دخولتسجيل الدخول

التعليق على المغني - كتاب الصيام والحج 3 - الاشتراط في النسك وأثره

عبدالله بن عبدالرحمن الميمانالشيخ عبدالله بن عبدالرحمن الميمان
  • مدة الدرس:
  • قراءة

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

اللهم يا معلم آدم وإبراهيم علمنا، ويا مفهم سليمان فهمنا. اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علما وعملا صالحا يا كريم.

أما بعد، فهذا هو المجلس الثالث في الموسم الثاني من مواسم التعليق على كتاب الحج من كتاب المغني شرح مختصر أبي القاسم الخرقي للموفق ابن قدامة رحمه الله تعالى، وكنا قد بدأنا في باب ذكر الإحرام، ووقفنا على قول الخرقي رحمه الله: «ويشترط فيقول: إن حبسني حابس فمحلي حيث حبستني».

قال الشارح رحمه الله: يستحب لمن أحرم بنسك أن يشترط عند إحرامه فيقول: «إن حبسني حابس فمحلي حيث حبستني». ويفيد هذا الشرط شيئين؛ أحدهما أنه إذا عاقه عائق من عدو أو مرض أو ذهاب بنفقة ونحوه أن له التحلل، والثاني أنه متى حل بذلك فلا دم عليه ولا صوم.

وممن روي عنه أنه رأى الاشتراط عند الإحرام: عمر، وعلي، وابن مسعود، وعمار. وذهب إليه عبيدة السلماني، وعلقمة، والأسود، وشريح، وسعيد بن المسيب، وعطاء بن أبي رباح، وعطاء بن يسار، وعكرمه، والشافعي إذ هو بالعراق.

وأنكره ابن عمر، وطاوس، وسعيد بن جبير، والزهري، ومالك، وأبو حنيفة. وعن أبي حنيفة أن الاشتراط يفيد سقوط الدم، فأما التحلل فهو ثابت عنده بكل إحصار.

واحتج المؤلف رحمه الله تعالى بأن الاشتراط من المستحبات، وعلى المذهب أنه يستحب الاشتراط لكل من أراد الدخول في النسك، سواء خاف أن يعوقه عائق عن إتمام النسك أو لا. وهناك قول في المذهب وهو أنه إنما يستحب الاشتراط لمن خاف أن يعوقه عائق عن إتمام النسك.

قال: «فيقول: حبسني حابس فمحلي حيث حبستني»، ويفيد هذا الشرط شيئين؛ الشيء الأول أنه إذا عاقه عائق عن إتمام النسك فله أن يتحلل. وهنا الخرقي رحمه الله قال: «فإن حبس حل من الموضع الذي حبس فيه»، وهنا الموفق رحمه الله قال: «له التحلل». هل هناك فرق بين العبارتين؟

هو حقيقة إذا أخذناها على ظاهرها في فرق، عبارة الخرقي رحمه الله ظاهرها أنه يتحلل بدون قصد، يتحلل بدون قصد، بمعنى أنه إذا عاقه عائق -مثلا جاء عدو منعه من دخول البيت- فهنا يتحلل مباشرة، لا نقول لك: إن تنتظر، أو لعله يفرج لك، انتظر لعله يفرج لك؛ لا، يتحلل مباشرة. هذا ظاهر عبارة الخرقي رحمه الله تعالى.

وذكر الركشي رحمه الله في شرحه أن هذا أيضا اختيار صاحب التلخيص واختيار أبي البركات المجد رحمه الله، قال: وهو ظاهر. واما القول الثاني الذي ذهب إليه الموفق: أن له التحلل، يعني لابد من قصده، «له التحلل» يعني هذا يرجع إلى اختياره؛ فإن أراد أن يتحلل تحلل، وإن لم يرد فيستمر على إحرامه، فهذا يرجع إلى الاختيار. والمذهب عندنا أنهم يقولون إنه يتحلل إذا قال ذلك «فمحلي حيث حبستني» أنه يتحلل مباشرة، واما إذا قال «إن حبسني حابس فلأحل» فقالوا: هذا يرجع إلى اختياره.

الامر الثاني الذي يترتب على الاشتراط -الأمر الأول أنه يتحلل، والأمر الثاني أنه إذا تحلل ليس عليه شيء، ليس عليه لا دم ولا قضاء-. قالوا: ممن روي عنه الاشتراط؟ ذكر مجموعة من الصحابة والتابعين.

والقول الثاني: أنه لا يشرع الاشتراط. وهناك قول ذهب إليه أبو حنيفة وهو أن الاشتراط يفيد سقوط الدم، وهذا مبني على مسألة وهي: الإحصار هل هو خاص بالعدو أو الإحصار شامل لكل ما يعيق عن إتمام النسك؟ فأبو حنيفة يقول: الإحصار عام في كل ما يعيق عن إتمام النسك؛ فلذلك يقول: إذا جاءه عائق يعيق عن إتمام النسك فانه سيتحلل حتى لو لم يشترط، يتحلل حتى لو لم يشترط، لكن إذا اشتَرط يفيد ذلك سقوط الدم.

الآن سيذكر دليل من لم ير الاشتراط.

أحسن الله إليكم، قال رحمه الله تعالى: واحتجوا بأن ابن عمر كان ينكر الاشتراط ويقول: حسبكم سنة نبيكم صلى الله عليه وسلم، ولأنها عبادة تجب بأصل الشارع فلم يفد الاشتراط فيها كالصوم والصلاة.

ذكر دليلين؛ الدليل الأول: فهم ابن عمر رضي الله تعالى عنهما، وابن عمر السُّنة؛ ابن عمر كان ينكر الاشتراط ويقول: حسبكم سنة نبيكم صلى الله عليه وسلم، يعني أن النبي صلى الله عليه وسلم القدوة لم يشترط؛ فلذلك لم يشترط. أما واقعة ضباعة التي سيذكرها المؤلف رحمه الله تعالى فلعل ابن عمر أما إنه لم يطلع عليها أو أنه راها خاصة بضباعة ومن كان نحوها، الله أعلم، لكن هو أخذ بالهدي العام من النبي صلى الله عليه وسلم.

الأمر الثاني: القياس على العبادات المشبهة؛ كالصوم والصلاة. الصلاة، هل إذا كبرت للإحرام تشترط تقولين: إن لم أستطع إتمامها فلأن أقطعها؟ وكذلك الصوم؛ ما فيه، ليس فيه اشتراط. فيقول: هذه ليس فيها اشتراط وهي مثل الحج في كونها كلها من أركان الإسلام.

أحسن الله إليكم، قال رحمه الله: ولنا ما روَت عائشة رضي الله عنها قالت: دخل النبي صلى الله عليه وسلم على ضباعة بنت الزبير فقال: «يا رسول الله، إني أريد الحج وإنا شاكية». فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «حجي واشترطي: أن محلي حيث حبستني». متفق عليه.

وعن ابن عباس أن ضباعة أتت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله، إني أريد الحج فكيف أقول؟ قال: «قولي: لبيك اللهم لبيك، ومحلي من الارض حيث تحبسني، فإن لك على ربك ما استثنيت». رواه مسلم.

هنا استدل المؤلف رحمه الله تعالى على القول الأول -قول الحنابله باستحباب الاشتراط- بقول النبي صلى الله عليه وسلم لضباعة: «حجي واشترطي»، وما ثبت في حق واحد من الصحابة يثبت في حق الجميع، لا خصوصية في الشريعه لأحد من الصحابة بحكم معين؛ فقول النبي صلى الله عليه وسلم لواحد من الأمة إنما هو قول لجميع الأمة، وأمره بذلك هو أمر في عبادة فتكون إذن مستحبة، هذا الذي ذهب إليه الحنابلة رحمه الله تعالى.

قلنا لكم: هناك قول وسط بين القولين، بأنه أن يكون الاشتراط أو أن يشرع الاشتراط لمن خاف أن يعوقه عائق عن إتمام النسك، وهذا اختيار شيخ الإسلام رحمه الله تعالى واختيار شيخنا ابن تيمية رحمه الله، وجمعوا بين فعل النبي صلى الله عليه وسلم وقوله؛ النبي صلى الله عليه وسلم لم يشترط، وذلك لأنه لم يخف عائقا يعوقه عن إتمام النسك، وأما ضباعة فخافت العائق فأرشدها النبي صلى الله عليه وسلم إلى الاشتراط.

هنا المؤلف رحمه الله عز الحديث الثاني إلى مسلم، ومسلم ليس فيه الجمله الأخيرة «فإن لك على ربك ما استثنيت»، ليست في الصحيح.

الآن سيرد على دليل القول الثاني.

أحسن الله إليكم، قال رحمه الله: ولا قول لأحد مع قول رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكيف يعارض بقول ابن عمر؟ ولو لم يكن فيه حديث لكان قول الخليفتين الراشدين مع من قد ذكرنا قوله من فقهاء الصحابة أولى من قول ابن عمر وغيره.

هنا أجاب عن الاستدلال بحديث بأثر ابن عمر رضي الله تعالى عنهما من وجهين؛ الأول: أنه لا قول لأحد مع قول النبي صلى الله عليه وسلم، قول النبي صلى الله عليه وسلم هو الحجة فلا يعارض بقول أحد كائنا من كان.

والوجه الثاني: لو لم يكن فيه حديث، فعندنا أقوال الصحابة، القول الأول الذي فيه إثبات الاشتراط أو استحباب الاشتراط هذا ممن روي عنه عمر وعلي، وهم من الخلفاء الراشدين، فيكون قولهم مقدما على قول ابن عمر رضي الله تعالى عنه.

ووقع الخلاف بين الأصوليين: هل قول الخلفاء الراشدين يكون حجة أو لا؟ أو يأخذ حكم الإجماع أو لا؟ وقع الخلاف في هذا وإن كان الأصل الصواب أنه ليس بحجه بمفرده، ليس بحجة بمفرده وإن كان يستانس به ويكون هذا مقويا، لكن أقول: وجود الخلاف في منزلة قول الخلفاء الراشدين يدل على رجحان قولهم على قول غيره من الصحابة رضي الله تعالى عنهم. طبعا والقياس على الصوم والصلاة هذا أيضا يجاب عنه بأنه قياس في مقابلة النص.

أحسن الله إليكم، قال رحمه الله تعالى: وغير هذا اللفظ مما يؤدي معناه يقوم مقامه، لأن المقصود المعنى، والعبارة إنما تعتبر لتأدية المعنى.

قال إبراهيم: يعني يقول إنه لا يلزم أن يقول هذه العباره «إن حبسني حابس فمحبسي».. ما يلزم، لو قال أي عبارة أخرى تؤدي هذا المقصود كفى؛ فهي ليست متعبدا بها بمعنى أنها ذِكر، لا، يقولها بالمعنى، هذه فقط اشتراط، والاشتراط يكون بأي لفظة أدت المقصود.

سيذكر الآثار على ذلك.

أحسن الله إليكم، قال إبراهيم: خرجنا مع علقمة وهو يريد العمرة فقال: اللهم إني أريد العمرة إن تيسرت وإلا فلا حرج علي. وكان شريح يشترط: اللهم قد عرفت نيتي وما أريد، فإن كان أمرا تتمه فهو أحب إلي وإلا فلا حرج علي. ونحوه عن الأسود. وقالت عائشة لعروة: قل اللهم إني أريد الحج وإياه نويت، فإن تيسر وإلا فعمرة. ونحوه عن عميرة بنت زياد.

أحسنت، هذا، هذه بعض الألفاظ الواردة عن السلف في الاشتراط، فهم فهموا أن قول النبي صلى الله عليه وسلم لضباعة: «حجي واشترطي أن محلي حيث حبستني» أن هذا ليس لفظا يعني ذِكرا يتعبد به، لكن هو إرشاد إلى طريقة الاشتراط، فتكون بأي عبارة وردت. هنا يقول في النهاية: ونحوها عن عميرة بنت زياد. هنا في الحاشية يقول: في بعض النسخ «ابن»، ولم نجد ترجمة عميرة بنت زياد، ولعلها عميرة بنت يزيد، قال: وذكر ابن الأثير باسم عمرة، والظاهر والله أعلم أن عبارة «ابن عميرة بن زياد» أصول والله أعلم، جاء في المحلى، جاء في المحلى لابن حزم عن عمرة أن ابن مسعود قال له: حج واشترط وقل: اللهم الحج أردت، وله عمدت، فإن تيسر وإلا فعمرة. فذكره ابن حزم بأنه ذكر يعني أنه رجل، عميرة بن زياد والله أعلم.

أحسن الله إليكم، قال رحمه الله تعالى: فصل: فإن نوى الاشتراط أو لم يتلفظ به، احتمل أن يصح لأنه تابع لعقد الإحرام، والإحرام ينعقد بالنية فكذلك تابعه. واحتمل أن يعتبر فيه القول، لأنه اشتراط فاعتبر فيه القول، كالاشتراط في النذر والوقف والاعتكاف، ويدل عليه ظاهر قول النبي صلى الله عليه وسلم في حديث ابن عباس: «قولي: محلي من الأرض حيث تحبسني».

أحسنت، هنا تكلم عن مسألة الاشتراط: هل لابد أن يتلفظ به أو تكفي النية؟ ذكر احتمالين؛ الاحتمال الأول: أنه تكفي النية ولا يحتاج التلفظ، لماذا؟ قال: لأنه تابع لعقد الإحرام، والإحرام عقد بالنية -الاحرام لو أنه نوى ولم يتلفظ صح إحرامه- فكذلك الاشتراط، قال: لأن الاشتراط تابع والتابع يأخذ حكم المتبوع.

وذَكَرَ احتمالاً آخر أنه لابد فيه من القول، وهذا هو المذهب، لماذا؟ قال: لأنه اشتراط فاعتبر فيه القول، كالاشتراط في النذر والوقف والاعتكاف، الاشتراط في النذر والوقف والاعتكاف لابد فيه من تلفظ، فلو وقف شخص وقفا ونوى ونوى أن يستثني نفسه مدة حياته فينتفع بالوقف فهنا لا تجزئه، لابد أن يشترط بلسانه، لابد أن يشترط بلسانه، قالوا: مثله الحج، لابد أن يشترط. قال: ويدل عليه ظاهر قول النبي صلى الله عليه وسلم: «قولي كذا، قولي محلي من الأرض»، فهنا النبي صلى الله عليه وسلم أرشدها إلى قول، فدل على أنه لا يكفي النية.