قال رحمه الله تعالى: فصل. ويستحب أن يعين ما أحرم به، وبه قال مالك. وقال الشافعي في أحد قوليّه: الإطلاق أولى؛ لما روى طاووس قال: خرج النبي صلى الله عليه وسلم من المدينة لا يسمي حجا ينتظر القضاء، فنزل عليه القضاء وهو بين الصفا والمروة، فأمر أصحابه من كان منهم أهل ولم يكن معه هدي أن يجعلوها عمرة؛ ولأن ذلك أحوض؛ لانه لا يأمن الإحصار أو تعذر فعل الحج عليه فيجعلها عمرة.
ولنا أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر أصحابه بالإحرام بنسك معين فقال: «من شاء منكم أن يهل بحج وعمره فليهل، ومن أراد أن يهل بحج فليهل، ومن أراد أن يهل بعمره فليهل». والنبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه إنما أحرموا بمعين على ما ذكرنا في الأحاديث الصحيحة.
واصحاب النبي هنا ذكر استحباب تعيين ما يحرم به من تمتع أو إفراد قرآن أو عمرة مفردة، فيستحب أن يعين، يعني: يعين هل هو قران أو إفراد أو تمتع أو مقصود؟ فيستحب ذلك. ولا يترتب عليه أنه لو لم يعين فيصح إحرامه وكما سياتينا في الفصل القادم؛ فالخلاف هنا في الاستحباب وعدم هل هي تستحب؟ أو نقول: لو أطلق ولم يعين فإنه أولى من التعيين؟
هنا ذكر الخلاف، ذكر أن الشافعي رحمه الله يرى أنه يطلق، وهذا أحد الاقوال المنصوص عن الشافعي رحمه الله تعالى في صفة إحرام النبي صلى الله عليه وسلم، من كان مفرد أو قارن أو مطلقاً، يعني: أطلق النبي صلى الله عليه وسلم إحرامه فلم يعين في بداية الأمر طبعاً في بداية الأمر، فلم يعين شيئاً ثم عين لاحقاً. فالشافعي رحمه الله من الأقوال التي نقلت عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم في بداية إحرامه أطلق واستدل بأثر طاووس.
وهذا والدليل الثاني قال: لان ذلك أحوط. كيف أحوط؟ قال: لانه لا يأمن الإحصار، فإذا أطلق وأحصر فيأتي هنا: إذا أطلق وأحصر يفعل ما يفعل المحصر، وإذا أطلق وتعذر عليه فعل الحج بأمثاله يجعلها عمرة. هذا رأي الشافعي.
القول الأول استدلوا بفعل النبي صلى الله عليه وسلم مع الصحابة؛ النبي صلى الله عليه وسلم أحرم قارناً وقال لأصحابه: «من شاء أن يهل بحج وعمره فليهل، ومن أراد أن يهل بحج -يعني مفرد- فليهل، ومن أراد أن يهل بعمره -يعني عمرة تمتع- فليهل». والنبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه أحرموا -يعني قال به أصحابه به أن سياتينا أبو مستوى علي لم يعينوا- فغالب أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم إنما أحرموا بنسك معين، فنقول إذاً: أن هذا هو الأولى.
نعم، الآن سيذكر الرد على القول الثاني أحسن الله إليك. قال رحمه الله تعالى: وأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم الذين كانوا معه في حجته يطلعون على أحواله ويقتدون بافعاله ويقفون على ظاهر أمره وباطنه، أعلم به من طاووس، وحديثه مرسل، والشافعي لا يحتج بالمراسيل المفردة، فكيف يصير إلى هذا مع مخالفته للروايات المستفيضة المتفق عليها؟ والاحتياط ممكن بأن يجعلها عمرة، فإن شاء كان متمتعاً وإن شاء أدخل الحج عليها فكان قارناً.
أحسنت. هنا ذكر الجواب عن استدلال الشافعي رحمه الله لطاووس من وجهين: الوجه الأول: أن كلام طاووس مخالف لما نقله الصحابة رضي الله تعالى عنهم الذين كانوا معه؛ طاووس من التابعين، وهؤلاء الصحابة كانوا معه ونقلوا عنه أنه أحرم. عاد مر معنا الخلاف؛ هل الذين قالوا إنه أحرم مفرداً والذين نقلوا أنه أحرم قارناً؟ يقول إنه أحرم متمتعاً، لكن كلهم ينقلون أنه أحرم بنسك معين ولم ينقلوا أنه أحرم بنسك مطلق، فكلامهم وهم كانوا مع النبي صلى الله عليه وسلم يقدم على كلام طاووس.
الوجه الثاني: أثر طاووس مرسل، والشافعي رحمه الله لا يحتج من الأحاديث المرسلة إلا ما تقوى بأحد أمور نص عليها في الرسالة، في أحد أمور. هذا يعني كان المؤلف رحمه الله لا يتقوى لأحد هذه الأمور وهذا ممكن، يعني يجيب عنه الشافعي، أو الشافعي أنه رأة تقوى بأحد هذه الأمور التي ذكرها.
والرد الثاني الذين قالوا: الإحرام كان، الاحتياط ممكن في ذلك بأن يحرم بعمره، إذا أحرم بعمره هو مخير بين أن يبقى على تمتعه أو يدخل الحج عليها، وإذا أحصر، إذا أحصر -سواء أحرم أصلاً بعمره أو حج أو أطلق- الحكم لا يختلف.
الشيخ عبدالله بن عبدالرحمن الميمان