فهذا هو المجلس السادس من مجالس التعليق على كتاب الحج من المغني في موسمه الثاني، وكنا قد شرعنا في الدرس الماضي في باب ما يتوقى المحرم وما أبيح له، ووقفنا عند الكلام على لبس السراويل والخفين عند عدم وجود الإزار والنعلين.
وقفنا عند قول الموفق رحمه الله تعالى: وإذا لبس الخفين لعدم النعلين نعم.
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الانبياء والمرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، اللهم اغفر لنا ولشيخنا وللحاضرين ولجميع المؤمنين.
قال ابن قدامة رحمه الله تعالى: فصل: وإذا لبس الخفين لعدم النعلين لم يلزمه قطعهما في المشهور عن أحمد، ويروى ذلك عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وبه قال عطاء وعكرمة وسعيد بن سالم القداح.
وعن أحمد أنه يقطعهما حتى يكونا أسفل من الكعبين، فإن لبسهما من غير قطع افتدى، وهذا قول عروة بن الزبير ومالك والثوري والشافعي وإاسحاق وابن المنذر وأصحاب الراي.
لما روى ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «فمن لم يجد النعلين فليلبس الخفين وليقطعهما حتى يكونا أسفل من الكعبين» متفق عليه، وهو متضمن لزيادة على حديث ابن عباس وجابر، والزيادة من الثقة مقبولة.
قال الخطابي: والعجب من أحمد في هذا، فانه لا يكاد يخالف سنة تبلغه.
وقلت سنة لم تبلغه.
واحتج أحمد بحديث ابن عباس وجابر: من لم يجد نعلين فليلبس خفين، مع قول علي رضي الله عنه: قطع الخفين فساد، فيلبسهما كما هما مع موافقة القياس؛ فإنه ملبوس أبيح لعدم غيره فأشبه السراويل، وقطعه لا يخرجه عن حالة الحضر، فإن لبس المقطوع محرم مع القدرة على النعلين كلبس الصحيح، وفيه إتلاف ماله، وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن إضاعته.
هنا ذكر المؤلف رحمه الله تعالى تفريعا على المسألة السابقة وهي إذا لم يجد النعلين فإنه يلبس الخفين، طيب إذا لبسهما هل يقطعهما أسفل من الكعبين أو لا؟
ذكر الخلاف في ذلك على قولين: القول الأول أنه لا يلزمه القطع؛ يعني يلبس الخفين بدون قطع، وهذا هو المشهور عن الإامام أحمد رحمه الله تعالى، والمشهور في المذهب وهو من مفردات الحنابلة رحمهم الله تعالى.
والرواية الثانية عن الإامام أحمد رحمه الله، وهو قول الأائمة الثلاثة: أنه يقطعهما حتى يكونا أسفل من الكعبين؛ لأجل أن يشابه النعل؛ يعني يكون أقرب شبها للنعل من شبههما بالخف.
واستدل أصحاب القول الثاني بحديث ابن عمر: «فمن لم يجد نعلين فليلبس الخفين وليقطعهما حتى يكونا أسفل من الكعبين»، قال: وهو متضمن لزيادة على حديث ابن عباس وجابر، والزيادة من الثقة مقبولة.
حديث ابن عباس وجابر فيه: فليلبس خفين فقط دون قطع، حديث ابن عمر فيه القطع، فقالوا: هذه زيادة من ثقة، والزيادة من الثقة مقبوله.
وأيضا ذكروا أن حديث ابن عباس وجابر مطلق، وحديث ابن عمر مقيد، فيحمل المطلق على المقيد هاهنا.
قال الخطابي رحمه الله في معاني السنن: يقول العجب من أحمد رحمه الله في هذا؛ فانه لا يكاد يخالف سنة تبلغه، وقلت سنة لم تبلغه.
يقول: إن الإامام أحمد رحمه الله يعني كيف يخالف حديث ابن عمر؟
وعلى فرض أنها لم تبلغ، هذا عجيب أن غالب السنن قد بلغت الإامام أحمد رحمه الله تعالى.
ولما نقل الزركشي رحمه الله كلام الخطابي رحمه الله، قال في الجواب على تعجب الخطابي: قلت، والعجب كل العجب من الخطابي رحمه الله في توهمه عن الإامام أحمد رحمه الله مخالفة السنة أو خفائها.
وقد قال المروذي: احتججت على أبي عبد الله بقول ابن عمر؛ يعني يبين أن الإامام أحمد رحمه الله لم تخف عليه هذه السنة ولم يخالفها، إنما جمع بين الحديثين.
قال: احتججت على أبي عبد الله بقول ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم، قلت -يعني المروذي- قلت للإامام أحمد: هو زيادة في الخبر، مثل ما قالوا: زيادة من الثقة مقبولة.
قال: هذا حديث وذاك حديث، فقد اطلع رحمه الله على السنة، وإنما نظر نظرا لا ينظره إلا الفقهاء المتبصرون، وهو يدل على غايته في الفقه والنظر، انتهى كلامه رحمه الله.
وهذا يدلك على أن الإامام أحمد رحمه الله علم بالسنة بحديث ابن عمر وحديث ابن عباس وحديث جابر، ولم يخالفها؛ يعني يتركها، وإنما جمع بين الحديثين، قال: هذا حديث وذاك حديث.
ويقصد أن حديث ابن عمر كما جاء في بعض الروايات أن النبي صلى الله عليه وسلم قاله في المدينة، يعني في ذي الحليفة لما أرادوا لما يعني قبيل قبل الإاحرام، سئل قبل الإاحرام ما يلبس المحرم؟ فقال: لا تلبسوا القمص إلى آخر، وفيه: ومن لم يجد نعلين فليلبس خفين وليقطعهما.
وحديث ابن عباس جاء في بعض روايات مسلم أنه في عرفات، وأيضا ووافقه حديث جابر، يقصد حديث جابر وافقه أقصد في عدم ذكر القطع، وكون النبي صلى الله عليه وسلم يقوله في عرفات وفيه الجمع العظيم من الصحابة رضي الله تعالى عنهم الذين جملة كبيرة منهم لم يحضروا كلامه صلى الله عليه وسلم في المدينة، ولو كان القطع واجبا لبينه النبي صلى الله عليه وسلم في عرفات الجمع الكبير، فدل هذا على أنه ليس بواجب، وأنه منسوخ كما سياتي.
طيب، إذا هذا حديث هذا دليل الجمهور، حديث ابن عمر دليل الحنابلة رحمه الله تعالى.
قال: احتج أحمد بحديث ابن عباس وجابر في من لم يجد نعلين فيلبس خفين من دون قطع، مع قول علي رضي الله عنه: قطع الخفين فساد البسهما كما هما.
قول علي رضي الله عنه هنا لم يذكره مسندا أو لم يعزه الموفق إلى أحد.
وصاحب الكشاف ذكر أنه لم يجده مسندا، وذكر أن ابن القيم رحمه الله في تهذيب السنن ذكره هكذا أيضا لم يعزه لأحد.
هذا الدليل الثاني، إذا الحديث المرفوع والحديث الموقوف.
طبعا وأيضا ورد عن جملة من الصحابة، ورد عن جملة من الصحابة أنهم لم يأمروا بالقطع، ورد عن عمر وعلي وغيرهم.
الدليل الثالث: موافقة القياس؛ لأنه ملبوس للعدم فلا يلزم القطع مثل السراويل، لا سيما وأنه ما جاء في حديث واحد.
الرابع: قال إن قطعه لا يخرجه عن حالة الحضر.
كيف قال؟ فان لبس المقطوع محرم مع القدرة على النعلين كلبس الصحيح، وهذه مسألة ستاتينا إن شاء الله، هل لو لبس الخف المقطوع مع وجود النعل هل يجوز له ذلك أو لا يجوز؟ مسألة خلافية، والمذهب أنه لا يجوز.
فيقول: إذا لبس المقطوع هو ما زال في يعني حال في حال محرم، فيقول: يعني كونه مقطوع أو غير مقطوع هو واحد، فلذلك يقول لا يلزم القطع، لا سيما وأن في القطع وهو الدليل الخامس أن في القطع إتلاف المال، وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن إضاعته.
طيب، إذا هذه أدلة الحنابلة، الآن سيجيب عن دليل الجمهور، نعم.
أحسن الله إليكم، قال رحمه الله تعالى: فاما حديث ابن عمر فقد قيل إن قوله: وليقطعهما من كلام نافع، كذلك رويناه في أمالي أبي القاسم بن بشران بإسناد صحيح أن نافعا قال بعد روايته للحديث: وليقطع الخفين أسفل من الكعبين.
وروى ابن أبي موسى عن صفية بنت أبي عبيد عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رخص للمحرمة أن تلبس الخفين ولا تقطعهما، وكان ابن عمر يفتي بقطعهما، قالت صفية: فلما أخبرته بهذا رجع.
وروى أبو حفص في شرحه بإسناده عن عبد الرحمن بن عوف أنه طاف وعليه خفان، فقال له عمر: والخفان مع القباء؟ فقال: قد لبستهما مع من هو خير منك؛ يعني رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ويحتمل أن يكون الأمر بقطعهما منسوخا، فان عمرو بن دينار روى الحديثين جميعا وقال: انظروا أيهما كان قبل.
قال الدارقطني: قال أبو بكر السابوري: حديث ابن عمر قبل؛ لأنه قد جاء في بعض رواياته قال: نادى رجل رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في المسجد -يعني بالمدينه- فكانه كان قبل الإاحرام، وفي حديث ابن عباس يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب بعرفات يقول: من لم يجد نعلين فليلبس خفين، فيدل على تأخره عن حديث ابن عمر فيكون ناسخا له.
ثم لو كان القطع واجبا لبينه للناس؛ إذ لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة إليه، والمفهوم من إطلاق الحديث لبسهما على حالهما من غير قطع، والأولى قطعهما عملا بالحديث الصحيح، وخروجا من الخلاف، وأخذا بالاحتياط.
أجاب عن حديث ابن عمر بجوابين:
الجواب الأول: أن الزيادة هذه من قول بعض الرواة من قول نافع وليس مرفوعا إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وقال إن هذه وردت كذلك في أمالي أبي القاسم بن بشران بإسناد صحيح، وهذا الجواب في نظر حقيقة أن هو رد في الصحيحين وغيرهما بأسانيد صحيحة أنه من تتمة الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم.
وبعض الرواة أحيانا إذا نشط أسند وإذا كسل أرسل؛ يعني قد يكون ابن نافع في ذلك المجلس ذكره من كلامه ولم ينسبه للنبي صلى الله عليه وسلم، وهو نسبه للنبي صلى الله عليه وسلم في أحاديث في روايات غيره، ولذلك فالرد على هذه الرواية بأنها من كلام بعض الرواة فيها نظر، ففي الصحيحين وغيرهما بأسانيد صحيحة أنها من تتمة الحديث المرفوع.
هنا حديث عائشة: رخص للمحرمة قطعهما، كان ابن عمر يفتي بقطعهما، قالت صفية: فلما أخبرته بهذا رجع.
هذا حقيقة هكذا جاء عند ابن أبي موسى، لكن الحديث في سنن أبي داود وغيره: رخص للمحرم، فالكلام في المحرم وليس في المحرمة، ونبه عليه المحقق هنا، ونبه عليه المحقق هنا، وأن النبي صلى الله عليه وسلم رخص للمحرم بلبس الخفين من غير قطع، ولذلك يعني لا يكون دليلا على هذه المسألة.
هنا قالوا أبو حفص في شرح أبو حفص العكبري في شرحه على كتابنا هذا الخرقي -الخرقي له شرح على الخرقي- عن عبد الرحمن بن عوف أنه طاف وعليه خفان، فقال عمر: والخفان مع القباء؟ قال: لقد لبستهما مع من هو خير منك، عن النبي صلى الله عليه وسلم.
والظاهر من إطلاق الخفين أنهما غير مقطوعين.
طيب إذا هذا الدليل والرد الأول أنه ليس من كلام النبي صلى الله عليه وسلم.
الرد الثاني: أن هذا من كلام النبي صلى الله عليه وسلم، لكنه منسوخ، كان في أول الأمر ثم نسخ، وهذا هو الذي بيناه قبل قليل، وأن حديث ابن عباس جاء متاخرا.
ولذلك قال هنا: لو كان القطع واجبا بينه الناس، لأن تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز.
فإن قيل: عن حديث ابن عمر مقيد، حديث ابن عباس مطلق، يحمل المطلق على المقيد، كوننا نعمل بالحديثين أولى من أن نهمل دلالة أحدهما، فالجمع يقدم على الترجيح بالنسخ.
قال الزركشي: لا يقال قد بين ذلك صلى الله عليه وسلم؛ يعني وجوب القطع قد بين ذلك صلى الله عليه وسلم في حديث ابن عمر، فنحمل المطلق على المبين جمعا بين الأدلة؛ لأن نقول: يشترط في حمل المطلق على المقيد ألا يفضي الإاطلاق إلى تاخير بيان واجب، والحمل هاهنا مفض إلى ذلك؛ لأن حديث ابن عمر كان في المدينة، وحديث ابن عباس في خطبته بعرفات كذا في الصحيح، وهو وقت الحاجة للبيان، وقد حضره في ذلك الوقت من لم يحضره في غيره إلى آخر كلامه رحمه الله تعالى.
فيعني مؤدى كلامه أنه صحيح هذه تنطبق عليها قاعدة حمل المطلق على المقيد، لكن قاعدة حمل المطلق على المقيد استعملها إذا لم يمنع منها مانع، هنا منع منها مانع، وهو أنه لو حملنا المطلق على المقيد لافضى ذلك إلى أن النبي صلى الله عليه وسلم آخر البيان عن وقت الحاجة، لا سيما وأن الذي حضره في عرفات أناس كثر لم يحضروه في المدينة، فلو لم يأمرهم بالقطع وأحالهم على كلامه السابق الذي لم يسمعه إلا قليل، يكون هذا فيه نوع يعني إخفاء للحق، ولم يكن النبي صلى الله عليه وسلم يخفي الحق عند الحاجة إلى بيانه.
وهذا يفيدك أن القواعد الأصولية التي يقررها الأصوليون رحمهم الله تعالى، ينبغي للفقي إذا أراد أن يستعملها يوازن، قد صحيح تنطبق القاعدة، لكن يمنع دليل أو تمنع القرينة من انطباقها، فيوازن بين الأدلة، فهناك قواعد قد تتعارض، قواعد تتعارض، قواعد فقهية وقواعد أصولية قد تتعارض، فينبغي أن يوازن ويوائم ويحاول الموائمة بينهما.
طيب، هل هنا الموفق رحمه الله ختم الفصل بقوله: هو الأولى قطعهما؛ كأنه عمل جمع بينهما بأن القطع على الاستحباب، لا على الإايجاب؟
قال: عملا بالحديث الصحيح، وخروجا من الخلاف، وأخذا بالاحتياط.
والمذهب يعني يستحب القطع ولا يكره ولا.
يحرم مذهب تحريم القطع تحريم القطع لأنه أتلَفَ عللَهُ بأنه إتلاف.
الشيخ عبدالله بن عبدالرحمن الميمان