دخولتسجيل الدخول

الدرس 6

سعيد المريد. سعيد المري
  • مدة الدرس:
  • قراءة

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، سيدنا محمد صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين. أما بعد، كنا في الدرس الماضي قد وقفنا عند حديث في التكبير في العيدين، وكان الصوت قد انقطع في التسجيل. فأردت أن أعيد الكلام على بقية هذا الحديث أو بقية هذا المثال على الشواهد، وأن الشواهد ليست في مرتبة واحدة، وأن القاعدة أن الحديث إذا كان محتملاً للقبول والرد، ليس ساقطاً وليس خطأً وليس بمقبول، وإنما هو ليس بحجة، ضعيف فيه ضعف؛ فهذا الحديث يتقوى بالمتابعات الصحيحة وبالشواهد الصحيحة.

هناك بدأ في هذا العصر من يتكلم عن التقوية بالشواهد، صحيح أن هناك توسعاً عند بعض الناس في الشواهد، فيردون أحكام النقاد بسبب التقوية حيث توسعوا فيها. والحقيقة أن الشواهد لا يتوسع فيها، بل كلام النقاد في التقوية بالشواهد قليل جداً، لكن ليس معدوماً بل هو موجود، ولهم عبارات في ذلك؛ منها عبارة يعقوب بن شيبة في مسنده أنه ذكر حديثاً ثم قال: هذا الحديث قد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم من أوجه تثبت هذا الحديث، وكان قد ضعف الحديث أو ذكر أنه حديث ضعيف.

الشاهد أن الشواهد والمتابعات إنما تقوي الحديث الوسط أو الذي يحتمل القبول والرد. وهذا الحديث الذي يحتمل القبول والرد هو الحديث الذي يُعمل به؛ أحمد إذا لم يجد عنده حديثاً صحيحاً أو لم يجد في ذلك فتوى للصحابة، فإذا لم يجد فتوى الصحابة أخذ بالحديث الذي فيه شيء من الضعف؛ فهو محتمل للقبول والرد، ويقول هو خير من آراء الرجال، وإنما يأخذه على سبيل الاحتياط والعمل، وليس هو حجة على الخصم.

ما معنى الحجة؟ لما أقول هذا حديث حجة أو هذا الرجل يُحتج به، معناه أنه يلزم الخصم قبوله؛ فما يُحتج به هو الصحيح فقط. ولذلك ذكر العلماء كلاماً كثيراً عما يُقبل من أحاديث، والعجيب أننا نجد بعض الناس يخلطون؛ مثلاً يأتون إلى عمل بعض السلف كأحمد وغيره ببعض الأحاديث الضعيفة، ويقولون أحمد يحتج بالضعيف. هذا ليس على سبيل الاحتجاج، الاحتجاج شيء والعمل شيء آخر. هناك بعض الأحاديث التي ممكن أن يُحتج بها، يحتج بها شخص ولا يحتج بها آخر؛ هذا يراها صحيحة فيحتج بها كالمرسل عند بعض الناس يراه حجة على الخصم، لكن ليس كل أحد يقبل قولك، وأما الحديث الصحيح فهو الحجة القاطعة للنزاع عند الجميع، إلا أن يتركوه لشيء آخر لحجة أقوى.

وقد نقل غير واحد كلام الأئمة في ذلك، من ذلك الحاكم في المدخل قال: فقد أجمع المسلمون قاطبة بلا خلاف بينهم أنه لا يجوز الاحتجاج في أحكام الشريعة إلا بحديث الصدوق العاقل. الاحتجاج إنما يجوز بحديث الصدوق العاقل، أما أن نأتي إلى حديث ليس بصدوق أو حديث شخص ضعيف ونقول إنه يُحتج به، فهذا لا أظنه قاله أحد من أهل العلم.

وهكذا الحميدي نقل عنه الخطيب البغدادي قوله: فإن قال قائل -وهو الحميدي الذي هو شيخ البخاري، وهو أول شيخ روى عنه البخاري حديث «إنما الأعمال بالنيات»- فإن قال قائل: فما الحديث الذي يثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ويلزمنا الحجة به؟ قلت: هو أن يكون الحديث ثابتاً عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، متصلاً غير مقطوع، معروف الرجال، أو يكون حديثاً حدثنيه ثقة معروف عن رجل جهلته وعرفه الذي حدثني عنه، يعني هو ثقة عند من حدثني عنه، فيكون ثابتاً يعرفه من حدثنيه عنه حتى يصل إلى النبي صلى الله عليه وسلم. إذاً الحجة في ماذا؟ في الحديث الصحيح، الحديث الثابت.

وهكذا الذهلي محمد بن يحيى الذهلي تلميذ الإمام أحمد وشيخ البخاري ومسلم، قال: ولا يجوز الاحتجاج إلا بالحديث الموصول غير المنقطع، الذي ليس فيه رجل مجهول ولا رجل مجروح. إذاً الاحتجاج إنما يكون بهذا؛ نرجع إلى هذا الحديث وكلامهم كثير في هذا، وأهل العلم بالحديث لا يحتجون بخبر ينفرد بروايته رجل غير معروف، وإنما يثبت العلم عندهم بالخبر إذا كان راويه عدلاً مشهوراً، أو رجلاً قد ارتفع عنه اسم الجهالة، وارتفاع اسم الجهالة عنهم أن يروي عنه رجلان فصاعداً. ذكرت هذا لكم في بداية الدروس، فإذا كان هذه صفته ارتفع عنه اسم الجهالة وصار حينئذ معروفاً، فأما من لم يروِ عنه إلا رجل واحد انفرد بخبر وجب التوقف عن خبره ذلك حتى يوافقه غيره.

وهذا يدخل فيه المتابعات ويدخل فيه الشواهد، قد يقول الإنسان حتى يوافقه غيره في نفس السند، لا هناك أحاديث يمكن أن تقوى ولو كان الانفراد عن الصحابة إذا الرجل ليس مجهولاً من التابعين، وهو مجهول ولم يطعن فيه أحد وجاءنا آخر عن صحابي آخر يقوي هذا الحديث، وهذا الحديث إذا لم يكن هناك مانع؛ لأن مسألة التقوية فكرتها واحدة، التقوية بالمتابعة قريبة من التقوية بالشاهد، إلا أن المتابعة في الطبقات المتأخرة والشاهد في الطبقات المتقدمة.

وكما أننا قلنا إن الحديث الذي تُقبل فيه التوابع والشواهد هو الحديث الذي يحتمل القبول والرد، هذا يقال في الشواهد ويقال أيضاً في المتابعات، فكم من متابعة ردها العلماء وقبلها المتأخرون وهي غير مقبولة لسبب أو لآخر، إما لأنها خطأ أو لأن الراوي سرق الحديث وأورد له سنداً آخر لكي يظن الناس أنه متابعة، والعلماء يعرفون ذلك. فليست كل متابعة مقبولة، وهكذا ليس كل شاهد مقبولاً؛ لا بد من التحري في هذه المسائل.

نحن نضرب مثالاً على الشاهد الذي صححه البخاري وهو ضعيف، حديث ذكرت لي أحد الأحبة في أحد المجموعات أن البخاري صحح حديث التكبير في العيدين، قال: لا، لم يصححه، وأنا أذكر هذا الحديث وأذكر قول البخاري رحمة الله عليه مما نقلته عن الترمذي الآن؛ حديث التكبير في العيدين خمساً وسبعاً قبل القراءة، هذا الحديث مروي من طريق كثير بن عبد الله، يرويه عن كثير جماعة، وكثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف يرويه عن أبيه عن جده.

الآن هذا الإسناد كثير بن عبد الله ضعيف عند أكثر العلماء، لكن هل ضعفه يوجب عدم قبول حديثه لا متابعة ولا شاهد، يعني يوجب ترك حديثه؟ لا، روى عنه العلماء وإنما ضعفوه لأجل حفظه فقط، لكنه ينفرد بهذه السلسلة له، فهي سلسلة لكثير، لا إشكال في روايته بها؛ لأنه يروي عن أبيه عن جده فهي سائغة، يعني ليس هناك علامة استفهام عليها أو استغراب يمكن أن نرد به حديث كثير، لكنه مردود لأجل ضعف كثير، لكن كلامي أنا عن التفرد بالسلسلة؛ حديث كثير ضعيف، لكن تفرده أو روايته بهذه السلسلة هل هي سائغة؟ سائغة. فهذا الحديث ليس حديثاً يُقطع برده، وإنما هو حديث يحتمل القبول والرد لأن رواية الضعيف عن أبيه عن جده سائغة.

نأتي إلى الذي بعده، الآن المتفرد من هو كثير في طبقة من أتباع التابعين، صحابي تابعي تابع تابعي، بعد تابع التابعي انتشر الحديث؛ يعني كثير روى عنه أكثر من واحد، هنا حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده هذه السلسلة لا بأس بها، لكنه تفرد بها الطائفي، وهو فيه ضعف؛ هو ضعيف لكن هذا أضعف منه، لكن الطائفي عبد الله بن عبد الرحمن الطائفي هذا هو في طبقة أدنى من طبقة كثير، بمعنى أنه في طبقة متأخرة قليلاً، فهذا يتفرد عن تابعي وهذا يتفرد عن تابع تابعي.

فأيهما أقرب في احتمال القبول والرد؟ هذا أيضاً محتمل القبول والرد، لماذا؟ لأن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده ليس من الأسانيد المهمة جداً التي يحتج بها كل الناس، من الناس من لا يقبله، فالتفرد بمثل هذا الإسناد ليس أمراً مستبعداً جداً وإنما مقبول، لو تفرد به ثقة جبل لقبلناه مباشرة لكن هنا المتفرد من هو؟ الطائفي فيه ضعف، فهذا السند سائغ أيضاً لأنه متفرد بسند لا إشكال فيه، يعني يسوغ به التفرد أو يسوغ التفرد به، لكن أيهما أقرب إلى القبول؟ هذا الرجل أضعف من هذا الرجل فهذا يجعله هذا أقوى من هذا، أليس كذلك؟

لكن طبقة التفرد كون هذا تفرد عن عمرو بن شعيب ولم يشاركه أحد فيه نوع استغراب، لأن عمرو بن شعيب هناك من يروي عنه من الأئمة الحفاظ كثيرون، لكن تفرد كثير عن أبيه هل هو مستغرب؟ ليس بمستغرب، لأن أبا كثير وهو عبد الله لا يروي عنه إلا ابنه أو لا يكثر الرواية عنه إلا ابنه، فتفرد هذا من حيث القبول أو التسويغ هو أكثر تسويغاً من تفرد الطائفي. وضحت المسألة؟ وبالتالي لو أردنا أن نقول أيهما أصح؟ هذا أم هذا؟ الناظر في الإسناد فقط في الرجال سيقول هذا أولى لأن هذا ضعفه أخف من ضعف هذا، ولا لا؟

لكن الحفاظ ماذا يقولون؟ يقولون هذا أولى لأن التفرد هنا عندنا إشكالية أكبر من الإشكالية، ليس فقط الضعف وإنما التفرد بالسند؛ لأن هذا السند عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده يرويه كثيرون من الحفاظ؛ يحيى بن سعيد وغيرهم من الحفاظ، فليس هو من المختصين بهذا الإسناد، وإنما قبلناه على مضض. وأما هذا فهو وإن كان فيه شيء من الضعف الزائد عن هذا إلا أنه أقرب بهذا الإسناد من تفرد هذا بهذا الإسناد، فبالتالي هذا أصح من حيث العموم. وضحت المسألة؟ أتلو عليكم كلام الحفاظ.

طيب نأتي إلى هذا الإسناد؛ عائشة عنها عروة بن الزبير، عن عروة بن الزبير من؟ الزهري، هذا الإسناد ما رأيكم فيه؟ من أصح الأسانيد لا يقارن بهذا ولا بهذا، هذا في الصحيحين بدون إشكال، وفي كتب الإسلام وعقيل أيضاً من الحفاظ الذين يروون عن الزهري، وهكذا خالد بن يزيد، لكن من تفرد عنه؟ ابن لهيعة. ابن لهيعة ضعيف، أليس كذلك؟ هو في ضعف الطائفي، الآن لو لاحظ طبقة صحابة تابعين تابع تابعين، هو تفرد عن تابع التابعي ليس عن التابعي وإنما عن تابع التابعي، وقلنا أمره محتمل هنا صحابة تابعي وهذا تابعي أيضاً تابع تابعي، لكن السند أطول، تفرد عنه ابن لهيعة، فعندنا تفرد لابن لهيعة فيه عدد من الإشكالات؛ ما هو؟

الإشكال الأول أن ابن لهيعة ضعيف، الإشكال الثاني أن الإسناد إسناد كالشمس في رابعة النهار وكل يحرص عليه، الإشكال الثالث أن اثنين رويا عن الزهري وتفرد جميعاً، فهذا يجعلنا نستبعد هذا الإسناد تماماً ونقول إن ابن لهيعة أقرب إلى الخطأ منه إلى الصواب، وإلا أين تلاميذ عروة؟ كثيرون، تلاميذ عائشة، تلاميذ الزهري، ثم هذان لم يروِ عنهما إلا ابن لهيعة. فإذا أردنا أن نقول، طبعاً الناظر بالنظر السطحي سيقول هذا الإسناد أصح من هذا وأصح من هذا ولا لا؟ لكن في الحقيقة أن هذا الإسناد ليس بأصح، بل هذا الإسناد خطأ وسنقول عليه أضرب عليه، لا يمكن أن يوجد هذا الإسناد، هذا أخطأ الرجل هنا. وضحت المسألة؟

وبالتالي أصح الأسانيد أيهما؟ أول إسناد حديث كثير، ثم يليه هذا، وأما هذا فلا عبرة به، فلو أردنا أن نتكلم عن نقول المتن صحيح ولا ما هو بصحيح؟ صحيح، لماذا؟ لأن عندنا طريقان لا بأس بهما أو يحتملان القبول فيقوي أحدهما الآخر، وبالتالي نثبت هذه السنة، وهذا الذي قال به جماهير أهل العلم. نأتي إلى أقوال البخاري في هذه المسألة والترمذي، اسمعوا كلام البخاري عن هذه الأحاديث وسؤال الترمذي له.

قال الترمذي: سألت محمداً -من محمد؟ البخاري- عن هذا الحديث؛ يعني حديث عبد الله بن نافع عن كثير بن عبد الله عن أبيه عن جده أن النبي صلى الله عليه وسلم كبر في العيدين في الأولى سبعاً قبل القراءة وفي الآخرة خمساً قبل القراءة، طبعاً هو قال هنا عبد الله بن نافع لأنه يرويه من طريقه وإلا هو أكثر من عبد الله بن نافع، رواه جماعة عن كثير فهو مشهور عن كثير؛ قال: ليس في الباب شيء أصح من هذا. من يقوله؟ ليس في الباب شيء أصح من هذا وبه أقول، نجمعنا به يقول وبه يحتج ولا لا؟ أو به أعمل تنزلاً.

طيب البخاري يقول هذا أصح شيء، طيب ما رأيك يا بخاري في هذا؟ اسمع قال: وحديث عبد الله بن عبد الرحمن الطائفي -أنا قلت الطفاوي، آسف الطائفي، الطفاوي واحد آخر سيأتينا في الحديث الذي بعده في العلل؛ علل ابن أبي حاتم هناك الطفاوي، لكن هذا الطائفي وهو ضعيف- عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده في هذا الباب هو صحيح أيضاً. من يقوله؟ طبعاً والكلام كلام البخاري؛ هو صحيح أيضاً وعبد الله بن عبد الرحمن الطائفي مقارب الحديث، مقارب الحديث يعني محتمل هو فيه ضعف، ولذلك قلنا فيه ضعف، هو لم يخرج له في الصحيح. الآن البخاري يصحح هذا ولا لا؟ طيب هل يصحح هذا؟ طبعاً لأنه قال هذا أصح شيء في الباب، إذا كان هذا صحيحاً وهذا أصح شيء في الباب فمعناه أن البخاري يصحح هذا أيضاً؛ من أين صح هذا؟ من هذا، ومن أين صح هذا؟ من هذا، يعني بالشواهد، هذا شاهد لهذا وهذا شاهد لهذا، وكلاهما في الأصل حديث ضعيف. قد يقول قائل طبعاً البيهقي نقل هذا الكلام من الترمذي على أساس أنه قول البخاري.

من الناس من يلمح بذلك، وهو الفاسي رحمه الله صاحب الرد على عبد الحق؛ ذكرني بكتابه الوهم والإيهام، كتاب الوهم والإيهام لأبي الحسن القطان. قال: لا يلزم، أو على ما أتذكر أنه لا يلزم أن يكون هذا قول من؟ قول البخاري، بل هو قول الترمذي. انتهى قول البخاري من قوله: ليس في الباب أصح شيء من هذا، وبه أقول. وحديث عبد الرحمن بن عبد الله بن عبد الرحمن الطائفي هذا من قول الترمذي عن عمرو بن شعيب عن مجاهد، وفي الباب هو صحيح أيضاً.

فلنفرض أنه من قول الترمذي، كيف عبر به الترمذي؟ قال: هو صحيح أيضاً. ما معنى هذا؟ معناه أنه يفهم من قول البخاري أنه يصحح الحديث السابق، اتضحت المسألة؟ فالبخاري صحح هذا من فهم الترمذي، إن قلنا إن البخاري صحح هذا فهو صحح هذا بلا شك، وإن قلنا إن الترمذي الكلام له، فإن الترمذي فهم من البخاري أنه صحح هذا؛ لأن الترمذي يقول: هو صحيح أيضاً، معناها الآخر صحيح أيضاً. ثم الأظهر أنه كلام البخاري، قال: وسألته -يعني البخاري- عن حديث ابن لهيعة عن عقيل عن ابن شهاب -يعني الزهري- عن عروة عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يكبر في الفطر والأضحى في الأولى سبع تكبيرات وفي الثانية خمس تكبيرات. ورواه بعضهم عن ابن لهيعة عن خالد بن يزيد، وجمعه بعضهم بين الرجلين، قال: فضعف هذا الحديث.

ضعف هذا الحديث، هنا يقول صحيح وهنا يضعفه، ما معناه؟ معناه لا يقبله في الشواهد، ولا يشهد له ولا هو يشهد. قال: فضعف الحديث، فقلت له: رواه غير ابن لهيعة؟ قال: لا أعلمه؛ لأنه لو رواها غير ابن لهيعة لصح، وضحت المسألة؟ هذا مثال من الأمثلة على التقوية بالشاهد، وأنه له نظر دقيق، ليس كل شاهد يصلح شاهداً. الأئمة ينظرون للحديث من عدة أوجه؛ ينظرون إلى السند نفسه ما أهميته، ينظرون إلى المتن، ينظرون إلى المتفرد، ينظرون إلى المتفرد عنه؛ كل هذه الحيثيات ينظر إليها الناقد بعناية، وينظر إلى طبقة التفرد؛ هنا طبقة التفرد لأنها أعلى من هنا جعل البخاري هذا أولى من هذا. فنظرهم إلى التفرد أو إلى الأحاديث قائم على أشياء متعددة: على المتفرد، نفس المتفرد عنه، طبقة السند الذي تفرد به المتفرد، المتن الذي تفرد به هل هو مهم أو لا؟ ولهذا كله أمثلة.

هذه مسألة أنها احتراق كتبه ورواية العبادلة عنه، هذه المسألة لم يعتمدها النقاد، هي قيلت صح لكن في العمل ليست معتمدة؛ وكان سعيد يقول: هو ضعيف قبل احتراقها وبعدها، وهو عنده مشكلة في نفسه. صح أنه عالم لكن لكثرة روايته عنده مشكلة، لا يضبط شيئاً، وبالتالي مسألة أن فلاناً روى عنه قبل احتراق كتبه، أو الناس أصح الناس حديثاً عنه العبادلة، هذه كلها لا تعني أن حديثه صحيح، أصحه عنه يعني ما ذكروه عنه هو أصح ما قاله، يعني نسبة القول إليه، لا أن رواية تلك صحيحة، وهذه فيها لبس كبير جداً وضحت المسألة؟ لا أقولها لك مرة أخرى، لما يأتينا مثل ابن لهيعة فيه شيء من الضعف، الناس يختلفون عليه لاختلافه الكثير، فبسبب اختلافه تجد الرواة عنه يضطربون، لكن هناك رواة عنه لا يضطربون وهم العبادلة؛ ليس معنى هذا أن روايته كلما روى عنه فهي فحديثه بها صحيح، وإنما ما رووه عنه قد قاله ابن لهيعة قطعا، هو الذي قاله قطعا يعني الغالب. أما غيرهم فيروون عن ابن لهيعة ولأنه يتنقل لا يعرفون تنقلاته، قد يخطئون، فمرة يروون عنه شيئاً وهو قال شيئاً آخر، وبالتالي ما رواه العبادلة عنه صحيح إليه، لكن بقيت روايته هو لذلك هل هي صحيحة؟ هي المشكلة، لا بد من تقوية، وليست كل تقوية كما هنا لا تنفع التقوية إذا روى رواية قد ينفرد بها هو وإسناده ليس مهماً ممكن أن نقويه.

طيب نأتي إلى مثال آخر على عدم التقوية بالشواهد؛ حديث: «إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة». عندنا إسناد أبي هريرة، وعن أبي هريرة عطاء بن يسار، وعن عطاء عمرو بن دينار، وعن عمرو بن دينار جماعة، نأتي للسند الثاني: ابن عمر، نافع، ابن أبي ذئب، عبد الله بن مروان، سليمان بن عبد الرحمن -هذا الدمشقي- وهذا أيضاً دمشقي. الآن ما رأيكم في هذا الحديث؟ عندنا طريقان أبو هريرة وابن عمر فهو شاهد، أحدهما يشهد للآخر ينبغي أن يشهد، هذا من رواية عطاء بن يسار عن عمرو بن دينار عن جماعة، هل هذا الإسناد يتعارض مع هذا الإسناد؟ فيه تعارض بينهما فيه خلاف؟ ليس هناك خلاف صح ولا لا؟ هذا إسناد آخر ابن عمر عنه نافع وعنه ابن أبي ذئب وعنه عبد الله بن مروان وعنه سليمان بن عبد الرحمن. الآن من حيث الجلالة ابن عمر وأبو هريرة في مقام واحد صحابة، لكن ابن عمر يمكن أفقه أكثر فقهاً وإن كان هذا أكثر حديثاً، نافع عطاء بن يسار أيضاً من الفقهاء من العلماء، عمرو بن دينار أيضاً تابعي، وابن أبي ذئب لا أدري هل هو تابعي أو تابع تابعي، هو تابع تابعي قطعا؛ ابن أبي ذئب التابعي هذا بينه وبين النبي صلى الله عليه وسلم كم؟ واسطة الراوي عنه كم بينه وبين النبي؟ ثلاثة، الآن هذا تابعي بينه وبين النبي كم؟ إذا ابن أبي ذئب ساوى هذا التابعي، تابع التابعي هذا ساوى التابعي من حيث علو الإسناد؛ هذا الإسناد عالي أو غير عالي؟ عالي جداً. هذا توفي قبل دهر، هذا توفي بعده بثلاثين سنة، فهذا الإسناد بالنسبة للرواة مهم جداً أنهم يروون من طريقه، الذين أدركوا ابن أبي ذئب مهم جداً لهم أن يرووا هذا الحديث حتى يساووا شيوخ هؤلاء الذين يروون عن عمرو بن دينار من الشيوخ الأجلاء.

واضح لكنه تفرد به رجل، هذا يدلنا على أن هذا الإسناد فيه معضلة عظمى، ناس يروون من هنا وهذا نازل، وهذا إسناد كالشمس لا يرويه إلا شخص واحد، بإمكان هذا الإسناد أن يلحق الأحفاد بالأجداد ويعطيهم علو كبير جداً، فلما لم يوجد أحد يروي هذا الحديث دل على أن هذا الحديث خطأ، لما لم بوجود هذا طبعاً لو كان هذا غير موجود لهناك قول آخر، لكن هذا موجود فهذا يحصل به نزول عظيم، وهذا يحصل به علو عظيم تفرد به رجل، والرجل تفرد عنه رجل، وهذه التفردات كل ما زادت كلما دل على أن هناك خطأ، والخطأ ممن؟ من الأخير؛ لأن هذا لو رواه لأحدث عنه أكثر من هذا، لرواه جماعة؛ لأن هذا علو لهذا الرجل لعبد الله بن مروان علو عظيم، ينبغي أن يحدث به كل يوم، فلما لم يروه إلا شخص واحد دل على أن هذا الشخص الواحد هو المخطئ، وهو ليس بمخطئ، بل هو متعمد، مثل ماذا يحصل؟ يكون سبيلاً أو دليلاً على التعمد، خصوصاً إذا عرف عن هذا الرجل مثل هذا الصنيع، ولذلك تكلم النقاد فيه؛ قال ابن حبان: وهذا الحديث ليس من حديث ابن عمر ولا من حديث نافع ولا من حديث ابن أبي ذئب، إنما هو من حديث عمرو بن دينار عن عطاء بن يسار عن أبي هريرة، هذا هو المشهور.

وقال ابن عدي: ومن رواية ابن أبي ذئب غير محفوظ، وقال في موضع آخر: وهذا عن ابن أبي ذئب بهذا الإسناد لا أعلمه رواه غير عبد الله بن مروان، وعن عبد الله بن مروان غير سليمان. وقال الدارقطني: ويروى عن ابن أبي ذئب عن نافع عن ابن عمر، يصح حديث ابن أبي ذئب. ذكرت هنا الأسباب قلت: إن عمرو بن دينار قديم، سمع من غير واحد من الصحابة وتوفي قبل سنة ثلاثين ومئة، بخلاف ابن أبي ذئب فإنه لم يسمع من أحد، كما أن ابن أبي ذئب قد تأخر موته بعد عمرو بن دينار بأكثر من خمس وعشرين سنة، إذ توفي ابن أبي ذئب بعد سنة خمس وخمسين، فلو كان هذا الحديث عند ابن أبي ذئب لتكالب الناس على روايته لما يحصل لهم من العلو، لأن الذي سيروي الحديث من طريق ابن أبي ذئب سيساوي شيوخ ابن أبي ذئب الذين يروون الحديث من طريق عمرو بن دينار كالزهري؛ الزهري روى عن عمرو بن دينار، هنا ابن أبي ذئب صار نظيراً لعمرو بن دينار، فالزهري يروي عن عمرو بن دينار، فالذي سيروي عن ابن أبي ذئب سيكون كأنه زهري، ساوى الزهري والزهري تابعي وضحت المسألة؟

والسبب الثاني أن حديث عمرو بن دينار مختلف في رفعه ووقفه، هذا أيضاً مختلف في رفع ووقف، ما معنى هذا الكلام؟ معناه أن هذا ليس جيداً، الذي مختلف في رفعه ووقفه هذا أحلى منه وأجمل، فكيف هذا يشتهر وهذا لا يشتهر؟ هذه من الأمور، فمثل هذا لا يمكن أن نقول هذا يتقوى بهذا؛ لأن هذا مردود، ليس هناك احتمال لقبوله حتى نقوي به هذا، وضحت الفكرة؟ فالشاهد لا بد أن يكون محتملاً للقبول والرد، طبعاً أنا ذكرت أن هذا وضعه أو هذا فعله ولا أدري لكن هنا قال: نعم وقد رجح بعض النقاد الكبار الوقف في هذه الرواية. المهم قال: أضف إلى ذلك أن إسناد نافع عن ابن عمر أشهر عند كثير من المحدثين من عطاء بن يسار عن أبي هريرة، يعني هذا أشهر من هذا؛ ولذلك قال ابن حبان في ترجمة سليمان هذا ابن عبد الرحمن: يلصق المتون الصحاح التي لا يعرف لها إلا طريق واحد بطريق آخر، يشتبه على من الحديث صناعته، لا يحل الاحتجاج به، وهذا الرجل لا يحل الاحتجاج، من هذه يعني تكرر منه مثل هذا فعرف أنه يركبها، وضحت المسألة؟

نأتي إلى مثلاً متابعة إذا أردتم مثالاً في المتابعة وننهي به الدرس. حديث ابن عمر: «كنا نأكل على عهد الرسول صلى الله عليه وسلم ونحن نمشي، ونشرب ونحن قيام». هذا الحديث حديث ابن عمر، قول ابن عمر هنا وله عن ابن عمر طريقان: الطريق الأول أبي البزري يزيد بن عطارد وبعده عمران بن حدير وبعده جماعة كثيرون جداً كثيرون، وهنا نافع عن عبيد الله وعنه عبيد الله العمري وعنه حفص بن غياث. الآن هذا الحديث ننظر إليه؛ حفص بن غياث عنه جماعة، لحظة مشايخ، هذان الحديثان خلني أعطيكم مثلاً، أظن عمران بن حدير فيه ضعف عمران بن حدير فيه شيء من الضعف، وهذا الرجل يعني وسط، طيب، أما هؤلاء فثقات؛ هذا نافع مشهور، عبيد الله العمري من أوثق الناس في نافع، حفص بن غياث من الثقات الكبار أخرج له أصحاب الصحيح، فهذا الإسناد كله ثقة في ثقة. طيب ما رأيكم؟ أي الإسنادين أحسن؟ لو عندك كتاب تريد أن تخرج حديثاً في هذا المعنى أيهما تخرج؟ حديث نافع، طيب وهذا موجود عندك، ليش ما خرجت هذا؟ ما رأيك أن أهل السنة خرجوا هذا وتركوا ذاك؟ أيهم أعرف هم أم نحن؟

طبعاً المتأخرون المعاصرون كلهم شطبوا على هذا وأخذوا هذا، ليس تفرداً فقط، الآن هذه متابعة، المفروض هذا يتابع هذا، لكن لو لاحظنا أي الإسنادين أحسن؟ هل يقارن هذا بهذا في العلم؟ ليس هناك مقارنة، طيب المفترض هذا يروي عنه الناس، طيب هل عمران بن حدير فيه الضعف؟ يعني يقارن بعبيد الله العمري في العلم والحفظ والثقة؟ طيب هذا الرجل عمران بن حدير روى عنه جماعة كثيرون، وهذا لم يروِ عنه إلا حفص بن غياث، هنا مشكلة؛ لو كان الحديث عند عبيد الله العمري عن نافع لما ذهب الناس إلى عمران بن حدير، ولا لا؟ أنا بعطيك مثال، مثلاً جاك في قطر الشيخ ابن باز رحمه الله وعنده درس في الفقه، وجاك سعيد البدوي عنده درس في الفقه في نفس الوقت، وأنت فاضي وين تروح؟ طيب لو صار الناس كلهم عند سعيد البدوي، وجانا واحد قالوا: تراني حضرت درس ابن باز، في درس لابن باز أنا حضرت، قالوا: في نفس الوقت؟ قال: في نفس الوقت وفي نفس المسجد، تصدقونه؟ الناس كلهم يقولون حاضرين درس سعيد بدوي، ما نصدق، تعرف ابن باز رأيته.

نشكك في روايته ولا لا؟ لا يمكن يتركون هذا الجبل ويذهبون إلى هذا النكرة. هذا جبل، فذهب هذا الرجل إليه وحده يدل على أن الأمر فيه خطأ، وأن هذا الرجل وإن كان ثقة أخطأ هنا، بدليل روايات الجماعات المتكاثرة عن عمران بن حدير، وهو ضعيف. فمثل هذه المتابعة لا تصلح عند النقاد مع أنها عندنا من أصلح المتابعات، يقولون: إذا كان المتابع أقوى من المتابع فهو يوثق ويقويه، صحيح ولا لا؟

لماذا العلماء لا يقوون هذا؟ اسمع ماذا يقولون: ابن معين لم يحدث به أحد إلا حفص، قال يحيى بن معين: لم يحدث به إلا حفص، وما أراه إلا وهم فيه، وأراه سمع عمران بن حدير فغلط بهذا، ورآه سمع هذا فغلط بهذا. هذا من يحيى بن معين، اسمع أحمد بن حنبل؛ قال أبو بكر بن الأثرم: قلت لأبي عبد الله أحمد بن حنبل الحديث الذي يرويه حفص عن عبيد الله عن نافع عن ابن عمر: «كنا نأكل ونحن نمشي ونشرب ونحن قيام»، فقال: ما أدري ما ذاك، كالمنكر له، ثم قال: إنما هو حديث يزيد بن عطارد.

اسمع الذي بعده، قال علي بن المديني: نعس حفص نعسة حين روى حديث عبيد الله بن عمر، وإنما هو حديث أبي البزري. هذا ثلاثة من النقاد في طبقة واحدة كبار، وكل واحد سأل بنفسه. فقال البخاري في ترجمة ابن عبد الملك بصري سكن الكوفة سكن مكة، سمع ابن عون وهشام بن حسان، وسمع عمران بن حدير عن أبي البزري، واسمه يزيد بن عطارد، عن ابن عمر قال: «كنا نأكل ونحن نمشي ونشرب ونحن قيام على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم»، وقال حفص بن غياث عن عبيد الله بن عمر عن ابن عمر مثله، قال أبو عبد الله: والأول أصح. ونحن نقول هذا أصح.

سأله الترمذي عن حديث حفص فقال: هذا حديث فيه نظر. وقال أبو زرعة: رواه حفص وحده. لما يقول تفرد به حفص ولا رواه حفص وحده، يأتيه واحد من المعاصرين ويقول: لكنه ثقة! هو يعرف أنه ثقة يا أخي، هو ما قال رواه وحده عنده مشكلة. وقال أبو حاتم: هذا الحديث لا أصل له بهذا الإسناد، لا أصل له. أبو حاتم صاحبنا الذي نشرح كلامه سيأتي هذا الحديث، وهكذا أقوال النقاد في هذا الحديث.

أخذوا هذا، الترمذي اضطرب فيه؛ مرة صححه ومرة ضعفه، فكأنه مرة استبعد أن يخطئ حفص؛ لأنه يخطئ في شيخه، نعم يمكن أخطأ، يمكن أن يخطئ في الكتابة، يمكن أن يخطئ. الخطأ كيف جاء؟ لا ندري، ولذلك يقول علي بن المديني: نعس نعسة، لا يمكن أن يصح هذا، وهذا هو المشتهر؛ هؤلاء كلهم من تلاميذ حفص الذين تكلموا، البخاري بينه وبين حفص ابنه عمر بن حفص. الشاهد من الكلام أنه ليس كل متابعة مقبولة، لكل حديث ذوق خاص، يمكن أن نقبل المتابعة ويمكن أن نردها، هناك متابعات وأمثلة كثيرة ضربتها في هذا الكتاب في المتابعات التي لا تصلح، وأحيانا تكون المتابعة محل تردد، فتجد ناقداً يقبلها وناقداً يستبعدها، وهكذا في الشاهد. وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.