قال رحمه الله تعالى: فصل: وإن أحرم بحجتين أو عمرتين عقد بأحداهما ولغت الأخرى. وبه قال مالك والشافعي. وقال أبو حنيفة: ينعقد بهما وعليه قضاء إحداهما؛ لأنه أحرم بها ولم يتمها. ولنا أنهما عبادتان لا يلزمه المضي فيهما فلم يصح الإحرام بهما كالصلاتين.
وعلى هذا لو أفسد حجه أو عمرته لم يلزمه إلا قضاؤها، وعند أبي حنيفة يلزمه قضاؤهما معاً بناء على صحة إحرامه بهما. أحسنت، هنا إذا أحرم بحجتين أو عمرتين يعني عند النسك، عند التلبس، لبيك بحجة مفردة ولبيك معها بعمرة مفردة، يعني عمرة سيتمتع فلبى بحجتين، يعني حجة مفردة وحجة تمتع، أو عمرتين، لبى بعمرة مفردة وعمرتين مفردتين. فهنا هل ينعقد بهما كليهما؟ يقول: ينعقد بأحداهما وتلغو الأخرى.
نص الإمام أحمد رحمه الله فيمن أهل بحجه؛ لأنه لا يلزم إلا حجة، نقله القاضي أبو يعلى بالتعليق أو شيخ الإسلام في العمدة من رواية أبي طالب يقول هذا القول. القول الثاني: أنه ينعقد بهما، قالوا: عليه قضاء إحداهما لأنه أحرم بها ولم يتم، ينعقد بهما ويشرع في أحداهما. واستدل الجمهور على ذلك بأنهما عبادتان لم يلزمه المضي بهما فلا يصح الإحرام بهما يعني معاً كالصلاتين.
وعلى هذا فلا نلغي كلامه كاملاً، وإنما نلغي الزائد؛ لأنه أتى بكلام مشروع وغير مشروع، فأخذ بالكلام المشروع وألزم به، والكلام غير المشروع ألغاه ولا يلغيان معاً؛ لأن القاعدة أن إعمال الكلام أولى من إهماله، ولما صح لنا أن نعمل أحد الكلامين عملناه وأهملنا الآخر.
يترتب على هذا الخلاف لو أفسد حجه أو عمرته، فهنا يقضي حجتين ولا حجة واحدة؟ على القول الأول: أنه يقضي حجة واحدة أو عمرة واحدة؛ لأن الثانية لغت. وعلى القول الثاني: يلزمه قضاؤهما معاً؛ لأنه يصح إحرامه بهما.
ما قد يتاكد من قول أبي حنيفة رحمه الله؛ لأنه غالباً في المذهب المعين تفصيلات لا يستوفيها من يتكلم عن الخلاف العالي من غير أهل المذهب، قد يكون عنده تفصيلات ونحو ذلك لا يستوفيها. فمن أراد أن يتحقق من قول أحد الأئمة، سواء مالك أو الشافعي أو أبي حنيفة، فيتحقق القول من كتبهم والاستدلال من كتبهم. ولا يعني هذا أننا لا نثق بنقل الموفق رحمه الله أو غيره ممن ينقل الخلاف العالي وهو ليس من أهل المذهب المعين، لا، لكن قد يأخذون الخلاف باجماله ولا يتطرقون عن التفصيلات.
وهكذا من يتكلم على الخلاف العالي من غير فقهاء الحنابله إذا ذكر مذهب الحنابله قد يكون مذهب الحنابله فيه تفصيل وهو أخذ القول بإجماله، قد يكون مذهب الحنابله موافقاً لقول الجمهور، والقول الذي ذكره الحنابلة إنما هو قول صحيح في المذهب لكنه ليس عليه معتمد الأصحاب رحمهم الله تعالى. فتجد في بعض الكتب التي تتكلم عن الخلاف العالي من غير الحنابلة تجده يذكر أقوالاً في المذهب هي صحيحة أقوال في المذهب لكنها ليست هي المشهورة، والمشهور منها هو يوافق قول الجمهور، ويتنبه لذلك.
فاذا أردت الدقة في عزو الاقوال والأدلة للمذاهب فارجع في كل مذهب إلى كتبه.
نقف.
الشيخ عبدالله بن عبدالرحمن الميمان