الحديث رقم ثلاثين: قال: وسألت أبي وأبا زرعة عن حديث رواه مصعب بن المقدام عن الثوري عن أبي الزبير عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: نهى النبي صلى الله عليه وسلم أن يمس الرجل ذكره بيمينه. فقال: هذا خطأ، إنما هو الثوري عن معمر عن يحيى بن أبي كثير عن عبد الله بن أبي قتادة عن أبيه أبي قتادة عن النبي صلى الله عليه وسلم.
قلت: الوهم ممن؟ قال: من مصعب بن المقدام. هذا مثل الماضي، قلنا واضح، لكن لو دققنا فيه قد يكون بعد هناك مجال للسؤال، ونحن نحاول أن نكتشف لما سأل عبد الرحمن بن أبي حاتم هذا السؤال عن هذا الحديث. هذا الطريق ربما يكون أكثر من واحد رواه، وقد يكون واحداً، والترجيح عند أبي حاتم وأبي زرعة لا أدري ما سببه، لكن هنا أسباب قد ترجح هذه الرواية، وهي طول السند.
أولاً: الخلاف على الثوري، هل هذا الحديث أعلى من هذا الحديث؟ هنا بين الثوري وبين النبي صلى الله عليه وسلم رجلان، وهنا بين الثوري وبين النبي صلى الله عليه وسلم أربعة، فهذا نازل جداً، والنزول لا يحبه الثوري، لا هو ولا أئمة الحديث يحبون العلو. فلو كان هذا عند الثوري لما عدل عما اشتهر عنه، ولربما روى هذا قليلاً وهذا كثيراً، فإن روى هذا فإنما يرويه لأجل أن يخبر أن عندي طريقاً آخر، وإلا فهذا لا يمكن أن يعدل عنه. فكونه لم يروه إلا مصعب بن المقدام، حتى لو كان هنا رجل واحد عن الثوري، هناك احتمال أن يكون هذا مخطئاً وهناك احتمال أن يكون هذا مصيباً، لكن لا بد أن هناك من روى عن الثوري أكثر من واحد.
رأينا في الحاشية قال: ورواه، قال هذا خطأ إنما هو الثوري، وأخرجه ابن حزم في المحلى وأخرجه الترمذي في جامعه. لماذا يقدم ابن حزم من طريق ابن عيينة؟ وابن خزيمة في صحيحه من طريق عيسى بن يونس، كلاهما عن معمر. عجيبة، رواية الثوري لا توجد إلا في المحلى، ورواه البخاري في صحيحه ومسلم من طرق عن يحيى بن أبي كثير، هو ثابت عن يحيى بن أبي كثير، وهنا جماعة أو اثنان مع الثوري يصبحون جماعة. فإذاً هذا الإسناد واضح أنه موجود معي، وهذا هو سبب السؤال، يبدو أن الثوري هنا روايته غير مشهورة أو غير معروفة.
فلما ذكر عبد الرحمن بن أبي حاتم هذه الرواية: سألتهم عن مصعب بن مقدام عن الثوري عن أبي الزبير عن جابر، كأنها هي الموجودة الوحيدة، لو كانت هذه الرواية موجودة لاشتهرت، لرواها غير الثوري، لرواها تلاميذ أبي الزبير وهم كثيرون أيضاً. فكون أن مصعب بن المقدام هو الوحيد الذي رواه عن الثوري، لم تشتهر عن الثوري ولم تشتهر عن أبي الزبير مع علوها. في ظني أن هذه الرواية التي نقلت عن ابن حزم أنها إما غير موجودة أو غير صحيحة، أو موجودة بشكل ضعيف جداً، لا يمكن أن يكون الثوري قد اشتهر عنه الرواية وتركت، خاصة أنها تفرز ابن حزم وهو متأخر. فكأن عبد الرحمن بن أبي حاتم سأل السؤال مع وجود أو عدم وجود هذا السند.
فيقولون عندنا حديث أبي قتادة معروف: «نهى أن يمس الرجل ذكره بيمينه»، رواه عن يحيى بن أبي كثير جماعة، ورواه عن معمر جماعة، مع من مع هؤلاء الجماعة الذين يروون عن ابن أبي كثير؟ إذاً عندنا هذا السند، فجاءنا سند آخر عن الثوري لكنه لم يشتهر عن الثوري مع علوه، فقالوا: هذا خطأ، أراد الثوري عن معمر عن يحيى، فأكيد أن الثوري له رواية عن معمر، الثوري لا يتصل به يحيى مباشرة. فكأنهم قالوا: وهناك أكيد رواية عن الثوري لكنها تكون، الثوري إن لم يروها كثيراً فإما لنزولها بالنسبة له لأن معمراً قرين له، فهو يروي عن قرينه وبالتالي لا يكثر من هذه الرواية، ربما رواها مرة واحدة وعلم بها أبو حاتم وأبو زرعة فقالوا: هذا خطأ وإنما الصواب هذا.
وكان منبع السؤال عدم وجود رواية للثوري عند عبد الرحمن بن أبي حاتم ووجود هذه الرواية ثابتة عن رجل ثقة، فقال هذا خطأ وإنما أراد هذا، لأنه لو كان عند الثوري هذه الرواية لصار يصرخ بها ليلاً نهاراً لأنها عالية جداً، وحتى يغلب قرينه هذا معمر، بينما هو في الحقيقة يروي عن معمر. هذا ملخص، وطبعاً لأنه لو كانت عند الثوري لصرخ بها، إذاً من أين جاءت؟ وجاءت من عند مصعب، وخطؤه في مثل هذا سهل، لأن الثوري يروي عن أبي الزبير، فربما لم يستحضر ذلك السند فذهب إلى هذا الإسناد، ولا أدري ما سبب ذهابه إلى هذا الإسناد، أما كثرة أحاديث عنده متشابهة، ولو رجعنا للبحث عن أبي الزبير عن جابر لوجدنا حديثاً يقرب من هذا، سيكون هناك سبب جعله يسلك هذا المسلك.
هذا حديث أبي قتادة رواه كثيرون منهم الثوري، هل هو موجود؟ شوف أخرجه عبد الرزاق عن معمر، والحميدي قال: حدثنا سفيان عن معمر الذي هو ابن عيينة، والحميدي يروي عن ابن عيينة، وابن أبي شيبة عن الفضل بن دكين عن هشام، وأحمد قال: محمد بن أبي عدي عنه. نعم، عن ابن الصواف، قال حدثنا وفي مكان آخر قال: حدثنا عبد الوهاب عن أيوب، وعدد أناساً كثيرين جداً، عشرتهم معمر وابن راشد وهشام الدستوائي والحجاج وأيوب وعبد الرحمن بن عمرو الأوزاعي وحرب بن شداد وشيبان بن عبد الرحمن وهمام بن يحيى وأبان بن يزيد العطار وأبو إسماعيل القناد، كل هؤلاء عن يحيى بن أبي كثير. هؤلاء ترى كثير منهم أصحاب الثوري، ومعمر قرين للثوري، وهشام الدستوائي قرين للثوري، والحجاج نفس الشيء، وأيوب أكبر منه، وعبد الرحمن الأوزاعي نفس الشيء قرين له، وشيبان نفس الشيء، كل هؤلاء من أقران الثوري، فالثوري سيتحسر إن روى عن معمر، أي نزل عنهم درجة، فلو كان هذا عند الثوري لتماسكت.
وإنما هذه الرواية ربما رواها مرة واحدة ولذلك لم توجد إلا عند ابن حزم لأنها نازلة جداً، والذين يروون عن هؤلاء عن معمر بن راشد يروون بواسطة واحدة، يعني أحمد مثلاً أو بواسطتين إن كثرت، وهشام الدستوائي بواسطة البخاري، فإذا ذهبوا إلى سفيان الثوري سيكون بينهم وبين معمر واسطتين سفيان وتلميذ سفيان.
هل ذكر هنا رواية جابر؟ لحظة، شوف هنا هذه الرواية قد تكون سبباً للخطأ عن أبي قتادة، من هو أبو قتادة؟ هذا هو: أنه رأى الرسول صلى الله عليه وسلم يبول مستقبل القبلة؟ أخرجه أحمد، قال حدثنا حسن بن موسى وموسى بن داود، وفي كذا قال حدثنا إسحاق الطباع، والترمذي قال: أخبرنا قتيبة، أربعتهم حسن وموسى وإسحاق وقتيبة عن عبد الله بن لهيعة قال: حدثنا أبو الزبير عن جابر عن أبي قتادة. الحديث الآخر، فقد يكون هذا من الأحاديث التي اختلطت على مصعب، هو الثوري هناك لكن ذهب إلى هذا، هذا احتمال من الاحتمالات التي قد تكون بعيدة.
بل هو وهم من كان هناك وهم، نعم صحيح، هل هو من الثوري أو من مصعب بن المقدام؟ فقالوا مصعب بن المقدام، لأنه لو كان عند الثوري يصعب أن ينسب إليه الوهم، خصوصاً هنا ما رواه عنه أكثر من واحد، لو كان هناك شخص مع مصعب هذا لقلنا إن الوهم من الثوري أو أنه ثابت. جزاكم الله خيراً.
د. سعيد المري