سألت أبي عن حديث رواه محمد بن سلمة عن يونس، ويونس هو ابن عبيد، عن الحسن في المرأة تكون بعجزها. نعم، ماذا قال؟ قال أبي: رواه مسكين هنا عن شعبة، عن يونس، عن هشام، عن عروة عن أبيه. بالعقول، أبا حاتم حدثنا النفيلي عن مسكين، وكان يذاكرني. وهنا في جواب، هل يرجح شيئاً من الحديثين؟ الرجل قد كان يذاكرهم، يعني كان يتكلم؛ فممكن يكون قد أخطأ تمثيلاً له، ويرد في رواية مسكين.
ما رأيكم؟ ما فهمنا، يعني ما الذي قاله؟ حدثنا النفيلي أورد هذا السند، معناه هنا خلاف بين شخصين، صح؟ الخلاف على من؟ على يونس، أليس كذلك؟ واحد يقول يونس عن الحسن، وواحد يقول يونس عن هشام عن عروة. الآن هل يونس يروي عن هشام؟ وهل يونس أخص تلاميذ الحسن حتى إن بعضهم يرجحه أحياناً على الحسن من حيث الجلالة؟ الحسن البصري من أجل التابعين وكان عظيماً جداً، يونس بن عبيد كان للحسن تلاميذ آخرين، لما مات الحسن ما حدث حتى مات يونس لجلالة يونس.
هل طريق يونس عن هشام جادة؟ هذه جادة، رواية يونس عن هشام، أنا صراحة أول مرة أسمع أن هشاماً ذهب إلى العراق. هشام عن عروة بن الزبير من أهل المدينة، ومن شيوخه من أهل المدينة، لكنه هنا ارتحل إلى البصرة؟ رحل العراق كله، في العراق البصرة، وقد تكون رواية يونس عن هشام نازلة. لكن هنا لو تلاحظون، أبو حاتم ما رجح رواية على رواية، يعني أورد يونس عن الحسن وأورد يونس عن هشام، فلعل هناك فتويين، فتوى للحسن البصري بالمسألة، وفتوى لهشام بن عروة عن عروة بن الزبير في المذهب. يونس هذا ممكن تناول العلماء؛ أحياناً يبحثون عن عدد من الأقوال فتجد عند العالم الواحد أقوالاً كثيرة.
لكن هذا الاحتمال يبعده ماذا؟ الخلاف، يعني الراوي فقط يونس، هل هناك متابع ليونس هنا؟ ما في. إذا يروي عنه، إن شاء الله، إذا يروي عنه، إن شاء الله، لكن لو أردنا الترجيح أو هل أبو حاتم يرجح؟ أبو حاتم لا يميل إلى هذه الرواية، غريبة. كيف نفهمها هذه؟
أولاً: شعبة من روى عنه؟ مسكين، وهناك حماد بن سلمة. معناه رواية ثابتة عن محمد بن سلمة ولا لا؟ لأنه ما أورد من روى عن محمد بن سلمة، فكأنه يقول حماد بن سلمة ثابتة عن يونس، لكن لما جاء شعبة عن يونس، عن شعبة أقوى من محمد بن سلمة، صح ولا لا؟ فلو كان المراد النظر إلى شعبة ومحمد بن سلمة لقلنا رواية شعبة أرجح، صح ولا لا؟ لكن هو أبرز أن شعبة يروي عنه مسكين بن بكير، فكأنه يقول إن شعبة تفرد عنه مسكين بن بكير، أنا عندي رواية مسكين فقط ما عندي رواية أخرى غيرها.
طبعاً ليش شعبة هنا تفرد عنه واحد؟ ونحن نعرف أن شعبة يروون الحديث، مفروض يروي عنه أكثر من واحد، ولا لا؟ صح، لأن الرواية ليست عن النبي ﷺ، الرواية إنما هي فتوى وهذه لا يهتم بها الناس، فتفرد مسكين عن شعبة ما عندنا مشكلة فيها، بل وتفرد النفيلي عن مسكين. فماذا قال أيضاً أبو حاتم؟ قال حدثنا النفيلي عن مسكين ولا لا؟ ثم قال: وكان يذاكرني.
المذاكرة ليست كالتحديث، هناك عند أهل الحديث طرق في نشر العلم منها المذاكرة. المذاكرة ليست نشراً للعلم، وإنما هي كلام بين رجلين يذاكر بعضهم بعضاً حتى لا ينسوا العلم. وأما التحديث أن يعقد مجلساً فيجلس ويكون الطلاب يحدثون: حدثنا فلان، ليس من باب شخصين، يسأل أحدهم الآخر ويغلب أحدهم الآخر، أي يتباريان؛ المذاكرة في الغالب أنها تكون للمراجعات وأحياناً تكون فيها شيء من المغالبات، فتجده يقول شعبة عن يونس ماذا عندك فيه؟ فيقول عندي: نعم حدثني مسكين، أو عندي مسكين عن شعبة حتى لا يقولون بصفة التحديث، أي بلفظ التحديث لا يذكرون، يقول ما روى فلان عن فلان.
أنا أعطيكم قصة: الإمام أحمد، أبو بكر بن زنجويه ذهب إلى مصر فالتقى به أحمد بن صالح المصري وكان حافظ مصر، فسأله: من أين؟ قال: من العراق، من بغداد. سأله عن الإمام أحمد، قال: هو جاء له، فرحب به وقال: إني سآتي هناك أريد أن ألتقي بك حتى تدلني عليه، ففعلاً جاء أحمد بن صالح المصري والتقى بأبي بكر بن زنجويه وذهب به إلى الإمام أحمد. فلما علم ببيت الإمام أحمد ناظر وتذاكرا، يعني هذا عالم مصر وهذا عالم بغداد وجلسا يتذاكران. قال ابن زنجويه: فما رأيت مذاكرة أحسن من مذاكرتهما، قال: تعال نروِ أحاديث.
وكان أحمد بن صالح المصري قد جمع حديث الزهري، الذي جمع حديث الزهري معناه أنه ينبغي أن يكون هو الأقدر وهو الأقوى، فقال له الإمام أحمد: تعال نتذاكر ما روى الزهري عن أصحاب النبي ﷺ، فتذاكرا مذاكرة جميلة. ثم قال: تعالوا نتذاكر ما روى الزهري عن أبناء الصحابة، فقال له الإمام أحمد: الزهري عن عبد الرحمن بن محمد بن جبير بن مطعم عن أبيه عن المطعم، فقال أحمد بن صالح المصري: تقول هذا وأنت الإمام؟! يعني هذا من أين جايبه؟ يعني هو جامع حديث الزهري ما عنده المتن، وقال: حتى أرميه ثقة، روى عبد الرحمن بن إسحاق حدثنا به ثقة بشر بن المفضل وفلان، فقال: أسألك بالله إلا أمليته عليّ، قال: من الكتاب، من الكتاب. فالآن كانت مذاكرة ما فيها تحديث، فلما وجد حديثاً مهماً ليس عنده قال: أمله عليه، هنا الإملاء يحتاج إلى تثبت، فقال: من الكتاب، فدخل وأتى بالكتاب وقرأ.
المذاكرة غالباً، ليش هو نص على المذاكرة؟ قد يكون الرجل متساهلاً مثلاً، والمذاكرات أحياناً فعلاً يتساهلون فيها الناس، خصوصاً إذا كانت مغالبة. يعني أبو زرعة الرازي ذهب إلى الشاذكوني، الشاذكوني في مقام الإمام أحمد، وأبو زرعة في مقام التلميذ، لكن أبا زرعة كان أذكى، فالتقى ورد عليه في مجلسه في حديث قال: ليس هكذا، أو كذا قاله للمسلمين، فذكر الشيخ سنداً أخطأ، فقال حديثاً آخر خطأه مرة أخرى، وهي مذكورة في السيرة هذه القصة، فالتفت إليّ وصار الآن شيخ وهو في حرج، يعني هنا شخص جاي من الري. الرازي نسبة إلى الري، وأرضنا هي أين الآن؟ في إيران. فغضب من مقام الإمام أحمد، لكنه كان متثبتاً، بعد ذلك والسبب المذاكرات يريد ينتصر وتذاكرا، فقال: ماذا عندك في الأذان قبل الإقامة أو الإقامة قبل الأذان؟ أو فذكر أبو زرعة سنداً، فقال: أخطأت، قال: ماذا عندك من أحاديث أهل الري في هذا؟ وذكر سنداً آخر فقال: أخطأت، فذكر السند الثالث فقال: قصرت. وكان في السند تقديم وتأخير مرة قدم هذا ومرة قدم، فلما أصاب السند الصواب قال: لا، صمت. ثم قال له: أتعرف كذا وكذا حديثاً من أحاديث أهل الري؟ ولا الشاذكوني، أبو زرعة الرزي. فانقطع أن هذا الحديث أول مرة يسمع، قال: كيف لا تعرفه وهو من عندكم؟ وخرج وصاروا يخجلونه، ثم رجع منه مغموماً، وكان معه صالح جزرة في الظاهر، صالح بن محمد، ضل عليك فإنما وضعه، الساق، أسامة كان دائماً يحب يهزر.
الشاهد: المذاكرة تدل على أن المسألة قد لا يكون فيها تثبت، وبالتالي هناك عند أبي حاتم، أبا حاتم يرجح حديث حماد بن سلمة، لماذا؟ لأن هذا كان يقول بالمذاكرة. هذا أول شيء، أول قرينة، ما هي؟ أن النفيلي قال: ذاكرني، ولم يقل حدثني، أن لم يقلها على سبيل التحديث. الثاني: أن رواية يونس عن الحسن هي المشهورة، رواية يونس عن الحسن بخلاف هذه. لكن هذه القرينة قد تقدح في الرواية ولا لا؟ أجدها جادة يونس عن هشام، هي أقرب إلى خلاف الجادة ولا لا؟
إذن هناك قرينتان متعارضتان، فالأولى التي تؤيد روايته أنها خلاف الجادة، والقرينة الثانية التي تدحض ذلك أو تضعف روايتها أنه قال ذاكرته، في المذاكرة وقد يكون التبس عليه حديث، وبالتالي أبو حاتم الرازي أورد هذين الطريقين وسكت، وإنما ذكر أنه قاله مذاكرة. وبالتالي الترجيح بين هذين الطريقين فيه شيء من الصعوبة، المهم هذا السند ثابت وهذا السند ثابت، لكن أيهما الأرجح؟ ألا يرجحه أنه جادة؟ وهذا يرد؛ لأن محمد بن سلمة في كم، فقد يكون سلك الجادة.
وبالتالي الترجيح بين هذين الحديثين فيها شيء من الصعوبة، ما هي الصعوبة؟ هنا شعبة ومسكين يروي عن شعبة، ومسكين فيه شيء من الضعف، فيه شيء من المسكنة، لكن روايته للحديث عن شعبة عن يونس أولاً، في نزول، ثانياً الجادة، هذا كله يقوي هذه الرواية. أما هذه الرواية أن النفيلي يرويه مذاكرة فقد لا يكون هذا السند موجوداً أصلاً، قد يكون أخطأ في السند بسبب المذاكرة، فهذا يرجح أن رواية يونس عن الحسن أرجح.
وبالتالي، بهذه ما يرجحها ولها ما يضعفها، المهم أنها حتى لو كان فيها شيء من الضعف تدل على أن الحسن روايته. إذاً هذا يرجح رواية يونس، لماذا؟ ما دام أنه عندنا محمد بن سلمة، ما دام الرواية حماد أوثق في عاصم الأحوال، موجود قد يكون أبو حاتم مطلع عليها، لماذا أورد هذا؟ لأن هذه هناك ما ينصرها، ما هو؟ النزول. وفي هذا الأصل فقد يكون هناك رواية أخرى غير هذه، رواية عن عروة بن الزبير، وأنه أفتى بنفس المسألة بما أفتى به الحسن البصري. واحد المسألة لكنه يقول: أنا مش أثبت هذه الرواية بسبب أن النفيلي قالها في أشياء لا بد تكتبها، يعني ما تخلونها، في أشياء فوائد لازم تكتبونها، من هذه الفوائد: ذكرنا لكم السؤال عن المقطوعات يدل على أنه ما في شيء مرفوع، أو أن المرفوع غير صحيح، موجود، الأثر لا يثبت عندهم فيبحثون عن الأثر. ثاني: المذاكرة تدل على عدم الضبط، لما يقول ذاكرني أو أخبرني به مذاكرة، أنه لم يخبرني به وهو متهيئ للتحديث، وفي المذاكرة يحصل لي أغراض، لذلك ممكن واحد يجيب لك حاجة ما هي موجودة أصلاً.
د. سعيد المري