الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد، فهذا درس في شرح باب الصداق من زاد المستقنع، لما فرغ المؤلف رحمه الله تعالى من الكلام على الشروط والعيوب في النكاح، ثم تكلم عن نكاح الكفار وأثر الإسلام على النكاح، انتقل إلى باب الصداق. والصداق أثر من آثار النكاح، اختلف فيه: هل هو شرط في النكاح؟ أو هو ركن من أركان النكاح؟ أو هو أثر من آثاره؟ وعلى كل فالعلماء رحمهم الله تعالى متفقون على أن الصداق واجب في النكاح؛ لا يمكن أن يتم نكاح إلا بصداق.
التكييف الصحيح هو ركن أو شرط أو أثر من آثاره، والذي يظهر من كلام الحنابلة رحمهم الله تعالى أنه أثر من آثار النكاح، يعني أنه مترتب على النكاح؛ فلا يسقط حتى لو شرط إسقاطه كالنفقة. النفقة أن شخصاً تزوج الراتب ما يحتاج تشترط عليه في عقد النكاح أنه ينفق عليها لأن النفقة مترتبة على النكاح، وكذا الصداق؛ هذا أمر معروف مفروض. الصداق سمي بذلك لأنه يشعر بصدق رغبة الرجل في المرأة.
ذكر المؤلف رحمه الله تعالى سنناً في الصداق، فقال: يسن تخفيفه وتسميته بالعقد من أربعمائة درهم إلى خمسمائة. هاتان سنتان ذكرهما المؤلف رحمه الله تعالى في الصداق؛ الأولى أنه يسن تخفيفه، بأن يكون المهر يسيراً مخففاً، فإن هذا أعظم لبركة النكاح، كما جاء في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «أعظم النساء بركة أيسرهن مؤونة». رواه الإمام أحمد وغيره من حديث عائشة رضي الله تعالى عنها، ولأن في إثقال عاتق الزوج بمهر كثير هذا يلحقه الضيق، ويحس أن المرأة عبء عليه، فكلما رآها تذكر أنه تحمل على عاتقه ديوناً كثيرة بسبب أنه اقترن بها، في أدنى مشكلة تثور النزاعات، لماذا؟ لأن المهر كثير. لكن لو كان المهر يسيراً حينما تنشب المشكلة عند أدنى مشكلة وهذا أمر مشاهد.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: وتسميته بالعقد، هذه السنة الثانية، أن يسمى المهر في العقد؛ يعني إذا جاء الولي يعقد نكاح ابنته على الزوج، والمأذون يقول: زوجتك ابنتي على صداق قدره كذا وكذا. يسن تسميته، أما كونه مفروضاً فلا إشكال فيه، لكن كونه يسمى بالعقد، يذكر بالعقد هذا مستحب. لماذا قالوا؟ لأنه أقطع للنزاع. كيف أقطع للنزاع؟ كان المهر لم يدفع، قال: زوجتك على مهر قدره خمسة آلاف ريال، ثم طلق قبل الدخول والصلاة، الآن إذا تم تسميته كما سيأتينا أن الزوجة تستحق نصفه إذا كانت الفرقة من قبل الزوج، لو قالت: تزوجتني بعشرة آلاف ريال وقال لا، اتفقنا على خمسة، إذا تستحقين ألفين، وهنا صار فيه نزاع. لكن لو سمي بالعقد وسمعه الشاهدان، الزوج أو الزوجة الذي كلامه صحيح سيستند إلى شهادة الشاهدين. والآن في الوضع الحالي المأذون وكافة العقود التي تعقد في المحكمة يشترط بها ذكر المهر، يكون كافياً عن النزاع.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: إلى خمسمائة، لأن هذا صداق بنات النبي صلى الله عليه وسلم وزوجاته في الغالب، فصداق بناته صلى الله عليه وسلم أربعمائة درهم، وصداق زوجاته خمسمائة درهم، عليه الصلاة والسلام. والنبي صلى الله عليه وسلم أصدق بعضهن أكثر من ذلك، ولكن جعل عتقهن صداقاً.
وكل ما صح ثمناً أو أجرة صح مهراً، إذاً هذا ضابط في المهر، ما الذي يصح مهراً؟ نقول: كل ما صح ثمناً أو أجرة، طيب ما الذي يصح ثمناً؟ نرجع إلى باب أو كتاب البيع، وهو المال وما أبيح الانتفاع به من غير حاجة أو به الانتفاع بالأمرين حاجة؛ فكل شيء أبيح الانتفاع به من غير حاجة فإنه يصح مهراً، وكذا في الأجرة، كل ما صح أن يدفع أجرة فإنه يصح أن يكون مهراً. طبعاً لا تكون الأجرة والمهر مجهولين، لأنه لا يصح ثمن مجهول ولا تصح أجرة مجهولة.
وقلنا ما أبيح الانتفاع به من غير حاجة يخرج ما لا يجوز الانتفاع به، ما لا يجوز الانتفاع به كالمحرم كالكلب، فلا يجوز أن يكون المهر كلباً، الكلب المباح لاقتناء، نقول هذا يخرج بقيد "من غير حاجة"، فالكلب لا يجوز لك اقتناؤه إلا لحاجة، صيد أو زرع أو ماشية، فلا يجوز أن يكون مهراً حتى لو كان مما أبيح اقتناؤه لأنه يباح اقتناؤه للحاجة. إذاً الذي يخرج من قولنا "من غير حاجة" ما أبيح الانتفاع به للحاجة مثل كلب الصيد، وكذا ما أبيح الانتفاع به للضرورة، فإنه لا يجوز أن يكون مهراً، وكذا الكلب لا يصح أن يكون مهراً ولو كان مما أبيح اقتناؤه.
قال: وإن قل، فلا حد لأقله، لقوله صلى الله عليه وسلم في حديث واهبة لمن أراد أن ينكحها، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «التمس ولو خاتماً من حديد». وقوله: «ولو خاتماً» للتكريم، يعني أنت ابحث ولو كان أقل شيء، اذكر الخاتم لأن ثمنه كان زهيداً. المؤلف رحمه الله تعالى أتى بهذه العبارة "وإن قل" إشارة إلى خلاف، للإشارة إلى أن بعض الفقهاء رحمهم الله تعالى ذكروا حداً لأقل المهر، منهم من قال عشرة دراهم ومنهم من زاد ونقص، وأيضاً رحمه الله تعالى أشار بذلك إلى أنه لا يشترط أن يكون المهر كثيراً، بل لو كان قليلاً. بعض الحنابلة رحمهم الله تعالى اشترطوا أن يكون المهر مما يقبل التنصيف، لماذا؟ قالوا لأجل أنه إذا طلقها قبل الدخول من قبله فإنها تستحق نصفه، فإذا كان هذا المهر لا يقبل التنصيف، لكن نقول يستطيع أن يعطيها نصفه أو قيمة نصفه، فيتعذر تنصيفه يعطيها قيمته.
إذاً، المؤلف رحمه الله تعالى الصداق قد يكون منفعة، فمتى تكون المنفعة يجوز جعلها صداقاً ومتى لا يجوز جعلها صداقاً؟ يقول رحمه الله: وإن أصدقها تعليم قرآن لم يصح، بل فقه وأدب وشعر مباح معلوم. إذاً المؤلف رحمه الله تعالى ذكر لنا أن هناك منافع لا يجوز أن تكون صداقاً، ذكر تعليم القرآن لا يجوز أن يكون صداقاً، لماذا؟ قالوا لأنه لا يجوز أن يكون أجرة لأنه ليس مالاً، والفروج لا تستباح إلا بالأموال، لقوله تعالى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُم مَّا وَرَاءَ ذَٰلِكُمْ أَن تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُم﴾ [النساء: 24].
تعليم القرآن قالوا لا يصح أخذ الأجرة عليه، فإذا لم يصح أخذ الأجرة عليه فهو لا يكون مالاً، لماذا؟ تقدم لنا في باب الإجارة أنه لا يجوز أخذ الأجرة على عمل يشترط أن يكون فاعله من أهل القربة، فإذا أخذ أجرة على عمله الصالح فإنه يكون استوفى أجره في الدنيا وليس له أجر في الآخرة. وتقدمت الإشارة هناك إلى وجود خلاف في المسألة، وأن من الفقهاء رحمهم الله تعالى من ذكر أنه يجوز أخذ الأجرة على تعليم القرآن، لماذا؟ لعموم قوله صلى الله عليه وسلم: «إن أحق ما أخذتم عليه أجراً كتاب الله». قالوا وهو يأخذ أجراً على التعليم، وهو عمل يبذل لا يأخذ أجره الدنيوي على مجرد القراءة، لو كان على مجرد القراءة لسلمنا لكم ذلك، لكنه على التعليم وهو عمل فيه منفعة. لكن على كلام الفقهاء رحمهم الله تعالى في باب الإجارة أنه لا يجوز أخذ الأجرة عليه، إذاً لا يجوز جعل الصداق. القول الثاني الذين قالوا يجوز أخذ الأجرة عليه قالوا إذاً يجوز جعله صداقاً.
قال: بل فقه، يعني يجوز أن يجعل الصداق تعليم فقه، كما لو قال: تزوجتك على أن أعلمك باب الصداق لزاد المستقنع، لابد أن نعين ما سيدرسه، باب الصلاة، باب كتاب النكاح إلى آخره، ويعين الكتاب أيضاً، يعني ضمن كتب مختصرة، بعضها مطول، المختصر ينتهي مدة أقل من مدة الكتاب المطول. قال: وأدب وشعر مباح معلوم، هذه كلها منافع يجوز الاستطلاق عليها، لأنها منفعة مباحة معلومة فهي مال، فتدخل في عموم قوله تعالى: ﴿أَن تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُم﴾ [النساء: 24].
قال المؤلف رحمه الله تعالى: وإن أصدقها طلاق ضرتها لم يصح، ولها مهر مثلها. إذا جاء سيتزوج امرأة ثانية، قال: تزوجتك على أن مهرك هو طلاقي لزوجتي الأولى، يقول المؤلف رحمه الله تعالى لم يصح، لحديث «لا يحل لرجل أن ينكح امرأة بطلاق أخرى»، وهذا الحديث لا يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم، وفي عموم ما في الصحيحين من قوله صلى الله عليه وسلم: «ولا تسأل المرأة طلاق أختها»، فإذا كان هذا الأمر محرماً وهو سؤال الزوجة لزوجها أن يطلق ضرتها، فمن باب أولى أنه لا يجوز جعله صداقاً. إن قلتم إن هذه منفعة لها، نقول نعم هذه منفعة لها، لكن هذه المنفعة أوقعت الضرر على المرأة الأخرى، والضرر لا يزال بمثله.
قال: لم يصح ولها مهر مثلها، لفساد التسمية، أن التسمية فاسدة، لا يجوز ذلك. هل نقول النكاح غير صحيح؟ لا، نقول النكاح صحيح، لكن المهر غير صحيح، وإذا كان المهر غير صحيح فإنه يجب مهر المثل للتسمية.
ذكر المؤلف رحمه الله تعالى قاعدة، سنذكر مسائل أخرى يجب فيها القاعدة، قال المؤلف رحمه الله: ومتى بطل المسمى وجب مهر المثل. هذه قاعدة، متى يجب مهر المثل؟ يقول المؤلف رحمه الله تعالى: إذا بطل المسمى، يعني كان الذي سمي غير صحيح ولا يجوز جعله صداقاً، فلا نبطل النكاح وإنما نبطل المهر، وإذا أبطلنا المهر أحللنا بدل المهر مهر المثل، لأن المرأة لا تسلم إلا ببدل، والمرأة تسلم مجاناً، وهذا البدل لم يسمَّ نعم، وهذا البدل الذي يسلم لماذا؟ لأنه لا يجوز تسليمه، نلجأ إلى مهر المثل.
ذكر المؤلف رحمه الله تعالى هنا أن من الأصدقاء، القاعدة سبق أن ذكرنا في الشروط الفاسدة إذا شرط أن لا مهر لها صح العقد ويبطل الشرط وله مهر المثل. وسيأتينا أيضاً في فصول لاحقة مسائل فيها متى يجب مهر المثل؟ نقول يجب مهر المثل في خمس حالات.
الحالة الأولى: إذا كانت التسمية غير صحيحة، والتسمية غير الصحيحة تحتها أربع، انظر كيف تكون التسمية غير صحيحة؟ إما أن يكون المهر المسمى محرماً بعينه، كما لو أصدقها خمراً أو أصدقها خنزيراً، كل هذا المهر محرم بعينه فلا يصح صداقاً. الضابط، الضابط كل ما صح ثمناً أو أجرة صح مهراً، هذا الخمر أو الخنزير هل يصح ثمناً أو أجرة؟ لا يصح، إذاً لا يصح صداقاً، فإذا لم يصح صداقاً نقول يجب مهر المثل.
النوع الثاني من التسمية غير الصحيحة: أن يكون مستحقاً، أي مملوكاً للغير، كما لو أصدقها سيارة، لكن هذه السيارة مغصوبة، وهما يعلمان أنها مغصوبة، الزوج والزوجة مغصوبة، فنقول هنا بطلت التسمية لكون المهر هنا مستحقاً للغير مملوكاً للغير، فتجب مهر المثل.
الدور الثالث من التسمية غير الصحيحة: المجهول جهالة كثيرة، كما لو أصدقها قال تزوجتك على أن يكون صداقك نصف ما في حسابي من الأموال، قد يكون حسابه بألف وقد يناسبه بمليون، ونكون هنا تسمية غير صحيحة لأنها مجهولة جهالة كثيرة، فنقول هنا النكاح صحيح لكن المهر غير صحيح لأنه مجهول، ويجب مهر المثل.
الحالة الرابعة من حالات التسمية غير الصحيحة: إذا زوج المرأة ولي غير الأب بدون مهر المثل، وكان ذلك بغير إذن من الزوجة، جاء مثلاً هذه أبوها متوفى، فزوجها أخوها على مهر قدره عشرة آلاف ريال، ومهر مثلها خمسون ألفاً، تزوجها على مهر قدره عشرة آلاف ريال، هل النكاح صحيح؟ نقول نعم النكاح صحيح، لكن لي مهر مثل قريباتي، خمسين ألفاً، نقول النكاح صحيح ولكِ مهر المثل.
يجب مهر المثل على المذهب في خمس حالات:
الحالة الأولى: إذا كانت التسمية غير صحيحة، وتكون غير صحيحة في أربع صور: أن يكون المهر محرماً بعينه كالخمر والخنزير، أو أن يكون المهر مستحقاً كالمغصوب، أو أن يكون المهر مجهولاً جهالة كثيرة كأن يتزوجها على نصف ما في حسابه من الأموال، أو أن يزوج الولي غير الأب المرأة بدون مهر المثل ولم تأذن به.
الحالة الثانية: نكاح التفويض؛ وهو أن لا يُسمَّى المهر في العقد ولا يُتفق عليه، فإذا عقد ولم يذكر المهر فنقول لها مهر المثل.
الحالة الثالثة: إذا شُرِط عدم المهر، فإذا شُرِط أن لا مهر لها نقول يصح النكاح ويفسد الشرط، ولها مهر المثل؛ لأن هذا الشرط غير صحيح.
الحالة الرابعة: في وطء الشبهة؛ ووطء الشبهة لا يخلو من قسمين: إما أن تكون شبهة عقد أو شبهة اعتقاد. فشبهة الاعتقاد أن يطأ امرأة يظنها زوجته. وشبهة العقد كما لو تزوج أختين وتداخل في العقد ودخل بكل منهما، أو كما لو عقد على امرأة يظن أنها ممن تحل له فتبين أنها أخته من الرضاعة، فهذا يعد وطء شبهة ويجب فيه مهر المثل.
الحالة الخامسة: المزني بها كُرهاً، فمن اغتصب امرأة وزنا بها كرهاً فنقول هذه لها مهر المثل.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: «وإن أصدقها ألفاً إن كان أبوها حياً وألفين إن كان ميتاً، وجب مهر المثل». وجب مهر المثل هنا لأن التسمية فاسدة؛ قالوا لأن حال الأب قد يكون مجهولاً، فقد يسافر سفراً بعيداً ولا يعلمون هل هو حي أو ميت، فيدخل في الحالة الثالثة من حالات فساد التسمية. وأيضاً قالوا: إنه ليس للزوجة غرض صحيح في وفاة أبيه، هكذا قال الفقهاء رحمهم الله تعالى، وهذه المسألة في الحقيقة تختلف باختلاف الأعراف، فإذا كان أبوها موجوداً قد تقبل بالزواج من هذا الشخص الذي راتبه يسير لأنه إذا قصرت النفقة ستأخذ من أبيها، لكن إذا كان الأب متوفى والزوج راتبه يسير لا يستطيع أن ينفق عليها وعلى أولادها.
وعلى أن كانت لي زوجة بألفين أو لم تكن بألف يصح بالمسمى، يقول إذا جاء الزوج يخطب زوجة وقال: تزوجتك على أني إن كان لي زوجة فبألف، وإن لم تكن لي زوجة فبألفين. قالوا يصح بالمسمى؛ لأن المرأة لها غرض صحيح في كونه ليست له ضرة، لأن خلو المرأة من ضرة من أكبر أغراضها المقصودة لها، ولذلك تخفف صداقها لتحصيل غرضها، أو تغليه عند فواته.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: «وإذا أجَّل الصداق أو بعضه صح، فإن عُيِّن أجلٌ وإلا فمحلُّه الفرقة». يجوز تأجيل الصداق كاملاً أو بعضه، كأن يقول تزوجتك على مئة ألف، خمسون ألفاً حالاًّ وخمسون ألفاً مؤجلة، قالوا يصح، أو يقول مئة ألف كلها مؤجلة، يصح؛ لأن النكاح عقد معارضة. فإن عُيِّن أجل كأن يقول بعد سنة أو سنتين تعيَّن الأجل، وإذا لم يُعَيَّن أجل فمحلُّه الفرقة البائنة بموت أو غيره؛ عملاً بالعرف والعادة، فإذا كانت الفرقة طلقة واحدة وهي رجعية لا يحق لها أن تطالب بالمال المؤجل إلا إذا بانت منه، كأن خرجت من العدة أو كان الطلاق طلاق بائن أو كان خلعاً أو فسخاً بعيب، فهنا تستحق المؤجل.
وإن أصدقها مالاً مغصوباً أو خنزيراً ونحوه من الأموال المحرمة، فإنه يجب مهر المثل في فساد التسمية، والقاعدة أنه متى بطل المسمى وجب مهر المثل. وإن وُجِد المهر المباح معيباً خُيِّرت بين أرشه وقيمته، فهي مخيَّرة بين أن تأخذ أرش هذا العيب وبين أن تأخذ قيمته سليمة.
وإن تزوجها لألف لها وألف لأبيها صحَّت التسمية، لأن للوالد التملُّك من مال ولده، ويملك الأب القبض مع النية. وإذا طُلِّقت قبل الدخول تستحق المرأة نصف المهر؛ فترجع الألف عند الزوجة لأنه نصف الصداق، أما الألف الذي قبضه الأب فلا يملك الزوج الرجوع به لأنه انتقل لملك الأب، والزوجة لا ترجع على أبيها بنصف الألف لأننا قدَّرنا أن الجميع صار لها ثم أخذه الأب منها وقبضه قبضاً صحيحاً. أما لغير الأب فكل مسمى لها، فلو قال الزوج: تزوجتك بخمسين ألفاً للزوجة وخمسة وعشرين ألفاً لأمها وخمسة وعشرين لأخيها، نقول كل المسمى لها؛ لأن هذا عوض بضعها، والشرط باطل لأن غير الأب ليس له التملك من مال الزوجة.
ومن زوَّج بنته ولو ثيباً بدون مهر مثلها صح، وإن زوَّجها به وليٌّ غيره بإذنها صح، وإن لم تأذن فمهر المثل. إذا زوَّج الأب يصح النكاح ويصح المهر ولو كرهت الزوجة، لقول عمر رضي الله عنه: «لا تغالوا في صداق النساء»، ولم ينكر ذلك عليه أحد من الصحابة فكان إجماعاً؛ ولأن النكاح ليس مقصوده العوض فقط بل السكن والمودة. أما إذا زوَّجها وليٌّ غير الأب فإن كان بإذنها صح، وإن كان بغير إذنها فالمهر لا يصح، ونقول التسمية باطلة ويجب لها مهر المثل، وإذا لم تأخذه من الزوج فإنها ترجع به على الولي لتفريطه.
رحمهم الله تعالى. ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى: إذا زوج الأب ابنه الصغير في مهر المثل أو أكثر، فهنا يصح، ويكون المهر في ذمة الزوج الصغير، يكون في ذمته؛ لأنه هو الذي سيستفيد من هذا النكاح.
إذا كان أكثر، كيف يكون؟ لماذا نقول لكم؟ يقولون: لأن المرأة قد لا ترضى بدون هذا المهر الذي سُمي لها، وقد تكون مصلحة الابن في بذل الزيادة. قد تكون مصلحة الابن في بذل الزيادة، فوجد الأب هذه الزوجة صالحة للابن بكل المقاييس، فالأب مثلاً رأى امرأة ما في أحد يرعاها، فقال: أزوج ابني امرأة عاقلة، يتزوجها وترعاه، فوجد امرأة عاقلة، زوجة ومربية.
يقولون: يكون في ذمة الزوج. طيب لو كان الزوج معسراً ما عنده شيء؟ من هو الأب؟ لماذا؟ قال: الأب نائب عنه بالتزويج، والنائب لا يلزمه ما لم يلتزمه. الوكيل، يعني مثلاً لو كان محمد وكل زيداً ليشتري له سيارة، فجاء وقال: أنا بصفتي وكيلاً عن محمد أريد أن أشتري هذه السيارة، لكن خلاص ما يخالف الفلوس بعد سنة، ويكتب العقد ويوقع عليه هذا الوكيل. وقع هذا الوكيل، يوم جاء بعد سنة، أنا اشتريتها وكيلاً، الوكيل لا يلزم ذلك. والقاعدة عند الفقهاء: حقوق العقد تتعلق بالموكل لا بالوكيل، فإذا ما تردد يطالب بالموكل ليس الوكيل. طيب حتى لو كان هو الوكيل هو الذي يوقع، ومثله الصداق.
فالصداق في ذمة الزوج، مجرد أنه ناب عن ابنه في قبول النكاح، ناب عن ابنه في قبول النكاح بولاية الإجبار، فلا يضمن الصداق إلا إذا كان قد التزم ضماناً؛ يعني قال للزوجة: أريد أن أزوجك ابني هذا بمئة ألف، طبعاً الابن ما عنده شيء، طيب شلون بيدفع مئة ألف؟ قال: إذا ما دفع هو أنا أدفع لك، فنقول هنا يلزمه، أما إذا لم يلتزم فإنه لا يلزمه.
وأسأل الله للجميع التوفيق والسداد، وصلي اللهم وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
الشيخ عبدالله بن عبدالرحمن الميمان