دخولتسجيل الدخول

التعليق على المغني - كتاب الحج - باب ذكر الإحرام 1 - الاغتسال قبل الإحرام

عبدالله بن عبدالرحمن الميمانالشيخ عبدالله بن عبدالرحمن الميمان
  • مدة الدرس:
  • قراءة

قال رحمه الله تعالى: وعلى كل حال؛ فمن أراد الإحرام استحب له أن يغتسل قبله في قول أكثر أهل العلم، منهم: طاووس، والنخعي، ومالك، والثوري، والشافعي، وأصحاب الرأي؛ لما روى خارجة بن زيد بن ثابت عن أبيه أنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم تجرد لإهلاله واغتسل، رواه الترمذي وقال: حديث حسن غريب.

وثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر أسماء بنت عميس وهي نفساء أن تغتسل عند الإحرام، وأمر عائشة أن تغتسل عند الإهلال بالحج وهي حائض. ولأن هذه العبادة يجتمع لها الناس؛ فسن لها الاغتسال كالجمعة. وليس ذلك واجباً في قول عامة أهل العلم. قال ابن المنذر: أجمع أهل العلم على أن الإحرام جائز بغير اغتسال وأنه غير واجب. وحكي عن الحسن أنه قال: إذا نسي الغسل يغتسل إذا ذكر.

وقال الأثر: سمعت أبا عبد الله قيل له عن بعض أهل المدينة من ترك الاغتسال عند الإحرام فعليه دم، لقول النبي صلى الله عليه وسلم لأسماء وهي نفساء: «اغتسلي»، فكيف الطاهر؟ وأظهر التعجب من هذا القول. وكان ابن عمر يغتسل أحياناً ويتوضأ أحياناً، وأي ذلك فعل أجزأه، ولا يجب الاغتسال ولا نقل الأمر به إلا لحائض أو نفساء.

ولو كان واجباً لأمر به غيرهما، ولأنه لأمر مستقبل فأشبه غسل الجمعة. أحسنت، هنا قال: من أراد الإحرام استحب له أن يغتسل قبله في قول أكثر أهل العلم رحمهم الله تعالى، واستدل على ذلك بفعل النبي صلى الله عليه وسلم لما روى خارجة بن زيد بن ثابت، وهو أحد فقهاء المدينة السبعة المجموعون في قول الشاعر: إذا قيل من في العلم سبعة أبحر روايتهم عن أهل العلم ليست في خارجة، فقل هم: عبيد الله، عروة، قاسم، سعيد، أبو بكر، سليمان، وخارجه.

عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، مسعود، عروة بن الزبير، سالم بن عبد الله بن عمر. فقهاء المدينة: عبيد الله، عروة، قاسم -نعم، قاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق-، سعيد بن المسيب، أبو بكر بن عبد الرحمن، سليمان بن يسار، وخارجه بن زيد بن ثابت، أنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم تجرد لإهلاله واغتسل.

وثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر أسماء بنت عميس -هذا في حجة الوداع لما نفست بمحمد بن أبي بكر الصديق رضي الله عنهما-، وينظر إلى حرص الصحابة رضي الله تعالى عنهم على استغلال فرصة الحج مع النبي صلى الله عليه وسلم. يعني أسماء بنت عميس زوجه أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنهما كانت على وشك ولادة، مع ذلك لم تضيع الفرصة. يعني النبي صلى الله عليه وسلم خرج من المدينة إلى الحليفة ومكث فيها يوماً، وهي ولدت في ذلك اليوم يعني بعد مسيرهم بيوم ولدت رضي الله تعالى عنها، ثم سئل النبي صلى الله عليه وسلم كيف تفعل؟ فأمرها أن تهل وتغتسل.

يعني انظر لو أنها لم تستغل هذه الفرصة لفات عليها صحبة الحج مع النبي صلى الله عليه وسلم، لأنها فرصة واحدة؛ النبي صلى الله عليه وسلم لم يحج بعد الهجرة إلا حجة الوداع. أيضاً في أمر النبي صلى الله عليه وسلم لعائشة أن تغتسل وتهل وهي حائض. فهذه الأحاديث تدل على شرعية الاغتسال لمن أراد النسك. أيضاً من المعنى: أن هذا مكان يجتمع فيه الناس، وقد دلت الأدلة العامة في الشريعة على أن أماكن اجتماع الناس ينبغي أن يخرج الإنسان لها بأحسن هيئة، ولذلك شرع الاغتسال للجمعة، واغتسال للعيد، ومستحسن الثياب، فكذلك في الإحرام لأنه مكان اجتماع الناس.

قال: وهذا الاغتسال مشروع بالإجماع، مشروع بالإجماع وليس بواجب. وحكي عن الحسن أنه إذا أراد الإحرام يغتسل، فإذا نسيه ثم ذكره فإنه يأتي به، ولعله رأى وجوبه أو تأكده تأكداً كبيراً. الإمام أحمد رحمه الله نقل له عن بعض المدنيين أنه قال: من لم يغتسل عند الإحرام فعليه دم، لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر به أسماء بنت عميس وهي نفساء فكيف بالطاهر؟ فالامام أحمد رحمه الله أظهر التعجب منه، وهو تعجب استنكار لا استحسان، وذلك لأنه ليس عليه العمل.

ومما يدل على أنه ليس على الوجوب: أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يامر به أمرا عاماً، إنما فعله وامر به في قضايا خاصة، يعني سئل فأمر. وهذا يدل على نزوله عن رتبه الأمور الواجبة، والاغتسال ليس على سبيل الوجوب. لذلك قال: ولا نقل الأمر به إلا لحائض أو نفساء، ولو كان واجباً لأمر به غير ما أمر به أمراً عاماً.

قال: ولأنه لأمر مستقبل فأشبه غسل الجمعة. وهذا ضابط يذكرونه، وهو أن ما كان سبب الغسل فيه أمراً مستقبلاً، فإنه على سبيل الاستحباب. وما كان سببه أمراً ماضياً، فإنه على سبيل الوجوب؛ أمر ماضي مثل الجنابة أو إسلام الكافر، فهو على سبيل الوجوب. هذا أغلبي وليس مضطردأ، بدليل أنه يسن الغسل بعد الإغماء وهو لأمر ماض وليس مستقبلاً.