باب المواقيت. نعم، قال رحمه الله تعالى: فصل: فما جاوز الميقات ممن لا يريد النسك، فهو على قسمين: أحدهما: لا يريد دخول الحرم بل يريد حاجة فيما سواه، فهذا لا يلزمه الإحرام بغير خلاف ولا شيء عليه في ترك الإحرام، وقد أتى النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه بدراً مرتين، وكانوا يسافرون للجهاد وغيره فيمرون بذي الحليفة فلا يحرمون ولا يرون بذلك باسْاً.
احسنت. متى هنا يتكلم عن من جاوز الميقات وهو لا يريد النسك. في الفصل الماضي كان يتكلم عن من جاوز الميقات وهو يريد النسك، فلا بد أو فيجب عليه الإحرام من الميقات. طيب، إذا جاوز الإحرام وهو لا يريد النسك فقال: هذا على قسمين، القسم الأول: من لا يريد دخول الحرم بل يريد حاجة فيما سواه، كمن جاء متجاوزاً ميقات ذي الحليفة متجهاً إلى كذا، فهذا يقول لا يلزمه الإحرام بغير خلاف. والدليل أن النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة -يعني النبي صلى الله عليه وسلم أتى بدراً مرتين، وبدر مجاوزه لميقات الحليفة- ومع ذلك فلم يحرم النبي صلى الله عليه وسلم ولا أصحابه، لأنهم كانوا يريدون موضعاً دون مكة، وكذلك كانوا يسافرون للجهاد وغيره يمرون ولا يحرمون، فهذا دليل على أنه لا يلزم الإحرام من الميقات لمن لم يرد النسك ولم يرد الحرم.
نعم، احسن الله اليك. قال رحمه الله: ثم متى بدا لهذا الإحرام وتجدد له العزم عليه، أحرم من موضعه ولا شيء عليه، هذا ظاهر كلام الخرقي، وبه يقول مالك والثوري والشافعي وصاحب أبي حنيفة. وحكى ابن المنذر عن أحمد في الرجل يخرج لحاجة وهو لا يريد الحج فجاوزه، ثم أراد الحج، يرجع إلى ذي الحليفة فيحرم، وبه قال إسحاق، لأنه أحرم من دون الميقات فلزمه الدم كالذي يريد دخول الحرم. والأول أصح، وكلام أحمد يحمل على من يجاوز الميقات ممن يجب عليه الإحرام لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «فهن لهن ولمن أتي عليهن من غير أهلهن ممن كان يريد حجاً أو عمرة»، ولانه حصل دون الميقات على وجه مباح فكان له الإحرام منه كاهل ذلك الزمان، ولأن هذا القول يفضي إلى ذلك المكان كاهل ذلك المكان.
احسنت. ولانه حصل دون الميقات على وجه مباح فكان له الإحرام منه كاهل ذلك المكان، ولأن هذا القول يفضي إلى أن من كان منزله دون الميقات إذا خرج إلى الميقات ثم عاد إلى منزله واراد الإحرام لزمه الخروج إلى الميقات، ولا قائل به، وهو مخالف لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ومن كان منزله دون الميقات فمهله من أهله».
طيب، احسنت. يقول إن هذا الذي جاوز الميقات وهو لا يريد النسك، لو أنه بعدما أنهى حاجته التي جاوز لأجلها الميقات، أراد أن ينزل إلى مكة لأجل أخذ عمرة مثلاً، فهل لابد أن يرجع إلى الميقات؟ وهذا طبعا الكلام مفترض فيمن كان لما جاوز الميقات لا يريد النسك، أما لو كان من الأصل يريد النسك فنقول لابد أن يحرم من الميقات أو إذا أنهى حاجته يرجع إلى الميقات. لكن إذا كان لا يريد نسكاً، هو أصلًا ذهب من مثلاً المدينة إلى جدة لحضور زواج في جدة ثم سيرجع إلى المدينة، لما حضر الزواج قال: أنا قريب من مكة لماذا أرجع، مباشرةً سانزل إلى مكة وأخذ عمرة، ما تجدد له العزم إلا في جدة، فهل لابد أن يرجع إلى ميقات ذي الحليفة أو لا؟ ذكر لك خلاف على قولين، أكثر اهل العلم على أنه لا يلزمه الرجوع للميقات بل يحرم من موضعه، فيحرم من جدة، وهذا أشهر الروايتين عن الإمام أحمد وهو قول الجمهور. القول الثاني قال حكاه ابن المنذر عن أحمد أن في الرجل يخرج لحاجة وهو لا يريد الحج فجاوز ذا الحليفة ثم أراد الحج، يرجع إلى ذي الحليفة فيحرم، وهذا أيضاً نقله البغوي في مسائله -البغوي الذي يقال له ابن بنت منيع- في مسائله عن أحمد رحمه الله تعالى، وبه قال إسحاق بن راهويه.
ودليلهم القياس على من جاوز الميقات وهو مريد للنسك، قال: لأنه أحرم من دون الميقات فلزمه الدم كالذي يريد دخول الحرم، القياس على من جاوز الميقات مريداً دخول الحرم، ليس مريد النسك بل مريد دخول الحرم. المؤلف رحمه الله رجح الأول، وذكر أن كلام أحمد رحمه الله يحمل على من جاوز الميقات ممن يجب عليه الإحرام، والذي سياتينا في المسألة أو في القسم الثاني. واستدل المؤلف رحمه الله تعالى على ترجيح هذا القول بأربعة أمور: الأول: قول النبي صلى الله عليه وسلم: «فهن لهن لمن أتي عليهن من غير أهلهن ممن كان يريد حجاً أو عمرة»، وهو لما أراد النسك، وهو لما جاوز الميقات لم يرد الحج ولا العمرة. والدليل الثاني: أنه حصل دون الميقات على وجه مباح فكان له الإحرام، يعني أنه جاوز الميقات إلى جدة مثلاً وكان في ذلك، في تلك الحال لما جاوز الميقات لم يجب عليه من الأصل الإحرام لأنه كان سيريد جدة فقط، فلم يجب عليه الرجوع قياساً على أهل جدة أنفسهم، قال: كاهل ذلك المكان.
الثالث: أن هذا القول يعني بلزوم الرجوع للميقات يلزم منه لازم باطل، وهو أنه لو كان شخص من أهل جدة مثلاً ذهب إلى المدينة ثم أراد الرجوع إلى بلده فجاوز ميقات ذي الحليفة، ثم بعد ذلك أراد لما جاوز الميقات ذي الحليفة ووصل إلى جدة أراد أن يذهب إلى مكة، فيقول: لو قلنا له لمن ليس من أهل جدة إنك إذا ذهبت إلى جدة ماراً بميقات ذي الحليفة وأنت لا تريد الحرم ثم بد لك أن تذهب إلى الحرم فإنك ترجع إلى جدة، يقول: كذلك نقول لأهل جدة، كذلك إذا ذهبتم إلى المدينة ثم رجعتم إلى جدة وأنتم لا تريدون الحرم ثم بد لكم أن تذهبوا إلى جدة إلى إلى مكة فإنكم يلزم أن ترجعوا إلى ميقات ذي الحليفة، وهذا اللازم باطل فيلزم منه بطلان ذلك القول، وأيضاً أنه مخالف لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ومن كان منزله دون الميقات فمهله من أهله»، لأن من عزم على النسك وهو دون الميقات فانه يأخذ حكم أهل ذلك المكان الذي عزم فيه على النسك. نعم، هذا إذاً هذا القسم الأول وهو من لا يريد دخول الحرم، لأنه قال: من لا يريد النسك، أما أن لا يريد دخول الحرم، على قسمين، أما أن لا يريد دخول الحرم والثاني من يريد دخول الحرم.
نعم، القسم الثاني احسن الله اليك. قال رحمه الله تعالى: القسم الثاني: من يريد دخول الحرم، أما إلى مكة أو غيرها، فهم على ثلاثة أضرب: أحدها: من يدخلها لقتال مباح أو من خوف أو لحاجة متكررة، كالحشاشين والنيَّرة والفَيّاد ومن كانت له ضيعة يتكرر دخوله وخروجه إليها، فهؤلاء لا إحرام عليهم، لأن النبي صلى الله عليه وسلم دخل يوم الفتح مكة حلالاً وعلى راسه المغفر، وكذلك أصحابه، ولم نعلم أحداً منهم أحرم يومئذ. ولو أوجبنا الإحرام على كل من يتكرر دخوله أفضى إلى أن يكون جميع زمانه محرماً وسقط للحرج. وبهذا قال الشافعي. وقال أبو حنيفة: لا يجوز لأحد دخول الحرم بغير إحرام إلا من كان دون الميقات، لأنه يجاوز الميقات مريداً للحرم فلم يجز بغير إحرام كغيره. ولنا ما ذكرناه، وقد روى الترمذي أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل يوم الفتح مكة وعلى راسه عمامة سوداء وقال: هذا حديث حسن صحيح. ومتى أراد هذا النسك بعد مجاوزة الميقات أحرم من موضعه كالقسم الذي قبله، وفيه من الخلاف ما فيه.
احسنت. هنا يقول: من يريد دخول الحرم، أما إلى مكة أو غيرها، هذا قلنا لكم بالامس أن هذا كان على وقتهم، كانت مكة أصغر مما هي عليه الان، فكان الحرم -يعني- يشمل مكة وغيرها، أما على وضعنا الحالي فإن الحرم جزء من مكة. طيب، من يريد دخول الحرم إذن فيه على ثلاثة أضرب: أما أن يدخلها لحاجة متكررة، أو لقتال مباح ونحو ذلك. والقسم الثاني: أن يكون غير واجب عليه الإحرام -يعني لم يتحقق له شرط وجوب شرط وجوب النسك من حج أو عمرة- يكون إما كافراً أو صغيراً أو مجنوناً أو رقيقاً ونحو ذلك. والقسم الثالث: من لا يكون هذا ولا هذا، يعني يدخلها ليس لحاجة متكررة ولا لقتال ولا خوف ونحو ذلك، ويكون بالغاً.
بدأ بالقسم الأول فيقول: هذا في قول أكثر اهل العلم أنه لا إحرام عليه، بدليل أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل يوم الفتح مكة حلالاً وعلى رأسه المغفر، وأصحابه، ولم يحرم أحد منهم، ولو أوجبنا الإحرام هذا الدليل على من من يدخلها لقتال مباح وأيضاً من يشمل من يدخلها لخوف، والذي يدخل لحاجة متكررة. الدليل الثاني يقول: لو أوجبنا الإحرام على كل من يتكرر دخوله أفضى إلى أن يكون جميع زمانه محرماً، فسقط الحرج، مثلاً شخص يجلب اللحوم لأهل الحرم أو يجلب الخضار لأهل الحرم، وقلنا: كلما تأتي إلى الميقات تحرم، فانه سيحرم كل يوم أو كل يومين، فيكون في مشقة شديدة عليه ويفضي إلى أن لا يأتي إلى مكة ويجلب لهم مصالحهم فيتضرر أهل مكة بذلك فيكون فيه ضرر إما عليه أو على أهل مكة، فسقط ذلك الحرج. أبو حنيفة يقول: لا يجوز لأحد دخول مكة -نعم مجاوزة الميقات- إلا محرماً، ويقول: من كان دون الميقات فهذا لا باس أن يدخل الحرم ولو كان غير محرم، مثل أهل جده ونحوهم، وهو يقيس الحاجات المتكررة على من ليس له حاجة متكررة. والجمهور على الأول لما ذكر من أدلة، وذكر أيضاً روى الترمذي وهو في صحيح مسلم: أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل يوم الفتح وعلى رأسه عمامة سوداء. طيب، متى أراد هذا النسك بعد مجاوزة الميقات؟ يعني مثلاً الذي له حاجة متكررة لو أنه لما جاوز الميقات ووصل إلى مكة أو قبل أن يصل إلى مكة بد له أن يأخذ عمرة، فنقول يحرم من موضعه كما قلنا في أهل القسم الأول، وفيه من الخلاف ما في القسم الأول.
نعم، احسن الله اليك. قال رحمه الله تعالى: النوع الثاني: من لا يكلف الحج، كالعبد والصبي والكافر إذا أسلم بعد مجاوزة الميقات، أو عتق العبد وبلغ الصبي وارادوا الإحرام، فانهم يحرمون من موضعهم ولا دم عليهم. وبهذا قال عطاء ومالك والثوري والأوزاعي وإسحاق، وهو قول أصحاب الراي في الكافر يسلم والصبي يبلغ، وقالوا في العبد عليه دم. وقال الشافعي في جميعهم على كل واحد منهم دم. وعن أحمد في الكافر يسلم كقوله، ويتخرج في الصبي والعبد كذلك قياساً على الكافر يسلم، لأنهم تجاوزوا الميقات بغير إحرام وأحرموا دونه فلزم الدم كالمسلم البالغ الحر. ولنا أنهم أحرموا من الموضع الذي وجب عليهم الإحرام منه فأشبهوا المكي ومن قرية دون الميقات إذا أحرم منها، وفارقوا من يجب عليه الإحرام إذا تركه لأنه ترك الواجب عليه.
احسنت. هذا القسم الثاني من جاوز الميقات -يعني غير مريد للنسك وإنما يريد الحرم- لكن كان حين مجاوزة الميقات لا يجب عليه النسك، يعني لم يتحقق فيه أحد شروط أحد شروط وجوب الحج، أما أن يكون عبداً أو صغيراً أو مجنوناً أو كافراً، فهؤلاء ثم ثم تحقق لهم شرط الوجوب بعد ثم تحقق لهم شرط الوجوب بعد مجاوزة الميقات، فهل يلزمهم الرجوع أو لا؟
هذا ذكر لك الخلاف في الأربعة أقوال: القول الأول: أنهم يحرمون من موضعهم ولا دم عليهم، وهذا نص عليه الإمام أحمد في العبد في رواية ابن منصور، وذكر له قول سفيان الثوري رحمه الله في مملوك جاوز المواقيت بغير إحرام منعه موالمه من أن يحرم حتى وقف بعرفه -ثم أذنوا له في عرفة- فقال: يحرم من مكانه وليس عليه دم لأن سيده منعه، قال أحمد: جيد حديث أبي رجاء عن ابن عباس هذا العبد. ونقل عنه ابن منصور في نصراني أسلم بمكة ثم أراد أن يحج، قال: هو بمنزله من ولد في مكة وكان من أهل مكة. وقال القاضي: ظاهر هذا أنه لا يلزمه الإحرام من الميقات ولا دم عليه. وأيضاً يدل عليه في النصراني أن
الإسلام يجب ما قبله، فححكم الخطاب إنما تعلق به إذا يعني في موضعه الذي أسلم فيه. ونقل حنبل عن الإمام أحمد أن عطاء يقول في الذمي يسب مكة يخرج الميقات، قال أحمد يحرم من مكة من موضع أسلم. فهذه نصوص الإمام أحمد في المملوك وفي الكافر يسلم، ويقاس عليهم الصبي والمجنون.
القول الثاني قول أصحاب الراي، أنهم يقولون: نعم، نحن معكم في الكافر إذا أسلم دون الميقات أنه يحرم من مكانه، والصبي يبلغ دون الميقات فانه يحرم مكانه، أما العبد لا، قالوا يرجع ويحرم من الميقات.
القول الثالث قول الشافعي، أن على كل واحد منهم دم، يعني كل الثلاثة والربعة هؤلاء إذا أحرم من دون الميقات فعليهم دم فيلزمهم بالرجوع.
والقول الرابع رواية عن الإمام أحمد، أن الكافر إذا أسلم فانه يلزمه الرجوع، أما الصبي والعبد والمجنون فإنه لا يلزمه الرجوع، وهذه الرواية ذكرها القاضي. طب القاضي أبو يعلى رجح هذه الرواية، وأبو الخطاب والشريف أبو جعفر وابن عقيل رجحوا هذه الرواية، وذكر القاضي في التعليق أنها أصح الروايتين، نص عليها الإمام أحمد في رواية أبي طالب في نصراني أسلم بمكة قال: يخرج إلى الميقات فيحرم، فان خشي الفوات أحرم من مكة ولا دم.
ووجه ذلك أنه حر بالغ عاقل لا يتكرر دخوله إلى مكة، فإذا دخلها لغير قتال وأحرم من دون الميقات لزمه دم كالمسلم. طيب، فان قيل المسلم يلزمه دم بمجاوز الميقات، وليست ذمي كذلك، يعني المسلم مكلف، فإذا جاوز الميقات وأحرم من دونه لازمه دم لأنه مكلف، أما الكافر فمن الأصل لا يلزمه الدم إذا جوز الميقات لأنه غير مكلف بالحج. هذا إشكال أورده أصحاب القول أولاً هذا القول، فأجابوا عنه قالوا بأنه بإمكانه الإسلام والاحرام -يعني مو مثل المجنون بإمكانه يعقل أو الصبي بإمكانه يبلغ ليست بأيديهم أو العبد بإمكانه يعتق ليس بيده- لكن الكافر بيده أن يسلم ويحرم، فإذا لم يفعل مع تمكنه وجب عليه الدم كالمسلم إذا ترك الإحرام من الميقات.
الموفق قال: ويتخرج يعني على هذه الرواية في الصبي والعبد كذلك قياساً على الكافر أسلم، لأنهم تجاوزوا ميقات بالغ أحرام وأحرم دونه فلزمه الدم كالمسلم الحر. الحقيقة أن هذا التخريج هل هو مسلم أو لا؟ الزركشي يقول: تخريج غير مسلم. لماذا؟ يقول: الذي دعا الأصحاب أو من ذكر من الأصحاب أن يقول في الكافر إنه يلزمه الإحرام يلزمه أن يرجع الإحرام من الميقات، هذا بناء على ما قرروه في أصول الفقه أن الكفار مخاطبون بفروع الشريعه، فيقول: لأجل ذلك قالوا بأنه يلزم الإحرام من الميقات رجع الإحرام، أما الصبي والمجنون والعبد هؤلاء لا يتحقق فيهم هذا الأمر، لذلك منع الزركشي هذا التخريج لأن العلة في الكافر أنه مخاطب بالشريعة.
هنا ذكر المؤلف رحمه الله دليل القول الأول قال: إنهم أحرموا من الموضع الذي وجب عليهم الإحرام، لأنهم قبله لم يجب عليهم النسك، فلما تحقق عليهم الوجوب بعد الميقات صاروا في حكم المكي، وكذلك من دون الميقات صاروا في حكمه، فاسم المكي من قرية دون الميقات إذا حرم. قالوا: فارق من يجب عليه الاحرام إذا تركه، هذا رد على دليل المخالف، لأن المخالف يقول: هو أصلاً يجب عليه الإحرام من الميقات فلزمه الرجوع إليه، قالوا: لا فارق على ذلك، لماذا؟ لان الذي يجب عليه الإحرام إذا تركه -اللي مثلاً البالغ العاقل- أصلاً من الأصل هو مكلف بذلك، فإذا تركه فقد ترك واجباً عليه، بخلاف الكافر والصبي والعبد والمجنون، كانوا لما مروا الميقات أو حذوه لم يجب عليهم، فلم يتركوا واجباً عليهم، فلذلك لم نلزمهم بالرجوع، إنما ألزمنا البالغ بالرجوع لأنه ترك واجباً عليه، وهؤلاء لم يتركوا واجباً عليهم فلذلك لم نلزمهم بالرجوع.
النوع الثالث المكلف الذي يدخل لغير قتال ولا حاجة متكررة، فلا يجوز له تجاوز الميقات غير محرم. وبه قال أبو حنيفة وبعض أصحاب الشافعي، وقال بعضهم: لا يجب الإحرام عليه، وعند أحمد ما يدل على ذلك، وقد روي عن ابن عمر أنه دخلها بغير إحرام، ولانه أحد الحرمين فلم يلزم الإحرام لدخوله كحرم المدينة، ولان الوجوب من الشارع ولم يرد من الشارع إيجاب ذلك على كل داخل فبقي على الأصل.
ووجه الأول أنه لو نذر دخولها لازمه الإحرام، ولو لم يكن واجباً لم يجب بنذر الدخول كسائر البلدان. إذا ثبت هذا، فمتى أراد هذا الإحرام بعد تجاوز الميقات رجع فأحرم منه، فان أحرم من دونه فعليه دم كالمزيد للنسك. أحسنت، يكون الثالث المكلف -مكلف لإخراج غير المكلف الذي هو مر معنا في النوع الثاني- الذي يدخل يعني يدخل يجاوز الميقات ويدخل الحرم لغير قتال ولا حاجة متكررة، هذا لإخراج مرده في القسم الأول. فهذا ذكر فيه القولين؛ القول الأول: إنه لا يجوز له تجاوز الميقات غير محرم، وهذا مروي عن ابن عباس، حيث قال ابن عباس: لا يدخل إنسان مكة إلا محرماً إلا الحمالين والحطابين وأصحاب منافعها، احتج به أحمد رحمه الله تعالى، قالوا: والإمام أحمد نص عليه في رواية ابن منصور وابن إبراهيم. والقول الثاني قالوا بها قال أبو حنيفة وبعض أصحاب الشافعي وهو قول مالك أيضاً. والقول الثاني: أنه لا يجب الإحرام عليه، قول بعضهم يعني بعض أصحاب الشافعي أن قال بعض أصحاب الشافعي قال بعضهم أي بعض أصحاب الشافعي لا يجب الإحرام عليه، وأن أحمد ما يدل على ذلك أو ما إلى هذا الإمام أحمد، طبعا وهو ظاهر كلام الخرقي أو ما إلى هذا الإمام أحمد في رواية الأثرم والمروذي قال: ولا يعجبني أن يدخل مكة تاجر ولا غيره إلا بإحرام تعظيماً للحرم، وقد دخلها ابن عمر بغير إحرام. قال القاضي: وظاهر هذا أنه على طريق الاختيار، يعني أنه لا يلزمه وإنما هو على سبيل الاستحباب. قال ما ذهب على ما حكينا، وهذا القول هو ظاهر كلام الخرقي، قال الزركشي: وهو ظاهر النص، واستظهار صاحب الفروع صحة ابن عقيل وصاحب الفائق.
ودليلهم مروي عن ابن عمر أنه دخلها بغير إحرام، هذا الدليل الأول. وهذا الدليل ورد على الإمام أحمد رحمه الله، فأجاب عنه بأنه رجع لاضطراب الناس، ولفت ابن عمر رضي الله عنهما كان راجع من مكة إلى المدينة فلما كان في الطريق بلغه خبر الفتنة التي كانت في المدينة، ويظهر أنها التي كانت في وقت يزيد بن معاوية، فرجع إلى مكة ولم يحرم وهو قد يعني وهو في طريقه هذا هذا ميقات فلم يحرم يعني لم يحرم لما رجع في طريق الرجوع. فالامام أحمد رحمه الله قال: إنه رجع لاضطراب الناس والفتنة، فيعني يشبه من دخلها لخوف.
الدليل الثاني: أنه أحد الحرمين فلم ينزل من الحرام تحرم المدينة، قياس على حرام المدينة، حرم المدينة إذا أراد أن يدخله لا يلزمه الدخول لا يلزمه الإحرام لدخوله فكذا حرم مكة.
الثالث: أن الوجوب من الشرع ولم يرد من الشرع إيجاب على ذلك لكل داخل فبقي على الأصل، يعني الشارع أوجب الإحرام على من أراد النسك من أراد الحج أو العمرة، وهذا لم يريد حجاً ولا عمرة إنما أراد الحرم لحاجة فهنا لا يلزمه الإحرام لأنه لا دليل من الشرع على ذلك. القول الأول المؤلف فقط استدل له بدليل قياسي، وإلا فلهم أدلة غيره ولعل أقوى أدلتهم أنه مأثور عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، وقال شيخ الإسلام في شرح العمدة: إنه لا يعرف له مخالف من الصحابة. طبعا ابن عمر أجيب عن فعله، الموفق رحمه الله اقتصر على دليل واحد فقط اللي هو الدليل القياسي يقول: لو نذر أن يدخل الحرم فقد ذكروا أنه يدخله محرماً، فلو لم يكن الإحرام واجباً لدخول الحرم لم يجب الإحرام بنذر الدخول كسائر البلدان. لو نذر أن يدخل المدينة لا يلزمه الدخول محرماً، لكن لو نذر أن يدخل الحرم قالوا: يلزمه الدخول محرماً، هذا دليله.
طبعا صاحب الفروع لما ذكر هذا الدليل قالوا فيه الخلاف، يعني هذه المسألة المقيس فيها خلاف، يعني من الفقهاء من ذكر أنه لا يلزمه الإحرام إلا إذا نص عليه قال مثلاً: نذرت أن أعتمر أو أحج فهنا يلزم الحرام، لكن لو قال: نذرت أن أذهب إلى المسجد الحرام ولم ينذر حج ولا عمرة، فمن الفقهاء من قال: لا يلزمه الإحرام. ثم قال: ثم النذر قرينة في إرادة النسك المختص بها كسبب الدلعة النية، يقول: لو قلنا لو سلمنا بأنه يجب الإحرام بالنذر فنقول: النذر هنا اقترن به ما يدل على إرادة النسك وهو أنه نذر أن يأتي إلى المسجد الحرام أو إلى الحرم، وغالباً الذي يأتي إلى الحرم فإنه يأتي يريد النسك، فيقول: هذا النذر قرينة على إرادة النسك، بخلاف من جاوزه جاوز الميقات بغير نذر ولا يريد النسك فإنه لا يقاس على هذه المسألة. قال: إذا ثبت هذا يعني يترتب على هذا الخلاف يترتب على هذا القول القول الأول أنه إذا أراد الإحرام بعد تجاوز الميقات فإنه يعني إذا أراد إذا صب أنه ياخذ النسك لكن بعد التجاوز الميقات فإنه يرجع فيحرم من الميقات فإن أحرم من دونه فعليه دم كالمريد للنسك، طبعا هذا يترتب على القول الأول أما القول الثاني فإنه يحرم من موضعه.
أحسن الله إليك، قال رحمه الله تعالى: ومن دخل الحرم بغير إحرام ممن يجب عليه الإحرام فلا قضاء عليه، هذا قول الشافعي. وقال أبو حنيفة: يجب عليه أن يأتي بحجة أو عمرة، إن أت بحجة الإسلام في سنته أو مندوره أو عمرة أجزأه عن عمرة الدخول استحساناً، لأن مروره على الميقات مريداً للحرم يوجب الإحرام، فإذا لم يأت به وجب قضاؤه كالمنذور.
ولنا أنه مشروع لتحية البقعة، فإذا لم يأت به سقط كتحية المسجد. فان قيل: تحية المسجد غير واجبة، قلنا: إلا أن النوافل إلا أن النوافل إلا أن النوافل المرتبات تقضى وإنما سقط القضاء لما ذكرنا، فاما أن تجاوز المقات ورجع ولم يدخل الحرم فلا قضاء عليه بغير خلاف نعلمه سواء أراد النسك أو لم يريد.
أحسنت، قال: من دخل الحرم ممن بغير إحرام ممن يجب عليه الإحرام ممن يجب عليه الإحرام الذي هو النوع الثالث من الانواع التي مرت في الفصل الماضي ولم يحرم، ففعل مثلاً دخل قال: سأحضر زواجاً في مكة، فحضر زواجاً في مكة، قلنا: أصلاً أنت يعني على المذهب تجاوزت الميقات أو حاذيت الميقات فيلزمك الإحرام منه، ما أحرم وذهب إلى الزواج ثم رجع. طيب، هل يلزمه القضاء أو لا قضاء عليه؟ ذكر لك القولين؛ القول الأول: أنه لا قضاء عليه وهذا هو المشهور من المذهب وهو قول القاضي في المجرد وابن عقيل في بعض كتبه. القول الثاني: قول أبي حنيفة إنه يجب عليه أن يأتي بحجة أو عمرة، وهذا أو ما إليه الإمام أحمد في رواية حرب وهو ظاهر رواية أبي طالب كما ذكره القاضي في التعليقة. يترتب على القول الثاني أنه إذا أتى بحجه الإسلام في سنته لابد أن تكون في سنته أو أتى بحجة منضورة أو عمرة فانه يجزئه عن عمرة الدخول استحساناً، لا يلزم أن يأتي بعمرة ثم يأتي بعمرة القضاء تتداخلان، وهذا منصوص الإمام أحمد في رواية أبي طالب إذا أدى الحج في سنته، وقيل: حتى لو أتى بالحج من قابل فيجزئ وهذا ذكره الشيخ شيخ الإسلام وجهاً مخرجاً على المذهب، لأن حجة الإسلام تسقط ما عليه من نذر وحج فاسد على إحدى الروايتين، وهذه تقدمت تقدم معنا الخلاف فيها من عليه يعني مثلاً الصبي إذا وطئ في حجه فلزمه القضاء ثم أتى بحجة الإسلام بعدها فهل حجة الإسلام ترجى عن حجة القضاء أو لا؟ ما رعي خف فيها، فيقول: على أحد القولين الذين قال تجزئه فيتفرع عليها أنه أو يتخرج عليها أنه يجزئه عن عمرة القضاء هنا.
وعلل أصحاب القول الثاني أن مروره على الميقات مريداً للحرم يوجب الإحرام فإذا لم يأت به وجب قضاؤه كالمنذور، يعني قاس على المنذور إذا نذر أن يحج أو يعتمر ثم مر بالميقات ولم يحرم فإنه يلزمه الإحرام، قالوا: هذا مثله، هذا لزمه الإحرام بمحاذاة الميقات أو مجاوزه الميقات مريداً للحرم فيقاس على من لزمه الإحرام بالنذر. واستدل أصحاب القول الأول أن الإحرام مشروع لتحية البقعة إذا لم يأت به سقط كتحية المسجد، الآن تحية المسجد لو أنه جاء وجلس في المسجد لم يأت بتحية المسجد فتسقط تسقط، فيقولون: هذا مثله لو جاء ورجع فإنه لا يلزمه القضاء.
فان قيل وهذا إشكال على القول الثاني قياس على تحية المسجد، إشكال القول الأول في قياس فإن قال: تحية المسجد غير واجبة وهذا واجب فافترقنا بأن النوافل المرتبات تقضى، يعني أن القضاء ليس ليس مختصاً بالواجب، بل حتى إن في المرتبة يعني مثلاً راتبة الفجر لو قضى لو فته قبل الصلاة فيقضيه بعد الصلاة فيقول: هذا مثلها، لكن القضاء سقط سقط القضاء يعني في تحية المسجد، وأيضاً هنا في الإحرام لما ذكرنا من أنه شرع لسبب وقد زال السبب.
ثم ذكر أنه إذا تجاوز الميقات ورجع ولم يدخل الحرام، فإنه لا يلزمه القضاء بغير خلاف. فالخلاف الذي ذكر في أول هذا الفصل فيمن دخل الحرم هل يلزمه القضاء وهو لم يحرم، هل يلزمه القضاء أو لا؟ ذكر لك الخلاف. أما إذا لم يدخل الحرم هو تجاوز مريداً للحرام، ثم لما وصل إلى جدة عدل عن ذلك ورجع، فهنا يقول: لا يلزم القضاء بغير خلاف، سواء أراد النسك أو لم يرد. يعني حتى لو كان مريداً للنسك؛ أراد أن يحج ومر بميقات ذي الحليفة فلم يحرم، ثم لما وصل إلى مثلا جدة بدا له أن يحج فرجع، وهو لم يدخل النسك، فهنا نقول: لا يلزمه القضاء.
نعم، أحسن الله إليك. قال رحمه الله تعالى: ومن كان منزله دون الميقات خارجاً من الحرم فحكم في مجاوزة قريته إلى ما يلي الحرم حكم مجاوز الميقات في هذه الأحوال الثلاثة، لأن موضعه ميقاته، فهو في حقه كالمواقيت الخمسه في حق الآفاق.
أحسنت. يقول: من كان منزله دون المواقيت دون الميقات خارج من الحرم، يعني أنه بين الميقات والحرم، مثل أهل جدة مثلاً، فحكمه في مجاوزة قريته إلى ميل الحرم حكم المجاوز الميقات في هذه الأحوال الثلاثة؛ فكل ما قلنا في من جاوز الميقات وهو مريد للحرم يققال في من كان دون الميقات وقد جاوز قريته مريداً للحرم. فيفرق بين من أراد لحاجة متكررة، أو أراد أو كان غير مكلف، أو كان مكلفاً وليس لحاجة متكررة. وإنما نص على هذا إشارة إلى خلاف أبي حنيفة، فهو لا يوجب الإحرام إلا على من قدم من خارج المواقيت.
نعم، أحسن الله إليكم. قال رحمه الله تعالى: مسألة قال: ومن جاوز الميقات غير محرم، فخشي إن رجع إلى الميقات فاته الحج، أحرم من مكانه وعليه دم. لا خلاف في أن من خشي فوات الحج برجوعه للميقات أنه يحرم من موضعه فيما نعلمه، إلا أنه روي عن سعيد بن جبير: من ترك الميقات فلا حج له، وما عليه جمهور أولى، وأنه لو كان من أركان الحج لم يختلف باختلاف الناس والأماكن كالوقوف والطواف.
وإذا أحرم من دون الميقات عند خوف الفوات فعليه دم، لا نعلم فيه خلافا عند من أوجب الإحرام من الميقات لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «من ترك نسكاً فعليه دم». وإنما أباح له الإحرام من موضعه مراعاة لإدراك الحج، وأن مراعاة ذلك أولى من مراعاة واجب فيه مع فواته. ومن لم يمكنه الرجوع لعدم الرفقة، أو الخوف من عدو أو لص أو مرض أو لا يعرف الطريق ونحو هذا مما يمنع الرجوع، فهو كخائف يحرم من موضعه وعليه دم.
أحسنت. يقول: من جاوز الميقات غير محرم، الآن هو الأصل أنه يجب عليه الإحرام سواء كان مريد النسك أو مريد للحرم، ثم أراد أن يحرم من الميقات لكن وهو قادم للحج، لكن يقول: إن رجعت إلى الميقات ثم رجعت إلى عرفة فإنني قد لا أصل إلى عرفة إلا بعد طلوع فجر يوم النحر ويفوتني الحج، فماذا أفعل؟ يقول: يحرم من موضعه ولا دم عليه، يحرم من موضعه ولا دم عليه. وذكر أنه لا خلاف فيه إلا ما روي عن سعيد بن جبير؛ سعيد بن جبير كما قدمنا سابقاً أنه يرى الإحرام من الميقات ركن، يرى أن الإحرام من الميقات ركن، ولذلك يقول: من تركه فلا حج له. لكن الجمهور على أنه ليس بركن، إنما هو واجب.
والدليل قال: لو كان من أركان الحج لم يختلف باختلاف الناس والأماكن، لأن الناس يختلفون؛ منهم من ميقاته كذا، ومن ميقاته كذا، ومنهم من ميقاته منزله، ومنهم ميقاته الحل، والأركان لا يختلف الناس فيها كالوقوف والطواف. طيب، إذا أحرم من دون الميقات عند خوف الفوات فعليه دم، فعليه دم. لماذا؟ لأنه ترك واجباً من واجبات النسك، سواء كان حجاً أو عمرة. قال: لا نعلم فيه خلافاً عند من أوجب الإحرام من الميقات.
وانظروا إلى دقة عبارة الموفق رحمه الله، ما قال: لا نعلم فيه خلاف، وأطلق. لا، لا نعلم فيه خلاف عند من أوجب الإحرام من الميقات، لأنه مر معنا في درس الأمس أن هناك من العلماء من يرون أن الإحرام من الميقات لا يجب بتركه شيء إنما هو سنة، ولذلك هؤلاء لو قال الموفق: لا نعلم فيه خلافا، لقيل له: لا، هناك من لا يرى وجوب الإحرام من الميقات. لذلك يقول: كل من يرى وجوب الإحرام من الميقات فانه يوجب الدم هنا إذا أحرم دون الميقات. والدليل: من ترك نسكاً فعليه دم. وهذا تقدم معنا أنه ورد مرفوعاً وموقوفاً، والصحيح الوقف على ابن عباس رضي الله تعالى عنهما.
طيب، لماذا يباح له الإحرام من موضعه ولا يلزمه الرجوع للميقات؟ قال: مراعاة لإدراك الحج، فإن مراعاة ذلك أولى من مراعاة واجب فيه مع فواته. يعني عندنا تعارض بين ترك الحج بكامله أو ترك واجب، فهنا مفسدة أعلى ومفسدة أدنى. المفسدة العظمى فوات الحج بكامله، والمفسدة الأدنى فوات واجب من واجبات الحج، فترتكب أدنى المفسدتين لدفع أعلاهما، فهو إذاً من باب ارتكاب أدنى المفسدتين لدفع أعلاهما.
طيب، من لا يمكنه الرجوع، يقول أيضاً يقاس على من خاف فوات الحج؛ من لا يمكنه الرجوع لعدم الرفقة -يعني يخاف- أو الخوف من عدو أو لص أو مرض أو لا يعرف الطريق ونحو هذا، فانه أيضاً يحرم من موضعه لكن عليه دم. طيب، من كان غير معذور وأحرم من موضعه؟ نقول: حتى غير المعذور عليه دم، لكن غير المعذور يزيد على ذلك بأن عليه الإثم أيضاً. غير المعذور يلزمه الرجوع، فإن تركه فعليه دم مع الإثم. أما هؤلاء فعليهم دم ولا إثم عليهم، لأنهم تركوا الواجب بعذر.
هذا، وأسأل الله للجميع التوفيق والسداد، وأسأل الله أن يعلمنا ما ينفعنا، وأن ينفعنا بما علمنا، وأن يزيدنا من العلم النافع والعمل الصالح، وأن يوفقنا للعمل الصالح الذي يقربنا إليه.
طيب، هل من سؤال؟ يقول: من جاوز الميقات مريداً للنسك بلا إحرام، ثم أراد الإحرام، هل يلزمه الرجوع للميقات الذي جاوزه، أو يجزئه الرجوع لميقات غيره؟
أحسنت. هذه المسألة مما يعني يخطئ فيها كثير من الناس؛ فإذا جاوز الميقات يحسب أنه يجزئه الرجوع إلى أي ميقات، وأكثر أهل العلم رحمهم الله تعالى يرون أنه يرجع إلى الميقات الذي جاوزه، يرجع إلى الميقات الذي جاوزه، لأنه هو الذي وجب عليه أن يحرم منه وترتب عليه الدم في سيترتب عليه الدم في ذمته إذا ترك الإحرام منه، فاذا أحرم من غيره فإنه يعتبر أحرم من دون الميقات، وهذا كما قلنا قول أكثر أهل العلم. والصحيح من أهل العلم من قال يحرم من أي أقرب ميقات، ومن أهل العلم من قال يحرم من ميقاته الأصلي.
لو كان شامياً وجاوز ميقات المدينة ثم وصل إلى مكة، نقول على القول الأول: إنه يلزمه الرجوع إلى ذي الحليفة. وعلى القول الثاني: يلزمه الرجوع إلى أي ميقات. والقول الثالث: يلزمه الرجوع إلى إما ذا الحليفة أو الجحفة. والراجح كما قلنا وهو المعتمد أنه يلزمه الرجوع إلى الميقات الذي جاوزه.
الشيخ عبدالله بن عبدالرحمن الميمان