بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. اللهم يا معلم آدم وإبراهيم علمنا، ويا مفهم سليمان فهمنا. اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً وعملاً صالحاً يا كريم. أما بعد:
فنحمد الله عز وجل على ما من من إتمام صيام شهر رمضان، ونسأله سبحانه أن يتقبل منا وأن يتجاوز عنا، وأن يوفقنا للتوبة النصوح. وكنا قد تكلمنا أو علقنا في العام الماضي على أول كتاب الحج من المغني، تم التعليق على المقدمة التي ذكر فيها شروط وجوب الصوم، ثم على باب المواقيت، ووقفنا على باب ذكر الإحرام.
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. اللهم اغفر لنا ولشيخنا ولجميع المؤمنين.
قال رحمه الله تعالى: باب ذكر الإحرام. مسألة: قال أبو القاسم: ومن أراد الحج وقد دخل أشهر الحج، فإذا بلغ الميقات فالاختيار له أن يغتسل.
قوله: وقد دخل أشهر الحج، يدل على أنه لا ينبغي أن يحرم بالحج قبل أشهر، وهذا هو الأولى. فإن الإحرام بالحج قبل أشهره مكروه؛ لكونه إحراماً به قبل وقته، فأشبه الإحرام به قبل ميقاته، ولأن في صحته اختلافاً. فإن أحرم به قبل أشهره صح، وإن بقي على إحرامه إلى وقت الحج جاز. نص عليه أحمد، وهو قول النخعي، ومالك، والثوري، وأبي حنيفة، وإسحاق. وقال عطاء، وطاوس، ومجاهد، والشافعي: يجعله عمرة؛ لقوله تعالى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ﴾ [البقرة: 197]. التقدير: وقت الحج أشهر، أو أشهر الحج أشهر معلومات، فحذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه. ومتى ثبت أنه وقته لم يجز تقديم إحرام عليه، كأوقات الصلوات.
ولنا قول الله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ ۖ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾ [البقرة: 189]. فدل على أن جميع أشهر ميقات، ولأنه أحد نسكي القران، فجاز الإحرام به في جميع السنة كالعمره، أو أحد الميقاتين، فصح الإحرام قبله كميقات المكان، والآية محمولة على أن الإحرام به إنما يستحب فيها.
أحسنت. هنا ذكر المؤلف رحمه الله تعالى باب ذكر الإحرام، ويتكلم في هذا الباب على الأشياء التي تشرع في بداية الإحرام أو قبله بيسير. يقول: من أراد الحج وقد دخل أشهر الحج فإذا بلغ الميقات له أن يغتسل.
هنا سيتكلم المؤلف رحمه الله تعالى عن مسألتين؛ المسألة الأولى في قوله: وقد دخل أشهر الحج، هل هذا شرط لصحة الإحرام بالحج، أو إنه إنما ذكر على سبيل الأفضلية؟ والامر الثاني: الاغتسال للإحرام.
هنا يقول: وقد دخل أشهر الحج، يدل على أنه لا ينبغي أن يحرم بالحج قبل أشهره وهذا هو الأولى، فإن الإحرام بالحج قبل أشهره مكروه. إذاً، هذا هو القول الأول: أن قوله وقد دخل أشهر الحج هذا على سبيل الاستحباب، وانه الأفضل أن يحرم بالحج إذا دخلت أشهره وبداية أشهره من إهلال شهر شوال. وأما إذا أحرم به قبل أشهره فإحرام بالحج صحيح لكنه مكروه، لذلك قال: فإن الإحرام بالحج قبل أشهره مكروه. وهذا هو المذهب المنصوص المختار للأصحاب، نص عليه الإمام أحمد رحمه الله في رواية ابن منصور قال: إذا أهل بالحج في غير أشهره فهو مكروه. وحمله القاضي على كراهة التنزيه، لأن الكراهة في كلام المتقدمين يريدون بها أحياناً كراهة التنزيه، ويريدون بها أحياناً كراهة التحريم. فحملها القاضي على كراهة التنزيه.
واستدل لصحة الإحرام بالحج قبل أشهره بأمرين؛ يعني الدليل الأول يدل على الصحة، والدليل الثاني يدل على الكراهة. أما دليل الصحة فالقياس على الإحرام بالحج قبل ميقات المكان، وهذا تقدم معنا سابقاً في باب المواقيت وأنه من أحرم بالحج قبل الميقات المكاني فانه يصح إحرامه مع الكراهة. والأمر الثاني الدليل الثاني، وهو يدل على الكراهة، أن في صحته اختلافاً؛ أن من العلماء من يقول: لا يصح الإحرام بالحج قبل أشهره، كما هو القول الثاني. فلما كان في صحته اختلاف، قالوا إن هذا الاختلاف يدل على كراهته وأنه ليس على سبيل الجواز المجرد.
قال: فإن أحرم به قبل أشهره صح، وإذا بقي على إحرامه إلى وقت الحج صح، وله أن يبقى على الإحرام إلى وقت الحج. ويدل قوله جاز على أنه له أن يفسخه إلى عمرة، لكن يفسخه إلى عمرة فإذا جاء أشهر الحج فإنه يحج هذه السنة. قال نص عليه أحمد رحمه الله في رواية أبي طالب وسندي، قال: من أحرم بالحج في غير أشهر الحج لزمه الحج إلا أن يريد فسخه بعمره فله ذلك. يقول القاضي رحمه الله: فقد نص على انعقاده واجاز له فسخه إلى العمره بناء على أصله في جواز فسخ الحج إلى العمره. لكن إذا فسخه إلى عمره لا تكون العمره هذه عمره مجردة، بمعنى أنه يعتمر ويرجع إلى بلده ولا يحج، لا، لابد أن يعتمر ويحج من ذلك العام.
وذكر القول الثاني قال قال عطاء وطاوس ومجاهد والشافعي: يجعله عمرة. وهذا يحتمله كلام الخرقي، كما ذكره الزركشي؛ لأن الخرقي قال: وقد دخل أشهر الحج، فيحتمل أن يراد أنه على سبيل الاشتراط، ويحتمل أنه يريد أنه على سبيل الاستحباب. وهذا القول ذكره القاضي رواية عن الإمام أحمد رحمه الله واختاره ابن حامد والآجري والزركشي رحمهم الله تعالى.
لكن هل المراد أنه يفسخ الحج إلى عمرة، يعني ينعقد حجا ويلزمه فسخه إلى عمرة، أو المراد أنه ينعقد عمرة؟ قيل المراد أنه يفسخه إلى عمرة، ينعقد حجا لكن يفسخه إلى عمرة، وبهذا فسره القاضي جمعا بين الروايتين. ولكن شيخ الإسلام رحمه الله في شرح العمدة ذكر أنه يريد الإمام أحمد رحمه الله أنه ينعقد عمرة؛ لأن الإمام رحمه الله تعالى تبع في ذلك عطاء، وعطاء فقيه المناسك في زمنه، والامام أحمد رحمه الله تبعه في مسائل في المناسك. فقصد الإمام رحمه الله تعالى بقوله إنه يجعله عمرة اتباع عطاء في هذا القول.
ذكر المؤلف رحمه الله دليل القول الثاني، دليل القول الثاني وهو قوله تعالى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ﴾ [البقرة: 197]. تقديره: وقت الحج أشهر، أو أشهر الحج أشهر، فحذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه في الإعراب وفي المعنى. قال: ومتى ثبت أنه وقته؛ يعني الحج وقته في هذه الأشهر، فانه لا يجوز تقديم على وقته، كأوقات الصلاة. الآن اوقات الصلاة، مثلاً صلاة الظهر، يدخل وقت الظهر بزوال الشمس، لو كبر تكبيره الإحرام قبل الزوال فانه لا ينعقد إحرامه فرضا لكنه ينعقد نفلا إذا كان لم يعلم بدخول الوقت. وأيضا يستدلون باثر عن ابن عباس رضي الله عنهما يقول: من السنة ألا يحرم بالحج إلا في أشهر الحج. والسنة في كلام ابن عباس أي الطريقة والشريعة.
وذكر دليل القول الأول، قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ ۖ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾ [البقرة: 189]. قال: فدل على أن جميع الأشهر ميقات. هذا الدليل الأول. لماذا؟ الأهلة الآن مواقيت للناس، يعني في تعاملاتهم فكل الأهلة أهلة الأشهر الاثني عشر كلها مواقيت للناس في تعاملاته. فللشخص إذا تعامل تبايع شخصاً، قال له: بثمن مؤجل واتفقوا على أن يكون السداد مثلاً في الخامس عشر من شهر الله المحرم، فهم ربطوه بهلال المحرم، فإذا أهل المحرم يعدون خمسة عشر يوماً ويحل الأجل. وكذلك لهم يربطوه بهلال صفر أو ربيع أو جمادى ونحوه، فكل الأشهر مواقيت للناس. فلما كانت كل الأشهر مواقيت للناس كانت أيضاً كلها مواقيت للحج، لأن الحج هنا معطوف على الناس، فإذن تكون الأشهر كلها مواقيت للناس والحج.
وهذا الاستدلال انتقده شيخ الإسلام رحمه الله في شرح العمدة وذكر أن هذا غلط. وذلك لأن المواقيت تكون فيما يحتاج الناس فيه إلى توقيته ويحصل فيه الاختلاف بينهم؛ فلذلك يعني في المبايعات لو لم يوقوه، يعني كان البيع مؤجل ولم يوقوه بمده معينة، فانه يحصل خلاف بينهم في السداد من عدمه. لكن الحج ما في خلاف في الأشهر السابقة لأشهر الحج، فلذلك يقول ذكر الشيخ رحمه الله أنه لا يصح الاستدلال بهذا الدليل على جواز الاحرام بالحج قبل أشهره، وحمل الآية على أن الأهلة هنا جنس والجنس يصدق بالواحد والاثنين والثلاثة، فيحمل إذن، فتحمل الآية على أن جنس الأهلة مواقيت للحج، وتحمل على ما عرف أنه أشهر الحج وهي أشهر الحج الثلاثة: شوال، ذو القعدة، وذو الحجة إما كاملاً أو عشرة أيام من على الخلاف.
وذلك ونظير ذلك قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ﴾ [آل عمران: 173]. الناس الآن في الآيتين اسم جنس جمعي. هل يصدق على كل الناس؟ لا. الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم، هذا بعد غزوة أحد، جاء نعيم بن مسعود إلى الصحابه إلى النبي صلى الله عليه وسلم والصحابه وذكر لهم أن أبا سفيان ومن معه يعدون العدة للرجوع عليكم. فإذن، الناس في الآية الأولى نعيم بن مسعود، والناس في الآية الثانية أبو سفيان وأصحابه. فيقول الشيخ رحمه الله أن الأهلة في الآية اريد بها بعضها، مثل الناس في الآية الأخرى اريد بهم بعضهم.
طيب، الدليل الثاني للقول الأول، القياس، يقول: القياس على العمرة. يقول: طبعا القياس شبه الحج أو النعم الحج هو أحد نسكي القران، لأن القران هو جمع بين الحج والعمرة. فلما كانت العمرة تجوز في جميع السنة، كان الحج يجوز في يجوز الإحرام به في جميع السنة، أو يصح الإحرام به في جميع السنة. لماذا؟ لشبهه بالعمرة في أن كل منهما نسك قران.
وأيضا الدليل الثالث: القياس على الميقات المكاني. الميقات المكاني يجوز الإحرام به قبل، يجوز الإحرام بالنسك قبل الوصول للميقات المكاني، فكذلك يجوز الإحرام به قبل الميقات الزماني. وحملوا الآية على اللي هي آية الحج المعلومات على أن الإحرام به إنما يستحب فيها، ولا يعني هذا أنه لا يصح قبلها. وحمل الزركشي على ما عدا الإحرام من افعال الحج، يقول: إن الحج أشهر معلومات، فتوقع جميع افعال الحج في هذه الأشهر ما عدا الإحرام. قال: أو يقال إن الإحرام مستصحب فيها، فيكتفى بالجزء الواقع فيها، فما خرج من فعل الحج... يعني يقول إنه لو أحرم مثلاً بالحج في رمضان، فهو سيستمر على إحرامه إلى دخول أشهر الحج، فكونه إذا أحرم كونه استمر على إحرام في أشهر الحج هذا كافي، كونه استمر على إحرامه في أشهر الحج هذا كافي.
وحمل أثر ابن عباس السابق في قول: من السنة لا يحرم بالحج إلا في أشهر الحج، على السنة المقابلة للواجب. وهذا له نظير في كلام النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن الله فرض صيام رمضان وسننت لكم قيامه»؛ يعني السنة المستحبه. نعم.
الشيخ عبدالله بن عبدالرحمن الميمان