دخولتسجيل الدخول

التعليق على المغني - كتاب الصيام والحج (7) - حكم أكل المحرم مما صاده الحلال

عبدالله بن عبدالرحمن الميمانالشيخ عبدالله بن عبدالرحمن الميمان
  • مدة الدرس:
  • قراءة

قال رحمه الله تعالى: مسألة. قال أبو القاسم رحمه الله: ولا يأكله إذا صاده الحلال لأجله.

لا خلاف في تحريم الصيد على المحرم، إذا صاده أو ذبحه، وقد قال الله تعالى: ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُماً﴾ [المائدة: 96].

وإن صاده حلال وذبحه، وكان من المحرم أعانه عليه، أو دلالة عليه، أو إشارة إليه؛ لم يبح.

ذكر مسألتين؛ الأولى: إذا كان المحرم هو الذي صاد، فيقول هذا لا خلاف في تحريمه إذا صاده وذبح، لماذا؟ للآية.

المسألة الثانية: أي كان الحلال هو الذي صاده، لكن المحرم أعانه عليه، فهذا أيضا لا يجوز للمحرم إعانته وأشار إليه إلى آخره، هذا لا يجوز.

المسألة الثالثة: هي التي ساقها الخرقي رحمه الله.

أحسن الله إليكم، قال رحمه الله: وإن صيد من أجله لم يبح له أيضا أكله، وروي ذلك عن عثمان بن عفان، وهو قول مالك والشافعي، وقال أبو حنيفة: لا أكرهه؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم في حديث أبي قتادة: «هل منكم أحد أمره أو أشار إليه بشيء؟» قالوا: لا. قال: «فكلوا ما بقي من لحمها» متفق عليه. فدل على أن التحريم إنما يتعلق بالإشارة والامر والإعانة.

ولأنه صيد مذكى، لم يحصل فيه ولا في سببه صنع منه، فلم يحرم عليه أكله، كما لو لم يصد له. وحكي عن علي وابن عمر وعائشة وابن عباس: أن لحم الصيد يحرم على المحرم بكل حال، وبه قال طاووس، وكرهه الثوري وإسحاق؛ لعموم قوله: ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُماً﴾ [المائدة: 96].

وروى ابن عباس عن الصعب بن جثامة الليثي أنه أهدى إلى النبي صلى الله عليه وسلم حمارا وحشيا وهو بالابواء، أو قال بولودان، فرده عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما في وجهه قال: «إنا لم نرد عليك إلا أنا حرم» متفق عليه. وفي لفظ: أهدى الصعب بن جثامة إلى النبي صلى الله عليه وسلم رجل حمار، وفي رواية: عجز حمار، وفي رواية: شق حمار. روى ذلك كله مسلم.

وروى أبو داود بإسناد عن عبد الله بن الحارث عن أبيه قال: كان الحارث خليفة عثمان على الطائف فصنع له طعاما وصنع فيه الحجل والعاقيب ولحم الوحش، فبعث إلى علي بن أبي طالب فجاءه، فقال: اطعموه قوما حلالا فإنا حرم. ثم قال علي: أنشدوا الله من كان ها هنا من الصحابة، أتعلمون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أهدى إليه رجل حمار وحش فأبى أن يأكله؟ قالوا: نعم. ولأنه لحم صيد فحرم على المحرم كما لو دل عليه.

ولنا ما روى جابر قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: صيد البر لكم حلال ما لم تصيدوه أو يصد لكم. رواه أبو داود والنسائي والترمذي، وقال: هو أحسن حديث في الباب.

هذه المسألة الثالثة، إذا صيد الصيد من أجل محرم، يعني الصائد هو الحلال، والمحرم لم يدله ولم يشير إليه بشيء ولم يعاونه، لكن المحرم صاده لأجل الحلال، فهل يجوز للحلال أكله أو لا؟ ذكر ثلاث أقوال؛ القول الأول: أنه لا يجوز للمحرم أكله إذا كان صيد من أجله، لم يجوز للمحرم أكله إذا صيد من أجله، ومفهومه أنه له أكله إذا لم يصد من أجله. والقول الثاني: قول أبي حنيفة أن له أكله سواء صيد من أجله أو لم يصد من أجله، واستدل له بدليلين.

الدليل الأول: حديث أبي قتادة: «هل منكم أحد أمره أو أشار بشيء؟» قالوا: لا. قال: «فكلوا ما بقي من لحمها». قال: فدل على أن التحريم إنما يتعلق بالإشارة والامر والإعانة، وها هنا لم يكن من المحرم إشارة ولا أمر ولا إعانة، فدل على أنه يجوز له أكل الصيد الذي صاده الحلال، حتى لو صاده لأجل المحرم.

قال والدليل الثاني: أنه صيد مذكى، يعني لم يتسبب به بشيء، فجاز له أكله كما لو لم يصد من أجله. يعني يقولون كون صيد من أجله ولم يصاد من أجله هذا ليس سببا مؤثرا، إنما الوصف المؤثر هو إذا كان له تسبب فيه.

القول الثالث: الذي قال حكي عن علي وابن عمر عائشة وابن عباس أن لحم الصيد يحرم على المحرم بكل حال، يعني سواء صيد من أجله أو لا.

فإذا عندنا ثلاث أقوال؛ طرفان ووسط. الطرف الأول: أنه يباح للمحرم أكل الصيد الذي صاده الحلال مطلقا، سواء صيد من أجله أو لم يصاد من أجله، وهذا نسبه إلى أبي حنيفة. والقول الثاني (الطرف الثاني): أنه يحرم على المحرم أكل الصيد مطلقا، سواء صاده الحلال أو صاده المحرم، سواء صيد من أجله أو لم يصد من أجله، وهذا نسبه إلى بعض الصحابه كعلي وابن عمر وعائشة وابن عباس. والوسط هو الذي قدمه، أنه إذا صيد من أجله لا يأكله، وإذا لم يصد من أجله فإنه يأكله.

استدل القول الثالث بعموم: ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُماً﴾ [المائدة: 96]، فهذا دليل على أنه يحرم عليه صيد البر مطلقا، سواء صيد من أجله أو لم يصد من أجله، سواء صاده حلال أو صاده محرم. والدليل الثاني: حديث الصعب بن جثامة، وفي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إنا لم نردك عليك إلا أنا حرم»، فدل على أن المحرم لا يأكل من صيد الحلال، ولم يقل في هذا الحديث: أنك صدته، إنما ردنا عليك لأنك صدته من أجلنا. والدليل الثالث: طبعا علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه امتنع من أكل صيد صاده حلال وقال: اطعموه قوما حلالا فإنا حرم، واستدل بحديث الصعب بن جثامة. والدليل الرابع: أن المناط هو كونه لحم صيد لا كونه تسبب به أو لم يتسبب، ولذلك قال: لأنه لحم صيد فحرم على المحرم كما لو دل عليه. قال: أنتم وافقتم أنه إذا دل عليه فانه يحرم عليه، يقول: ليس المناط في التسبب من عدمه، المناط في كونه صيدا بريا محرما على المحرم.

هذه أدلة القول الثالث، وأدلة القول الثاني التي سبقت. الآن سيذكر دليل القول الأول.

قال رحمه الله تعالى: ولنا ما روى جابر قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: صيد البر لكم حلال ما لم تصيدوه أو يصد لكم. رواه أبو داود والنسائي والترمذي، وقال: هو أحسن حديث في الباب. وهذا صريح في الحكم، وفيه جمع بين الأحاديث وبيان المختلف منها.

هنا استدل لهم بدليل صريح واضح، وهو قول النبي صلى الله عليه وسلم: «صيد البر لكم حلال ما لم تصيدوه أو يصد لكم»، أدلة على أنه إذا صيد صاده المحرم أو صيد من صاده الحلال من أجل المحرم فلا يحرم، فإنه يحرم على المحرم، أما إذا انتفى ذلك فإنه لا يحرم على المحل. وهذا حديث صريح قرأه أبو داود والنسائي والترمذي، وقال: هو أحسن حديث في الباب.

الحقيقة أن المقولة هذه ليست للترمذي، مقولة للشافعي نقلها الترمذي، الترمذي لما ساق هذا الحديث في جامعه نقل قول الشافعي، قال: هذا أحسن حديث روي في هذا الباب. وأقيس هذا كلام الشافعي رحمه الله تعالى، قال: وهذا صريح في الحكم، وفيه جمع بين الأحاديث وبين المختلف منها، والان سيذكر ذلك. ويتضمن ذكره هذا ردا على استدلال دليل قول أهل القول الثالث.

أحسن الله إليكم، قال رحمه الله: وهذا صريح في الحكم، وفيه جمع بين الأحاديث وبيان المختلف منها، فإن ترك النبي صلى الله عليه وسلم للاكل مما أهدي إليه يحتمل أن يكون لعلمه أنه أصيد من أجله أو ظنه، ويتعين حمله على ذلك لما قد ثبت من حديث أبي قتادة وأمر النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه باكل الحمال الذي صاده، وأن طلحة النبي صلى الله عليه وسلم يدي -يقصد في حديث الصعب بن جثامة- بعلمه أنه صاد لأجله، أو يعني إما علم يقينا أو ظن ظنا غالبا، ويجوز العمل في غلبه الظن في هذه الموق. ويأخذ غلبه الظن حكم اليقين. فيقول أن هذا دليل، فيقول أن النبي صلى الله عليه وسلم إنما ترك الأكل في حديث الصعب بن جثامة لأنه علم أو ظن أنه صاده من أجله، ولذلك في حديث أبي قتادة أعمارهم أن يأكلون منه، بل قالها بل يعني أ نعم أمرهم أن يأكلوا منها في حديث الصعب بن جثامة، نعم في حديث أبي اقتاده.

فالجمع بينهما: في حديث أبي قتادة لم يصده من أجلهم، في حديث الصعب صاد من أجلهم، صاد يعني من أجل النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه. ويدل على هذا الجمع التفصيل الذي جاء في حديث جابر، والجمع بين الأدلة التي ظاهرها التعارض أولى من ترجيح بعضها على بعض؛ لأن في الجمع إعمالا للدليلين، وفي الترجيح إلغاء لدلالة بعضها، وإعمال الدليلين أقوى من إهمال أحدهما.

أحسن الله إليكم، قال رحمه الله تعالى: وعن طلحة أنه أهدي له طير وهو راقد، فاكل بعض اصحابه وهم محرمون، وتورع بعض، فلما استيقظ طلحة وفاق من أكل، وقال: أكلناه مع رسول الله صلى الله عليه وسلم. رواه مسلم.

وفي الموطا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج يريد مكة وهو محرم حتى إذا كان بالروحا إذا حمار وحشي عقير، فجاء البهزي وهو صاحبه، فقال: يا رسول الله شأنكم بهذا الحمار. فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا بكر فقسّمه بين الرفاق، وهو حديث صحيح.

وأحاديثهم إن لم يكن فيها ذكر أنه صيد من أجلهم فيتعين ضم هذا القيد إليها لحديثنا وجمعا بين الأحاديث ودفعا للتناقض عنها، ولانه صيد للمحرم فحرم كما لو أمر أو أعان.

هذا ذكر حديث طلحة، وفيه أنه أهدي له طير وهو راقد، فأكل بعض أصحابه وهم محرمون، وتورع بعض، فلما استيقظ طلحة وأفاق يعني صواب من أكل، وقال: أكلناه مع رسول الله صلى الله عليه وسلم. وهذا أنه إذا لم يصد لأجله جاز له أكله. وأيضا في حديث البهزي الذي قال للرسول صلى الله عليه وسلم: شأنكم بهذا الحمار. فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا بكر فقسّمه بين الرفاق؛ لأنه أيضا لم يصد لأجله. فيجمع بين الأحاديث فيما ذكره الإخوان: إذا صيد لأجله حرم، وإذا لم يصد لأجله لم يحرم.

وإن لم يكن في هذا القيد فيتعين ضم هذا القيد إليها لحديثنا، يعني لحديثنا الذي هو نص في الباب، وجمع بين الأحاديث تفعلت التناقض عنه كما قلنا الجمع مقدم الترجيح. قالوا: لأنه صيد للمحرم فحرم كما لو أمر أو أعان، يعني إذا أمر أو أعان، فإنه يقصد: يا أيها الحلال صد واطعمني، فكذلك إذا صيد لأجله، فكان هنا المناط هو استفادة المحرم أو قصد المحرم الاستفادة، سواء قصده المحرم ابتداء أو قصده الصائد ابتداء.