دخولتسجيل الدخول

الدرس 5

سعيد المريد. سعيد المري
  • مدة الدرس:
  • قراءة

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، سيدنا محمد صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين. أما بعد، فهذا الحديث الخامس في علل ابن أبي حاتم. يشرح الحديث الخامس، يقول ابن أبي حاتم: سألت أبا زرعة عن حديث رواه إبراهيم بن عبد الملك عن قتادة عن أنس، أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يغتسل بالصاع ويتوضأ بالمد. قال أبو زرعة: هذا خطأ، إنما هو عن صفية بنت شيبة عن عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم.

هذا الحديث الذي ذكر أبو زرعة أنه خطأ من رواية إبراهيم بن عبد الملك القناد عن قتادة عن أنس، نريد أن نعرف ما سبب تخطئة أبي زرعة لرواية إبراهيم القناد. فهنا لابد من معطيات قبل معرفة وجه هذا الحكم أو سبب هذا الحكم من الحافظ أبي زرعة. فمن المعطيات الموجودة أن أبا زرعة وافقه على تخطئة إبراهيم القناد.

الآن عندنا هذا الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يتوضأ بالمد ويغتسل بالصاع، هذا الحديث مروي من طرق كثيرة عن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، منها طريق عائشة في الصحيحين، وطريق أنس من طريق عبد الله بن جبر أو بن جابر وهذا أيضاً في الصحيحين، ومن طريق أنس مولى النبي صلى الله عليه وسلم ومن طريق جابر وغيرهم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم؛ يعني هناك عدد من الروايات عن الصحابة لهذا الحديث.

فسؤال وقع عن هذا الطريق، طريق إبراهيم القناد، وهذا الطريق رواه البزار والطبراني في الأوسط وغيرهم؛ إبراهيم القناد بن عبد الملك يحدث عن قتادة عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم، فمباشرة أبو زرعة قال: أخطأ إبراهيم القناد، أو هذا خطأ، والصواب قتادة عن صفية بنت شيبة عن عائشة. كأنه استشعر هذا الإمام الخلاف بين أصحاب قتادة، وهم كثيرون، منهم شعبة بن الحجاج، ومنهم ابن أبي عروبة، ومنهم أبان العطار، وهمام؛ هؤلاء حفاظ الحفاظ من أصحاب قتادة، وهنا إبراهيم القناد وحده قال عن قتادة عن أنس، فهذا الواحد خالف جماعة، فهذا الذي استحضره فيما يبدو أبو زرعة الرازي فقال: هذا خطأ والصواب قتادة عن صفية عن عائشة.

هل وافق أبا زرعة أحد على هذه التخطئة؟ نعم هناك عدد من العلماء، منهم البزار نفسه فخطأ إبراهيم القناد، وقال: وحديثه يتوضأ بالمد ويغتسل بالصاع خطأ، رواه قتادة عن صفية عن عائشة. وقول العقيلي أيضاً ذكر حديثين من طريق قتادة منها هذا الحديث، وقال: كلاهما غير محفوظ. وهكذا الطبراني قال: تفرد به القناد، وهكذا الدارقطني قال: إنه خطأ، وهم فيه إبراهيم بن عبد الملك والصواب صفية عن عائشة؛ فكلهم متفقون الأئمة على أن هذا الطريق هو الصواب وهو في الصحيحين، وأن هذا الطريق خطأ.

نريد أن نعرف منزلة إبراهيم هذا أيضاً، لأن هذه من المعطيات. عرفنا الأحاديث، ونعرف منزلة إبراهيم، ما منزلته في الحديث؟ أكثر أهل العلم على أنه ضعيف، النسائي يقول: لا بأس به، والبزار يقول: لا بأس به، لكن علي بن المديني يقول: ضعيف، مرة يقول: ليس بشيء، ونقل تضعيفه عن ابن معين، وضعفه أيضاً أناس غير هؤلاء، لكن أقوى من ضعفه ابن المديني قال: ليس بشيء، وابن معين قال: ضعيف، والعقيلي قال: يهم في الحديث؛ يعني كأنه ليس ضعيفاً جداً وإنما فيه شيء من الوهم، وابن حبان يقول: يخطئ؛ فكلمة يخطئ أيضاً شبيهة بكلمة العقيلي يهم في الحديث. لكن البزار والنسائي قالوا: لا بأس به، فهنا نستنتج أن درجة هذا الرجل ليست في الدرجة العليا من الثقة، ولا هو في الدرجة السفلى من الضعف، بل هو بين الدرجتين، وهو أقرب إلى الضعف منه إلى القوة، واضحة المسألة؟ فمثل هذا حديثه ينبغي أن يكون محتملاً للقبول والرد، لكن هنا جزم الأئمة بأنه هنا أخطأ وأن الصواب هذه الرواية.

عندي تساؤل وهذا التساؤل من باب الفائدة: لماذا خطأ الأئمة إبراهيم القناد مع أن الحديث قد ثبت عن أنس من طريق ابن جبر وله روايات من طرق من الصحابة؟ فلا ألا يمكن أن نقول بأن قتادة له طريقان إلى النبي صلى الله عليه وسلم يروي عن أنس الحديث ويروي عن صفية عن عائشة؟ هذا يمكن أن يقال أو لا؛ لأن قتادة مكثر، وعندنا أمثلة لذلك، أنا ذكرت بعض الأمثلة التي صححت لقتادة. أقول ألا يمكن أن يقال بأن قتادة له سندان لهذا الحديث لأنه مكثر؟ وفي الصحيح وفي كثير من الأسانيد نجد أنهم يصوبون ما رواه قتادة أو غيره من الحفاظ كأبي إسحاق السبيعي أو الزهري، يقولون: ثبت عنه كلا السندين.

فمثلاً عندنا لو أردنا أن نمثل أو نكتب مثالاً، عندنا حديث «من أحب لقاء الله»، حديث عائشة «من أحب لقاء الله»، هذا له سندان، أحدهما عبادة بن الصامت يرويه عنه أنس، وعن أنس قتادة، وعن قتادة همام. والسند الثاني من طريق عائشة، وعن عائشة سعد بن هشام، وعن سعد بن هشام زرارة، وعن زرارة قتادة، وعن قتادة سعيد بن أبي عروبة. الآن لو ننظر قتادة يروي هنا عن أنس عن عبادة، ويروي أيضاً هنا عن زرارة عن سعد عن عائشة. هذا أقصر، يعني أعلى بدرجة، حديث أنس عن عبادة أعلى بدرجة من يرويه همام، وهمام ثقة، وهذا أنزل بدرجة من يرويه سعيد، لكن هذا من حديث عبادة، وهذا من حديث عائشة، وقد أخرج الشيخان كلا الطريقين، فمعناه أن قتادة يصح أن يروي الحديث من سندين.

لكن هنا يرويه همام ويرويه سعيد، وكلاهما ثقة جبل، وكون هذا أعلى لا يقتضي أن يكون لا يروي قتادة لأن هذا أيضاً من طريق أناس كبار، منهم عائشة وسعد بن هشام، فهذا له مسوغات عند قتادة للتحديث به، وهذا له مسوغات. الشاهد أن قتادة من الحفاظ المكثرين يمكن أن يروي أكثر من سند لحديث واحد، بل هناك سؤال للترمذي ذكرته لكم، ملخص السؤال أنه سأل عن اختلاف على قتادة، معمر يقول كلاماً، وهشام الدستوائي كذا، سعيد بن أبي عروبة يقول كلاماً، وهشام الدستوائي يبدو أنه قال كلاماً، المهم أن البخاري قال في النهاية، قال الترمذي: سألت محمداً عن هذا الحديث فقال: يحتمل أن يكون قتادة روى عنهما جميعاً.

إذاً مسألة أن المكثر يروي عن سندين هذه واردة. طيب لماذا لم ترد هذه المسألة عند هؤلاء الحفاظ؟ الحفاظ تطابقوا على أن إبراهيم القناد هنا أخطأ، فهنا السؤال عندك جواب شيخ؟ لأن لو كانت هذه الطريقة صحيحة مع أنس ما فات هؤلاء، هؤلاء يقولون: لو أن هذه الطريق عند قتادة لما فات أصحاب قتادة الحفاظ؛ شعبة وابن أبي عروبة، وهذا كلام جميل. ولذلك خطأ مباشرة أبو زرعة إبراهيم القناد، لأن هنا جبالاً كباراً؛ شعبة وسعيد وهمام، لو كان عند قتادة حديث أخصر من هذا الحديث، هذا قتادة عن صفية عن عائشة.

عندي عدد من القرائن التي تجعل الخطأ حليفاً لمن؟ لإبراهيم القناد، ونذكر هذه القرائن ثم سنبين مسألة لماذا لم يجعل هذا شاهداً له. أولاً من القرائن: المخالفة، إبراهيم القناد خالف جماعة، وهذا وحده يكفي لتخطئته. الأمر الثاني: أن إبراهيم القناد ليس من الحفاظ الكبار، وإنما حاله وسط، ففيه شيء فيه لين أو فيه ضعف، وقد خالف الحفاظ. ثلاثة: طريق أقصر، قتادة عن أنس، إسناد عال، أعلى أنه أتى بالعالي، والعالي ينبغي أن يكون هو المرغوب، فلو كان هذا العالي عند قتادة لأكثر قتادة من الرواية به بدلاً من أن يكثر من هذا النازل؛ لأن رواية الجماعة لهذا الحديث النازل تدل على أن قتادة أكثر من التحديث به، ولم يكثر من التحديث بهذا، مما يدل على أن هذا ليس عنده، ولو كان هذا عنده السند الأقصر لأكثر من التحديث به. وضحت المسألة؟

الأمر الثالث: أنه قد يكون سلك الجادة، يعني الإسناد النازل أسهل في الحفظ من الإسناد العالي، هذا فيه زيادة رجل، زيادة راوٍ وهي صفية، نعم العالي أسهل في الحفظ، فكان ينبغي أن يحفظه الناس هؤلاء لو كان هنا، وهو أسهل على هذا، يعني سلوكه للجادة أسهل من أن يذهب إلى صفية عن عائشة، صفية عن عائشة صعب عليه، فلما جاء عند قتادة، قتادة كثيراً ما يروي عن أنس، فسلك الجادة، هو عارف أن الحديث عند قتادة، لكنه غاب عنه هذا السند لأنه لا يوجد لقتادة عن صفية إلا هذا الحديث، فصعب أنه يحفظه، وضحت المسألة؟

واضحة، أشرحها بشكل أوسع. الآن لو أردنا أن نعرف مقدار رواية قتادة عن أنس ومقدار رواية قتادة عن صفية، إذا رجعنا كيف نعرف كم روى قتادة عن أنس وكم روى قتادة عن صفية؟ من يقول لي؟ ها، لسنا حفاظاً لكن عندنا ما سهل الحفاظ علينا به البحث، عندنا الكمبيوتر وعندنا تحفة الأشراف. إيش نفعل في تحفة الأشراف؟ نذهب إلى مسند أنس في تحفة الأشراف، نفتح مباشرة مسند أنس في تحفة الأشراف، فنجد أنه يرتب الرواة عن أنس على حروف المعجم، فيأتي قتادة في حرف ماذا؟ القاف، فنجد ما يقرب من 80 رواية في تحفة الأشراف كلها يرويها قتادة عن أنس، معناها يروي كثيراً عنه أو لا؟ إذا كان في مسلم ما يزيد على 50 رواية لمسلم وحده لقتادة عن أنس، فنعلم أن قتادة من أروى الناس عن أنس، ولا يفوقه عن أنس إلا رجل واحد وهو ثابت البناني، فهو من أكثر الناس رواية عن أنس، فقتادة عن أنس جادة سهلة، فسهل أن مثل هذا الضعيف المسكين أنه على طول يأتيه قتادة ويذهب إلى من؟ إلى أنس مباشرة.

لكن إذا جئنا إلى تحفة الأشراف وفتحنا على مسند عائشة وذهبنا عن الرواة عن عائشة، فنجد في حرف الصاد صفية عن عائشة، ثم نبحث في صفية عن عائشة لأن صفية عن عائشة روت أحاديث، مجموعة أحاديث، نجد قتادة عن صفية عن عائشة، فلا نجد إلا حديثاً واحداً وهو هذا الحديث، مما يدل على أن قتادة قليل الرواية، بل لا يوجد له في الكتب الستة إلا هذه الرواية وأنا بحثت في غيرها فلم أجد أيضاً، وضحت المسألة؟ فمعناه روايته عن صفية رواية صعبة الحفظ، أول مرة يسمعونها، قتادة يقول صفية، فبالتالي سهل أن يخطئ هذا الرجل ويذهب إلى الشيء السهل وينسى الشيء الصعب، وضحت المسألة؟ هذا معنى سلوك الجادة، أنه لما أراد أن يحدث عن قتادة قال: حدثنا قتادة، ثم ذهب إلى ماذا؟ إلى الجادة السهلة، فهذا مما يؤيد أنه أخطأ، وهؤلاء حفظوا الصعب، مما يدل على أنهم حفاظ.

تقريباً هذا مجمل ما في تخطئة أبي زرعة لإبراهيم القناد من القرائن، لكن أنا ممكن أزيد في الشرح في بعض المسائل. المسألة الأولى: مسألة العالي والنازل التي ذكرناها ويذكرها بعض أصحابنا. العالي والنازل ما أهميتها بالنسبة للأسانيد؟ جداً، صفحة 111 في كتاب "إعلال الحديث الغريب بالحديث المشهور" ذكرت قرائن تتعلق بالأسانيد أو تتعلق بالمتون، هناك قرائن تتعلق بالإسناد، ومنها علو الإسناد ونزوله وشهرة الإسناد وغرابته. فمثلاً هنا يقول في صفحة 111، الجهة الأولى، قال القسم الثالث: الإسناد الذي وقع به التفرد، يتأثر قبوله من رده بعدة أشياء جعلتها خمسة أقسام. القسم الثالث منها الإسناد الذي وقع فيه التفرد، وهذا الإسناد النظر إليه من جهات، الجهة الأولى العلو، علو الإسناد ونزوله، العلماء يقولون: النزول في الإسناد شؤم وقرحة وكذا، ويرحلون لطلب العلو. لماذا جاءت الرحلة؟ ليتحصل الحديث من رجل من صاحب الحديث نفسه، وإلا لحصله ممن جاء منه، لكن يرغبون في العلو، فالناس المحدثون لهم رغبة كبيرة في علو الأسانيد، وكل واحد منهم يفخر على الثاني بعلو إسناده ويخفي عن الثاني شيخاً حتى يروي الحديث بواسطته، وقد مر معنا بعض الأمثلة اليس كذلك؟

فهنا مثلاً أسوق لكم بعض الكلمات، الخطيب بوب على ذلك بـ "باب من سمع الحديث نازلاً فطلبه عالياً"، وباب "من مدح العلو وذم النزول" وهكذا، ألف فيه أبو الفضل القيصراني كتاباً وذكر كلاماً فيه كثير، ويحيى بن معين يقول: الحديث بنزول كالقار في الوجه، وابن المديني يقول: النزول شؤم، وهكذا كثير من العلماء. يقول الأخرم: استأذن أبو عمرو المستملي، محمد بن يحيى الذهلي، استأذن أبو عمرو المستملي محمد بن يحيى الخروج إلى علي بن حجر، وعلي بن حجر عالي الإسناد، فقال: يا أبا عمرو انزل درجة واكتب ما شئت، فقال: يا أبا عبد الله النزول شؤم، النزول شؤم. وهكذا كانوا إذا سمعوا، مرة من المرات يقول قدم جرير بن عبد الحميد الكوفة، فأخلص أبي بكر بن عياش، يعني الناس الذين كانوا عند أبي بكر بن عياش ذهبوا إلى من؟ في محدث جديد جاء فيأخذون حديثه، فقال أبو بكر بن عياش: والله لأخرجن غداً من رجال رجلين، لا يبقى عند جرير أحد، يعني سأحدث عن شيخين عاليين.

الإسناد، قال: فصار يحدث عن أبي إسحاق وأبي حسين، فالناس تركوا جريراً، رجعوا الآن أسانيد عالية. وضحت المسألة؟ وكذلك يعللون بعلو الإسناد. أعطيكم مثالاً، مثلاً وهذا المثال سيأتينا في شرح العلل، لكن نستبق الأحداث قليلاً لتبيين المسألة. هنا حديث هذا الحديث: «أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يطوف على نسائه بغسل واحد».

من يرويه؟ أنس، ومن عن أنس هنا؟ قتادة. قتادة ورانا ورانا، معمر والثوري، طبعاً البصريين دائماً أسانيد ترجع إلى قتادة. وهنا رواية أخرى: حميد، الثوري طبعاً هنا جماعة، وهنا ضمرة بن ربيعة. لاحظوا الإسنادين: هذا إسناد للثوري من طريق معمر عن قتادة عن أنس، وهذا إسناد للثوري من طريق حميد عن أنس. طبعاً رواية حميد عن أنس مشهورة، يرويها غير الثوري، رواها جماعة، يعني روى عن حميد جماعة غير الثوري عن حميد عن أنس فهي ثابتة في الصحيح. واضح؟ لكن هنا رواية الثوري من طريق ضمرة وحده، وهنا رواية الثوري من طريق جماعة.

فلا يمكن أن نقول إن الثوري وافقه جماعة، وحديثه صحيح، وضمرة ثقة، أليس كذلك؟ ما المانع؟ المانع شيء وهو أنه لو كان عند الثوري حديث حميد العالي الإسناد لما روى من طريق معمر عن قتادة، لا سيما ومعمر عن قتادة فيه كلام؛ يعني هذا إسناد نازل، فالذهاب إليه فيه شيء آخر. ومعمر قرين للثوري، تعرفون معنى قرين؟ يعني في نفس السن وفي نفس الإسناد، يعني كونه يروي من قرين له مما يدل على أن حاجته لهذا الحديث محتاج إليه، ما عنده إلا هذه الرواية. وضحت المسألة؟

لكنه ليس قريناً لحميد، فلو كان عنده حميد مستحيل يروي عن معمر، بدليل ماذا؟ بدليل أنه في بعض الروايات يقول: حدثنا أبو الخطاب، من أبو الخطاب؟ معمر، يكنيه ما يريد الناس يعلمون أنه يروي عن معمر. وضحت المسألة؟ شوف هنا يقول: في إحدى الروايات قال عن الثوري يقول الفريابي عن الثوري عن أبي عروة، أبي عروة معمر، أسف، عن أبي الخطاب اللي هو من؟ قتادة. لماذا يكنى قتادة؟ حتى لا يعلم الناس من هو، حتى يظنون أن هذا الإسناد الذي عنده مختلف تماماً، وهذا ليس معمر أبو عروة، هذا الذي يروي عنه ليس هو معمر؛ لأنه لو قال عن أبي عروة عن قتادة لعلم الناس أنه يريد معمراً. وضحت المسألة؟ فهو لماذا يكنّي؟ لأنه إسناد نازل عنده، غير معجب به، ومعمر قرين له، فهذا دليل واضح على أن ضمرة أخطأ في إسناده وسلك الجادة، أو وافق الجماعة يعرف أن الحديث عند حميد، فظن أن الثوري يروي عن حميد، فهذا من التعليل بالعلو.

ولذلك ماذا قال هنا في التعليل أحد الأئمة، قال: فلما روى ضمرة بن ربيعة هذا الحديث عن الثوري عن حميد عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه طاف على نسائه في غسل واحد، استنكره أبو زرعة الرازي وقال: هذا خطأ، أخطأ ضمرة، إنما هو الثوري عن معمر عن قتادة عن أنس. وفي بعض الأماكن أنه قال: لو كان هذا عند فلان لصاح به أو لرواه الناس كلهم، يعني أنه شيء رفيع. إذاً عندنا مسألة العلو، مسألة مهمة. المسألة الثانية: مسألة الشهرة، شهرة الإسناد. نحن ذكرنا أن هذا الإسناد ليس مشتهراً، قتادة عن صفية ليس مشهوراً. الأحاديث التي تؤثر في التعليل من حيث الشهرة إما أن يكون السند مشهوراً جداً، فالسند المشهور جداً مثل مثلاً قتادة عن أنس، هذا سند مشهور، الزهري عن عروة عن عائشة، هشام عن عروة عن عائشة، مالك عن نافع عن ابن عمر، هذه الأسانيد المشاهير، هذه الأسانيد المشاهير مما يحرص عليها الناس ومما يصعب التفرد بها، واضح؟

لكن هناك أسانيد غير مشاهير، وهناك أسانيد نادرة، مسألة النادرة لها تفصيل آخر. الأسانيد غير المشهورة هي التي يروى بها بعض الأحاديث، عشرة أحاديث نحوها، الأسانيد المشهورة هي التي تفوق العشرات، مئة يعني خمسين حديث، هذه أسانيد مشتهرة، يروي بها الناس كثيراً. سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة، هذا كثير، في مسلم وحده مئة حديث سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة، يسمونها التراجم، هذه ترجمة. واضح؟ هنا قتادة عن صفية مشهور؟ ليس بمشهور، فهذا الذي ليس بمشهور لو تفرد به متفرد يمكن أن نقبله. وضحت المسألة؟

لكن أن يتفرد المتفرد بالمشهور، هذه التي لا تقبل، وأحياناً تكون فضيحة له. ما معنى فضيحة له؟ يعني أنه وضع الحديث. يأتينا واحد بإسناد عن مالك عن نافع عن ابن عمر، ولا يرويه إلا هو، فهنا يتهم عليه إذا لم يكن معروفاً بالثقة. أحياناً يتكلم الأئمة في الجرح والتعديل في رجال لأجل الإسناد، لأنه جاء بإسناد مشهور، يقول: يأتي بالأسانيد أو يأتي ماذا يفعل؟ يركب المتون على الأسانيد المشهورة، لماذا؟ وهم ما رأوا الرجل ركبها ولا عاصروه؛ لأنه جاء بعده، أسانيد مشهورة بأحاديث ولم يروها غيره، فدل على أنه يركبها تركيباً. وضحت المسألة؟

ولذلك يقول مسلم في مقدمة صحيحه: إنما المنكر أن يأتي رجل إلى حديث كحديث الزهري عن عروة أو عن سالم، وحديث هشام بن عروة عن أبيه، وهو منتشر بين أصحابه، فينفر بالعدد من الأحاديث، فنعرف أنه منكر الحديث، يعني ينفرد بكذا رواية عن هشام عن أبيه، لكن لو انفرد بواحد أقول يمكن أخطأ، سلك الجادة. وضحت المسألة؟ إذاً انتهينا من هذه. طيب، لماذا نقول إنه لا يمكن؟ هذا السؤال كررته، لماذا نقول إن هذا لا يمكن أن يكون هذا شاهداً له؟ العمل بالمتابعات موجود، أليس كذلك؟ والعمل بالشواهد موجود، لماذا لا نقول إن هذا متابع لهذا؟ للقرائن التي بيناها؛ لأن هذا الرجل تفرد بإسناد مشهور، فاحتمال أن حديثه يكون مقبولاً غير موجودة، والجزم بخطئه هذا هو الموجود. متى نقول هذا يتابع هذا؟ إذا كان هناك احتمالية للقبول والرد، متى نقول هذا يشهد لهذا؟ إذا كان هناك احتمالية للقبول والرد في الحديث الذي نريد له الشاهد.

أضرب لكم أمثلة، أنا سأمسح هذا وأعطيكم أمثلة. ناتي بحديث التكبير في العيد، تكبيرات العيدين سبعة وخمسة. هذا له طرق: عندنا عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، وهنا الطفاوي، الظاهر مراجعته، وعندنا سلمكم الله هنا أيضاً كثير بن عبد الله عن أبيه عن جده، هنا جماعة، وعندنا هنا طريق واحد بس: عائشة، عروة، الزهري، عقيل وخالد بن لهيعة. الآن عندنا هذه، هذا الحديث حديث تكبيرات العيدين سبعاً قبل القراءة وخمساً ورد من عدة طرق، لكن أنا سأقتصر على هذه الطرق: الطريق الأول طريق كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف عن أبيه عن جده، الطريق الثانية عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، لكن هنا كثير هو في طبقة عمرو بن شعيب أليس كذلك؟ كثير يروي عنه جماعة، وعمرو بن شعيب يروي عنه واحد، أظنه الطفاوي، عبد الله بن عبد الرحمن، وهي في السنن، حديث ابن لهيعة عن عقيل وخالد بن يزيد عن الزهري عن عروة عن عائشة، ثلاثة أحاديث، هذا عن عائشة، وهذا عن عمرو بن عوف، وهذا عن عبد الله بن عمرو بن العاص. واضح؟

فكل حديث عن صحابي، أليست في عرف أهل الاصطلاح كلها يشهد للآخر؟ طيب ما حال هذا الرجل؟ فيه شيء من الضعف وبعضهم يقويه، ما حال هذا الرجل؟ ضعيف، أكثر العلماء على تضعيفه، ومنهم من لين الكلام فيه، لم يضعفه جداً لكنهم شبه متفقين على تضعيفه. واضح؟ هذا الرجل ضعيف أيضاً باتفاق. إذاً هذا ضعيف وهذا ضعيف وهذا ضعيف، ما رأيكم؟ أي هذه الأحاديث أحسن؟ أو هل يمكن نقوي بعضها ببعض؟ أنا ماذا ذكرت لكم؟ أن الحديث إذا كان محتملاً للقبول والرد فهو يتقوى، كيف نعلم أنه محتمل للقبول والرد؟ بحسب المعطيات التي عندنا.

فمثلاً كثير بن عبد الله يروي عن من؟ عن أبيه، رواية الرجل عن أبيه هل هي سائغة؟ سائغة معروفة، وعن جده، واضح؟ فهذا الإسناد من جهة كثير لا إشكال فيه، ورواه عن كثير جماعة، لكن كثير ضعيف، فحديث كثير هذا محتمل للقبول والرد ولا مش محتمل؟ لم يأت بإسناد يختص به أناس آخرون، هو الذي يختص بهذا الإسناد، ربما لا يروي أحد غيره عن أبيه عن جده هكذا. طيب عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، هذا مختص به عمرو بن شعيب، لكن من الراوي عن عمرو بن شعيب؟ عبد الرحمن الطفاوي، عبد الله بن عبد الرحمن الطفاوي، واحد، فهنا الاحتمالية ضعفت، أضعف من الاحتمالية هنا للقبول، لكنه ما زال محتملاً للقبول والرد؛ لأن حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده ليس من الأسانيد التي يرغب الناس فيها كثيراً لأنها وسط.

نأتي إلى هذا الإسناد، الزهري عن عروة عن عائشة، ما رأيكم فيه؟ في قمة الأسانيد، أصح من أصح الأسانيد، وجادة معروفة جداً، لما يأتينا ويرويه عقيل وخالد، جيد؛ لأنهم اثنان رويا عن الزهري، فحديثهما مقبول قطعاً، لكن هل حديثهما جاء من طرق؟ الحقيقة لم يأت حديثهما إلا من طريق ابن لهيعة، وابن لهيعة ضعيف، فاحتمالية قبول هذا الحديث قوية ولا ضعيفة؟ ضعيفة جداً، أين أصحاب الزهري؟ أين أصحاب عروة؟ أين أصحاب عقيل وخالد؟ لا يوجد إلا ابن لهيعة وهو ضعيف، ثم إسناد زاد التفرد كثيراً، كلما زاد التفرد كلما ضعفت احتمالية قبول الحديث. فهنا التفرد أين جاء؟ في أي طبقة؟ طبقة صحابي، طبقة تابعي، تابع تابعي، تبع الأتباع، في من بعدهم، يعني بعد أربع طبقات جاء التفرد هنا، بعد ثلاث طبقات جاء التفرد، لكنه بإسناد ليس في مقام ذلك الإسناد، فاحتمال قبول هذا كبير بالنسبة لهذا.

طيب هذا التفرد فيه جاء في الطبقة الثالثة وليست الرابعة، هنا فالاحتمال فيه أقوى أليس كذلك؟ اسمعوا ما يقول طبعاً، اسمعوا ما يقول البخاري في مثل هذا الحديث لما سأله الترمذي عنه، الترمذي سأله عن هذه الأحاديث. قبل أن أذكر لكم قول البخاري أو قول الترمذي، أريد قولكم أنتم، ما رأيكم بعد هذا العرض الذي عرضته لكم؟ إيش بتقولون؟ هل يتقوى هذا بهذا وهذا بهذا؟ ما الذي يتقوى بالآخر وما الذي لا يتقوى؟ هذان يتقويان ببعض وهذا بعيد. ماذا نقول؟ الحديث صحيح حسن، صحيح حسن. عليك نور! من أين حسناه؟ أيهما أفضل في هذه الطرق الثلاثة؟ ما هو الطريق الأفضل الذي في الوسط، إذاً هذا أحسن شيء روي في هذا الباب، وماذا يأتي بعده؟ هذا وهذا، يصحح، وأما هذا فنقول غلط، لا يمكن أن يأتي بهذا الإسناد العظيم وينفرد به.

طيب اسمعوا، سألت محمداً عن هذا الحديث، حديث عبد الله بن نافع عن كثير بن عبد الله، طبعاً هو قال عبد الله بن نافع لكن معه غيره، عن كثير بن عبد الله عن أبيه عن جده أن النبي صلى الله عليه وسلم كبر في العيدين في الأولى سبعاً قبل القراءة وفي الآخرة خمساً قبل القراءة، فقال: ليس في الباب شيء أصح من هذا، وبه أقول. هذا كلام من؟ البخاري. قال البخاري نفسه: وحديث عبد الله بن عبد الرحمن الطفاوي عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده في هذا الباب هو صحيح أيضاً. من أين صححه؟ من هذا، وعبد الله بن عبد الرحمن الطفاوي مقارب الحديث، يعني وسط.