دخولتسجيل الدخول

الدرس الثامن والعشرون كتاب الزكاة شرح فضيلة الشيخ /عبد الله بن عبد الرحمن الميمان حفظه الله.

عبدالله بن عبدالرحمن الميمانالشيخ عبدالله بن عبدالرحمن الميمان
  • مدة الدرس:
  • قراءة

يقول النبي الكريم عليه الصلاة والسلام: «من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين». معنى ذلك أن الذي لا يتعلم ولا يتفقه ما أراد الله به خيراً، ولا حول ولا قوة إلا بالله.

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. اللهم يا معلم آدم وإبراهيم علمنا، ويا مفهم سليمان فهمنا. اللهم أهدنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً وعملاً صالحاً يا كريم.

نبدأ باب إخراج الزكاة. الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء وسيد المرسلين نبينا محمد عليه وعلى آله وصحبه وسلم. اللهم اغفر لشيخنا ولنا جميعاً، رحمه الله وللمسلمين والمسلمات. يجب على الفور مع إمكانه إلا لظالم، فإن منعها جحداً لوجوبها كفر عارف بالحكم وأخذت، أو بخلاً أخذت منه وعزر.

تكلم المؤلف رحمه الله تعالى في هذا الباب عن بعض الأحكام المتعلقة بإخراج الزكاة؛ من حكم المبادرة بها، وحكم تأخيرها، وحكم منعها، وتعلقها بالمال، ووجوب النية فيها، ومكان إخراجها. فذكر أن إخراجها دفعاً للمستحقين واجب على الفور مع إمكانه، لأن الله عز وجل أمر بها في إيتاء الزكاة، والأصل في الأمر الفورية، وهي قاعدة أصولية وهي اقتضاء الأمر للفورية. وفيها خلاف بين الأصوليين رحمهم الله تعالى، لكن الذي مشى عليه الأصحاب رحمهم الله تعالى هو أن الأمر المجرد عن قرائن من حيث الفورية وعدمها فإنه يحمل على الفورية.

يعني إذا أمكن، فإذا لم يمكن فإنه يتأنى حتى يمكن إخراج الزكاة. مثلاً لو أن شخصاً وجبت عليه الزكاة، لكن جميع سيولته في ذمة شخص آخر، وهذا الشخص مريء، فالزكاة واجبة في ذمتي لكن ليس بيده مال يزكيه أو بيده مال يسير ما يستطيع أن يدفعه ويبقى بدون مال، فنقول له أن يؤخر الزكاة هنا لأنه لا يمكنه إخراجها على الفور، والواجبات منوطة بالاستطاعة وهو ليس مستطيعاً أن يخرجها على الفور. قال: "إلا لضرورة"، فإذا وجدت الضرورة فإنه يباح التأخير. والضرورة ومثلها الحاجة، فالفقهاء رحمهم الله تعالى قد يعبرون بالضرورة ويريدون بها الحاجة. فمثلاً مما ذكروا من الأمثلة: لو أن الساعي يأتيه، وجبت عليه الزكاة في رجب والساعي سيمر به في رمضان، يقول: لو أخرجتها الآن فعاد عليَّ الساعي آخذاً من الزكاة مرة أخرى، وهنا نقول هذا عذر في تأخير الزكاة. أيضاً لو أن شخصاً عنده قريب فقير لكنه مسافر، سيعود بعد أسبوعين أو ثلاثة أسابيع ولا يستطيع دفعه له بكونه مسافراً، فهنا نقول له أن يؤخرها لكي يحضر قريبه المحتاج.

قال: "فإن منعها"، إذا منع أداء الزكاة فنقول إذا منعها لا يخلو من حالين: إما أن يمنعها جحداً لوجوبها، بأن يقول الزكاة ليست واجبة علي، فهنا نقول هذا يكفر، كفر عارف بالحكم، لأنه جحد أمراً معلوماً من الدين بالضرورة. وجحد وجوب الزكاة يكفر جاحده ولو أداها، يعني حتى لو أدى الزكاة وقال: أنا أعتقد في قرارة نفسي أنها تطوع وليست زكاة واجبة، فهنا نقول أيضاً يكفر بذلك؛ لأنه جحد أمراً معلوماً من الدين بالضرورة. طبعاً قال المؤلف "كفر عارف بالحكم"، أما إذا كان جاهلاً بالحكم فإنه يعلم، فإن أصر على جحد الوجوب فهنا يكفر، وأخذت منه الزكاة لأنها وجبت في ذمته واستقرت قبل أن يكفر، فلم تسقط بالكفر، وقتل لردته، وهذا بعد أن يستتاب.

قال: "أو بخلاً"، هذا هو الحالة الثانية من أحوال مانع الزكاة أن يمنعها بخلاً، بأن يقول الزكاة واجبة في ذمة الصحيح لكن يبخل بأدائها، فهنا يقول المؤلف رحمه الله: تؤخذ منه قهراً، ولا يكفر بذلك لكن تؤخذ منه كالدين الذي للآدمي، ويعزر لكونه فعل أمراً محرماً بامتناعه عن أداء الزكاة. ويعزره الإمام أو نائبه، ويكون التعزير بالبدن كالجلد أو الحبس ونحو ذلك. وهل يعزر بالمال؟ مسألة خلافية بين العلماء رحمهم الله تعالى، ومسألة التعزير بالمال هذه أكثر أهل العلم رحمهم الله تعالى يرون أن التعزير بالمال منسوخ، فلا يجوز أن يعزر بالمال لكون مال الآدمي محترماً. ومن العلماء من قال لا، بل إن التعزير بالمال -في الزكاة وفي غيرها- ليس منسوخاً ودلت عليه نصوص كثيرة؛ منها مثلاً في الزكاة: «آخذوها وشطر ماله»، ومنها أيضاً تحريق متاع الغال، ومنها أيضاً تحريق أو هدم البيت الذي يستخدمه صاحب الخمر لتصنيع خمره، ونحو ذلك، كلها وردت عن الصحابة رضي الله تعالى عنهم وعن النبي صلى الله عليه وسلم، قالوا: فدل على أن التعزير بالمال لا يزال معمولاً به، وهذا هو اختيار شيخ الإسلام ابن القيم رحمه الله تعالى. لكن كما قلنا إنه خلاف وهو مذهب المالكية في بعض المسائل، لكن أكثر أهل العلم رحمهم الله تعالى على أن التعزير بالمال منسوخ. وفي الزكاة هنا المذهب على أنه يعزر بالبدن فقط، ومن العلماء من قال بل يعزر بالمال بأخذ نصف ماله، لحديث بهز بن حكيم: «فإن أخذها وشطر ماله عزمة من عزمات ربنا»، وهذا حديث عند أحمد وأبي داود والنسائي، واختلف في تصحيحه وتضعيفه.

تجب في مال الصبي والمجنون فيخرجها، ولا يجوز إخراجها إلا بنية، والأفضل أن يفرقها بنفسه، ويقول عند دفعها هو وآخذها ما ورد. ذكر المؤلف رحمه الله تعالى أن الزكاة تجب في مال الصبي والمجنون، يعني أنه لا يشترط لها التكليف؛ لأن الزكاة متعلقة بالمال وليست متعلقة بالذمة، فلا يشترط لها التكليف، قالوا: كضمان المتلفات، فلو أن صبياً أتلف شيئاً، مثلاً رمى حجراً على زجاجة سيارة فأتلفها، فهنا يجب عليه الضمان، لا نقول إنه صغير مرفوع عنه القلم، بل نقول حقوق الآدميين تلزمه، قالوا: ومثلها الزكاة، فالزكاة متعلقة بالمال فتجب في مال الصبي والمجنون، وهذا ورد عن عدد من الصحابة رضي الله عنهم، كعمر وعلي وابني عمر وجابر وعائشة رضي الله تعالى عنهم، وللعمومات الواردة في وجوب الزكاة في المال فلم تفرق بين مكلف وغير مكلف.

قال: "فيخرجها وليهما"، فالمطالب بإخراج الزكاة في مال الصبي والمجنون هو الولي، لأنه المتولي على أموالهم ومن ضمن ما يجب عليه في مالهم أن يؤدي الزكاة، وإنما لم يتوجه الوجوب إلى الصبي والمجنون -وجوب الإخراج- لأن الزكاة يشترط في إخراجها النية وهي المسألة التي ذكر المؤلف فيما بعد، فلما لم تصح النية منهما توجه الوجوب في الإخراج إلى من تصح النية منه وهو الولي.

قال المؤلف رحمه الله: "ولا يجوز إخراجها إلا بنية"، يعني لا يجوز أن تخرج الزكاة إلا بنية، لقوله صلى الله عليه وسلم: «إنما الأعمال بالنيات»، فتكون النية مقارنة للفعل أو متقدمة عليه بزمن يسير، ولا يجوز أن تتأخر عنه. فمثلاً لو أن شخصاً رأى فقيراً يسأل في الشارع فأعطاه مئة ريال، ثم لما رجع إلى بيته فكر وأحصى قروشه، واتضح الواجب عليه في الزكاة مئة ريال، قال: إذاً أحتسب المئة السابقة زكاة، نقول: هل هذا يجزئ أو لا يجزئ؟ لا يجزئ، لماذا؟ لأنه لم ينوِ حين إخراجها أنها زكاة، النية لا بد أن تكون مقارنة للفعل أو متقدمة عليه، لكن لو تأخرت عنه فلا يجزئ ذلك.

قال: "والأفضل أن يفرقها بنفسه"، ليتيقن من وصولها لمستحقيها، ولأنه سيتعب في ذلك، وإذا تعب فإنه أعظم في أجره لأنه تعب في عبادة. قال: "ويقول عند دفعها هو وآخذها ما ورد"، يعني يشرع أن يقول المتصدق والمتصدق عليه الدعاء الوارد في دفع الصدقة وأخذها. والمشروع للمسلم في كل عبادة أن يدعو بالقبول، بقوله تعالى: ﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا ۖ إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [البقرة: 127]، فقد دعا إبراهيم عليه السلام وإسماعيل عند رفع القواعد من البيت. أما الآخذ، أخذ الصدقة فيشرع أن يدعو للمتصدق فيما شاء، والذي جاء في الآية: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة: 103]. ولذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا أتاه قوم بصدقتهم قال: «اللهم صل عليهم»، عملاً بهذه الآية كما جاء ذلك في الصحيحين من حديث عبد الله بن أبي أوفى رضي الله تعالى عنهما.

وهل ورد نص خاص في الدعاء الوارد عند أخذ الصدقة أو عند أدائها؟ في الروض ذكر أن الدافع يقول: اللهم اجعلها نفقة ولا تجعلها مغرماً، هذا ورد في حديث عند ابن ماجه لكنه لا يصح، وذكر أن الآخذ يقول للمتصدق: آجرك الله فيما أعطيت، وبارك لك فيما أبقيت، وجعله لك طهوراً، وهذا لم يرد به حديث لكنه استحبه الإمام الشافعي رحمه الله تعالى.

جميع ما أوفت في هذه السنة فهو زكاة، والأفضل إخراج زكاة كل مال في فقراء البلد، ولا يجوز نقلها إلى ما تقصر فيه الصلاة، فإن فعل أجزأت، إلا أن يكون في بلد لا فقراء فيه، فيفرقها في أقرب البلاد إليه. فإن كان في بلد وماله في آخر، أخرج زكاة المال في بلده، وفطرته في بلد هو فيه. ويجوز تعجيل الزكاة بحولين فأقل، ولا يستحب.

هنا ذكر المؤلف رحمه الله تعالى نقل الزكاة وأين يستحب إخراجها. عندنا ثلاثة أماكن: عندنا بلد الشخص الغني، وعندنا البلاد المجاورة له التي لا تبلغ مسافة قصر، وعندنا الحالة الثالثة البلاد التي تفوق مسافة القصر. إخراج الزكاة في بلد الغني هذا هو الأفضل، وإخراجها في بلد مجاور له دون مسافة القصر جائز، وهو دون الأول، جائز لكنه ليس هو الأفضل، أما إخراجها في بلد يفوق مسافة القصر فإنه محرم، هذا تفصيل المذهب في هذه المسألة.

يقول: الأفضل إخراج زكاة كل مال في فقراء بلده، لأن فقراء كل مكان لا يعلم بهم إلا أهلهم غالباً. وأجازوا نقلها إلى بلد مجاور دون مسافة القصر، قالوا: لأن هذا في حكم البلد الواحد. أما نقلها إلى ما تقصر فيه الصلاة فقالوا: لا يجوز. لماذا؟ قالوا استدلوا بأمر النبي صلى الله عليه وسلم لمعاذ بن جبل رضي الله تعالى عنه لما بعثه إلى اليمن قال: «فاعلم أن الله افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد في فقرائهم»، قالوا: فدل على أن الصدقة لا تنقل عن أهل البلد، هذا هو المذهب عند الحنابلة رحمهم الله تعالى، وهو من مفردات المذهب.

والقول الثاني في المسألة وهو رواية عن الإمام أحمد وقول أكثر أهل العلم رحمهم الله تعالى، أنه يجوز نقل الزكاة إلى بلد أكثر من مسافة القصر لا سيما إذا وجدت المصلحة، وجاءت أحاديث في أن الزكوات تنقل إلى النبي صلى الله عليه وسلم في المدينة، والنبي صلى الله عليه وسلم في المدينة وهذا فوق مسافة القصر. وهذا كما قلنا رواية في مذهب الحنابلة واختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى وقول أكثر أهل العلم. والمذهب قالوا: فإن فعل أجزأت، أجزأت مع الإثم؛ لأنه أوصلها لمستحقيها فبرئت ذمته، ويأثم لمخالفة الأمر تؤخذ نية فترد في فقرائهم.

استثنوا قالوا: إلا أن يكون في بلد لا فقراء فيه، طبعاً كون لا فقراء فيه مثال على صنف من أصناف الزكاة، ولو عبر بقوله: "لا مستحقين فيه"، فهو أولى. إلا أن يكون في بلد لا فقراء فيه فإنه يفرقها في أقرب البلاد إليه، يعني لو كان في بلد مثلاً الخبر ما فيه فقراء، الدمام ما فيه فقراء، أقرب بلد فيه فقراء مثلاً الجبيل فوق مسافة القصر، قالوا يفرقها هناك، لأنه أولى من غيره من البلاد التي هي أبعد منهم.

ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى ما لو اختلف مكان الإنسان عن ماله، يعني مثلاً الشخص عنده مزرعة في الرياض، فيها نخيل تبلغ النصاب، وهو هنا في الخبر، فأين يخرج زكاته؟ هل يخرجها في الرياض أو يخرجها في الخبر؟ قال المؤلف: فإن كان في بلد وماله في آخر، أخرج زكاة المال في بلده، بلد المال، قالوا لأن أطماع الفقراء تتعلق بهذا المال، يعني يسد حاجتهم منه. أما زكاة الفطر قال: وفطرته في بلد هو فيه، يعني لو أنه شخص هنا في الدمام أو في الخبر سافر في العشر الأواخر إلى مكة، وأدركه العيد في مكة، يسن أن يخرج زكاة الفطر في مكة في بلده الذي أدركه وقت الوجوب وهو فيه، لأن زكاة الفطر تتعلق بالبدن، وزكاة المال تتعلق بالمال.

المؤلف رحمه الله تعالى ذكر مسألة تعجيل الزكاة، قال: يجوز تعجيل الزكاة بحولين فأقل، ولا يستحب. يجوز تعجيل الزكاة، سبق أن ذكرنا من شروط وجوب الزكاة حولان الحول، لكن قالوا إنه يجوز أن يعجل الزكاة عن الحول قبل أن يتم الحول.

قبل أن يتم الحول. وهذا قالوا ورد عن النبي ﷺ أنه من العباس صدقة عامين، صدقة عامين. ويجوز التعجيل إذا كمل النصاب إذا كمل النصاب لا قبله. إن شخصاً عنده مثلاً أربعين رأساً من الغنم، ملكها في واحد محرم، ثمان وثلاثين، جاء في واحد شوال قال: أريد أن أخرجها، أخرج الزكاة؛ الآن نقول ما في إشكال أخرج الزكاة، الأصل في واحد محرم، لكن أخرجها في واحد من شوال ما في شيء.

لكن شخصاً عنده مثلاً خمسة وثلاثين رأساً من الغنم، ما بلغت النصاب مثل ما أنا كان في واحد محرم، كان في واحد رمضان قال: سأخرج الزكاة، سأخرج الزكاة؛ فأخرج رأساً من الغنم، ثم بعد ذلك ملك ما يكمل به النصاب مثلاً في واحد ذي القعدة، فلما جاء واحد من ذي القعدة العام القادم قال: أنا زكاتي في محرم؛ لماذا؟ لأني محرم السنة الأولى أنا أخرجت زكاتها في شوال مقدماً لها، فالآن سأزكي في محرم سأرجع إلى وقتي الأول؛ نقول: لا، التي أخرجتها في شوال هذه لا تجزئ عن الزكاة، لماذا؟ لأنك عجلتها قبل أن يتم النصاب، الأصل ما عليك زكاة، فهذه صدقة تطوع. بدأ الحول عندك من واحد ذي القعدة، لا تعتبر من واحد محرم. تخرج زكاتها، ولا يستحب التعجيل لوجود الخلاف في إجزائها.

باب أهل الزكاة ثمانية: الفقراء وهم لا يجدون شيئاً أو يجدون بعض الكفاية، والمساكين يجدون أكثرها أو نصفها، والعاملون عليها وهم جباتها وحفاظها، والرابع المؤلفة قلوبهم ممن يرجى إسلامه أو كف شره أو يرجى بعطيته قوة إيمانه، الخامس الرقاب وهم المكاتبون منها، السادس الغارم لإصلاح ذات البين ولو مع غنى أو لنفسه مع الفقر، السابع في سبيل الله وهم الغزاة المتطوعة أي لا ديوان لهم، نعم. الثامن ابن السبيل المسافر المنقطع به، دون المنشئ للسفر من بلده فيعطى قدر ما يوصله إلى بلده، ومن كان ذا عيال أخذ ما يكفيهم. ويجوز صرفها إلى صنف واحد، ويسن إلى أقاربه الذين تلزمهم.

هنا ذكر المؤلف رحمه الله تعالى أهل الزكاة الذين تدفع لهم الزكاة الواجبة، قال وهم ثمانية أصناف، ودليل الحصر قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ [التوبة: 60]. ابتدأت الآية بلفظ «إنما» الدالة على الحصر، فدل على اختصاص الحكم بمن ذكر دون من سواهم.

قال الفقراء وهم من لا يجدون شيئاً أو يجدون بعض الكفاية، والمساكين هم من يجدون أكثرها أو نصفها. الشخص كيف تعرف أنه فقير أو مسكين أو غني؟ نقول: الشخص يقدر كفايته في السنة أو في الشهر مثلاً، كفاية من يعولهم؛ إذا كان مثلاً شخص عنده زوجة وثلاث أولاد مثلاً يقول: كفايتي مثلاً في الشهر ألف ريال، هو يأتي شهرياً مثلاً ألف وخمسمائة ريال، دخله الشهري ألف وخمسمائة ريال، هنا وجد أكثر من نصف الكفاية، إذاً يعتبر مسكيناً. الشخص لا يجد مثلاً إلا أربعمائة ريال، سيأتي في الشهر إلا خمسمائة ريال، فهذا الفقير يجد أقل من نصف الكفاية. الكفاية في الطعام والشراب واللباس والسكنى أو الحاجات الضرورية، وطبعاً تختلف بحسب اختلاف الأعراف، فهذه هي الكفاية تقريباً. إذا كان ما عنده يوفر هذه الأمور كلها، فهنا نقول هذا غني لا يجوز أن تدفع له الزكاة، وإذا كان يجد أقل من نصف الكفاية هذا الفقير، وإذا وجد نصف الكفاية فأكثرها فيعتبر مسكيناً.

كم يعطى الفقير والمسكين؟ كانوا يعطون ما يكمل كفايتهم لسنة، يعطون ما يكمل لسنة، فمثلاً هذا راتبه ألف وخمسمائة ريال وكفايته ألفا ريال، يعني كل سنة سينقص منه خمسمائة ريال، فإذا جمعنا خمسمائة وضربناها في اثني عشر شهراً ستة آلاف ريال، إذاً يجوز له أن يأخذ من الزكاة ستة آلاف ريال ولا يزيد، وهكذا يعني يأخذ الفقير والمسكين ما يكمل كفايته لمدة سنة، طبعاً كفاية من يعول.

العاملون عليها هم السعاة الذين يبعثهم الإمام لأخذ الزكاة من الأغنياء، كما يمثلهم في عصرنا هذا مصلحة الزكاة والدخل، فهؤلاء يعطون من الزكاة في قدر أجرتهم، ويعطون ولو كانوا أغنياء؛ أغنياء لأنهم يعملون ليس لحاجتهم، وإنما للحاجة إليه، الإمام احتاج لهم ليجمع الزكاة للناس، فهم لا يعملون لحاجتهم وإنما للحاجة إليهم، وهم الجباة والحفاظ والذين يحسبون جميع ما يتعلق بجمع الزكاة، بشرط أنه يكون من يبعثهم الإمام؛ يقول مثلاً شخص يجمع تبرعات لجهة خيرية، يقول: أنا من العاملين عليها، لا، العاملون عليها هم الذين يبعثهم الإمام.

المؤلفة قلوبهم، يقال المؤلف قلبه هو السيد المطاع في عشيرته الذي يرجى بعطيته إسلامه أو دفع شره، يرجى أيضاً قوة إيمانه أو مدافعته عن بلاد المسلمين، فيعطى بحسب الحاجة يعني ما يحصل به تأليف قلبه. وهذا السهم اختلف في بقائه أو سقوطه؛ فبعض الفقهاء يرون أن هذا السهم قد سقط فلا يعطى شخص من المؤلفة قلوبهم، ويستدلون بأن عمر وعثمان رضي الله تعالى عنهما أسقطوا سهم المؤلفة، لكن المعتمد عند الحنابلة رحمهم الله تعالى أن هذا السهم لم يسقط، وإنما هو مقيد بالحاجة، فعمر وعثمان رأوا قوة الإسلام في ذلك الوقت وأنهم ليسوا بحاجة إلى أن يعطوا من يؤلف قلبه، فلذلك لم يعطوه لأنهم رأوا عدم الحاجة، لكن لو وجدت حاجة لأعطيتهم من الزكاة فيعطون.

قال خامس الرقاب، قال وهم المكاتبون، والمكاتب هو من يشتري نفسه من سيده بأقساط، فالمكاتب يعطى من الزكاة ما يكمل به عتق نفسه، فلو مثلاً اشترى نفسه من سيده باثني عشر ألفاً، كل شهر يدفع له ألف ريال، راح ثلاثة أشهر الآن بقي عليه تسعة آلاف، يجوز أن يعطى من الزكاة تسعة آلاف ريال لكي يتم عتقه. قال أيضاً يفك منها الأسير المسلم، يعني لو أن حصل معركة بين المسلمين والكفار فأسَرَ الكفار مسلماً وطلبوا فدية لكي يفك، فإنه يجوز أن تدفع هذه الفدية من الزكاة لفك هذا الأسير، إلحاقاً له بسهم الرقاب لأن فيها فك رقبة من الأسر.

السادس الغارم، الغارم على نوعين، الغارم وهو المدين؛ غارم لإصلاح ذات البين وهو يعني شخص مثلاً يجد مشكلة بين قبيلتين فيحاول أن يصلح بينهم، فيستدين مالاً لكي يصلح بين القبيلتين، يدفع لهم من المال لكي تسكن الثائرة بينهم، فهذا غرم يعني أنه استدان لكي يصلح ذات البين، فهذا يعطى من الزكاة، قال المؤلف: ولو مع غناه. والدليل على أن هذا يعطى من الزكاة قوله صلى الله عليه وسلم لقبيصة: «يا قبيصة، إن المسألة لا تحل إلا لأحد ثلاثة: رجل تحمل حمالة فحلت له المسألة حتى يصيبها ثم يمسك»، وقام الفرد يعطى ولو مع غنى، ما جاء في حديث أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه: «لا تحل الصدقة لغني إلا لخمسة»، وذكر منهم الغارم، فالمقصود به في الحديث الغارم لإصلاح ذات البين يعطى الزكاة ولو كان غنياً. وذكر الأصحاب أنه يشترط ألا يدفعها من ماله، فإن دفعها من ماله فلا يعطى من الزكاة لأنه لا يتحقق في وصفه أنه، ومن العلماء رحمهم الله تعالى من قال بل يعطى ولو دفعها من ماله إذا نوى أن يرجع على أهل الزكاة، أي يأخذ من الزكاة.

أو لنفسه مع الفقر، هذا النوع الثاني من الغارمين وهو الغارم لنفسه، يعني شخص استدان لنفسه لحاجته الشخصية مع الفقر، فلا بد أن يكون فقيراً أي لا يستطيع أن يسدد الدين من ماله، فهذا يجوز أن يعطى من الزكاة بشرط ألا يكون دينه في محرم، وأن يكون دينه في حاجاته لا في الكماليات.

السابع في سبيل الله وهم الغزاة المتطوعة أي الذين لا ديوان لهم، يعني في سبيل الله وهم الغزاة؛ قصر المؤلف رحمه الله تعالى في سبيل الله على الغزاة المجاهدين الذين يجاهدون في سبيل الله ولا ديوان لهم، يعني أنهم لا مرتبات لهم من الإمام؛ فإذا كان له مرتبات من الإمام خلاص لا يستحقون الزكاة، لكن إذا لم يكن لهم مرتبات من الإمام فهنا يستحقون من الزكاة للآية، فيعطون ما يكفيهم ولو كانوا أغنياء لحديث أبي سعيد: «لا تحل الصدقة لغني إلا لخمسة»، وذكر منهم الغازي في سبيل الله.

الثامن ابن السبيل، وهو المسافر الذي انقطع به الطريق، يعني مثلاً شخص سافر إلى مكة، في الطريق خربت سيارته، ما عنده يعني أمواله موجودة لكنها في بلدي، ما عنده ما يستطيع أن يوصله إلى مكة أو خربت سيارته في الرجوع ولا عنده ما يوصله إلى بلده، فهنا نقول: يجوز أن يعطى من الزكاة إذا كان ليس في بلده إذا ليس في يده مال حاضر، ويعطى قدر ما يوصله إلى بلده. قال دون المنشئ للسفر من بلده، يعني شخص أراد إنشاء السفر ولا عنده أموال، نقول: هذا ليس ابن السبيل؛ ابن السبيل هو الذي سافر وانقطع به الطريق. ومن كان ذا عيال أخذ ما يكفيهم، هل الشخص إذا كان مثلاً عنده كفاية لكن عنده عيال ليس عنده كفايتهم فإنه يأخذ ما يكفيهم؟ لأن كل واحد من عائلته مقصود دفع حاجته.

ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى أن الزكاة لا يجب تعميمها على الأصناف الثمانية، ويجوز الاقتصار على صنف واحد لقوله تعالى: ﴿إِن تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِن تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ﴾ [البقرة: 271]، فذكر صنفاً واحداً، وقوله صلى الله عليه وسلم: «أعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد في فقرائهم»، فذكر صنفاً واحداً، قالوا: ويسن إلى أقاربه الذين لا تلزمهم مؤونتهم، أن يسن أن تكون زكاته أن يدفعها إلى أقاربه الذين لا تلزمهم نفقتهم، وذكرنا سابقاً الأقارب الذين تلزمهم النفقة وهم الأصول والحواشي إذا كان المنفق يرثهم، فإذا كان من الأقارب الذين مثلاً الحواشي الذين لا يرثون، مثلاً أخ له وله أبناء، أخوه هذا له أبناء، فهو هنا لا يرث أخاه الفقير، كان أبناء الفقير يحجبونه فله أن يدفع له الزكاة. والدليل على أنها مستحبة قوله صلى الله عليه وسلم: «صدقتك على ذي القرابة صدقة وصلة».

فصل: ولا تدفع إلى هاشمية ولا إلى فقيرة تحت غني، ولا إلى فرعه وأصله، ولا إلى عبد وزوج، وإن أعطاها لمن ظنه غير أهل فبان أهلاً أو بالعكس لم يجزئه إلا غنياً ظنه فقيراً. وصدقة التطوع مستحبة في رمضان، وفي رمضان وأوقات الحاجة أفضل، ويسن بالفاضل عن كفايته وما يمونهم، ويأثم بما ينقصها.

أحسن الله إليك. رحمه الله تعالى، بعض الأشخاص الذين لا تدفع لهم الزكاة، هذا الشخص الذين توفرت فيه أحد أوصاف أهل الزكاة، لكن مع ذلك لا يجوز دفع الزكاة إليهم لمانع فيه، قال لا تدفع إلى هاشمي ومطلبي، النبي ﷺ هو محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف، هذا له أربعة أولاد، هاشم وهو أحد أجداد النبي ﷺ، والمطلب، ونوفل، وعبد شمس؛ فهنا ذكر المؤلف هاشمي ومطلبي، يعني من كان من ذرية هاشم، ومن كان من ذرية المطلب ابني عبد مناف، أما من كان من ذرية نوفل وعبد شمس فهؤلاء تدفع لهم الزكاة، واضح؟ طيب نأتي إلى بني هاشم، بنو هاشم قالوا يدخل فيهم مثلاً آل علي بن أبي طالب، وآل عقيل، وآل جعفر، وآل العباس، وآل الحارث بن عبد المطلب، وألحق بعضهم بهم آل أبي لهب، فقالوا هؤلاء لا تدفع لهم الزكاة، لماذا لا تدفع لهم الزكاة؟ قال النبي ﷺ: «إن هذه الصدقة لا تنبغي لآل محمد، إنما هي أوساخ الناس»، قال النبي ﷺ في الحارث بن عبد المطلب: «لا تدفع لهم الزكاة في ذلك»، ولأنهم يأخذون من الخمس، فالله جعل من الصدقات للفقراء والمساكين، نعم؛ ﴿فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَىٰ﴾ [الأنفال: 41]، ذي القربى أي قرابة النبي ﷺ، بنو هاشم وبنو المطلب، إذاً انتهينا من بني المطلب، قالوا: لا تدفع لهم الزكاة لأن النبي ﷺ قال: «إنما بنو هاشم وبنو المطلب شيء واحد»، قالوا: لأنهم يساوون بني هاشم في أخذ الخمس، فلذلك لا يأخذون الزكاة لمساواتهم لهم في الخمس، وهذا ما ذهب إليه المؤلف رحمه الله تعالى، وهو قول في المذهب، والمعتمد في المذهب خلاف ذلك، وأن بني المطلب يجوز دفع الزكاة لهم، وقالوا إنهم ساووا بني هاشم في الخمس فقط ولم يساووهم في منع الزكاة.

وموالي بني هاشم وموالي بني المطلب؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: «إن مولى القوم منهم». أما موالي بني المطلب ففيهم الخلاف، والمذهب المعتمد في المذهب أنه يجوز دفع الزكاة لموالي بني المطلب، والموالي المقصود بهم عتقاؤهم الذين أعتقهم بنو هاشم وبنو المطلب.

قال: ولا إلى فقيرة تحت غني منفق. يعني مثلاً زوجة ما عندها راتب، لكن زوجها غني وينفق عليها، فلا يجوز لها أن تأخذ الزكاة لاكتفائها بنفقة زوجها. لكن لو كان زوجها لا يدفع لها النفقة وليس لها مصدر دخل آخر، فيجوز أن تأخذ من الزكاة؛ لأنها لم تغتنِ بالنفقة التي في ذمة زوجها.

قال: ولا إلى فرعه وأصله. لا يجوز أن يدفع لهم الزكاة؛ لأنه يجب عليه الإنفاق عليهم، فإذا دفع لهم الزكاة فإنه أسقط جزءاً من الواجب عليه، ودفع الواجب وأسقط واجباً بواجب، وهذا لا يحل له. قال: ولا إلى عبد، لا يجوز أن تدفع الزكاة إلى العبد؛ لأن العبد تجب نفقته على سيده.

ولا إلى زوج؛ يعني لا يجوز للزوجة أن تدفع زكاتها إلى الزوج. قالوا: لأن الزوجين يتبسط كل منهما في مال الآخر، فيقاسون على الأصول والفروع. هذا هو المذهب، والقول الثاني في المذهب أنه يجوز أن تدفع الزوجة زكاتها لزوجها؛ فقد جاء في الصحيح أن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه قال لزوجه زينب: أنا وأولادي أحق بزكاتك، لا أفعل حتى أستفتي رسول الله صلى الله عليه وسلم. فجاءت النبي صلى الله عليه وسلم ووجدت بلالاً عند الباب، فقالت له: استأذن لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فدخل بلال فقال للنبي صلى الله عليه وسلم: إن امرأتين بالباب تستفتيانك، هل تجزئ زكاتُهما إلى أزواجهما وأيتام في حجورهما؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «من هما؟» قال: امرأة من الأنصار وزينب. قال: «أي الزيانب؟» قال: أخبرهما أن لهما أجران، أجر القرابة وأجر الصدقة. فدل على أنه يجوز دفع زكاة الزوجة إلى زوجها، أما بالعكس؛ أن يدفع الزوج زكاة إلى زوجته، فنقول هذا لا يجوز؛ لماذا؟ لأن النفقة يجب أن ينفق عليها، وإذا أنفق عليها ماتت حاجتها.

قال: وإن أعطاها لمن ظنه غير أهله وبان أهلاً وبالعكس لم يجزه، إلا غنياً ظنه فقيراً. يعني شخصاً أراد أن يدفع الزكاة إلى شخص يظن أنه أهل للزكاة فدفعها إليه، فتبين أنه ليس بأهل للزكاة، يعني مثلاً يحسبه مديناً أو يحسبه من العاملين عليها فتبين أنه ليس من العاملين عليها، فهل يجزئه؟ قالوا لا يجزئ؛ لعدم جزمه بنية الزكاة لما دفعها لمن ظنه غير أهل، أو بالعكس لم يجزه؛ قالوا لأنه لا يخفى حاله غالباً، قالوا إلا لمن دفع إلى غني يظن فقيراً فتجزئ؛ لأن الفقير يخفى حاله غالباً.

ثم انتقل رحمه الله تعالى إلى بيان صدقة التطوع، وذكر أنها مستحبة، ووردت النصوص الكثيرة في الكتاب والسنة على الأجر العظيم على الصدقة، ولا يخفى على شريف علمكم النصوص الكثيرة في فضلها. قال: وفي رمضان وأوقات الحاجة أفضل؛ لفعله صلى الله عليه وسلم؛ فإنه كان يكثر جوده في رمضان. قال ابن عباس رضي الله تعالى عنه: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أجود الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل، وكان يلقاه في كل ليلة من رمضان فيدارسه القرآن، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم أجود بالخير من الريح المرسلة. ذكر ابن حجر رحمه الله تعالى في الفتح أن جود النبي صلى الله عليه وسلم تضاعف في رمضان؛ لأنه اجتمع له ثلاثة أشياء: الكتاب الفاضل وهو القرآن، والصاحب الفاضل وهو جبريل، والزمن الفاضل؛ فاجتماع هذه زاد في جوده صلى الله عليه وسلم.

قال: وأوقات الحاجات أفضل؛ لأنه كلما زادت الحاجة عظم أجر الصدقة، كما قال الله تعالى: ﴿أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ * يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ﴾ [البلد: 14-15]. ﴿لَا يَسْتَوِي مِنكُم مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَٰئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِّنَ الَّذِينَ أَنفَقُوا مِن بَعْدُ وَقَاتَلُوا﴾ [الحديد: 10]. قالوا: يسن بالفاضل عن كفاية ومن يمونه؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: «اليد العليا خير من اليد السفلى، وابدأ بمن تعول». فيبدأ بمن يعوله ثم إذا زاد يتصدق. قال: ويأثم بما ينقصها؛ يعني ينقص كفاية من يمونه؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: «كفى بالمرء إثماً أن يضيع من يقوت».

طيب، قصة أبي بكر رضي الله تعالى عنه في تصدقه بماله كله، هل تنافي ما ذكر المؤلف رحمه الله تعالى؟ الفقهاء رحمهم الله تعالى ذكروا أن من كان في قلبه يقين كيقين أبي بكر رضي الله تعالى عنه، في أن الله سيخلف عليه، وأنه في قلبه توكل عظيم، فإنه لا بأس أن يتصدق بماله كله. ولذلك النبي صلى الله عليه وسلم لم ينكر على أبي بكر ذلك، لكن أنكر على الشخص الآخر الذي نذر أن يتصدق بماله كله، فأمره أن يبقي بعض ماله، فحمل على اختلاف الأحوال، فهذا علم أنه صلى الله عليه وسلم الصبر واليقين والتوكل، وهذا علم النبي صلى الله عليه وسلم أنه لن يصبر.

أحسنت، شراء البيت للفقير من الزكاة هل يجوز؟ هذه تنبني على مسألة: ما الذي يعطاه الفقير من الزكاة؟ ذكرنا قبل قليل أن الفقير يعطى من الزكاة كفايته لمدة، فلذلك لا يُشترى له من الزكاة. من الفقهاء من يرى أنه يعطى الفقير كفايته على الدوام، وفي التخريج عن قولهم نقول: يجوز أن يُشترى له بيت من الزكاة. المفتى به أنه لا يُشترى له من الزكاة، لكن ممكن أن يقال له: اشترِ أنت البيت.

من كان مديناً، أي من يخسر في تجارته ويترتب عليه ديون، هذا يذكرها الفقهاء مثل الحرفة ونحوها، فهذه مصدر رزق. أما الكماليات، مثل أن يزين بيته أو يشتري سيارة فارهة، فالأصل المنع. طبعاً إذا قيل الإمام، فالأصل أنه الأعظم، لكن للإمام أن يفوض من الصلاحيات إلى من بعده، فنقول المسؤول عن الزكاة والدخل.

بالنسبة للعاملين، هؤلاء لم يُبعثوا من قبل الإمام؛ ذكروا أنه يشترط في العمل عليها أن يكون مبعوثاً من قبل الإمام مصرحاً له، هل بعثه الإمام لجمع الزكاوات؟ شكراً للجمعيات؛ هؤلاء قاموا بعمل التحصيل وهذا، وتذاكر السفر وإقامة البلد والتوزيع؛ الذي يظهر أنه لا يعد، لا يذهبون إلى الناس ويجمعون زكواتهم، الناس يعطونهم زكواتهم، فهم في الحقيقة بمثابة وكيل عن الغني، أو بمثابة الفقير.

كتاب الصيام: يجب صوم رمضان برؤية هلاله. فإن غمّ حاله ليلة الثلاثين أصبحوا مفطرين. وما حكمه؟ ظاهر المذهب يجب صومه؛ نهاراً فهو لليلة المقبلة، وإذا رآه أهل بلد لزم الناس كلهم الصوم.

انتقل المؤلف رحمه الله تعالى من بعد كتاب الزكاة إلى كتاب الصيام، وهو الركن الرابع من أركان الإسلام، ودل على وجوبه الكتاب والسنة والإجماع. قال المؤلف رحمه الله تعالى: يجب صوم رمضان برؤية هلاله؛ هناك المؤلف رحمه الله تعالى ذكر بما يثبت دخول رمضان، يثبت بأحدها دخول شهر رمضان: الأول: رؤية هلاله، فإذا رؤي هلال شهر رمضان ثبت دخول الشهر، لقوله تعالى: ﴿فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة: 185]، وقوله صلى الله عليه وسلم: «صوموا لرؤيته».

الأمر الثاني: قال: إن لم يُرَ مع صحو ليلة الثلاثين أصبحوا مفطرين؛ يعني إتمام ثلاثين يوماً صيام شعبان؛ وهذا إذا كانت ليلة الثلاثين من شعبان السماء صحوة، السماء ليس فيها غيم ولا قتر، فيتم شعبان ثلاثين يوماً. قالوا: وينهى عن الصوم فيه احتياطاً لرمضان؛ لأنه من تقدم رمضان، وقد قال صلى الله عليه وسلم: «لا تقدموا رمضان بصوم يوم ولا يومين، إلا رجل كان يصوم صوماً فليصمه». وذكر الأصحاب رحمهم الله تعالى أن هذا يوم الثلاثين من شعبان إذا كانت ليلة الثلاثين صحواً، أن هذا هو يوم الشك، سيأتينا في باب ما يكره ويستحب من الصيام أنه يكره صوم يوم الشك ومرادهم بصوم يوم الشك هو هذا، اللي هو يوم الثلاثين من شعبان إذا لم يحل دون الهلال غيم ولا قتر.

الأمر الثالث الذي يثبت به دخول الشهر: طبعاً الشهادة هنا ستكون مع الرؤية. الأمر الثالث: إذا لم يُرَ، نعم إذا حال دون رؤية الهلال غيم أو قتر، فإنه يعتبر دخل رمضان ويجب صوم ذلك اليوم. لذلك قال المؤلف: وإن حال دونه غيم أو قتر، فظاهر المذهب يجب صومه ويستدلون على ذلك بقوله صلى الله عليه وسلم: «صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته، فإن غمّ عليكم فاقدروا له». قالوا: ومعنى القدر التضييق؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ﴾ [الطلاق: 7] أي ضُيق، والتضييق عليه أن يضيق على شعبان، فيجعل تسعة وعشرين يوماً ويدخل رمضان.

وإنما لجأوا إلى ذلك؛ قالوا لأن راوي الحديث هو ابن عمر، وقد جاء عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما أنه إذا كانت ليلة الثلاثين من شعبان بعث من ينظر له الهلال، فإن كانت السماء صحواً أفطر، وإن كانت السماء عليها غيم أو قتر فإنه يصبح صائماً؛ نعم يصبح صائماً. قالوا: هذا فعل ابن عمر، وهو راوي الحديث، وهو أعلم بما روى، وقد جاء صوم الغيم في صوم يوم الثلاثين إذا حال دون رؤيته غيم أو قتر، جاء ذلك عن عدد من الصحابة غير ابن عمر؛ كعمر، وعمرو بن العاص، وأبي هريرة، وأنس، ومعاوية، وعائشة، وأسماء رضي الله تعالى عنهم أجمعين.

قال: ولأنه أحوط؛ فربما يكون الهلال قد خرج لكن حال دونه غيم أو قتر. هذه أدلة الأصحاب رحمهم الله تعالى، وهناك قول آخر في المسألة أنه لا يجوز الصوم، وإنما يستحب أو يباح؛ لأننا ذكرنا السنة المباحة لورود ذلك عن جملة من الصحابة رضي الله تعالى عنهم، ولم نحمله على الوجوب؛ لأنه لم يثبت عنهم أنهم أوجبوه على الناس، وإنما كانوا يصومون لأنفسهم. ولهذا لما ذكر صاحب الفروع المفلح رحمه الله كلام الأصحاب قالوا: ونصوص أحمد تدل عليه، يعني تدل على الوجوب، قال رحمه الله: كذا قالوا ولم أجد عن أحمد أنه صرح بالوجوب ولا أمر به، فلا تتوجه إضافته، ولهذا قال شيخنا رحمه الله: لا أصل للوجوب في كلام أحمد، ولا في كلام أحد من الصحابة.

وردوا على دليلهم بقوله صلى الله عليه وسلم: «فاقدروا له»، قالوا: اقدروا له يفسر بالرواية الأخرى: «أكملوا عدة شعبان ثلاثين». وردوا على دليلهم بالاحتياط، قالوا: الاحتياط إنما يكون فيما سبيله الإيجاب فيحتاط له، أما ما كان أصله عدم الوجوب فلا يُحتاط له، عندنا يوم الثلاثين الأصل أنه غير واجب، سنة غير واجب ولم يدخل رمضان، عندنا الأصل العدم، فمن لم يدخل رمضان فلا نحتاط فيه ولا نقول بإيجاب الاحتياط. لكن لو كان مثلاً يوم الثلاثين من رمضان، حال دونه غيم أو قتر، نقول: نصوم اليوم الذي بعده؛ لأن الأصل بقاء الشهر. في شعبان لا نقول الأصل دخول رمضان، وإنما نقول الأصل بقاء شعبان، فلا نحتاط في ذلك. فالاحتياط إنما يسلك فيما كان سبيله الإيجاب، أما من كان سبيله عدم الإيجاب فلا يسلك هذا.

وهذا هو قول في المذهب، وهو قول أكثر أهل العلم رحمهم الله تعالى، على اختلاف بينهم في حكمه، هل هو مستحب أو مباح إلى آخره، لكن أكثر أهل العلم رحمهم الله تعالى يرون أنه غير واجب؛ فالوجوب من مفردات الحنابلة رحمهم الله تعالى، والمؤلف رحمه الله تعالى لما قال فظاهر المذهب، يشير إلى كأنه لا يميل إلى هذا القول، ولذلك في كتابه الآخر الإقناع ترجح أنه لا يجب صومه.

قال: وإن رُؤي نهاراً، يعني رؤية الهلال نهاراً، مثل الرؤية في الظهر أو في العصر، قال: فهو لليلة المقبلة، يعني ليس لليلة الماضية؛ لا نقول إذا ما دامنا خرجنا إذا هو خرج بالأمس، سيكون مثلاً نحن أفطرنا يوماً من رمضان؛ لا، هو لليلة المقبلة، وقصدهم بالليلة المقبلة أنه ليس لليلة الماضية، ولا يكون لليلة المقبلة إلا إذا استمر حتى غروب الشمس؛ لأن الهلال لا يُعتبر إلا إذا رُئي بعد الغروب. قال المؤلف رحمه الله تعالى: وإذا رآه أهل بلد لزم الناس كلهم الصوم؛ يعني إذا رؤي الهلال في بلد من البلدان.

يلزم الناس كلهم الصوم لقوله صلى الله عليه وسلم: «صوموا لرؤيته» والخطاب للأمة كافة. فإذا رأى أحدهم، توجه الخطاب للأمة كلها.

ما هذه المسألة؟ خلافية، لكن هذا الذي أفتى به عند الأصحاب. ومن الفقهاء رحمهم الله تعالى: لكل أهل بلد رؤيتهم. والعمل على اختلاف السياسات؛ فإذا كان أهل البلد راضيين، مثلًا السعودية أخذوا رؤيتهم، قالوا نأخذ رؤيتنا ولا بالحساب، العمل أن كل أهل بلد يعملون بما يترجح هنا.

ويصام برؤية عدلٍ أو أنثى. فإن صاموا بشهادة واحد ثلاثين يومًا فلم يُرَ هلالٌ أو صاموا لأجل غيمٍ لم يفطروا. ومن رأى وحده هلال رمضان ورُدَّ قوله، أحسنتم.