يرجحون حماداً على ابن علية في أيوب، ويقولون: حماد هو الأول، وهو من الأئمة الكبار. حماد بن زيد إمام من أئمة المسلمين، وابن علية أيضاً من أئمة المسلمين، ومن النقاد من يرجح ابن علية على حماد. إذا وجدنا أن هناك ترجيحاً بين النقاد، وأكثرهم يرجحون حماد بن زيد؛ ففي هذه الرواية ابن علية يقول: عن أيوب، ويوافق الجماعة. أما حماد فقد وجدنا عليه اختلافاً، فيحيى بن حسان ثقة يرويه عن حماد مع الجماعة، وهنا رجلان حافظان يرويانه عن حماد بوجود واسطة؛ فرواية هذين الحافظين عن حماد أرجح من رواية يحيى بن حسان، لأنه ليس في الثقة كهؤلاء، وإيجاد رجل واسطة صعب أن الواحد يحفظه؛ فالذي زاد الرجل يكون أكثر تيقناً، فمعناه أن رواية حماد عن أيوب هي الصواب.
إذا نحن رجحنا الآن بين الروايتين عن حماد، وقلنا: يحيى بن حسان ما نفعل فيها؟ كأنها لا وجود لها؛ إذاً رواية حماد الصواب هي هذه الرواية. ها هنا تحصلنا إلى أن أيوب اختلف عليه؛ حماد بن زيد يروي عن أيوب بواسطة، وابن علية وأبو عمير الحارث بن عمير يرويان عن أيوب بلا واسطة. أيهما المقدم؟ الأمر محتمل؛ أولاً هنا ثقتان، وابن علية يقارن بحماد، وحماد يروي عن أيوب بواسطة، ووجود الواسطة تدل على أنه أكثر حفظاً وأكثر تيقظاً، لكن وجود اثنين هنا يجعل أن روايتهم عن أيوب أقوى من رواية حماد.
ممكن الآن نقارن بين رواية أيوب فقط، الخلاف على أيوب؛ رواية الواسطة ما الذي يرجحها؟ زيادة رجل، لأن زيادة الرجل أصعب في الحفظ. ثانياً: أن حماداً من المقدمين في أيوب، إذاً عندنا قرينتان تقريباً. طيب لو أردنا مرجحات عدم الواسطة، ما هي؟ الكثرة مع الثقة؛ ابن علية يوازن بحماد، ووافقه على روايته أبو عمير، فهنا الكثرة مع الثقة. حماد مطلقاً في أيوب من الأئمة الكبار؛ في زمنه جاء أهل الكوفة إلى أهل البصرة وقالوا: ائتوا بأي راو من رواتكم يقارن برواتنا، لكن استبعدوا ابن علية، قالوا: هذا لا يدخل في السباق، فهو رجل حافظ قوي جداً، وهو إمام، لكنه أكبر سناً، يقارن بمالك وبسفيان الثوري؛ فهو مقامه من حيث العلو في الإمامة أكبر، لكن الإتقان ليس بسهل.
قلنا الكثرة مع الثقة، ومتابعة هؤلاء الجماعة؛ إذاً عندنا تذبذب في رواية أيوب: هل الصواب عن أيوب هذه الرواية، أو الصواب هذه الرواية؟ وقد نقول بأن أيوب قد سمعه من ابن سيرين على وجهين، وهذا مما سنصل إليه في النهاية فيما أعتقد.
معي انتهينا من أيوب، نأتي إلى من اختلف عليه، وهو جرير الذي اختلف عليه، هنا جرير في دائرة خضراء؛ روايته عن ابن سيرين عن رجل موافقة لرواية حماد عن أيوب، من رواية عفان بن مسلم وأسود بن عامر، وهذان ثقتان جبلان. وهنا رواية جرير من طريق أبي نعيم الفضل بن دكين وأبي غسان مالك بن إسماعيل، وهذان أيضاً جبلان؛ خصوصاً أبو نعيم، ذكرنا لكم قصة له مع والي الكوفة، وكان الإمام أحمد يعظمه جداً لموقفه في المحنة، لأنه قطع زره وألقاه بين يدي والي الكوفة وقال: إن نفسي عندي أهون من هذا الذي سقط بين يديك، ولقد أدركت سبعين ممن أدرك أصحاب رسول الله ﷺ كلهم يقولون: القرآن كلام الله غير مخلوق.
وقد أدرك من شيوخ سفيان الثوري ما يزيد على المئة، وكان متقناً جداً، حتى إن الإمام أحمد ربما فضله على وكيع بن الجراح؛ فليس من حيث كثرة الحديث وكيع يعدله، لكن أبا نعيم أقل خطأ منهم جميعاً. وله قصة في إتقانه: أن الإمام أحمد رحل هو ويحيى بن معين إلى عبد الرزاق الصنعاني، ومعهم أحمد بن منصور الرمادي، فلما رجعوا قال يحيى بن معين للإمام أحمد: دعنا نمر على أبي نعيم الفضل بن دكين في الكوفة نختبره. قال: الرجل ثقة، قال: لا بد من اختباره، فكتب جزءاً في ثلاثين حديثاً؛ عشرة أحاديث من حديث أبي نعيم والعاشر ليس من حديثه أدخله عليه، والعشرة الثانية من حديثه إلا رقم عشرين ليس من حديثه أدخله عليه، والثلاثون أدخله عليه، فصاروا ثلاثة أحاديث.
طرقوا عليه الباب، فخرج من البيت وجلس على الدكان، وجلس أحمد عن يمينه، وابن معين عن شماله، ومعهم الجزء، والرمادي جلس في الأسفل، فقرأ العشرة الأولى، فلما قرأ العاشر قال: اضرب عليه فليس من حديثي؛ هذا يسمونه العرض على الشيخ، يظن أنهم يعرضون عليه شيئاً سمعوه منه، هم سمعوه منه لكن العاشر ليس من حديثه. فلما قرأ رقم عشرين قال: اضرب عليه فليس من حديثي، يعني الإدخال هذا ما عدى عليه. فلما قرأ رقم ثلاثين، تلون وجه أبي نعيم لأنه عرف أن المسألة فيها حيلة وأن هنا اختباراً، فأخذ بيد الإمام أحمد والرمادي وقال: أما هذا فأورع من أن يفعل هذا، وأشار إلي وقال: وأما هذا فأدنى من أن يفعل هذا؛ يعني هذا شيء محبوك دقيق جداً شغل ناس معتلين، قال: وما أراه إلا من فعلك يا فاعل، وأخرج رجله ورفسه من الدكان وأسقطه، وكانوا على دكة، ودخل مغضباً.
قال الإمام أحمد: ألم أقل لك إن الرجل ثقة؟ قال: والله لرفسته عندي أحب إلي من الذهاب إلى اليمن، كانوا راجعين من رحلة إلى عبد الرزاق اليمن؛ لأنه بهذا الاختبار وبهذه الرفسة ثبت أن هذا الرجل متقن، فهنا جبل وثقة يرويان عن جرير كما رواه الجماعة، وهنا عن جرير كما رواه أيوب، فمعناه جرير حدث بهذا الطريق وحدث بهذا الطريق، لأن هذين لا يمكن أن يخطئا؛ إذا أخطأ واحد منهما لا يخطئ الثاني معه، وهكذا عفان وأسود كلاهما بمقام أبي نعيم، إذاً عندنا جرير أيضاً.
أيوب مختلف فيه، ابن عون مختلف فيه؛ ابن عون وهو من الطبقة العليا من تلاميذ ابن سيرين، عندنا إذن تلاميذ ابن سيرين أول طبقة: أيوب وابن عون ويونس؛ يونس مع الجماعة، وأيوب مختلف فيه، وابن عون مختلف فيه. ابن عون ماذا روى؟ روى عنه يزيد عن ابن سيرين عن عمرو كما رواه الجماعة، وروى عنه سليم بن أخضر عن ابن عون عن ابن سيرين عن عمرو بن وهب عن رجل عن المغيرة، يعني جعل الواسطة بعد عمرو، وسليم بن أخضر هو من أخص أصحابه وأتقنهم عنه، ويزيد إمام لكن هذا أخص بابن عون منه؛ فهنا أيضاً خلاف على عبد الله بن عون.
أيهما المقدم؟ محتمل، وقد يقدم هذا لسببين: الأول أنه المختص به، والثاني أنه زاد رجلاً. بعد هذا العرض الذي سمعتموه عن المختلف عليهم، طبعاً هنا جماعة من الضعفاء لا يُؤبه لهم؛ حسام بن مصك، وأبو السليل الأنصاري، وعبد الأعلى بن المساور، هؤلاء كلهم ضعفاء؛ والدليل على ضعفهم أنهم يروون عن النازلين عن المغيرة مباشرة، أسقطوا الرجال كلهم، فهؤلاء وجودهم وعدمهم سواء، نبقى في هؤلاء، ما رأيكم أنتم؟ ماذا نرجح؟ هل نرجح هذه الرواية الذي عليها جمهور؟ لأن هؤلاء ومعهم بعض المختلفين عن ابن سيرين لا يمكن أن يخطئوا على ابن سيرين، لو أخطأ واحد معقول، معناه أن ابن سيرين هذه الرواية عن عمرو بن وهب عن المغيرة بن شعبة قطعاً وجزماً أنه قالها، لكثرة من روى عنه على هذا الوجه.
لكن هل رواية الآخرين صواب؟ هل ابن سيرين روى مرة وبين الواسطة؟ ابن سيرين ليس مدلساً، إن أسقط واسطة فقد يكون من باب الإرسال لم ينشط؛ فأيهما المرجح؟ هل نقول إن ابن سيرين مرة روى بدون الواسطة لثقته بها، أما لأنه شيخه فيثق به، أو لأنه رأى إسقاطه لا إشكال فيه؟ أو أن هؤلاء الذين ذكروا الرجل أخطأوا؟ فإن أخطأوا فما المسوغ لخطئهم؟ كيف أخطأوا في زيادة رجل؟ لو أنه طريق واحد زاد فيه رجل سنقبل، لكن عندنا ابن سيرين، جرير، وعندنا أيوب في بعض الروايات عنه، وعندنا ابن عون في رواية سليم؛ يعني وجود هذا الرجل لا يمكن أن يكون اعتباطاً مع وجود هذه الخلافات، أفي الرواية مشكلة؟ ولا ما هي مشكلة؟ مشكلة جداً، ولذلك الدارقطني ماذا رجح؟ رواية الجماعة.
نعم، أيوب وجرير هنا استقروا، وهنا بقى ابن عون؛ ابن عون معهم، لكن الفرق بينهم وبين هذه الرواية أن هذا زاد رجلاً، وهذا زاد رجلاً، فوجود رجل موجود، كأنهم توافقوا في وجود رجل وإن كانوا اختلفوا في موضعه؛ فهنا ثلاث روايات: ابن عون وأيوب وجرير، وابن عون من أصحاب ابن سيرين المتقنين، وأيوب من أصحاب ابن سيرين المتقنين. وجرير أنا أعطيكم شيئاً يا عم جرير؛ نحن ما عندنا مشكلة في أن الجماعة رووا هذه الرواية، وأن هذه الرواية ثابتة عن ابن سيرين قطعاً وجزماً أن ابن سيرين قال: عن عمرو بن وهب عن المغيرة بن شعبة، لكن هل صواب الرواية عن ابن سيرين أن هناك واسطة لم يبينها ابن سيرين لهؤلاء الجماعة بدليل هذه الروايات؟ أو أن هؤلاء أخطأوا؟
هل يمكن أن يخطئوا؟ هؤلاء ثلاث روايات في إضافة رجل، صعب، أليس كذلك؟ طيب ما الوجه في الخطأ لو قلنا نحن نريد أن نتعسف نبحث عن خطأ؟ أنا أقول لكم هناك وجه واحد، وإن كان في ضعف هذا الرجل، عمرو بن وهب الثقفي، وثقه النسائي ووثقه أيضاً ابن سعد والعجلي، قالوا إنه تابعي لكن لا يروي عنه إلا ابن سيرين، غير معروف. توثيق هؤلاء لهذا الرجل مبني على دراية؟ بحثوا؛ لم يشاهدوه قطعاً، ابن سعد توفي سنة مئتين وثلاثين، النسائي ثلاثمئة وثلاثة، العجلي متأخر، رسائلك تكون متشددة؛ بس نحن نريد أن نحاسب الشخص على من أين أتى بهذا التوثيق؟ إذا كان لا يعرف إلا عن ابن سيرين، ابن سيرين هو الوحيد الذي روى عنه، وربما لا يوجد له رواية إلا هذه، فكيف عرفوا ثقته؟ لأنه وافق الناس في المسح؛ المغيرة معروف أنه عنده حديث عن المسح، روى عنها أكثر من عشرة أشخاص، ومسلم عد عمرو بن وهب في الرواة عن المغيرة في التمييز.
وهو يذكر خلاف هزيل بن شراحيل عن المغيرة لما قال: يمسح على الجوربين والنعلين، أو على الجوربين، قال: كل من روى عن المغيرة خالفه، وعدد الناس الرواة عن المغيرة، ثم عدد منهم عمرو بن وهب. لكن في الحقيقة أنا ما راجعت إلا ترجمته جيداً؛ كان بودي أني أرجع، والمفروض أني أرجع الآن حتى نتوثق من الذي أريد أن أقوله. ماذا أريد أن أقول؟ إذا كان هذا الرجل ليس معروفاً، معناه أن هؤلاء الرواة لا يعرفونه، أليس كذلك؟ لأنه غير معروف، يعرفون أن شيخهم ابن سيرين روى عن رجل، فيمكن أنهم، الرجل يكون هو هو، لأنه هنا سقط بينه وبين، ومسح هناك سقط بينه وبين المغيرة، يمكن أنهم لأنهم ما عرفوا هذا الرجل قالوه توهماً، أو اضطربوا فيه، فقالوا عن عمرو بن وهب عن رجل، وهو هو الرجل الذي يروي عنهم، والدليل أن هؤلاء الذين ذكروا الرجل كلهم مختلف عليهم.
جرير مرة يرويها عن رجل ومرة يرويها مع الجماعة، فهل الإشكال للرجل جاء من جرير؟ وقد يكون جرير قلد شخصاً، لأن جريراً كان يهاب أيوب، فإذا روى رواية وعلم أن أيوب خالفه وهو فقيه، واضح؟ فهنا يمكن أن يقرب رواية هذا إلى رواية هذا. ابن عون الإمام، ولذلك ابن عون جعل الرجل بعد عمرو بن وهب هو نفس الرجل، لم يجعله بعد ابن سيرين. ولذلك أبو زرعة الرازي رجح رواية ابن عون أولاً لأن فيها زيادة رجل، ثانياً لأن ابن عون من أوثق أصحابه، والراوي عنه من أوثق أصحاب ابن عون في آخر كلامه. لكن هذا الخطأ؛ كون الرجل المقصود به عمرو بن وهب، هل بسهولة يقع؟ فيه صعوبة، وبالتالي هذه الرواية فيها إشكال كبير جداً، أن يكون هؤلاء أخطأوا؛ نسبة الخطأ إليهم فيه صعوبة، إيجاد رجل ويكون هذا هو الثابت، وهذا الذي هو مال إليه الدارقطني رحمة الله عليه، والبخاري أورده.
في كتابه القراءة خلف الإمام أورد رواية إسماعيل بن علية عن أيوب هذه الرواية، وروى رواية إسماعيل بن علية جماهير غفيرة، يمكن أكثر من عشرة من الأئمة الكبار كأحمد وابن أبي شيبة وغيرهم. وإيرادهم لهذه الرواية في كتبهم يدل على ترجيحهم لهذا الطريق، لأنه لو كان هناك رجل لأشاروا إلى ذلك؛ هذا احتمال، واحتمال أن يكونوا تساهلوا ولأنهم لم يشترطوا الصحة. لكن الصحيح: لماذا لم يوجدوا مثل هذه الرواية في الصحيحين إذا كانت ثابتة؟
طبعاً هذا وثقه جماعة، وروى عنه ابن سيرين وهو جبل، لا يروي إلا عن الثقات وهو الذي يقول: «فلما وقعت الفتنة قلنا سموا لنا رجالكم»، فهو لا يروي إلا عن ثقة. ربما هذا الذي حمل النسائي وغيره على توثيق عمرو بن وهب. هل نقول إن صاحب الصحيح أعرض عن رواية ابن سيرين عن عمرو بن وهب لأجل هذا الاختلاف؟ هذا ممكن، وهناك احتمال آخر أنهما أعرضا عنه لأنه لا يعرف بالرواية عنه إلا ابن سيرين، رجل واحد؛ فيعتبر في حد المجهول. وأنا عندي تشكك في هذا الرجل، لأنهم يقولون إنه تابعي وأنا أظن أنه صحابي، والله أعلم. يحتاج إلى مزيد بحث، وأرجو أن تبحثوا عنه في السيرة لأني أذكر أنه مر علي مثل هذا الرجل. فإن كان صحابياً زال الإشكال من هنا وزال الإشكال من هنا. إن كان هذا الصحابي يروي عن رجل، فالصحابي لا يروي إلا عن صحابي في الغالب أو عن ثقة، وإن كان الراوي عن رجل ابن سيرين ومن بعده صحابة، فهذا الرجل من ثقة أصحاب ابن سيرين أيضاً أبو عبد الله ولم نعرفه.
ولذلك تجد كثير من الأئمة أوردوا هذا الحديث على أنه حديث صحيح، يعني يريد أن يقول المغيرة بن شعبة حدث عنه فلان وفلان وفلان. والبخاري أورده في كتابه القراءة خلف الإمام لأجل بعض تفاصيل الحديث. الحديث طويل، وهو الحديث المشهور الذي فيه أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى خلف عبد الرحمن بن عوف في غزوة تبوك، وفيه أن المغيرة بن شعبة ذهب، وأن النبي صلى الله عليه وسلم أخرج يده من تحت الجبة، وفيه أنه مسح بناصيته؛ أظنه هو الذي تفرد بهذا وقبله بعض العلماء أنه النبي صلى الله عليه وسلم مسح بناصيته وعلى العمامة. هذا ما عندي في هذا الحديث، وهو حديث مشكل يحتمل أن يكون الصواب مع هؤلاء الجماعة، ومرجحات روايتهم أنهم جماعة، والجماعة أولى بالحفظ من الواحد المنفرد أو الأقل عدداً، فيكون هؤلاء أخطأوا. حماد بن زيد في آخر الأمر صار يخطئ على أيوب، فقد يكون هنا أخطأ على أيوب في إحدى الروايات بدليل أنه هنا روى عنه يحيى بن حسان على وفق الجماعة.
جرير بن حازم أيضاً ليس من أهل الإتقان جداً، وقد أخطأ في أخطاء وأحياناً يهاب أيوب في روايته. بقينا في ابن عون، وابن عون قد روي عنه من وجهين، فقد يكون سليم هذا أخطأ على ابن عون وإن كان من أصدق أصحابه، لكنه هنا أخطأ وزاد رجلاً، وهذا فيه شيء من الضعف لكن محتمل إذا كانوا ما يعرفون عمرو بن وهب فقد يظن أن عمرو بن وهب خلفه رجل، بدليل أن ابن عون روى عنه يزيد بن هارون هنا على وفق الجماعة. فوجود الخلاف على من أوجدوا الواسطة، كل من أوجد الواسطة بين ابن سيرين وعمرو بن وهب أو بين عمرو بن وهب والمغيرة بن شعبة، كل من رووا الواسطة روي عنهم خلاف ما رأوا، وهذا يدل على ضعف روايتهم أو أنها ليست نقية. فهذا يرجح ما رجحه الدارقطني أن الصواب مع هشام وقتادة، خصوصاً أن رواية هشام وعفنة بجميلة يرويها ابن المبارك، ورواية يونس يرويها هشيم، وكلها فيها التصريح بالسماع بين ابن سيرين وعمرو بن وهب وبين عمرو بن وهب والمغيرة بن شعبة.
هذه هي مرجحات رواية الجماعة. مرجحات رواية الآخرين أنهم أيضاً جماعة: جرير وأيوب وابن عون، وأيوب وابن عون من أوثق أصحاب ابن سيرين، وزيادة رجل في الإسناد ليس بالأمر الهين بالحفظ، ولا يكون إلا عن تثبت، فيدل على أنهم أبصروا بحديث ابن سيرين من كل هؤلاء؛ يعني هؤلاء إنما سمعوا من ابن سيرين وجهاً واحداً، وهؤلاء سمعوا منه أكثر من وجه، فرواه على الوجه الذي رواه الجماعة ورووه بالوجه الآخر الذي يبرزه ابن سيرين أحياناً. فيكون الرواية الصحيحة عن ابن سيرين هي إثبات رجل، ويكون ينشط أحياناً فيثبت هو ويكسل أحياناً فلا يثبت، فلكل وجه من الروايتين وجه في الترجيح، ولذلك اختلف الأئمة الكبار؛ فأبو زرعة رجح رواية سليم عن ابن عون، والدارقطني رجح رواية الجماعة عن ابن سيرين. وضحت هذه الرواية وما فيها من الإشكالات إن شاء الله. حفظنا الله وإياكم، وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
د. سعيد المري