سفيان الثوري يروي لنا رواية عن سعيد بن جبير. ما مفاد الرواية؟ سفيان يروي عن أبي هاشم عن سعيد بن جبير في غسل الثياب. ابن أبي شيبة أوردها في باب دجاجة ماتت في بئر؛ قال: تعاد منها الصلاة وتغسل الثياب. وهناك رواية أخرى عن أبي هاشم أنه سأل سعيد بن جبير عن الرجل يرى في ثوبه الأذى وقد صلى، فقال: اقرأ علي الآية التي فيها غسل الثوب.
يبدو لي أن سعيد بن جبير يتهكم بالسؤال، كأنه يقول: لا تجب إعادة الصلاة؛ لأنه لا توجد آية تأمر بغسل الثوب. هو ينقل عن سعيد بن جبير أنه لا يرى غسل الثوب أو لا يرى إعادة الصلاة لمن صلى بثوب فيه أذى أو نجاسة، مع أن قوله تعالى: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ [المدثر: 4] قد يقتضي الإعادة عند البعض، لكن السياق هنا يشير إلى عدم الإعادة. الأثر مجتزأ جداً وغير مفهوم تماماً.
الآن السؤال عن أبي هاشم، كيف نستطيع أن نعرف من هو؟ إذا كان الأئمة متذبذبين، فما الذي جعلهم يتذبذبون فيه؟ دعونا نترك كلام الأئمة وننظر في المعطيات للترجيح. هل هو هذا الراوي أم ذاك؟ انظروا إلى حاله، هل هو إمام؟ هل هو ثقة؟ وهل فيه تدليس؟
هذا الرجل إمام وعلم، لكنه يدلس. عندما قال سفيان: أبو هاشم، هل أراد الشخص المشهور بكنيته؟ لو كان سفيان يروي عن إسماعيل بن كثير لقال: إسماعيل بن كثير؛ لأن ذلك يجعل الإسناد أقوى. ومن هنا جاءت أجوبة الأئمة؛ قال أبو حاتم: هو إسماعيل بن كثير المكي، وليس أبا هاشم الرماني. وأبو زرعة قال: الذي عندي أنه الرماني.
ابن أبي حاتم قال: رواه محمد بن كثير عن الثوري فقال: إسماعيل بن كثير. فكأنه يرجح ما قاله أبوه أبو حاتم. فقال أبو زرعة: إن حفظ محمد بن كثير عن الثوري قوله إسماعيل بن كثير فهو كما يقول. فهذا يدلنا على قوة أبي حاتم، وأن أبا زرعة تراجع في كونه الرماني.
هذا يدلنا على أن الثوري يعرف منزلة الرجل، وقد يكون تعمّد الإبهام؛ فإما أن الرجل كان فيه شيء من الضعف، أو لأنه من نفس طبقته، أو لأمور دقيقة اطلع عليها البخاري وأمثاله فأعرضوا عنه. الثوري أعرف الناس بشيوخه، وإذا عمّم أمرهم فذلك مما يدل على استضعافه له. انتهينا من الحديث.
د. سعيد المري