أولاً: لماذا هذا السند خطأ؟ لأن الخلاف هنا على حبيب بن أبي ثابت، أليس كذلك؟ الخلاف على مَن حبيب بن أبي ثابت؟ هنا رواه راوٍ، أو بالأحرى راوٍ واحد وهو حصين، وهنا رواه راوٍ واحد، لكن هذا الراوي اشتهر عنه أنه يروي عن الجماعة، وهذا الراوي لم يروِ عنه إلا حماد بن سلمة؛ يعني عندنا هذه الطبقة طبقة واحدة رجل واحد، ولا لا؟ لكن هذا السند فيه علو، وهذا السند فيه نزول درجة.
هذا السند العالي لم يروِه إلا حجاج، ولا عنه إلا حماد، وهذا السند النازل رواه حصين وعنه جماعة، وحصين في مرتبة حجاج من حيث الطبقة، لكنه أوثق. انسوا رواية الثوري، اعتبروا الرواية واحدة، سأعود إلى رواية الثوري، اعتبروا الرواية هنا واحدة؛ فلماذا الإمام قال: هذا خطأ وهذا صواب؟ معناه هنا في خلل مع الرواية.
من هو هذا؟ حجاج. لا لا، الكتاب المزي؛ تهذيب الكمال، كل حاجة موجودة، مش كل حاجة موجودة. هنا، لماذا أقول لكم هذا الكلام؟ ليس طالب يجي ويقول: هذا خطأ، لا؛ هنا ما وقف على هذه الرواية، لأن صاحب التهذيب كل ما وقف عليه يكتبه؛ فلما تأتينا رواية هنا موجودة في كتاب العلل، أشار إليها في السؤال، وقد خرّجها صاحب التخريج من ابن أبي الدنيا في التهجد، فيدلنا على أن حجاج يروي عن حبيب، لكن روايته عن حبيب هل هي قوية؟ لم يوجد، لو كان له رواية كثيرة لوجدها صاحب تهذيب الكمال، معناها أن هذه الرواية نادرة جداً.
يعني مثلاً لما ما تجد عند التهذيب رواية وهي ثابتة أنها موجودة، أن فلاناً يروي عن فلان، فهذا يدلنا على أن فلاناً هذا روايته عن هذا قليلة جداً. حجاج ما بلده؟ كوفي، هذا راعيناه، لماذا أنا بحثت عن الكوفي؟ عشان أعرف حبيب أيضاً كوفي ولا إيش، عشان أفسر مسألتنا، قليلة وقد يكون حبيب لم يره، لأن هذه الرواية هي رواية مفردة. فإذا علمنا أن هذا الرجل ليس من بلده، فقد يكون حبيب أخذه من شخص آخر وهو حصين، واضح؟ حجاج يكون أخذه من حصين وأخطأ في السند، وهو مظنون التدليس.
ماشي؟ كل هذه أشياء تعطينا تركيبة معينة. لماذا الأئمة مباشرة خطأ هنا؟ وذهبوا إلى أن هذا وصل. لا يحتج، ترى ليس تضعيفاً شديداً؛ الاحتجاج معناه أنك تخاصم الناس بالحديث حجة، فقد يكون أدنى من الحجية لكن لا يزال مقبولاً. الحجة يعني حجة على الخصم لا يستطيع رده، أما هذا يمكن أن يرد، وهذا من الأمور التي تلتبس على طلبة العلم هذه الكلمة، انتبهوا لها.
ليس بحجة أول ما يرونه، ليس بحجة يرون أنه ضعيف، هذا ليس تضعيفاً مطلقاً، وإنما ليس بحجة هي تنزيل عن مرتبة الحجية، والحجية هي المرتبة التي لا بد أن يقر بها الخصم. لما يقولون: فلان حجة، يعني لا ينبغي عليك رده، كأنه ثقة شديدة، أكبر من الثقة، أكثر، مع الحجة؛ الحجة أحمد بن حنبل. فهمت؟ فقوله: ليس بحجة، ليس معناه أنه ليس بثقة، لكن ليس حجة لا يمكن أن تجبر الخصم على قبوله. الخصم معناه المخالف لك في المسألة، وهذا الكلام الذي أقوله لك الحين لم أجده عند الناس ليتطرقوا لهذه المصطلحات.
وعليه أدلة على هذا الكلام الذي أقوله لك أدلة كثيرة جداً، لكن للأسف ما وجدت مَن حررها، ممكن واحد يبحث في مسألة ليس بحجة ما معناها، أو أي مرتبة يكون صاحبها؛ لأنهم يجعلون ليس بحجة في خانة التجريح، إذا ذهبت إلى المصطلحات تجد أنها يجعلونها في خانات التجريح، لأن عندنا الجرح وعندنا التعديل، فيجعلونها من ألفاظ الجرح، ولا يذكرونها في التعديل، وهي من ألفاظ التعديل وليس من ألفاظ الجرح، لأنها تنزله عن مرتبة عليا في التعديل، لا تنزله عن مرتبة التعديل مطلقاً. لما يقول لك: يكتب حديثه، أو جائز الحديث، معناه لا يرد، فقد يكون يكتب للاحتجاج أو يكتب للاعتبار، إلا إذا قال: يكتب حديثه ولا يحتج به، أو كذا، معناه أنه يحتاج إلى مَن.
إذا عرفنا أن هذا الرجل كوفي وفيه شيء من الضعف، يعني ثقة فيه ضعف أو لين، طيب الآن نريد أن نرجح بين الروايتين، ما دواعي ترجيح هذه الرواية على هذه الرواية؟ اتركوا سفيان الثوري كأنكم لم تروا شيئاً هنا، انسوا هذه الرواية. وعن حجاج حكمت بضعفه هو عالم محافظ مقارنة مع هذا، جميل؛ هذا أول قرينة، أن حصيناً أوثق.
اثنان الآن، حصين أوثق، ما غير حصين أوثق؟ هنا رووا عن حصين جماعة، وهنا روى عن حجاج واحد؛ طيب هل هذا مرجح؟ إن الرواة عن حصين جماعة كثيرة، بينما عن حجاج واحد، فهذا يدلنا على أن الناس مقبلين على مَن؟ على حصين، لكن قد يقول لي قائل: طيب مقبلين على حصين لأنه ثقة، تركوا الحجاج لأن فيه شيئاً من الضعف، فليس هذا مرجحاً؛ هذا وجه، لكن قد يكون هذا هو الذي ضبط وهذا ما ضبط، بس هم اعتقدوا أن هذا ضبط بسبب ثقته؛ يعني في احتمالية مما يجعل أن هذا واحد وهنا جماعة، لكن الذي يبعد هذا الاحتمال أن هذا السند قصير، أيوه العلو، وهذا السند نازل، والناس الجماعة يحبون السند العالي، لما ذهبوا إلى السند النازل دل على أن السند هذا لو كان موجوداً عند حجاج، كان ذهب الناس إلى حجاج، ومن هنا قال أبو حاتم الرازي: الوهم من حجاج، ليس من حصين، واضح؟
فهمتم الحين؟ وهذا سند كوفي وهذا سند كوفي، فلم يحسنه أيضاً، ندرة التي ذكرناها، أحياناً ننسى بعض القرائن، مع أني أشرت إليها هنا، ندرة رواية، لا يوجد أصلاً عدم وجود إلا هذه وهذه خطأ، فالحجاج أصلاً لا يروي عن حبيب. لو كان الحجاج يروي عن حبيب لرويت غير هذه الرواية، لو وجدناه في شيوخه، لا يوجد عندنا إلا هذه الرواية.
عندي مسألتان، ممكن نقول الحجاج دلسها عن حبيب، هل هناك احتمالية أن يكون دلس؟ في احتمالية، لا، إحنا إذا قلنا الخطأ من حماد معناه ما فيش احتمالية، لكن حنا نقول في احتمالية، فإذا قلنا في احتمالية معناها أن حماد لم يخطئ، إذا قلنا أن الحجاج أخذ عن حصين لكنه بسبب الضعف الذي فيه خلط في السند فقال: عن حبيب، هو لا يروي عن حبيب، فدلس وحذف حصيناً، فلما ذهب إلى هذا اختلط عليه بمحمد بن علي بن الحنفية عن أبيه، فيكون الخطأ من حجاج، وحجاج لم يروِه لأحد إلا لحماد بن سلمة، لأنه أصلاً دلسه وليس ضابطاً له، فلم يكثر روايته، ويكون هذا تفسيراً لتفرد حماد بن سلمة، ويكون حماد غير مخطئ هنا.
إذاً عندنا احتمالية أخرى أن يكون حجاج هو الذي دلسه وحذف الواسطة بينه وبين حبيب، وأخطأ في السند وهو أقرب إلى الخطأ، ثم لم يكثر الرواية، بل لم يروِه لأحد لأنه بعد ذلك تشكك فيه أو تركه ورواه لحماد فقط، واضح؟ ويكون الخطأ ليس من حماد. إذاً هناك احتمالية أخرى أن يكون الخطأ من حجاج، لكن لا بد من افتراض أن يكون دلسه.
والاحتمالية الأخرى هي التي ذكرها أبو حاتم الرازي، أن حجاجاً... أن حماداً هو الذي أخطأ. انتهينا من هذا الحديث؟ عرفنا أنه خطأ كما قال الإمام، نأتي إلى هذا الحديث.
د. سعيد المري