دخولتسجيل الدخول

الدرس 7

سعيد المريد. سعيد المري
  • مدة الدرس:
  • قراءة

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، سيدنا محمد صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين. أما بعد، فيقول ابن أبي حاتم رحمة الله على الجميع: سألت أبي وأبا زرعة عن حديث رواه حماد بن سلمة عن ابن أبي عتيق عن أبيه عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «السواك مطهرة للفم مرضاة للرب». قال: هذا خطأ، إنما هو ابن أبي عتيق عن أبيه عن عائشة. قال أبو زرعة: أخطأ فيه حماد، وقال أبي: الخطأ من حماد أو ابن أبي عتيق.

هذا السؤال السادس في هذا الكتاب المبارك، وهو عن حديث ابن أبي عتيق أو حديث عائشة: «السواك مطهرة للفم مرضاة للرب». هذا الحديث مشهور وهو في السنن، وحديث صحيح من رواية ابن أبي عتيق عن أبيه عن عائشة. هذا الحديث ذُكر في السؤال من هذا الطريق: طريق حماد بن سلمة عن ابن أبي عتيق عن أبيه عن أبي بكر: «السواك مطهرة للفم»، فقال أبو زرعة وأبو حاتم: هذا خطأ. والصواب ما هو؟ ابن أبي عتيق عن أبيه عن عائشة. هذا في قولهما هو الصواب. والحقيقة لما رجعنا إلى كتب التخريج وكتب الحديث، وجدنا أن هناك عدداً من الطرق، وطبعاً اختلف في تعيين الخطأ ممن؟ لم يختلفا اختلافاً بيّناً، وإنما قال أبو زرعة إن الخطأ من حماد بن سلمة، وأما أبو حاتم فجعل الخطأ محتملاً، إما من حماد بن سلمة أو من ابن أبي عتيق.

هنا نحتاج إلى عدد من الأمور التي تحتاج إلى البحث فيها. أولاً: بالبحث وجدنا أن هناك عدداً من الطرق لهذا الحديث، وهناك غير هذه الطرق، لكن هذه من أصح الطرق الموجودة. عندنا هذا الحديث حماد بن سلمة عن ابن أبي عتيق عن أبيه عن أبي بكر: «السواك مطهرة للفم مرضاة للرب»، هو موجود في المسند وغيره. نحتاج أن نعرف من هو ابن أبي عتيق؟ ومن هو حماد بن سلمة؟ حماد بن سلمة من الأئمة الكبار المشهورين، وهو قد احتج به مسلم رحمة الله عليه في الصحيح، ولم يحتج به البخاري، وأخرج له البخاري تعليقاً. وهو من الأئمة الكبار وأيضاً من الحفاظ، لكنهم قدحوا في شيء من حفظه في بعض المواطن، ولعله لأجل ذلك أعرض عنه البخاري، لكن من كلام الأئمة أن حديثه صحيح وأنه مقبول الحديث، بل من الناس من عاب على البخاري تركه لحديث حماد بن سلمة. وبالتالي هذا ثقة احتج به مسلم كما ذكرت، وهو من أوثق الناس في ثابت وفي حميد الطويل، يروي عن ثابت عن أنس، وعن حميد الطويل عن أنس.

ما الذي حصل في هذا الحديث؟ أولاً قلنا حماد بن سلمة إمام. ابن أبي عتيق من هو؟ يسمى بهذا الاسم، ولده وأبوه كل واحد منهما يقال له ابن أبي عتيق. فهذا يقال له ابن أبي عتيق واسمه عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن بن أبي بكر، جد أبيه أبو بكر الصديق. هو عبد الله بن أبي عتيق هذا الذي هو الأب، اسمه عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق. هذا يقال له ابن أبي عتيق؛ لأن محمداً هذا يكنى أبوه أو كنيته أبو عتيق. فهذا عبد الله يقال له عبد الله بن أبي عتيق. هذا عبد الله له أبناء، واحد اسمه محمد والآخر اسمه عبد الرحمن، وابن أبي عتيق هذا إما أن يكون محمداً وإما أن يكون عبد الرحمن. فابن أبي عتيق هذا سواء كان محمداً أو كان عبد الرحمن، لماذا سمي ابن أبي عتيق؟ نسب إلى جده، من جده؟ محمد، فقيل عبد الرحمن بن أبي عتيق، والنسبة إلى الجد موجودة. العرب أحياناً ينسبون الشخص إلى جده، فلان ابن أبي وحشية وهو ليس أبوه، وإنما أبوه قبل أبي وحشية. فهذا هو ابن أبي عتيق، بينه لنا رواية محمد بن إسحاق، قال في بعض الروايات: حدثني ابن أبي عتيق، وفي بعض الروايات قال: عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن بن أبي بكر، فسماه. إذاً هذا الذي في رواية محمد بن إسحاق هو عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن. فهل هو هذا نفسه؟ نعم؛ لأن هذا ابن أبي عتيق الذي روى عنه حماد بن سلمة هو واحد من أبناء هذا، فحماد بن سلمة لم يدرك عبد الله.

يزيد بن زريع سماه عبد الرحمن بن محمد بن عبد الله بن محمد. أما الدراوردي فلم يسمّه عبد الرحمن، سكت، ربما يكون رواية عن محمد وربما عن عبد الرحمن؛ لأننا إذا ذهبنا إلى ترجمة محمد وعبد الرحمن نجد في تلاميذ محمد ولا نجد في تلاميذ عبد الرحمن الدراوردي، مع أن الدراوردي روى عن عبد الرحمن أيضاً، لكن هنا في احتمالية كبيرة أن يكون عتيق هو الذي يروي عن أبيه، أنه رجلان أحدهما روى عنه حماد بن سلمة، والآخر روى عنه، لكن يزيد بن زريع سمّى صاحبه عبد الرحمن، فقد يكون الابن هنا هو في جميع الأسانيد عبد الرحمن، وقد يكون فقط في رواية يزيد، لأنهما عبد الرحمن يرويان عن أبيهما، وقد نص على ذلك البخاري وغيره، وقد رووا في بعض الأحاديث جميعاً عن أبيهم نفس الحديث. هل منزلتهم في الحديث كمنزلة حماد بن سلمة؟ الإمام أحمد يقول: لا أعلم إلا خيراً، يعني إن شاء الله أنه مستور، ليسوا من المبرزين في الحديث.

هنا لما كتبت الاسم نسيت أن أقول لكم شيئاً وهو من النكتة أو الفائدة العلمية، وهي أن هذا الرجل وهذا صحابي محمد، وهذا صحابي أبو عتيق صحابي، وهذا أيضاً صحابي وهذا صحابي، لا ليس عبد الله صحابياً. محمد أبو عتيق صحابي، وعبد الرحمن صحابي، وأبو بكر صحابي، وأبو قحافة صحابي، أربعة متوالدون على نسق. ويقال إنه لا يُعرف في الصحابة أربعة متوالدون إلا هذا الرجل: أبو عتيق وأبوه عبد الرحمن وأبوه أبو بكر الصديق وأبوه أبو قحافة. وزاد بعضهم أن أسامة بن زيد ولد له ولد اسمه محمد، وقد ولد في حياة النبي صلى الله عليه وسلم، فيكون محمد بن أسامة بن زيد بن حارثة وكلهم صحابة. وعندنا عبد الله بن الزبير، أمه أسماء بنت أبي بكر، فهو صحابي وأمه أسماء صحابية وأبوها أبو بكر صحابي وجدها أبو قحافة صحابي. هذا من النكت التي يذكرونها أهل المصطلح في النوع من أنواع المصطلح، وهو نوع معرفة الصحابة، يذكرون فيها أشياء من هذا القبيل، سبعة حضروا بدراً من الإخوة، كذا وكذا، يعني عجائب يذكرونها في هذا النوع من أنواع الحديث. فمما ذكروه أن محمداً هذا هو صحابي وآباؤه الأربعة أو الثلاثة الذين بعده صحابة.

نرجع إلى حديثنا، محمد بن إسحاق يروي عن عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن بن أبي بكر عن عائشة، وقد سمع عبد الله من عائشة، وحديث محمد بن إسحاق حديث صحيح. في بعض الروايات قال: حدثني رجل من آل أبي بكر عن القاسم، وفي بعض الروايات لمحمد بن إسحاق رووا عنه قال: حدثني رجل من آل أبي بكر عن القاسم عن عائشة، فهل هذا الرجل الذي من آل أبي بكر وهو ابن أبي عتيق اللي هو عبد الله أو غيره؟ في احتمالية، أكثر الأئمة يصححون هذا الطريق، يقولون هذا هو الأصح. فمثلاً لو أردنا أن نرى من تابع أبا زرعة وأبا حاتم؟ قال هنا أبو زرعة وأبو حاتم إن هذا خطأ، والصواب هذا الإسناد. وسُئل يحيى بن معين عن حديث حماد عن ابن أبي عتيق عن أبيه عن أبي بكر عن النبي صلى الله عليه وسلم في السواك فقال: خالفوه وقالوا عن عائشة. وقال ابن عدي ويقال هنا -ينبه على أن قول ابن عدي قالها بصيغة التمريض-: ويقال إن هذا الحديث أخطأ فيه حماد بن سلمة حيث قال عن ابن أبي عتيق عن أبيه عن أبي بكر، وإنما رواه غيره عن ابن أبي عتيق عن أبيه عن عائشة.

الدارقطني ماذا قال؟ يرويه حماد بن سلمة عن ابن أبي عتيق عن أبيه عن أبي بكر، وخالفه جماعة من أهل الحجاز وغيرهم، فرووه عن ابن أبي عتيق عن أبيه عن عائشة عن النبي، وهو الصواب. والبخاري علق حديث عائشة بصيغة الجزم، قالت عائشة: مطهرة للفم مرضاة للرب. قالت عائشة قال النبي صلى الله عليه وسلم السواك، معناها أنه يرى صحة هذا الحديث الذي من طريق عائشة. لكن الدارقطني قال: رووه خالفوه وأهل الحجاز، والحقيقة بعد البحث الكثير ما وجدت إلا يزيد بن زريع والدراوردي، الدراوردي من أهل الحجاز، السند معروف من أبي عتيق عن أبيه عن عائشة معروف، يعني هناك عدد من الروايات قليلة. رواية أبي عتيق عن أبيه عن غير عائشة موجودة، ورواية أبيه اللي هو عبد الله بن محمد عن عائشة معروفة عن عائشة في الصحيح موجودة. وبالتالي هذا السند ليس معناه أنه جادة، إنما سند معروف، أما هذا لا يوجد منه إلا هذه الرواية، أبو بكر، ذكر أبي بكر أنه من مسند أبي بكر لا يوجد منه إلا هذه الرواية. عبد الله هذا لم يدرك أبا بكر، وبالتالي هذه الرواية لو صححناها لقلنا إيش؟ منقطعة.

نحن نريد أن نعرف هل حماد بن سلمة أخطأ في هذه الرواية؟ ما القرائن التي جعلت الأئمة يقولون أخطأ حماد بن سلمة؟ أو هذا الطريق خطأ؟ لأن أبا حاتم قال: إما أخطأ حماد بن سلمة أو أخطأ ابن أبي عتيق. فالمهم أن هذه الرواية خطأ، أريد أن تقول لي ما المسوغات التي جعلت الأئمة يقولون إنها خطأ؟ أهم ما ترونه في هذا العرض؟ هذا هو، هذا ابن هذا، هذا يروي عن أبي بكر هنا في رواية حماد، وهنا في رواية غير حماد يروي عن عائشة. الأولى الهامة جداً هي أن هناك جماعة كثيرة يجعلون الحديث من مسند عائشة بغض النظر عن اختلافهم، هنا يزيد بن زريع والدراوردي يروون عن ابن أبي عتيق ويخالفون حماداً، فماذا يقولون؟ يجعلونه من مسند عائشة. هذه المخالفة الأولى خالف رجلين، أحدهما حجازي الدراوردي والثاني بصري. ثم هنا هذا من أهل الحجاز أيضاً، فهو طبقة أعلى من هؤلاء، فهو في مقام ابن أبي عتيق كأنه تابع ابن أبي عتيق في رواية هؤلاء عنه. فمحمد بن إسحاق يروي عن التابع عن الأب عن عائشة، فجعله من مسند عائشة، هذا صار ثلاثة؛ يعني هنا تتابع في طبقة واحدة وهنا تتابع في طبقة أعلى.

ابن أبي عتيق هنا يروي عنه ابن الزبرقان داود وسليمان بن بلال، ويجعلون الحديث من مسند عائشة. وأيضاً إبراهيم بن داوود يروي، إبراهيم بن إسماعيل بن أبي حبيبة، يروي عن داود بن الحصين عن القاسم عن عائشة فيجعل من مسند عائشة. كل هؤلاء يمكن أن نجمع رواياتهم ونقول خالفهم حماد بن سلمة فجعل الحديث من مسند أبي بكر وليس من مسنده. إذاً القرينة الأولى ما هي؟ مخالفة الجماعة، فهذه القرينة ترجح أن هذه الرواية خطأ. أمر ثانٍ، وهو أننا لا نجد رواية لابن أبي عتيق عن أبي بكر أبداً، فهذا مما يُستغرب. صحيح أنه قد يقول قائل هذا خلاف الجادة، ليس هناك جادة، فبالتالي المفروض أنه حفظ، لا، ابن أبي عتيق عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن بن أبي بكر، فذكر أبي بكر موجود في نسبه، فقد يكون مسوغاً لأن يخطئ ابن أبي سلمة. وضحت المسألة، وبالتالي لأن هذا السند لا وجود له أصلاً؛ ذكر أبي بكر هذا مما يمكن أن يُجعل قرينة وهو أنه لا يجيء هذا الإسناد، يقولون لا يأتي، لم نعهد حديثاً بهذا الإسناد.

وضحت هنا قرينتان: القرينة الأولى مخالفة الجماعة، والقرينة الثانية أن هذا الإسناد ليس به شيء من الحديث ويسوغ خطأه أن ذكر أبي بكر موجود في نسب الراوي، فذكره في نسب الراوي قد يكون هو من الأسباب التي جعلت حماد بن سلمة أو غيره يخطئ. إذا قلنا هذا، فالخطأ من مَن؟ من حماد بن سلمة. طيب نأتي إلى هذه الروايات، وليست هي من موضوع العلل أو كتاب العلل، التي هي الترجيح بين هذه الروايات، وهذا أمر يصعب في الحقيقة، لكن سنأخذ منه ما يفيدنا في كتاب العلل، وهو أن أبا زرعة الرازي جعل الخطأ من حماد بن سلمة؛ لماذا يكون الخطأ من حماد بن سلمة؟ لأنه خالفه عدد من الجماعة، خالفه يزيد بن زريع والدراوردي، وخالفه محمد بن إسحاق وإن كانت المخالفة عالية نوعاً ما، وخالفه هؤلاء فجعلوا الحديث كله من مسند عائشة، وبالتالي من قال إنه من مسند أبي بكر أخطأ. أبو حاتم الرازي جعل الأمر محتملاً أن يكون الخطأ من حماد بن سلمة أو من ابن أبي عتيق، ما وجه أن يكون محتملاً لأن يكون ابن أبي عتيق هو الذي؟

خطأ ابن أبي عتيق هو مما اختلف عليه، فداود بن الزبرقان وسليمان بن بلال، هاتان الروايتان ذكرهما الدارقطني في العلل، ولم أقف عليهما لكنهما في العلل. جعلا الحديث من مسند عائشة، لكن الواسط بين عائشة وابن عتيق جعلاه القاسم، فهما ثقتان يقولان بأن ابن أبي عتيق يروي عن القاسم عن عائشة، وهناك ثقتان يقولون ابن أبي عتيق يروي عن أبيه عن عائشة؛ فمعناه إما أن يكون ابن أبي عتيق رواه مرة هكذا ومرة هكذا، وفي إحدى المرتين كان على سبيل الخطأ، وبالتالي هذا الذي جعل أبا حاتم يقول: الخطأ إما من حماد وإما من ابن أبي عتيق، هذا احتمال يوجه كلام أبي حاتم. لكن لو أردنا أن نرجح بين هذه الروايات، في رأيكم ما أرجح الروايات؟ هل هو هذا السند؟ طبعاً هذا نقول خطأ، سند حماد بن سلمة، لكن أخرجه بعض أهل العلم في مساندهم. لماذا أخرجوه؟ لأن الخطأ هنا صعب، حصول أن هذا الإمام يخطئ في المسند فيقول أبو بكر بدلاً من أن يقول عائشة، فأخرجه بعض الأئمة من هذه الحيثية. لكن إذا لمحنا أن كلمة أبو بكر قد تكون في نسب ابن أبي عتيق وبالتالي أخطأ من هذه الجهة فهذا يقرب لنا أن حماد بن سلمة قد أخطأ.

نحن نريد أن نرجح بين هذه الروايات عن عائشة، أيها أرجح؟ هل هذه الرواية أرجح؟ أم هذه الرواية؟ أم هذه الرواية؟ ما رأيكم؟ ممكن نقول هذه الرواية أرجح. ما المرجحات لرواية يزيد بن زريع؟ قال ابن أبي عتيق عن أبيه عن عائشة، إن له متابعة وهي من جهة محمد بن إسحاق، يقول ابن أبي عتيق عن عائشة؛ فإذاً عبد الله بن محمد، اللي هو ابن أبي عتيق، ثابت عنه أنه يروي عن عائشة، فهو موجود هنا وموجود هنا، وضحت المسألة. فهذا يقوي هذا الحديث وهذا الذي أخرجه أصحاب السنن الترمذي وغيره. هذا الحديث أخرجه ابن خزيمة من طريق القاسم رواية ابن الزبرقان التي ذكرها الدارقطني وقال القاسم غير محفوظ، هكذا قال الدارقطني، لكنه وقف على إحدى الروايات. الرواية الثانية أنا الذي وقفت عليه، وهي صحيحة أظنها رواية سليمان بن بلال عند البيهقي، لكن الدارقطني ذكر رواية داود بن الزبرقان فقط وقال غير محفوظة لأن ابن الزبرقان تفرد بها، لكن إذا كان معه سليمان ابن بلال يقوي جانب ابن الزبرقان، والحديث له أصل من رواية القاسم من رواية داود بن الحصين، وبالتالي هذه الرواية فيها شيء من القوة، وضحت؟ تشوش عليّ أنا.

ولذلك قال البيهقي في كتابه إن ابن أبي عتيق، أين هو هذا؟ ابن أبي عتيق هذا الذي هو هنا هو نفسه هذا، عنده روايتان عن أبيه وعن القاسم، فمرة روى الرواية عن أبيه هنا ومرة يرويها عن القاسم، فقد سمع الرواية أو الحديث من الرجلين. هذا قريب، فإن ابن أبي عتيق -الذي هو عبد الرحمن أو محمد بن عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن- يروي عن القاسم ويروي عن أبيه، وفي بعض الأحاديث قد روى عنهما جميعاً نفس الحديث عن عائشة، وبالتالي كون أنه يكون له سندان في الحديث هذا قريب جداً، وبالتالي يمكن أن نقول أن ابن أبي عتيق سمع من القاسم بدليل أن الحديث له أصل عن القاسم من رواية داود، وسمع عن أبيه بدليل أن لرواية أبيه أصل من رواية محمد بن إسحاق، وضحت المسألة. ويمكن أن نرجح هذه الرواية ونقول هنا أخطأ ابن أبي عتيق، أو أخطأ ابن الزبرقان عليه وسليمان؛ لأنهما ربما راعيا رواية داود عن القاسم فأخطأ أو سلك جادة معينة.

الشاهد أن الحديث هو بهذه الكيفية، حماد بن سلمة أخطأ هنا قطعاً وهذا كلام أبي حاتم وكلام الحفاظ؛ لأنه خالف جماعات كثيرة هنا، يبقى الترجيح، فأكثر أهل العلم يرجحون ابن أبي عتيق عن أبيه عن عائشة، وهو الذي في السنن؛ لأن لهذا الحديث أصلاً من رواية ابن إسحاق عن ابن أبي عتيق. والبيهقي جعل هناك مجالاً لتصحيح هذا أيضاً، فيقول: الحديث مروي من طريق القاسم ومروي من طريق ابن أبي عتيق، وابن أبي عتيق مرة يرويها عن القاسم عن عائشة ومرة يرويها عن أبيه عن عائشة، ولكل الروايتين من ابن أبي عتيق سند أو أصل، فهنا أصل ابن أبي عتيق من محمد بن إسحاق، وأصله في القاسم من داود بن الحصين، وضحت المسألة. أما أبو حاتم فجعل الخطأ إما أن يكون من حماد لأنه المتفرد الأخير، أو يكون من ابن أبي عتيق لأنه لمح أن ابن أبي عتيق له اختلاف عليه.

الخلاف على الراوي أحياناً يكون الخطأ من الراوي نفسه، وأحياناً يكون الخطأ من المختلفين عليه، وهذه مسألة تحتاج إلى شرح مطول والوقت لا يسعفنا. لكن إذا كان المختلفون على الراوي جماعات، بمعنى أنه رواه عنه ثلاثة هنا وثلاثة هنا وأربعة هنا وكلهم من الثقات، فهذا يدلنا على أن الخلاف من الراوي نفسه، الاختلاف من الراوي، فقد يكون كلا الطريقين صحيح، والراوي مرة يرويه هنا ومرة يرويه هنا، وعنده إسنادان في الحديث، وقد يكون أحد الطريقين صواب والآخر غلط، فرواه مرة على صواب ومرة رواه لآخرين على الخطأ ثم رجع عنه، وضحت؟ فإن كان المختلف على الراوي عدد قليل واحد وواحد، يعني اختلف على الراوي رجلان أحدهما قال كيت والآخر قال كيت، فقد يكون الخطأ من الراوي؛ هذان الثقتان سمعا ما سمعا وقد يكون الخطأ من أحدهما، أما إذا كان الخلاف بين مجموعة وواحد ففي الغالب أن الخطأ مع الواحد، إلا أن يكون هناك قرينة دالة على أن الراوي المنفرد أو الشيخ المختلف عليه قد روى الرواية هكذا وهكذا كما حصل في بعض المواطن.

إذا كان الخلاف بين اثنين واثنين هذه المسألة محتملة جداً، وأحياناً إذا كان المخالفون ثلاثة وثلاثة قد يكون الخطأ من هؤلاء الثلاثة لم ينتبهوا للشيخ، خصوصاً في الأحاديث التي فيها مرفوع وموقوف. يكون الشيخ مثلاً حدث بحديث كامل، بعض الحديث موقوف وبعضه مرسل، فيقول مثلاً: حديث ابن عمر لا يلبس المحرم القلانس ولا البرانس ولا القمص، ثم في نهاية الحديث قال: ولا تنتقب المحرمة ولا تلبس القفازين، فبعضهم قد يسمع الحديث من ابن عمر كاملاً أو من نافع كاملاً ويظن أنه كله مرفوع، فيرويه مرفوعاً كما رواه الليث وغيره وجويرية بن أسماء، وبعضهم قد يسمع الحديث موقوفاً فيرويه كاملاً موقوفاً كما رواه غير واحد، وبعضهم تجده رفع بعضه ووقف بعضه، فسمع من نافع يرفع الحديث إلى أن جاء إلى «ولا تنتقب المرأة ولا تلبس القفازين» فقال نافع وقال ابن عمر، فالآخرون الذين رفعوا لم ينتبهوا لهذه الكلمة أو أن ابن عمر قالها من عند نفسه فرفعوا كل الحديث، بينما مالك وقف هذه الجملة: ولا تنتقب المرأة ولا تلبس القفازين، وهكذا عبيد الله العمري، وهذا في صحيح البخاري أيضاً، وقفها عبيد الله العمري هذه الجزئية.

فهذا الذي فرق بين المرفوع والموقوف عنده مزيد ضبط ومزيد علم ومزيد انتباه، فهنا ممكن أن نخطئ مجموعة؛ إما أنهم ما انتبهوا للشيخ أو أن الشيخ ما وضح الموقوف من المرفوع كما ينبغي، فقط في مثل هذه الجزئية ممكن نخطئ مجموعة، أما أننا نأتي إلى مجموعتين مختلفتين ونخطئ واحدة ونصوب واحدة والخطأ قد يكون من الشيخ نفسه، هذا ما لا نعهده في الروايات أن جماعة ننسب إليهم الغلط. وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.