ماذا نستوحي من كلام المؤلف؟ قال: الناس يروونه هكذا؛ الناس يروونه عن ابن ثوبان عن النبي صلى الله عليه وسلم مرسلاً. نفهم من كلامه أن هذه الرواية المرسلة أكثر من هذه الرواية، صحيح؟
بالرجوع إلى المصادر، نجد هنا المحشي ماذا قال في الرواية؟ قال: رواية عبد الرحمن بن إبراهيم دحيم، أخرجها ابن ماجة، والطحاوي في شرح معاني الآثار، والبيهقي في الخلافيات، وابن عبد البر في التمهيد. ورواها الشافعي في الأم عن عبد الله بن نافع، ومن طريق الشافعي رواها البيهقي في السنن الكبرى. الشافعي وافق دحيماً ولا لا؟ نفهم منها أن الشافعي يوافق دحيماً. ورواها ابن ماجة من طريق معن بن عيسى عن ابن أبي ذئب، يعني هناك موافقة لعبد الله بن نافع؛ إذاً دحيم هنا متابع معه جماعة، معه الشافعي، ودحيم يكفي أن يرويه عن عبد الله بن نافع لثقة دحيم، أيضاً ابن أبي ذئب رواه عنه معن بن عيسى متصلاً.
إذا هذه الروايات التي عندنا، ثبوتُه عن ابن أبي ذئب هذا يكاد يكون ثابتاً معن بن عيسى وعبد الله بن نافع. ابن ماجة رواه من طريق معن بن عيسى، وابن ماجة رواه عن إبراهيم بن المنذر، وممكن نشوف إبراهيم بن المنذر ما درجته؟ وكذلك معن بن عيسى. نحن الآن نحتاج أن نعرف درجة هؤلاء الناس؛ معن بن عيسى وعبد الله بن نافع. إذا انتهينا من الموضوع، هذا الرجل ثقة وهذا الرجل ثقة، لكن هذا أنزل من حيث الثقة من هذا، وكلاهما يرويان عن النبي.
ننظر في الرواية الثانية التي قال فيها أبو حاتم: الناس يروونه عن محمد بن عبد الرحمن عن النبي صلى الله عليه وسلم مرسلاً. في اثنين رووا عن ابن أبي ذئب، نفس الرواية. نريد أن نعرف محمد بن عبد الرحمن بن أبي ذئب؛ هذا ما اسمه؟ عرفنا المعلومات التي عندنا؛ موجود عندنا رواية مسندة ورواية مرسلة، والخلاف على ابن أبي ذئب.
أبو حاتم ماذا قال لنا؟ قال لنا: الناس يروونه. الناس يروونه عن هذا الرجل مرسلاً. نستفيد من كلمة الناس أن الأكثر هنا، ونحن بحثنا ما وجدنا إلا رجلين ضد رجلين. ما معنى هذا؟ يعني هناك أكثر، وأبو حاتم يكفينا أن يقول: لا يصح هذا، الحفاظ يروونه كذا. البخاري قال: لا يصح المتصل، المرسل أصح. لما قال الناس يروونه هكذا، يدل على أن هناك غير هذين الاثنين، أو أن المعنى أهل الحديث؛ لازم مخالفة الشخص المختلف عليه ابن أبي ذئب هنا لا بد أن يكون هو المقصود، الناس يروونه عن ابن أبي ذئب مرسلاً لا متصلاً، الذي كنا مفروض أن الناس اهتموا بالرواية.
ممكن يكون هناك روايات غير هذه، يمكن. قلت لكم أنا، هناك روايات يكرهها أهل الحديث؛ الموقوفات والمراسيل، ولا يهتمون بكتابتها ولا يدونونها. هذه الرواية يمكن ما تجدونها. أهل الحديث الموقوف، المرسل، المنقطع، أو المقطوع؛ نادراً ما يكتبونه. يكتبه ناس منهم لكن لا يحبون كتابته، صار عندهم سائد في العصور المتأخرة المسند المتصل الصحيح، كتبهم مسند؛ ما معنى مسند؟ يعني أشياء متصلة. السنن؛ ما معنى السنن؟ النبي صلى الله عليه وسلم المرفوع. فاهتمامهم كله بماذا؟ بالمرفوع المتصل. فلما قال لك الناس يروونه معناه أن في غير هؤلاء لكن ما دُوّن، دل عليه كلام هذا الإمام وغيره من الأئمة.
وعلى فرض أنه لا يوجد إلا هذين، أيهما أصح؟ هذا أو هذا؟ طبعاً على طريقة الفقهاء يقولون: الواصل عنده زيادة ثقة، والحكم لمن زاد. اثنان زادوا واثنان لا بأس بهم، لكن هذا الرجل فيه شيء من الضعف، وهذا ثقة، وهذا أوثق منهم كلهم لأن روايته في الصحيحين، وهذا أيضاً ثقة جبل. فهذان الرجلان ربما أوثق من هذين.
ما المرجحات لترجيح هذه الرواية على هذه الرواية؟ هنا ممكن يقول بعض أهل الحديث المتأخرين: زيادة ثقة. ممكن أن جابراً هذه زيادة ثقة، لكن هل أهل الحديث يحبون الموصول ولا يحبون المرسل؟ يحبون الموصول، فلو وجد زيادة لجابر لكان هذا أولى به، ولما قصر به ابن أبي ذئب.
أزيدك أيضاً مسألة، مما يرجح هذا أن هذا الحديث غير مرغوب به ومع ذلك رواه؛ غير مرغوب فيه لإرساله، ومع ذلك رواه. ومما يضعف هذه الرواية أن محمد بن عبد الرحمن بن أبي ذئب يروي عن جابر، يعني له عدة روايات عن جابر بن ثوبان، فقد يكون هذان سلكا الجادة هنا. وضحت المسألة؟ محمد بن عبد الرحمن بن أبي ذئب عن جابر له روايات؛ يعني قد نقول الجادة، ولأن الروايات ليست كثيرة. هو أصلاً نحن ما اطلعنا على الروايات، لسنا حفاظاً، لكن وأنا جالس هنا حاولت أن أخرج روايته، محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان القرشي عن أبو عبد الله المدني عن جابر، حديث واحد، اثنين، ثلاثة، أربعة، خمسة، ستة، سبعة؛ هذه في الكتب الستة، يعني عنده عدد من الروايات فقد يكون وهم، وهذان الرجلان ذهبا إلى أن الرواية خصوصاً أن ابن أبي ذئب هذا يروي عن ابن ثوبان، في روايات محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان من طريق يحيى بن أبي كثير. فكأن هذين مثلاً لما سمعوا عبد الرحمن بن ثوبان تذكروا أنه يروي عن جابر فوضعوا جابراً. قد يكون هذا أخطأ وهذا تبعه، أو العكس.
وقد يكون هناك أناس غير هذين، فيتأكد الخطأ، وهذا الذي جعل الأئمة يقولون: الناس يروونه. نحن لم نقف على هذه الروايات. قد يقول قائل: طيب لا يوجد هناك روايات إلا هذه؟ نقول: نعم، المراسيل والموقوفات أحياناً لا تكتب فلا تصل إلينا، أما المرفوع المتصل فلا بد أن يصل إلينا. ولا نعتمد على قول أنه قد يكون موجوداً ولم يصل إلينا، لكن هذا نقول: قد يكون موجوداً لماذا؟ لأمور؛ أولاً هو مرسل فليس مرغوباً فيه مما نعلمه من كلام المحدثين ومن طريقتهم. الأمر الثاني أن الأئمة يذكرون أن الناس يروونه مرسلاً، فقولهم الناس يقتضي أن هناك غير هذين الرجلين.
د. سعيد المري