دخولتسجيل الدخول

الدرس 12

سعيد المريد. سعيد المري
  • مدة الدرس:
  • قراءة

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، سيدنا محمد ﷺ وعلى آله وأصحابه أجمعين.

يقول المؤلف هنا ابن أبي حاتم: «وسألت أبي وأبا زرعة عن حديث رواه الثوري وشريك عن الأعمش عن الحكم بن عتيبة عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن بلال عن النبي ﷺ في المسح على الخفين». قال: «ورواه أيضًا عيسى بن يونس وأبو معاوية الضرير وابن نمير عن الأعمش عن الحكم بن عتيبة عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن كعب بن عجرة عن بلال عن النبي ﷺ». قال: «ورواه زائدة عن الأعمش عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن البراء بن عازب عن بلال عن النبي ﷺ».

قلت لهما: «هذا الصحيح؟». قال أبي: «الصحيح من حديث الأعمش هنا»، الأعمش معناه مختلف عليه. قال: «الصحيح من حديث الأعمش عن الحكم عن ابن أبي ليلى عن بلال»، يعني هذا الذي يرويه شريك والثوري لا كعب. قلت لأبي: «فمن غير حديث الأعمش؟».

هنا إسناد آخر لم نكتبه. الآن السؤال مرة أخرى: قال سألت أبي وأبا زرعة عن حديث رواه الثوري وشريك عن الأعمش عن الحكم بن عتيبة عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن بلال مباشرة، وهناك من يرويه عن الأعمش لكن أدخل وهم ثلاثة: عيسى بن يونس وأبو معاوية وابن نمير. قال: «ورواه أيضًا عيسى بن يونس وأبو معاوية وابن نمير عن الأعمش عن الحكم بن عتيبة عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن كعب بن عجرة»، يعني أدخلوا بين ابن أبي ليلى وبين بلال من؟ كعب بن عجرة.

قلت لهما: «فأي هذا الصحيح؟». هو السؤال عن من؟ عن حديث الأعمش. قال أبي: «الصحيح من حديث الأعمش عن الحكم عن ابن أبي ليلى عن بلال». قلت لأبي: «فمن غير حديث الأعمش؟». يعني الآن هذا حديث الأعمش هنا ثلاثة، هذا لا أدري هل ورد في السؤال؟ نعم، الطريق الثالث كأنهم لم يبالوا به. قال: «من غير حديث الأعمش؟»، قال: «من غير حديث الأعمش الصحيح هذا»، قال: «الصحيح ما يقول شعبة وأبان بن تغلب وزيد بن أبي أنيسة أيضًا عن الحكم عن ابن أبي ليلى عن بلال بلا كعب».

وقال أبي: «الثوري وشعبة أحفظهم». فين شعبة؟ هذا شعبة وشعبها يروي عن من؟ وأين الثوري؟ هذا الثوري يروي عن الأعمش. فهؤلاء أحفظ الناس، فمثلاً هؤلاء غلب جانب الثوري عليهم ويساعدهم شعبة، وهم أحفظ الناس، وقد اتفقوا على رواية الحديث عن الحكم بدون كعب، أحدهما عن الأعمش مخالفًا لأصحاب الأعمش، والآخر عن الحكم مباشرة.

قلت لأبي: «فإن ليث بن أبي سليم يحدث فيضطرب؟». هذا الحديث له طرق كثيرة لم نوردها لكن ليست مهمة جدًا. ماذا يقول؟ قال: «يحدث عنه يحيى بن يعلى عن الحكم عن ابن أبي ليلى عن كعب»، يحدثنا عن من؟ عن ليث. قال: «ورواه معتمر عن ليث»، قال: «قلت لأبي فإن ليث بن أبي سليم يحدث فيضطرب»، فيحدث عنه يحيى بن يعلى عن الحكم مباشرة، ليث عن الحكم عن ابن أبي ليلى عن كعب بن عجرة عن بلال، وزاد هنا عن بلال عن النبي ﷺ وأبي بكر وعمر، في زيادة عن ليث.

قال: «ورواه معتمر عن ليث عن الحكم، وحبيب بن أبي ثابت عن شريح بن هانئ عن بلال»، هنا جاء بشيء آخر مختلف. وقال أبو زرعة: «الصحيح حديث الأعمش عن الحكم عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن كعب بن عجرة عن بلال». قال أبي وأبو زرعة الآن، أبو حاتم ماذا يقول؟ الصحيح وين؟ ما رواه شعبة والثوري وأبو زرعة.

أبو زرعة قال: «الصحيح حديث الأعمش عن الحكم عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن كعب عن بلال». بالنسبة للرواية، أصح الروايات قال أبي وأبو زرعة: «ليث لا يشتغل به»، يعني ليث عنده تخليط لا يشتغل به، في حديثه مثل هذا كثير، هو مضطرب الحديث. قلت لأبي زرعة: «أليس شعبة؟». طبعًا أبو زرعة رجح ماذا؟ أبو زرعة رجح هذا الطريق، فقال له ابن أبي حاتم: «قلت لأبي زرعة أليس شعبة وأبان وزيد بن أبي أنيسة يقولون عن الحكم عن ابن أبي ليلى عن بلال بلا كعب؟». قال أبو زرعة: «الأعمش حافظ، وأبو معاوية ويونس وعيسى بن يونس وابن نمير وهؤلاء قد حفظوا عنه»، يعني هو حافظ وهؤلاء حفاظ وحفظوا عنه.

إذن عندنا زيادة ثقة أم لا؟ كأنه يرى أنها زيادة مقبولة. وشعبة يقول عن قتادة عن النظر، وين هذا؟ هذا حديث ثلاث عشر. قال: «الأعمش ومن غير حديث الأعمش»، يعني وين غير حديث الأعمش هذا؟ قال: «لا يشتغل به»، يقصد هنا من غير حديث الأعمش. قال: «ومن غير حديث الأعمش الصحيح عن ابن أبي ليلى عن بلال بلا كعب، ورواه منصور وشعبة وزيد بن أبي أنيسة وغير واحد». يعني هنا معهم منصور، نضع هنا أيضًا منصور، ومعهم أيضًا منصور وغير واحد، معناه هناك جماعة.

قال: «ورواه منصور وشعبة وزيد بن أبي وغير واحد»، إنما قلت من حديث الأعمش هنا كأنه تردد، يعني يرجح حديث الأعمش، والآن هنا يقول: «إنما قلت من حديث الأعمش»، يعني الصواب من حديث الأعمش ما رواه هؤلاء لا ما رواه الثوري وشريك. انتهينا من كلام أبي حاتم وكلام أبي زرعة.

الآن نبدأ نحن في التحليل. الآن أنتم ترون هذه الروايات، ليث بن أبي سليم قالوا لا يشتغل بها، صح؟ ننسى الرواية الأخرى تلك التي مروا عليها، لماذا؟ أكيد فيها خلل، لأنه هناك إسقاط للحكم وهناك البراءة أيضًا بالإسناد. إذا خرجت الحديث تجد أن زائدة معه شخص آخر، فقد يكون عند ابن أبي ليلى أكثر من سند، ما ردوا عليه، تكلموا كأنها مردودة، لأن الأعمش هنا روى عنه جماعات: الثوري وشريك وعيسى وأبو معاوية وابن نمير، كلهم يجعلونه من مسند الحكم، فإسقاط الحكم هنا دليل على أن زائدة هذا لم يضبط الرواية مع أنه من الثقات الكبار. أنت كطالب علم ماذا تحتاج هنا؟ كيف ستقارن؟ وماذا؟

يترتب على هذه المقارنة أولاً تحديد مكان الخلاف. الخلاف على من؟ هل الخلاف على ابن أبي ليلى؟ أنا أرى أن الاختلافات موجودة، لكن الخلاف على ابن أبي ليلى. لو كان الخلاف على ابن أبي ليلى ماذا سيقولون؟ سيقولون والله رواية الحكم أحسن من رواية حبيب. لكنهم قالوا: رواية الأعمش أصح، وبعضهم قال من غير رواية الأعمش، فالخلاف على من؟ على الأعمش أم على الحكم؟

هذا هو مدار الحديث، واضح؟ الحكم هنا والحكم هنا، فأسقط الحكم، لذلك لم يعرجوا عليه. إذن كل هؤلاء يتكلمون عن رواية من؟ هل قال الحكم كذا أو قال كذا؟ ما الذي قاله الحكم؟ لا بد أولاً تعيين موطن الخلاف، مدار الحديث. عيّنا مدار الحديث، هناك ناس مختلفون عن الحكم، وهناك ناس مختلفون على شخص آخر، من هم؟

هناك موضع آخر للخلاف لازم أخبركم به. هناك ناس يحشرون الأعمش مع هؤلاء، وفي ناس لا، جعلوا للأعمش رواية مختلفة، إذن عندنا خلافان: خلاف على الأعمش، وخلاف على من؟ بأيهما نبدأ؟ أنت طالب علم، إذا بدأت بالحكم سيعترضك هذا؛ أنت تريد أن ترجح بهذا، هل هو مع هؤلاء أم لا؟ تحتاج أن تنتهي من هذا لترجح في الروايتين أيهما أصح، ثم إذا استقر أمرك على الأعمش تنتقل إلى ما فوق الأعمش.

وضحت المسألة؟ لكي أرجح الأعمش، الفرق بين الروايتين هنا؛ لماذا لا يقول أحد: خلاص نجمع بين الروايتين ونجعلها كلها صحيحة، فكلهم ثقات؟ كعب بن عجرة صحابي، لكن عبد الرحمن بن أبي ليلى هذا تابعي، هل في هذه الرواية نحن الآن -ولا أدري ربما يكون هو لم يسمع من بلال أصلاً بينه وبين بلال انقطاع- فإذا رجحنا هذه الرواية ماذا ستكون؟ ستكون ضعيفة. وإذا رجحنا هذه الرواية ستكون متصلة؛ لأننا عرفنا أنه أيضاً سمع من كعب، وكعب صحابي.

إذن عندنا أشياء اليوم نحتاج أن نعرف: هذا الرجل ما خبره؟ كيف روايته؟ هل يروي عن بلال؟ هل هو كبير أدرك بلال؟ وكيف روايته عند كعب بن عجرة وكيف ثقته؟ هذا من المتطلبات التي نريدكم أن تطلعوا عليها إن شاء الله. والحكم بن عتيبة عليه خلاف، وبالتالي لكي نعرف شخصاً عليه خلاف لا بد أن نعرف الرواة عنه، ما حالهم في روايته؟ أيهم أوثق فيه؟ وهذا أيضاً عليه خلاف، فلا بد أن نعرف أصحابه الذين رووا عنه، ما حالهم فيه؟

بعد أن نعرف هذا كله، نعرف ابن أبي ليلى؛ هل الرواية عن هذا الرجل أو عن ذاك هل هي رواية كثيرة وجادة؟ لماذا أقول هذا الكلام؟ لأن هؤلاء الذين لم يذكروه قد يكون من ذكره سلكه. نقول: زاد الزيادة من الثقة مقبولة، لكن أحياناً تكون الزيادة وأنت تسلك نفس الطريق الذي تسلكه كل يوم، فتكون خطأ. كل هذا نحتاج أن نعرفه.

الآن إذا أردنا أن نتكلم عن رواية الأعمش، من يرجح؟ وما المرجح لهذه الرواية؟ وما المرجح لهذه الرواية عن الأعمش؟ إذا أردنا أن نذكر الترجيحات، فلنرجع إلى هذه الرواية أيضاً، عندنا شعبة بن الحجاج، وهو إمام وثقة، وأبانا أيضاً ثقة، وزيد بن أبي نويس، ومنصور بن المعتمر ثقة، كل هؤلاء ثقات يروون عن الحكم. فلنفترض جدلاً أن الأعمش روى عن الحكم بهذا الطريق، نلغي هذه الرواية من العمل. أي الروايتين عن الأعمش أرجح؟ هذه أم هذه؟

ولا تنسوا أن الأعمش يروي عنه أبو معاوية، وأبو معاوية من المتقنين، وكلهم ثقات، فهذا يدلنا على أن الأعمش ذكر كعب، نعم ذكره، فقال عن كعب بن عجرة. وبدليل ماذا؟ ساعده ثقتان أيضاً، وكبار، لكن قرأنا في كلام أصحاب الأعمش أنه كان يمليها عليهم، يحدث وأنه كان يملي أحياناً على تلاميذ، فقد يكون هذا مما أملاه عليهم فأخطأ فيه، لأن هؤلاء ثقات وقد يكونون حاضرين نفس المجلس، وبعد ما سمعه يملي عليهم فأخذوه على الخطأ.

وهناك أحاديث لعبد الرحمن النابلسي عن كعب بن عجرة، وجدنا في تحفة الأشراف أن هناك مجموعة أحاديث، ربما سبعة أو أقل، فهنا عبد الرحمن بن أبي ليلى عن ابن عجرة يعتبر شيئاً يشبه الجادة، لأن رواية ابن أبي ليلى عن كعب بن عجرة مشهورة جداً وهي مطلوبة من المحدثين ولو كانت رواية واحدة.

فهنا نقدر نقول مرجحات رواية الأعمش؛ هذه الرواية موجودة في صحيح مسلم، ولو كان الإمام مسلم يريد أن يقترب من النبي ﷺ كان ممكن يسلك في رواية واحدة. لكن هذه القرينة يقول صاحبنا إن من القرائن على صحة رواية الأعمش هو النزول، يعني كم عدد الرواة عن الأعمش عن النبي ﷺ؟ يعني رباعي للأعمش، فهذا النزول يرجح حديث الأعمش.

لا، ليس مرجحاً، بل يرجح كعباً؛ شيخ النزول (الصحابي)، لكن خلوني أستشكل على هذا، هل يمكن أحد منكم أن يستشكل؟ يقول: يرجح في النزول لأن الناس يحبون العلو، فلما يترك العلو ويذهب إلى النزول معناه أنه أتقن. أصح، هو لا يريد النزول، معناه أنه زاد رجلاً.

لكن هذا عليه مشكلة يا شيخنا، مشكلة عويصة جداً وكبيرة وتلغي هذا المرجح، وهي: هل ابن أبي ليلى سمع من بلال أو لا؟ الآن ما دام أن هنا أثبت واسطة وهنا أثبت واسطة، فهذا يشككنا في أنه سمع منه أم لا؟ لا بد أن نبحث عن السمع حتى نعرف.

هل قرينتك هذه صحيحة أم لا؟ نعرف أنه إن كان هناك انقطاع فهذه القرينة غير صحيحة؛ لأن الانقطاع هو الذي ينفر منه الناس، أليس كذلك؟

نأتي إلى كتاب المراسيل، ألف في المراسيل ابن أبي حاتم، ولا أدري هل هو موجود عندنا هنا، لكنه ضمن كتابه الآخر "العلل في جمع التحصيل". قال ابن أبي حاتم: "سمعت وسُئل هل سمع عبد الرحمن بن أبي ليلى من بلال؟ قال: كان بلال خرج إلى الشام في خلافة عمر قديماً، فإن كان رآه كان صغيراً؛ فإنه ولد في بعض عمر". يعني في شك، ممكن يكون مش أكيد، لا يمكن نقول مرسل ولا يمكن أن نقول متصل. فمسألة النزول هذه فيها ملاحظة لأن هذا ما عندنا تأكيد على أنه سميع، كونه صغيراً في الأول. وقال الإمام أبو حاتم: "سألت أبي وأبا زرعة عن حديث..."، هنا جاب لنا نسختنا التي قرأناها.

هذه الفوائد، لحظة، عندنا كلام آخر لعمار بن الشهيد، وأظنه أوردها في التحقيق، يقول أبو الفضل ابن عمار الشهيد: "وهذا حديث قد اختلف فيه على الأعمش؛ فرواه أبو معاوية، وعيسى بن يونس، وابن فضيل، وعلي بن مسهر، وابن نمير، وجماعة هكذا". يعني في جماعة رووا هكذا عن الأعمش، جماعة كثيرون غير هؤلاء. ورواه زائدة، وعمار بن زريق، وزد عليهم حفص مما لم يُذكر هنا، عن الأعمش، عن الحكم، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن براء، عن بلال. وزائدة ثقة متقن.

ورواه سفيان الثوري عن الأعمش، عن الحكم، عن ابن أبي ليلى، عن بلال، لم يذكر بينهما لا كعباً ولا البراء، وروايته أثبت الروايات، وهذا من ابن عمار الشهيد. وقد رواه عن الحكم غير الأعمش أيضاً؛ شعبة، ومنصور بن المعتمر، وأبان بن تغلب، وزيد بن أبي أنيسة، وجماعة عن الحكم، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن بلال، كما رواه الثوري عن الأعمش. وحديث الثوري عندنا أصح من حديث غيره، وابن أبي ليلى لم يلقَ بلالاً؛ هذا جزم بأنه لم يلقاه.

وضحت المسألة؟ ليش هم مركزون على الثوري؟ لأنهم حابون رواية الأعمش، غريبة يعني، مع أن الشعبة موجود هنا. ولأن المشكلة هنا لو صحت هذه خلاص، فقالوا الثوري لا؛ لأنها ليست مختلفاً فيها، والرواية هذه هي الصحيحة التي في مسلم. صحيح، طبعاً ابن عمار الشهيد ينتقد مسلم، عنده كتاب في أي طبقة؟ هو في طبقة قديمة من أصحاب العلل، الكتاب الصغير، "علل أحاديث مسلم"، أورد فيها ستة وثلاثين حديثاً تقريباً.

الخلاصة، نحن الآن فهمنا أن هذه القرينة ليست جيدة، وضحت؟ ما الذي يرجح لنا رواية الأعمش عندنا؟ كم اختلاف على الأعمش؟ ثلاث اختلافات: خلاف بدون ذكر كعب، وخلاف فيه ذكر كعب، وناس يذكرون بدل كعب البراء. وهؤلاء جماعة، عمار بن زريق معهم ومعهم واحد آخر.

إذا أردنا أن نتكلم بتجرد، فنقول الأعمش اختلف عليه اختلافاً قوياً، والاختلاف من الأعمش نفسه. الأعمش عنده أحاديث لابن أبي ليلى عن البراء، وعندها أحاديث لابن أبي ليلى عن كعب بن عجرة. والدليل على أن الأعمش هو الذي وهم هنا أنه رواه ثقات عنه، ومنهم أبو معاوية، فقالوا عن كعب، ورواه جماعة هنا فقالوا عن البراء، مما يدل على أن الأعمش هو الذي مرة قال مرة قال للكعب، وهذا يدلنا على أنه لم يحفظ جيداً، لكنه رده إلى الجادة. هذا الرجل لما روى له الحديث قال: «لا، ليس فيه لا كعب ولا براء».

ويؤيد رواية الثوري هذه الجماعات الذين يروون عن الحكم؛ لأننا لو قلنا إن الصواب عن الأعمش -هذه لو قلنا فمن الجماعة أو الواحد المنفرد الجماعة- فنحن نصوب رواية الأعمش من طريق الثوري، لأن الثوري كان يصلح رواياته أحياناً. وضحت المسألة؟ أي نعم، هذا الحديث بهذه الطريقة أصبح متضحاً جلياً أن الرواية هنا منقطعة وليست صحيحة؛ لأننا قلنا إن الثوري أثبت الناس.

والشيء الثاني الذي يضعف رواية الأعمش هنا ويقوي هذه الرواية، أن الأعمش اختلف عليه، ليس ممن اختلفوا، وإنما الخلاف من الأعمش؛ لا يمكن ثلاثة أو أربعة أشخاص يقولون عن الأعمش كلامه هو ما قاله، فهو قال هذا وقال هذا، لو لم يحفظ. إذاً هو من الوهم من الأعمش، بالتالي هذه الرواية هي الصواب. والقرائن المرجحة لها: واحد، رواية الجماعة. اثنان، من الأعمش قد اختلف عليه خلافاً قوياً، والخلاف منه مما يدل على أنه لم يضبط الرواية. وضحت؟ هذه أهم قرينتين في هذه المسألة. والثالثة أن الرواية بدون الواسطة منقطعة، والانقطاع ينفر منه الناس، ولو كانت الرواية متصلة لما رواها هؤلاء الجماعة منقطعة.

وضحت المسألة؟ نعم. عندنا ثلاث قرائن مهمة: أن الرواية الصواب هي المنقطعة، لأن الانقطاع شيء يفر منه المحدثون، ولذلك المحدث لما يروي رواية فيها انقطاع الناس لا يأخذونها منه، وهو يريد أن ينفق سوقه، يحب أن الناس يأتون إليه. إذاً رووا الرواية المنقطعة الناس لا يحبون سماعها. صحيح كلامي؟

انتقد على مسلم؟ هذا ممن انتقد على مسلم ونحن الآن نحلل المسألة، لكن سأرضيك بشيء؛ فلنتجاهل هذا الميل من أنفسنا ونحاول أن نميل مع مسلم. ما المرجحات؟ أن الأعمش كان معه، حتى لو كانوا ضعفاء، يزيد... هنا ليث في رواية من رواياته وافق الأعمش، لكن ممكن نقول إن الليث لا يُشتغل به. وابن أبي ليلى يروي عن كعب، فهو ظن أنه عن كعب، فجاء يزيد ومثله. وجود كعب أصلاً جادة، والبراء جادة، الأعمش مرة ذهب مع الجادة هنا ومرة هنا، وهؤلاء أيضاً ذهبوا مع جادة ابن أبي ليلى لأنهم ضعاف. هو يعرف أن في واسطة، أو في ذهنه أن ابن أبي ليلى لم يرَ بلالاً، فماذا يضع؟ يتذكر أن ابن أبي ليلى يروي عن كعب، فيضع كعباً أو يضع البراء، واضح؟ لكنها مرجحة فيها شيء من الترجيح.

شيخ مش قابل الأعمش، مش هيعمل كده مع إيش؟ ممكن مثلا لو كان واحد أبو معاوية كنا قلنا ماشي، كان معه عيسى بن يونس، لا لا مش قال الأعمش، قال كعب قطعا. هو قال، لكن هل قالها على سبيل التوهم؟ قد يكون أخطأ. ليش يخطئ؟

لا، ما يخطئون، ولا هو إمام. ما هو طبعا بس قصدي أن وجود حتى اثنين ضعاف معين يقوي الرواية، لكن هناك مسوغ لوجودهم ولم يكن هناك مسوغ. صح، لكن المسوغ ما هو أن رواية ابن أبي ليلى عن كعب موجودة، يعني كثيرة، فهي جادة. يمكن أن يخطئ فيها الضعيف إذا كان الثقة يخطئ في الجادة، فما بالك بالضعيف؟

لكن خلها هناك عشان نقول لمسلم إن رواية مسلم صحيحة، وأن عمر بن الشهيد هو الذي أخطأ، والدارقطني أيضا أخطأ، لأن كلهم رجحوا الانقطاع. وابن أبي حاتم أيضا رجح الانقطاع، لكن مع مسلم أبو زرعة. أبو زرعة صح، لكنه متذبذب. في نهاية كلامه قال: «إنما أقول من حديث الأعمش»، يعني من حديث الأعمش الصواب كعب. في نهاية الكلام لو قرأتم كلامه، اقرأ كلامه.

ولذلك إنما قلت لك هو في البداية قال إن الصواب حديث الأعمش، فقال له ابن أبي حاتم: شعبة وأبان ويزيد بن أبي أنيسة يرمون عن الحكم كذا كذا، فقال الأعمش: «حافظ وهؤلاء أحفظوا عنه»، فكأنه يرجح رواية الأعمش. ثم في النهاية مال، يعني كأنه تردد. ولا تنسوا أن الإمام مسلم عرض كتابه على أبي زرعة، طبعا وهذا كان في كتابه، مما يدل على أن أبا زرعة يميل مع رواية الأعمش. حديث الأعمش عن الحكم عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن كعب. وفي الأخير قال أبو زرعة: «إنما قلت من حديث الأعمش»، هنا كأنه تراجع لما دقق عليه التلميذ بشعبته.

هو يعرف أنه شعبة، لكنهم مائل مع الأعمش ليس جازما لما اعترضوا عليه برواية، فالمسألة متذبذبة عند أبي زرعة، لكنه لما رأى مسلم عرض عليه كتابه ما أنكر ذلك، مما يدل على أنه يميل معها أحيانا. لو أردنا أن نميل معها، ما المرجحات؟

نقول أولا: الأعمش حافظ، لكن هذا الحافظ بدت عليه مخايل عدم الحفظ هنا لأنه رواه مرة هنا على شكل آخر. اثنين: أن ابن أبي ليلى لم يلق بلالا، فلا بد من واسطة. هو صحيح، فلا بد من واسطة. إذا ما هي الواسطة؟ أثبتت عندنا واسطة هنا وأثبتت واسطة هنا. وهذه أرجح لماذا؟ لأنها الأكثر رواية، ولأن هناك ضعيفين، لكن هذه إذا كانت صحابي بواسطة الصحابة. نحن ما ندري هم صحابة، لكن حنا نريد أن نثبت أنه الصحابي، فهناك واسطة لا ندري من هي، هل هي صحابي؟ هل هي تابعي؟ هل هي ضعيف؟ صحيح، لكن لم يوجد عندنا واسطة مبرزة إلا هذه الواسطة، فكانت هناك واسطة، ووجود أنه لا بد من واسطة، أولي من كعب.

طيب لماذا؟ لأنه وافق الأعمش، راويان ضعيفان: زياد وليث بن أبي سليم. الثالث: شيخ كعب، إحنا قلنا إن كعب عن ابن أبي ليلى عن كعب أنه ماذا؟ إنه جادة، يمكن أن يخطئ في الجادة. يمكن نغض الطرف عن هذه الجادة لأن هذه الجادة وراها بلال، فهو يعلم أن ابن أبي ليلى يروي عن بلال، عن كعب عن بلال. يعني لا يوجد عنده بحيث إنه يخطئ، فبالتالي هذه الزيادة ليس فيها ذلك الخطأ الواضح البين، ليس هناك جادة واضحة لأن الرواية عن بلال وهو متثبت أنها من بلال. وكعب بن عجرة لا ندري، يروي عن بلال أولى وليس له روايات عن بلال إلا هذا الحديث. ولذلك قال البزار فيما أذكر: «ولا نعلم روى كعب بن عجرة عن بلال غير هذا الحديث». لا يوجد حديث لكعب عن بلال إلا هذا الحديث، فهذا صعب أنه يخطأ فيه، واضح؟ فشيء مرجح.