقه لأنه لا يمكنه أن يبيت معها لأنه لا يمكنه أن يبيت معها.

ومعيبة: إذا كانت فيها عيب يسوغ الفسخ ولم يفسخ، فإنه هذا لا يسوط حقها من القسم. ومجونة مأمونة، هذا أيضا إذا كانت مجنونة مأمونة، أنه لا يسود حقها من القسم، بأن لأن القسم كما قلنا للانس، ولانه أيضا يتحقق يتمكن من وطئها. أما إذا كانت مجنون مجنونة غير مأمونة قد يعني تذهب إلى المطبخ تأخذ السكين تذبحه، فهذه مجنونة غير مأمونة، فهذه يسقط حقها في القسم لوجود الضرر عليه في ذلك.

قال: وغيرها مثل من ال منها أو من ظاهر منها، فهذه يقسم لها ولا يسقط حقها من القسم، لأن القصد من القسم.

ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى شيئاً من مسقطات النفقة والقسم. ذكر أربعة مسائل تسقط القسم والنفقة؛ قال: إن سافرت بلا أذنه، سافرت الزوجة بلا أذنه، تقول: أبروح أبا سافر لأهلي، فلم يأذن لها فسافرت بغير أذنه، سافرت أسبوعاً بغير أذنه ثم رجعت، الأسبوع هذا كله بات عند زوجتي الثانية، خلاص أنا رجعت، تقضي بحق من القسم؟ نقول: لا، لا يلزمه ذلك. لماذا؟ قالوا: لأنها هي الموجودة، وتعذر الاستمتاع بها بسبب من جهتها، فهي أسقطت حقها من القسم ومن النفقة.

قال: لو سافرت بإذنه في حاجتها، قالت مثلاً: سأفر لأهلي، قال: ما عندي مانع سافري لأهلك، ثم راجعت وحاطين الخصم؟ قال: لا، تعذر الاستمتاع بك لأمر في حاجتها كيف فإنه لا نفقة، لأنني لم أستفد من سفرك أنا، وتَعَذَّر الاستمتاع بسبب من جهتك.

وأما إذا كان السفر لحاجته هو، مثلاً سافرت لحضور زواج مثلاً لحاجتي هو، فنقول: حتى وإن كان لم يسافر معها، فانه لا يسقط حقها من النفقة والقسم، لأن تعذر الاستمتاع بسبب من قبله هو.

قال: أو أَبَتْ السفر معه، قال: سأفر إلى مكة، قالت: لا ما ني مسافر معك، كل سالفة ربي زوجته الثانية جلسوا أسبوع، لما رجعت من سفر قالت: اقضي لي حقي من القسم، نقول: ليس لها حق في ذلك؛ لأنه تعذر الاستمتاع بها بسبب من جهتها، أو المبيت عنده هي براشن الطلبة، فأبت، انتبه وهنا لا قسم لها ولا نفقة لأنها عاصية بذلك، فأخذت حكم الناشز. فنقول: إذا تعذر الاستمتاع بسبب من الزوجة، فإنه يسقط حقها من القسم ومن النفقة.

ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى أن الزوجة في القسم لها أن تتنازل به لغيرها، قال: ومن وهبت قسمها لضرّتها بإذنه وهبته له فجعله لأخرى جاز، من وهب قسمها لضرّتها بإذنه، فلو وهبت الزوجة قالت: خلاص أنا ما أبيك تبيت عندي، أبيك تبيت عند فلانة، يعني زوجته الثانية أو إذا كان عنده أربعة تقول: زوجتك فلانة رقم ثلاثة، هل يجوز له؟ يجوز لها أن تتنازل، لأن هذا حق لها، فإذا رضيت بإسقاطه سقط، أو قالت: خلاص أنا ما أبي ذيك الليلة، فهو في الليلة التي لها يبيت عند من شاء، هذا يجوز، لأن الحق في ذلك للزوج والزوجة وقد رضيت الزوجة بأن تسقط حقها.

وسودة رضي الله تعالى عنها لما كبرت وهبت قسمها لعائشة رضي الله تعالى عنها، فكان النبي صلى الله عليه وسلم يقسم لعائشة ليلتين: ليلتها وليلة سودة.

قال: فان رجعت قسم لها مستقبلاً، يعني إذا بعد مثلاً شهر أو شهرين قالت: لا خلاص أنا أرجع في هبتي وأريد أن تقسم لي كما تقسم الثانية، فهنا لها ذلك لصحة رجوعها في الهبة. لماذا؟ لأن حقها في القسم يتجدد، كل ليلة يتجدد حقها في القسم، فما سبق قُبِض وما يستقبل لم يُقْبَضْ، فهي رجعت في هبة لم تقبض، أما الماضي فقد استقر حكمه وليس لها رجوع فيه، يعني لا تقول مثلاً: أنا وهبت شهراً كاملاً لزوجتك الثانية فسأرجع فيه، نقول: لا، الماضي خلاص ما يمديك ترجع فيه، المستقبل يمديك الرجوع فيه فتلغين هبتك المستقبلة.

قال: ولا قسم لإمائه وأمهات أولاده لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُواْ﴾ [النساء: 3] يعني بين نسائكم ﴿فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: 3] فدل على أن ملك اليمين لا يلزمه أن يعدل فيه، بل يطأ من شاء متى شاء، قد كان النبي صلى الله عليه وسلم أمة مارية وريحانة ولم يكن يقسم لهن صلى الله عليه وسلم، قال: بل يطأ من شاء متى يشاء، فليست لهن ليلة مستقلة.

قال: وإن تزوج بكراً أقام عندها سبعاً ثم دار، وثيباً ثلاثاً، وإن أحبت سبعاً فعل وقضى مثلهن بالبواقي. يبين المؤلف رحمه الله تعالى هنا أن الزوجة إذا تزوج زوجة جديدة على زوجته التي معه، فإن كانت بكراً فانه يقسم لها سبع ليال في بدء نكاحه بها، ثم يدور على نسائه إذا كانت عنده زوجة ثانية أو أكثر، فانه يدور يقسم بين كل واحدة ليلة، أما إذا كانت الزوجة الجديدة ثيباً فانه يقسم لها ثلاثاً، ثم يدور على نسائه، وإن أحبت سبعاً، ثيبة أحبت أن يقسم لها سبعاً، فعل، لكن يقضي مثلهن للباقي. والدليل على ذلك حديث أنس رضي الله تعالى عنه أنه قال: من السنة إذا تزوج البكر على الثيب أقام عندها سبعاً وقسم، وإذا تزوج الثيب أقام عندها ثلاثاً ثم قسم. متفق عليه. وقول أنس رضي الله تعالى عنه: من السنة، أي سنة النبي صلى الله عليه وسلم، ولا يقصد بذلك أنه من الأمر لا يعاقب على تركه، بل المراد سنة النبي صلى الله عليه وسلم، ودلت النصوص على وجوب ذلك لا على استحبابه فقط.

وقول: إن أحبت سبعاً، حديث أم سلمة حيث قسم النبي صلى الله عليه وسلم لها ثلاثاً ثم لما أراد أن يخرج منها طلبت منه أن يمكث عندها، قال: إن شئت سبعت لك يعني أكملت عندك سبعاً وإن سبعت لك سبعت لنسائي، وهذا دليل على أنه إذا أقام عند الثيب سبعاً، فانه يقضي مثلهن يقيم عند الباقيات، أما إذا أقام عندها ثلاثاً، فانه يطوف عند الباقيات ليلة ليلة.

ثم ختم المؤلف رحمه الله تعالى مسائل العشرة بفصل في النشوز، الأصل أن الزوجين يعاشر كل منهما الآخر بالمعروف، فإذا لم تحصل العشرة بالمعروف حصل الخلاف بين الزوجين، فكيف يحل هذا الخلاف؟ قال المؤلف رحمه الله تعالى: النشوز معصيتها إياه فيما يجب عليها، يعني أن تعصي الزوجة زوجها في الأمور الواجب عليها فعلها، الأمور الواجب عليها أن تفعله لا أن تفعلها له، مثل الوطء، فإذا كان يطلبها لفراشه فتمتنع هنا تعتبر ناشزاً، أو يمنعها من السفر فتسافر بلا علم، أو يمنعها من الخروج من منزله لتخرج بلا أذنه، فهنا تعتبر ناشزاً، والنشوز هو المعصية، معصية الزوج لزوجها فيما يجب عليها، مأخوذ من النّشز وهو الارتفاع، وهو ما ارتفع من الأرض، فكأنها لما عصته ترفعت عليه وسميت ناشزاً.

قال: إذا ظهر منها أمارات النفوز بأن لا تجيبه إلى الاستمتاع، أو تجيبه وهي متبرمة أو متكررة متثاقلة، فماذا يفعل؟ نقول له خطوات: أولاً يعظها، يخوفها بالله عز وجل، يذكرها حقها حقه عليها، والوعيد الشديد، إذا امتنعت، إذا دعا الرجل امرأته إلى فراشه فأبت فبات غضبان عليها لعنتها الملائكة حتى تصبح، يعظها بذلك، فإن استجابت فالحمد لله، إن لم تستجب قال: فإن أصرت هجرها بالمضجع ما شاء وفي الكلام ثلاثة أيام، يعني ترك مضاجعتها، سواء ترك مفاجأتها، المبيت معها في الغرفة، أو المبيت معها في الفراش، يعني إما أن يترك البيت بحيث يبيت في غرفة أخرى، أو يبيت معها في نفس الغرفة لكن هو في فراش وهي في فراش آخر، أو يبيت معها في نفس الفراش لكن يوليها ظهره، يفعل ما الذي يفعله؟ نقول: يفعل الأمر الذي يحقق المصلحة في رجوعها إلى طاعته، فإذا كان تولية ظهره فقط هو الذي يؤدي ما يفعل ذلك، إذا كان لا، إذا ولى بعضهم ما يهمها معها بالفراش، إذا كان لا، حتى لو في الغرفة ما عنده مانع لك إذا انتقل لغرفة أخرى، فانه ما نقول ينتقل لغرفة أخرى وهكذا.

طيب فعل هذه ولم تفد معهن قال في المضجع ما شاء إلى أن ترجع، وفي الكلام ثلاثة أيام، لقوله صلى الله عليه وسلم: «لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث». والأخرى ما الذي يبدأ بالسلام؟ ويرتفع الهجر بالكلام بمجرد السلام، فإذا كان مثلاً هجر ثلاثة أيام ثم قال: السلام عليكم، وعليكم السلام، ثم رجع للهجر، فإنه له ذلك، وهذا بدأ يعني أشد عليه كل ثلاثة أيام بس أسمعها كلمة هذا أشد عليها.

إذا ما نفع معه الهجر، نقول: يضربها، يضربها لكن ضرباً غير مبرح، والمقصود منه التأديب لا التعذيب، والدليل على هذه الخصال قوله تعالى: ﴿وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا﴾ [النساء: 34].

لو ما نفع مع كل هذه الأمور الثلاثة، الفقهاء ذكروا مرحلة رابعة، وهي أن يسكنهما الحاكم قرب شخص ثقة يشرف عليهما، وهذه الحقيقة لم ترد، لم ترد في نصوص الكتاب والسنة اللي هي إسكانهما قرب ثقة، وهذه لم يذكرها إلا المتأخرون كابن قدامة ومن تبعه، المتقدمون كالخرقي وأبي يعلى ونحوهم، فهم لم يذكروا هذه المسألة، وإنما ذكره ابن قدامة ومن تبعه رحمهم الله تعالى.

لذلك المرحلة الخامسة هي بعث الحكمين، قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِّن أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِّنْ أَهْلِهَا إِن يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا﴾ [النساء: 35]. الأصل أن يكون الحكمان من أهل الزوجين، حَكَمٌ من أهل الزوج وحَكَمٌ من أهل الزوجة، فإن تعذرت فيكون من غيرهما، وهذان الحكمان لا بد أن يعرف الجمع والتفريق، من أصلح للزوجين من جمع أو تفريق، ولا بد أن يقصد الإصلاح، يعني من خلال العمل في المحكمة غالباً إذا جبنا حكمين، حَكَمُ الزوج يقف في طرف الزوج وحَكَمُ الزوجة يقف في طرف الزوجة، يحسبون أنهما وكيلان عنهما، يحكم الزوج يقول: والله أنا أرى أن الزوجة تنقاد لزوجها، حَكَمُ الزوجة يقول: لا أنا أرى أنه يفسخ النكاح، فلذلك يعني نادراً أن يتفقا على شيء، يعني قليل من خلال العمل نادراً يُتَّفَقُ عليه، يقل أن يتفق الحكمان على شيء، فلذلك إذا تعذرت الاتفاق على شيء يكلف حكماً من خارج الأهل، يعني في جملة أنه الحكم يكون فيه مكتب إصلاح ويتولى هذا الأمر، فيتفقون على شيء معين؛ إما التفريق أو الجمع تبرّع بعوض أو بدون عوض.

فإذا لم يتفق الحكمان ولا لمن وراء الأهل، فهنا يتصدى القاضي لها وينظر الأصلح للزوجين من جمع أو تفريق، وهذه صدر بها قرار من هيئة كبار العلماء في المراحل التي عليها في الحكمين وما يفعل إذا اختلف الحكمان ونحو ذلك.

هل الحكمان هناك مسألة: هل الحكمان وكلان عن الزوجين أو حاكمان؟ هل هو حاكم بمثابة الحاكم أو بمثابة الوكيل؟ المشهور من المذهب أنهما بمثابة الوكيل، وهناك قول آخر للمذهب اختاره شيخ الإسلام رحمه الله أنهما حكمان، وينبني على الخلاف بينهما عدة مسائل، أهمها أهمها أننا إذا قلنا إنهما وكيلان فلا بد إذا وصلوا إلى شيء، مثلاً وصلوا إلى أنه يفرق بين الزوجين، لابد من إذن الزوج والزوجة، أنه موكلان لابد أن يوافق الزوج على ذلك على الفراق وتوافق الزوجة على الفراق، وكذلك إذا أقروا الانقياذ لابد أن الزوجة الانقياد وكزوجة الانقياد، أما إذا قلنا إنهما حكمان فلا يشترط ذلك، فإذا قالوا إذا قالوا: نرى إن أصلحت يفرق، إذا كان الأصلح الجمع يجمع بينهما، وظاهر القرآن أنهما حكمان وليس وكيلين، ابحث وحكم من ولدك، سماهم الله عز وجل حكمين، يريد إصلاح يوفق الله بينهما.

وهنا انظروا أثر النية الصالحة، أن يريد يعني الحكمان أن أراد الإصلاح، فإن الله عز وجل يوفق في عملهما ويوفق بين الزوجين، وتوفيق الزوجين قد يكون توفيقنا برجوعهما لبعض، وقد يكون توفيقهما بافتراقهما، يفترقان ويتزوج هذا خيراً من هذه، وتتزوج هذه خيراً من هذا، فانظروا إلى أثر النية الصالحة يتعدى أثرها إلى الغير.

وهذا ما لدي في شرح باب عشرة النساء، وأسأل الله للجميع التوفيق والتسديد، وإن شاء الله في الدرس القادم لعلنا نحضر جهاز تسجيع خارج عن عن عن الجوال لأجل أن يتم تسجيل اللقاء مع بثه برنامج البيرسكوب إن شاء الله تعالى، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.