فصل: ومن أي الحرم أحرم بالحج جاز؛ لأن المقصود من الإحرام به الجمع في النسك بين الحل والحرم، وهذا يحصل بالإاحرام من أي موضع كان فجاز، كما يجوز أن يحرم بالعمرة من أي موضع كان من الحل. ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه في حجة الوداع: «إذا اردتم أن تنطلقوا إلى منى فاهلوا من البطحاء»، ولأن ما اعتبر فيه الحرم استوت فيه البلدة وغيرها كالنحر.
أحسنْتَ. هنا ذكر المؤلف رحمه الله تعالى أن المكي في إحرامه بالحج، أو بالاصح أن أهل الحرم في إحرامهم بالحج يحرمون بالحج من أي موضع كان. ويقصد بأهل الحرم من كان مقيماً فيه أو وارداً إليه؛ يعني من كان من أهل الحرم، أو كان مثلاً وارداً إليه من أهل الآفاق فكان متمتعاً فحرم بالعمرة ثم أقام بالحرم، فيحرم بالحج من أي موضع من الحرم، فليس هناك مكان محدد للإحرام منه. وهو قبل قال في قبل صفحتين ذكر أن كل من كان بمكة فهي ميقات للحج، وهنا قالوا ومن أي الحرم أحرم بالحج جاز. في السابق كانت مكة أصغر مما كانت عليه الآن، فكان بعض الحرم خارجاً من مكة، فلذلك صُنّف على المسألتين، لكن في وضعنا هذا في أزماتنا هذه امتدت مكة فخرجت مبانيها من الحرم، فصارت المسألة واحدة. من كان من أهل الحرم فهو من أهل مكة، وظهر كلامه أنه لا تخصيص أو لا تفضل لموضع على آخر.
ونقل حرب فيما ذكره صاحب الفروع أنه يحرم من المسجد. قال في الفروع: ولم أجد عنه خلافاً؛ يعني يحرم من المسجد الحرام؛ يعني أن هذا هو الأفضل. قال في الفروع: ولم أجد عنه؛ يعني عن الإمام أحمد، خلافاً، ولم يذكره الأصحاب إلا في الايضاح، فانه قال يحرم من الميزاب؛ يعني من تحت ميزاب الكعبة، قال المرداوي: وكذا قال في المبهج. وهنا قال النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه في حجة الوداع: «إذا أردتم أن تنطلقوا إلى منى فاهلوا من البطحاء». طبعا الذي في هذا ورد عند مسلم وأحمد وغيرهم، وأقرب لفظ له ما ورد عند أحمد: إذا أردتم أن تنطلقوا إلى منى، قال جابر: فاهلوا من البطحاء. فمن البطحاء؛ يعني تحديد البطحاء هذا كان من فعل الصحابة؛ لأنهم كانوا نزلوا في ذلك الوقت في البطحاء. قال: ولأن ما اعتبر فيه الحرم؛ يعني ما اشترط له الحرم فانه يستوي فيه البلدة وغيرها. وهذا كما قلنا لكم يعني البلدة مكة، وهذا كما قلنا لكم أنه كان في السابق الحرم أوسع من مكة. قال: كالنحر، إن النحر يشترط أن يكون نحر الهدي، هدي التمتع والقران، أن يكون في الحرم، ولا يختص به بقعة معينة، في أي موضع من الحرم فعله أجزأ.
نعم، أحسن الله إليك. قال رحمه الله تعالى: فصل: فان احرم من الحل نظرت، فإن احرم من الحل الذي يلي الموقف فعليه دم؛ لأنه احرم من دون الميقات، وإن احرم من الجانب الآخر ثم سلك الحرم فلا شيء عليه، نص عليه أحمد في رجل أحرم للحج من التنعيم فقال: ليس عليه شيء؛ وذلك لأنه أحرم قبل ميقاته فكان كالمحرم قبل بقية المواقيت. ولو أحرم من الحل ولم يسلك الحرم فعليه دم؛ لأنه لم يجمع بين الحل والحرام.
أحسنْتَ. هنا لما ذكر المؤلف رحمه الله تعالى أن أهل مكة وأهل الحرم يحرمون للحج من داخل الحرم، ذكر لو أحرم من الحل فهل يجزئهم ذلك أو لا؟ قسم المسألة إلى ثلاثة أحوال، قال: أما أن يحرم من الحل الذي يلي الموقف، الموقف يقصد عرفة، مر عرفة، عرفة من الحل فهو يحرم من الحل الذي بعدها، بعد عرفة، كأنه يتجاوز عرفة ويأتي بما بعدها ويحرم، فهنا يقول عليه دم؛ لماذا؟ لأنه أحرم من دون الميقات؛ فهو قد تجاوز ميقاته الذي هو الحرم، وأحرم به من الحل. هذه الحالة الأولى.
الحالة الثانية: إذا أحرم من الجانب الآخر؛ يعني من الحل المقابل لعرفة؛ يعني كأنه حل ثم حرم ثم بعده حل، يعني الحل الذي هو عرفة. فيقول إذا أحرم من الحل في الجانب الآخر ثم سلك الحرم، مثل أحرم مثلاً من التنعيم ثم دخل إلى الحرم ودخل من مزدلفه ثم وصل إلى عرفة، فهنا يقول لا شيء عليه؛ لماذا؟ لأنه أحرم قبل ميقاته، فهو الأصل يحرم من الحرم، فهو كأنه رجع من الحرم إلى الحل الذي قبله، وفي المسألة الأولى تجاوز الحرم وخرج من الجهة الأخرى، ففي المسألة عليه دم وفي المسألة أنه أحرم من دون الميقات، وفي هذه المساله ليس عليه شيء. قال: نص عليه الإمام أحمد رحمه الله في رجل أحرم للحج من التنعيم فقال: ليس عليه شيء؛ وذلك لأنه أحرم قبل ميقاته فكان كالمحرم قبل بقية المواقيت.
الثالثة: أنه لو أحرم من الحل ولم يسلك الحرم، نفس المكان احرم مثلاً من التنعيم لكنه لم يدخل داخل الحرم، ذهب من الجهة الأخرى إلى أن وصل إلى عرفة، فهنا يقول عليه دم؛ لماذا؟ لأنه لم يجمع بين الحل والحرم، لم يجمع بين الحل والحرم؛ يعني في ذهابه لعرفه لم يجعل بين الحل والحرم في ذهابه لعرفه. هذا التفصيل الذي ذكره الموفق رحمه الله تعالى، والصحيح من المذهب أنه في الحالات الثلاث لا يجب الدم، لا يجب الدم مطلقاً كما ذكره القاضي في التعليقة، وهو الذي ذكره المرداوي في الإنصاف، وعليه الإقناع والمنتهى.
نص عليه الإمام أحمد رحمه الله في رواية ابن منصور، اللي هو الكوسج، وذكر له قول سفيان الثوري: سفيان الثوري قال: الحرم ميقات أهل مكة، فمن خرج من الحرم فلم يهل أمرته أن يرجع، وأرى عليه إذ كان ذلك حدهم، ما أرى على غيرهم إذا جاوز الميقات. هذا كلام الثوري، فلما ذكر الإمام أحمد قول سفيان قال الإمام أحمد: ليس لهم حد محدود، إلا أنه أعجب إلي أن يهل من الحرم إذا توجهوا إلى منى. ونقل الأثرم في رجل تمتع بعمرة فحل منها ثم أقام بمكة، فلما كان يوم التروية خرج إلى التنعيم وأحرم بالحج ثم توجه إلى منى وعرفات فلم يأت البيت، قال: ليس عليه شيء. وهذا هو الذي ذكره المؤلف هنا، واستدل له بأن الحج أحد النسكين، فاذا أحرم به المكي من الحل لم يلزم الدم كعمرة، يعني يقيسون على العمرة، يقول: العمرة يحرم بها من الحل، فلما كان كذا الحج أحد النسكين قيس على النسك الآخر.
ومنصع الخلاف، يعني لماذا وقع الخلاف؟ الخلاف في هل تحديد الحرم لأهل مكة ومن كان داخل حدود الحرم، تحديده للإحرام بالحج هل هو على وجه الوجوب والتعيين أو على وجه التخيير بينه وبين الحل؟ فمن قال إنه على وجه الوجوب قال: إنه إذا أحرم بالحل ولم يسلك الحرم في ذهابه إلى عرفة، فانه يعتبر محرماً من دون الميقات الواجب عليه. ومن قال إنه على التخيير فيكون أنه إذا أحرم بالحل فانه يكون قد اختار أحد الخيارين.
نعم، الآن انتهى من الإحرام بالحج، سيتكلم عن الإحرام بالعمرة. قلنا الإحرام بالعمرة يكون من الحل، طيب إذا أحرم بها من الحرم فما الذي يترتب عليه؟
نعم، أحسن الله إليك. قال رحمه الله تعالى: فصل: وإن أحرم بالعمرة من الحرم عقد إحرامه بها وعليه دم لتركه الإحرام من الميقات، ثم إن خرج إلى الحل قبل الطواف ثم...
أحسنْتَ. هنا يقول: إذا أحرم بالعمرة من الحرم، سواء كان من أهل مكة أو من أهل الحرم على الوضع السابق والوضع الحالي، نقول: إذا كان لأهل الحرم فنقول فيقول يترتب عليه أمران: انعقد إحرامه، يكون إحرامه صحيحاً، إذا كان إحرامه صحيحاً يلزمه الإتمام، والامر الثاني أنه عليه دم؛ لأنه ترك واجباً من واجبات العمرة، ترك الإحرام من الميقات. طيب الآن سيزكر، هل يسقط الدم؟ نعم لا لن يتكلم عن سقوط الدم، سيتكلم على هل لابد لإجزاء العمرة أن يرجع إلى الحل قبل الطواف أو لا.
نعم، أحسن الله إليك. قال رحمه الله: ثم إن خرج إلى الحل قبل الطواف ثم عاد أجزأه؛ لأنه قد جمع بين الحل والحرم، وإن لم يخرج حتى قضى عمرته صح أيضاً؛ لأنه قد أتى بأركان، وإنما أخذ بالإحرام من ميقاتها وقد جبَره، فأشبه من أحرم من دون الميقات بالحج. وهذا قول أبي ثور وابن المنذر وأصحاب الرأي وأحد قولي الشافعي، والقول الثاني: لا تصح عمرته؛ لأنه نسك فكان من شرطه الجمع بين الحل والحرم كالحج. فعلى هذا...
أحسنْتَ. هنا يقول: إذا لم يخرج، نعم إذا خرج إلى الحل قبل الطواف ثم عاد فانه يجزئه؛ يعني أنه أحرم من الحرم ثم رجع إلى الحل وعاد ليطوف ويسعى ويقصر أو يحلق، فهنا يقول يجزئه؛ لماذا؟ لأنه جمع بين الحل والحرم، لأنه إنما أمر بالإحرام من الحل ليجمع بين الحل والحرم. طبعا لا يسقط عنه الدم، لكن الكلام في هل تجزي عمرته أو لا. أما إذا لم يخرج من الحرم حتى قضى، إلى الحل حتى قضى ميقاته، فذكر فيها قولين: القول الأول: أنه يصح وهو المذهب؛ لماذا؟ لأن الصحة مرتبطة الإتيان بالأركان، وهو قد أتى بالأركان الإحرام والطواف والسعي، أما الإحرام من الميقات فهو واجب، والواجب يجبر بدم. قال: فأشبه من أحرم من دون الميقات من الحج؛ يعني أشبه الأُفُقي الذي أحرم من دون المواقيت.
والقول الثاني: القول الثاني أنه لا تصح عمرته؛ لماذا؟ لأن الإتيان بالحج، نعم بالإحرام من الميقات نسك، أو لأن هذا الفعل نسك، لأن هذا الفعل اللي هو العمرة نسك، فكان من شرط النسك الجمع بين الحل والحرم، وهو لم يجمع بينهما فلا تصح عمرته.
الآن سيذكر لك ما يترتب على القول الثاني، ذكر لك ستة أمور ترتبت على القول الثاني.
نعم، أحسن الله إليك. قال رحمه الله: فعلى هذا وجود هذا الطواف كعدمه وهو باق...
هذا الأمر الأول: الأمر الأول أن وجود هذا الطواف كعدم؛ يعني لو طاف وسعى وحلق وقصر نقول ترى هذا كله وجودك كعدم لابد أن ترجع إلى الحل ثم تعيد هذه المشاعر. نعم هذا الأمر الأول.
الامر الثاني: وهو باق على إحرامه حتى يخرج إلى الحل ثم يطوف بعد ذلك ويسعى. نعم هذا الأمر الثاني، يبقى على إحرامه حتى، طاف وسعى أو طاف فقط نقول لا هذا غير مجزئ، أو طاف وسعى وحلق نقول هذا غير مجزئ، لابد أن ترجع إلى الحل، هذا كله مترتب على القول الثاني.
نعم الثالث: وإن حلق قبل ذلك فعليه دم؛ يعني لو أنه طاف وسعى وحلق نقول هذا كله وجودك كعدمه، وحلقك هذا هذا محظور من محظورات الإحرام؛ لأنك ما زلت محرماً، وطوافك وسعيك غير صحيح. نعم، وكذلك كل ما فعله من محظورات إحرامه فعليه فديته.
الرابع: كل ما فعل من محظورات الإحرام، لو أنه لما طاف وسعى وحلق لبس ثوبه وتطيب نقول هذا كله طوافك وسعيك وحلقك غير مجزئ، طيب حلقك عليك فيه فدية، البسك المخيط عليك فيه فدية، طيبك عليك فيه فدية إذن.
نعم، وإن وطئ أفسد عمرته ويمضي في فاسدها وعليه دم لفسادها ويقضيها بعمرة من الحل. هذا الأمر الخامس: إذا وطئ، لو أنه كان متزوجاً ووطئ زوجته بعد أن حل فهنا فسدت عمرته؛ لأنه وطئ قبل التحلل الأول بالطواف والسعي، ويمضي في فاسدها، نقول لابد أن ترجع إلى الحل وتطوف وتسعى وتحلق أو تقصر، ويمضي في فاسدها وعليه دم إفسادها غير الدم الأول، ويقضيها بعمرة من الحل؛ يعني أنه يكمل هذه العمرة وياتي بعمرة جديدة.
نعم، ثم إن كانت العمرة التي أفسد عمرة الإسلام أجزأه قضاؤها عن عمرة الإسلام وإلا فلا. يعني إذا كانت هذه العمرة التي أتى، التي أحرم بها من الحل من الحرم كانت هي عمرة الإسلام، هي أول عمرة يأتي بها، فنقول: إذا قضاها فانه يجزئه القضاء عن عمرة الإسلام. أما إذا كانت ليست عمرة الإسلام؛ يعني إذا كانت عمرة الإسلام فيجزيه قضاء واحد، نعم. وإذا كانت ليست عمرة الإسلام فلا بد من قضائها.
نعم، أحسن الله إليك قال رحمه الله تعالى: مسألة: ومن كان منزله دون الميقات فميقاته من موضعه. يعني إذا كان مسكنه أقرب إلى مكة من الميقات كان ميقاته مسكنه. هذا قول أكثر أهل العلم، وبه يقول مالك وطاوس والشافعي وأبو ثور وأصحاب الرأي وعطاء ومجاهد. قال: يهل من مكة، ولا يصح، فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال في حديث ابن عباس: «فمن كان دونهن فمن حيث أنشأ، حتى أهل مكة من مكة». وهذا صريح.
وهذا صريح والعمل به. أولاً أحسنت، هذا يتكلم عن من كان منزله بين المواقيت والحرم. فمن أين يحرم؟ قال: من مسكنهم، هذا قول أكثر أهل العلم، ومن أهل العلم وهو قول مجاهد، قال: يهل من مكة، يعني يأخذ حكم أهل مكة في أنه يحرم من أقرب أو أدنى الحل، وفي الحرم يحرم به في الحج يحرم به من الحرم، وهذا قال: لا يصح هذا؛ لأن الحديث صحيح الحديث صريح: ﴿فمن كان دونهن فمن حيث أنشأ﴾ [البقرة: 196], وهذا صريح يعني من مكانه.
نعم، أحسن الله إليك. قال رحمه الله: فصل، إذا كان مسكنه قرية فالأفضل أن يحرم من أبعد جانبيها، وإن أحرم من أقرب جانبيها جاز، وهكذا القول في المواقيت التي وقتها رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا كانت قرية، والحلة كقرية فيما ذكرناه. وإن كان مسكنه منفردا فميقاته مسكنه أو حذوه، وكل ميقات فحذوه بمنزلتُه. ثم إن كان مسكنه في الحل فأحرم منه للحج والعمره معا، وإن كان في الحرم فأحرم للعمره من الحل ليجمع في النسك بين الحل والحرم. القرية المقصود بها المكان الذي يجتمع فيه الناس يتقرر فيه الناس يجتمعون مكان يعني ليس المراد بالقرية يعني ما طرأ عليه في عصرنا هذا أنه قرى، لكن يمكن أن يقال مصداق عليه في عصرنا هذا أنه مدينة، فهو المكان الذي فيه بيوت يقر فيها الناس ويجتمعون فيه.
فمن أين يحرم؟ هل نقول يحرم من البيت؟ يعني مثلا أهل جدة. أهل جدة هؤلاء دون المواقيت وهم ساكنون في قرية، يعني مكان مجتمع الناس، فهل نقول هو دون الميقات؟ هل نقول ميقاته يعني لا يتجاوز بيته إلا وهو محرم؟ يقول: لا، يقول: الأفضل أن يحرم بعد جانبيه. فجدة عندها طرف يلي مكة وعندها طرف من الجهة الأخرى، فيقول: الأفضل أن يحرم من الجهة الأخرى من أبعد موقع من مكة، من أبعد موقع عن مكة. وإن أحرم من أقرب جانبيها، إذا أحرم من آخر جدة مما يلي مكة فإنه يجوز، فإنه يجوز.
وهناك قول في المذهب وقاله القاضي وابن عقيل وغيرهما: إن أحرم من منزله أفضل من أحرمه من أبعد جانبيها. لماذا يقولون؟ لان استحبابه الرجوع إلى آخر القرية دليل عليه، كون يستحب له أن يرجع إلى آخر جدة مثلاً لا دليل عليه. فنقول: يعني أحرم من بيته مكانه فهو أفضل من أن يتكلف ويرجع إلى آخر جدة. ولذلك يعني مثلاً والجواز والجواز يجوز أن يحرم من آخر نقطة من جدة، لذلك يعني معروف عند جدة الآن إذا خرجت إلى مكة في المحطات التي ستخرج إلى جدة في محطة كبيرة أذكر اسمها محطة الحيلي يحرمون منها، هذه تقريبا من أواخر المحطات التي في جدة، فلو أحرم منها يجوز، لو أحرم ساكن جدة منها فإنه يجوز.
قال: وهكذا القول في المواقيت. المواقيت التي وقتها النبي صلى الله عليه وسلم ليست يعني بعضهم يعتقد أن الميقات هو المسجد، لا، المسجد فقط جعل علامة على الميقات، لكن الميقات كما ذكرنا في الدرس الماضي أنه الميقات حدد، حدد في بعضه بعض المواقيت كبيرة جدا وبعضها أصغر من بعض. فلو يعني ممن يهتم بذكر حدود الميقات الشيخ البسام رحمه الله في شرحه لعمده الأحكام وشرحه ل في شرح لعمده الأحكام مسمى تيسير العلام أو شرح لبلوغ المرام مسمى توضيح الأحكام، وكذلك الشيخ ابن جاسر رحمه الله في منسكه، فاهتموا بذكر حدود كل ميقات حدود كل ميقات. فمن أحرم من أول الميقات يعني من أبعد من مكة فهذا على كلامهم أن هذا هو الأفضل، وإن أحرم من آخره مما يلي مكة فهذا جائز.
قال: والحلة كالقرية، الحلة المكان الذي يحل فيه ناس قليلون، يعني يكون مثلا من الخيام ونحوها، فمستقرون في هذا المكان فيحرمون منه فيحرمون منه. إذا أحرم من آخر جزء من مكة هذا هو المجزئ، وإن أحرم من أبعد جزء فهذا هو الأفضل. قال: إذا كان مسكنه منفردا، شخص مستقر في الطريق من المدينه إلى مكة منفرد ليس عنده أحد فيقوم ميقاته مسكنه أو حذوه، قال: وكل ميقات فحذوه بمنزلته لحديث أنظروا يعني أثر عمر: انظروا حذوها من طريقكم. قال: إذا كان مسكنه في الحل فأحرم منه للحج والعمرة معا وهذا واضح، وإن كان في الحرم فأحرم من العمرة من الحل ليجمع في النسك الحل والحرم. في الحرم في الحرم وحده في مكان وحده يقول: يحرم من أي مكان من الحرم في الحج ولا يتقيد بمكان سكنه.
نعم، أحسن الله إليك. قال رحمه الله تعالى: مساله قال: ومن لم يكن طريقه على ميقات فاذا حاذى اقرب المواقيت اليه احرم. وجملة ذلك أن من سلك طريقا بين ميقات فإنه يجتهد حتى يكون إحرامه بحدو الميقات بحدو الميقات الذي هو إلى طريقه أطرب، لما روينا أن أهل العراق قالوا لعمر إن قرنا جور عن طريقنا فقال: انظروا حذوها من طريقكم، فوقت لهم ذات عرق. ولأن هذا مما يعرف بالاجتهاد والتقدير، فإذا اشتبه دخله الاجتهاد كالقبلة. نعم، يقول: الذي يأتي إلى مكة لكن طريقه لا يمر بأحد المواقيت الخسة فإنه يحرم إذا حاذى، إذا حاذى أحدها، فإذا كان سيمر بميقات فيحرم من الميقات الذي يكون أقرب لطريقه أقرب لطريقه وليس الذي يمر به أولا.
فنضرب مثالا لمن يأتي بالطائرة مثلا من الرياض، يأتي بالطائرة من الرياض إلى جدة. طبعا جدة هي داخل المواقيت فلا بد أن يحرم من قبلها وسيمر من عدة مواقيت، لو نقول سيمر مثلا ميقات ذي الحليفة ويمر من ميقات قرن المنازل، لكن طريق الطائرة يبعد مثلا عن ميقات ذي الحليفة مثلا يبعد عن محاذاته مثلا خمسين كيلا، ويبعد عن محاذاة قرن المنازل بثلاثين كيلا مثلا، فهنا يحرمون إذا حاذوا قرن المنازل وحتى وإن كانوا سيمرون، يعني سيحاذون ذا الحليفة أبعد عن طريقهم، فهذا معنى قوله يجتهد حتى يكون إحرامه بحذو الميقات الذي هو إلى طريقه أقرب. فينظر إلى الميقات الذي أقرب إلى طريقه. واستدل بقول عمر: انظروا حذوها من طريقكم. وذكر أن هذا رف جهاد والتقدير إذا اشتبه دخله الاجتهاد، يعني أنه لا يلزم التحقق واليقين بل يجتهد بذلك.
نعم، أحسن الله إليك. قال رحمه الله: فصل فإن لم يعرف حذو الميقات المقارب بطريقه احتاط فأحرم بحيث يتيقن أنه لم يجاوز الميقات إلا محرما؛ لأن الإحرام قبل الميقات جائز، وتأخيره عنه لا يجوز. الاحتياط فعل ما لا شك فيه، ولا يلزمه الإحرام حتى يعلم أنه قد حاذاه؛ لأن الأصل عدم عدم وجود به، لأن الأصل عدم وجوبه فلا يجب بالشك.
فإن أحرم ثم يقول يقول: إذا لم يعرف حذو الميقات المقارب لطريقه، هو الآن عرف أنه سيمر مثلا بذي الحليفة، يعني سيحاذي ذا الحليفة وسيحيط قرن المنازل، لكن لما جاء مثلا في الطائرة شك هل هو هذا وكان قرن المنازل أقرب لطريقه، فشك هل الآن وصل؟ هل سيصل مثلا إلى ميقات قرن المنازل بعد إقلاع الطائرة بساعة أو بخمسين دقيقة مثلا؟ فنقول: يجعلها بخمسين دقيقة، لذلك يقول: احتاط فأحرم من بعد. (من بعد) الأصل الضمة على الباء وليست على الدال. فيحرم من يعني من المكان الأبعد، هذا هو الأحوط له، قال: بحيث يتيقن أنه لم يجاوز الميقات إلا محرما. لماذا يقول؟ لأنه هو بين أمرين. أما أن يحرم؛ لأنه بين أمرين: إما أن يكون هذا مثلا بعد خمسين دقيقة، إما أن يكون الآن هذا الميقات أو هو قبل الميقات مثلا بعشر دقائق في الطائرة. فيقول هو على الحالين وعلى الحالين غير مخطئ؛ لأنه إذا كان أحرم قبل الميقات، فالإحرام قبل الميقات الأصل في الكراهة لكن الكراهة تزول للحاجة وهذه حاجة. وإذا أخره عن بعد الميقات فإن تأخيره عنه بعد الميقات لا يجوز. فالاحتياط فعل ما لا شك فيه، لكن هل يلزمه أن يحرم من بعد أو لا؟ يقول: لا، لا يلزمه؛ لأن هذا مشكوك فيه، والأصل عدم الوجوب.
طيب. نعم، الآن سيتكلم عما إذا أحرم شك وقال: لن أحرم إلا إذا زال الشك، مثلاً شك هل هو الآن هذا الميقات أو سيحاذي بعد عشر دقائق، فقال: سأحرم بعد عشر دقائق، ثم تبين له أن إحرامه هذا كان بعد مجاوزة الميقات، فماذا عليه؟ نعم، أحسن الله إليك. قال رحمه الله: فإن أحرم ثم علم بعد أنه قد جاوز أو ثم علم أحثم علم بعد أنه قد جاوز ما يحاذيه من المواقيت غير محرم، فعليه دم. وإن شك في أنه الآن أحرم بعد الميقات وصحيح أنه لا يلزمه أن يحرم قبل، لكن لكن إذا أحرم وقال: أنا ما دام أنه لا يلزمني الاحتياط فلن أحرم إلا إذا تيقنت أنني أنني حاذيت الميقات، فلما أحرم تبين لنا أن إحرامه كان بعد مجاوزة الميقات، فهنا عليه دم؛ لأنه ترك واجبا من واجبات الحج، وترك الواجب لا يعذر فيه في الجهل والنسيان.
نعم، أحسن الله إليك. قال رحمه الله: وإن شك في أقرب الميقات إليه، فالحكم في ذلك على ما ذكرنا في المسألة قبلها. وإن كان شك مثلاً، شك هل الأقرب له ذو الحليفة أو الأقرب له قرن المنازل؟ فيقول: الحكم كما ذكرنا في مسألة قبلها، أن الأحوط هو الإحرام من الأبعد، وإن أحرم من الأقرب جاز، لكن إذا يعني الأبعد عن مكة طبعا، وإن أحرم من الأقرب جاز، لكن إذا تبين له فيما بعد أن الأبعد عن مكة هو الأقرب لطريقه، فهل؟
نعم، أحسن الله إليك. وإن كانتا متساويتين في القرب إليه أحرم من حذو أبعدهما. نعم، لو كان سيحسب، سياتي بالطائرة وسيحيط ذا الحليفة وقرن المنازل، وكلاهما وكلا الميقات بعده عن طريق الطائرة متساو، كلاهما يبعدان عن طريق الطائرة خمسين كيلا، فهنا نقول: يحرم من الأبعد من محاذاة ذي الحليفة ذي الحليفة قياسا على ما لو مر في طريقه على ميقاته، لو كان طريقه الذي سياتي به إلى الحج سيمر على ميقات الحليفة وسيمر على ميقات الجحفة (يعني يعني كلاهما على طريقه لن يحاذي على الطريق) فإنه يحرم من ذي الحليفة؛ لأن المقتضي للإحرام منه من ذي الحليفة موجود من غير رجحان لغيره عليه، كما ذكره شيخ الاسلام في شرح العمدة. طيب، إذا لم يحاذي ميقاتا، إذا كان طريقه الذي سيأتي به لن يحاذي أحد المواقيت الخمسة، قالوا: فإنه يحرم عن مكة بقدر مرحلتين. قاله صاحب الرعاية وذكره عنه ابن مفلح والمداوي رحمهم الله تعالى.
نعم، أحسن الله إليك. قال رحمه الله تعالى: مسألة قال: وهذه المواقيت لأهلها ولمن مر عليها من غير أهلها ممن أراد حجا أو عمرة. وجملة ذلك أن من سلك طريقا فيها ميقات فهو ميقاته، فإذا حج الشامي من المدينه فمر بذي الحليفة فهي ميقاته، وإن حج من اليمن فميقاته يلملم، وإن حج من العراق فميقاته ذات عرق، وهكذا كل من مر على ميقات غير ميقات بلده صار ميقاتا له. سئل أحمد عن الشامي يمر بالمدينه يريد الحج، من أين يهل؟ قال: من ذو الحليفة. قيل: فإن بعض الناس يقول يهل من ميقاته من الجحفة؟ فقال: سبحان الله! أليس يروى أليس يروي ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم: «هن لهن ولمن أتي عليهن من غير أهلهن» وهذا قول الشافعي وإسحاق. وقال أبو ثور في الشامي يمر بالمدينه له أن يحرم من الجحفة، وهو قول أصحاب الراي. وكانت عائشة رضي الله عنها إذا أرادت الحج أحرمت من ذي الحليفة، وإذا أرادت العمرة أحرمت من الجحفة. ولعلهم يحتجون بأن النبي صلى الله عليه وسلم وقت لأهل الشام الجحفة.
ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم: «فهن لهن ولمن أتي عليهن من غير أهلهن»، ولأنه ميقات فلم يجز تجاوزه بغير إحرام لمن يريد النسك كسائر المواقيت، وخبرهم أريد به من لم يمر على ميقات آخر بدليل ما لو مر بميقات غير ذي الحليفة لم يجز له تجاوزه بغير إحرام بغير خلاف نعلم بغير خلاف. وقد روى سعيد عن سفيان عن هشام بن عروة عن النبي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وقت لمن ساحل لمن ساحل من أهل الشام الجحفة. ولا فرق بين الحج والعمرة في هذا لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «فهن لهن لمن أتي عليهن من غير أهلهن ممن كان يريد حجا أو عمرة».
أحسنت، هنا ذكر أن هذه المواقيت لأهلها الذين حددت لهم هذه المواقيت، ولمن مر عليها من غير أهلها ممن أراد حجا وعمرة. فمن سلك طريقا فمن سلك طريقا فيها ميقات فهي ميقاته. إذا كان إذا كان هذا الميقات لأهله كالشامي سلك في طريق الساحل ومر بالجحفة، فهذا واضح. لكن الشامي لو أتى للمدينة رأسا ثم أراد أن يخرج من المدينة إلى مكة فسمر بذي الحليفة وسيحاذي الجحفة، فهل يلزمه الإحرام من ذي الحليفة أو لا؟
هنا ذكر القولين، لكن القولين هل هما خاصان؟ هل الخلاف في هذه المسألة خاص بالشامي إذا إذا مر بذي الحليفة أو عام لكل من أتى ميقاتا غير ميقاته وسيمر ميقاته فيما بعد؟ هنا خلاف بين العلماء الذين يسوقون الخلاف في هذه المسألة فمن أهل العلم من أطلق الخلاف في كل من مر بميقات غير ميقات بلده فلو مر مثلا.
النجدي من ذي الحليفة وسيمر بقرن المنازل، فهل يلزم الإاحرام ذي الحليفة أو له تأخيره إلى قرن المنازل؟ أو مر العراقي بذي الحليفة وسيمر بذات عرق وهكذا؟
من أهل العلم من قال: إن الخلاف المذكور هنا شامل لكل من مر بميقات غير ميقات بلده. ومن أهل العلم من قال: إن الخلاف خاص بالشامي إذا مر بذي الحليفة، أما غير الشامي إذا مر بذي الحليفة كنجدي مثلاً إذا مر بذي الحليفة أو العراقي إذا مر بذي الحليفة وناح، أو الشامي أو النجدي مثلاً إذا مر بالجحفة.
الثاني -أقصد تخصيص هذا الخلاف بالشامي إذا مر بالمدينة- هو الذي هو المفهوم من كلام الموفق هنا، كما سيأتي توضيحه بعد قليل.
طيب، ناتي لهذه المسألة: الشامي الآن مر بذي الحليفة وسينطلق إلى مكة وسيجاوز ميقات الجحفة، فهل يلزمه الإحرام بذي الحليفة أو له تأخير الإحرام إلى الجحفة؟ ذكر القولين.
القول الأول: أنه يلزمه الإحرام من ذي الحليفة هنا. وذكر الرواية عن أحمد في الشامي يمر بالمدينة يريد الحج، وهذه في رواية ابن القاسم نقلها الغلام الخلال في زاد المسافر وشيخ الإسلام في شرح العمدة قال: يح، فإن بعض الناس يقول: يهل من ميقاته من الجحفة -اللي هم القول الثاني- فقال: سبحان الله! أليس يروي ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «هن لهن ولمن أتى عليهن من غيرهن»؟ فهذا وجه الدلالة من الحديث، من الوجه الجزء الثاني من الحديث: «ولمن أتى عليهن من غير».
القول الثاني: قول أبي ثور، وهو قول أصحاب الراي، وهو قول مالك الإامام مالك رحمه الله تعالى، اختاره ابن المنذر، وهو مذهب عطاء، ورجحه شيخ الإسلام رحمه الله تعالى، وذكر في الفروع أنه يتوجه قول في المذهب قال: يتوجه لنا مثله أنه له أن يحرم من الجحفة، له أن يحرم من الجحفة.
وذكر دليلهم: أن النبي صلى الله عليه وسلم وقت أهل الشام الجحفة، فقال: هذا هو الميقات الرئيسي له، وهذا كان ميقات الحليفة ميقات بدل، وله أن يعدل إلى الميقات الأصلي. وهنا ذكر فعل عائشة، قال: عائشة إذا أرادت الحج أحرمت من ذي الحليفة، وإذا أرادت العمرة أحرمت من الجحفة. وهذا الدليل بهذا السياق كذا ساقه ابن عبد البر وابن المنذر رحمهم الله تعالى، والحقيقة أنه فيه إشكال في سياق الإشكال في عائشة؛ يعني كانت من أهل المدينة انتقلت لاحقاً إلى البصرة، كانت من أهل المدينة فأحرامها من ذي الحليفة هذا واضح، أحرامها من الجحفة هل يستدل به أو هل هو دليل للمسألة؟
لو كانت من أهل الشام، نعم، صحيح، دليل لهذه المسألة، لكن كونكم تدلون به وهو لا ينطبق على المساله تماماً هذا فيه إشكال، إلا إذا قلنا: أن هذا لكل من مر بميقات غير ميقاته، من مر بميقات غير ميقاته سواء كان سيمر -نعم، يعني سواء كان ميقاته الأصلي أبعد أو أقرب- فهنا يعني لو قلنا إن عائشة تخرج من المدينة تستحدي الحليفة أولاً، إلا إذا كانت سلكت طريقاً آخر لا يحدد الحليفة، فهنا محتمل، محتمل الدلالة، هذا إشكال.
وهناك -طبعاً- المؤلف سيجيب على فعل عائشة في الفصل الذي يليه، لكن الحديث ورد عند ابن أبي شيبة أن عائشة اعتمرت في سنة مرتين: مرة من ذي الحليفة ومرة من الجحفة. وجاء عند البيهقي في سننه الكبير أن عائشة كانت تعتمر في آخر ذي الحجة من الجحفة، وتعتمر في رجب من المدينة وتهل من ذي الحليفة. وفي الموطأ عن عائشة أنها كانت تعتمر بعد الحج من مكة في ذي الحجه ثم تركت ذلك، فكانت تخرج من قبل هلال المحرم ثم تاتي الجحفة فتقيم بها حتى ترى الهلال، فإذا رات الهلال أهلت بعمره، فاستفاد من ذلك أن إحرامها بالحج من الجحفة لكونها ليست قادمة من المدينة، فهي تحرم بالحج أو بالعمره كما جاء في سياق البيهقي: تحرم بالعمرة من المدينة، تحرم بالعمرة في رجب من المدينة لأنها الحليفة لأنها جاءت من المدينة، أما إحرامها من الجحفة فكانت تاخذ عمرة بعد انتهاء الحج، كان في أول الأمر تاخذ عمرة من مكة -يعني تخرج لأدنى الحل- ثم تاخذ، ثم صارت تاخذها من الجحفة، تذهب إلى الجحفة إلى أن يهل هلال المحرم ثم تهل بالحج ثم تهل بالعمره قادمة من الجحفة، فلهذا لا يعد هذا من تجاوز الميقات إلى ميقات آخر، فلا يعد هذا من تجاوز الميقات إلى ميقات آخر؛ لأنها أصلاً لم تأتي من المدينة وهي أصلاً.
طيب، قد يقول قائل: طيب، لماذا تحرم من الجحفة وهي خرجت من مكة؟ الأصلي تحرم من أدنى الحل. نقول: نعم، صحيح، وهي كانت في أول الأمر تحرم من أدنى الحل، ثم كما جاء ذلك في سياق الحديث عند مالك في الموطأ، لكن بعد ذلك كانت تحرم من ميقات، وهذا قول لبعض أهل العلم أن إحرام المكي ومن كان في حكمه، إحرامه من ميقات -يعني من أحد المواقيت الخمسة- أفضل من إحرامه من أدنى الحل، ولعلهم يستدلون بمثل فعل عائشة رضي الله عنها، وأيضاً عموم قول النبي صلى الله عليه وسلم: «إن أجرك على قدر نفقتك» أو «على قدر نصبك».
دليل القول الأول قوله صلى الله عليه وسلم: «فهن لمن أتى عليهن من غير أهلهن»، وذكرنا وجه الدلالة قبل قليل. والثاني: أنه ميقات، يعني أن الشامي إذا مر بالحليفة فيصدق عليه أنه مر بميقات، فلم يجوز تجاوزه بغير إحرام لمجرد النسك، كسائر المواقيت كسائر المواقيت، فدعي على أنه على أن الخلاف عند الموفق مخصوص بالشامي إذا أراد إذا مر بذي الحليفة. يقول: سائر المواقيت لو مر بها لا يجوز التجاوز بغير الإحرام، فكذلك ذو الحليفة.
ومما يدل به، ومما يدل على قصر الخلاف على الشامي من سي بعد قال: وخبر الان سيرجع عن دليل القول الثاني، خبرهم اللي هو وقت الشام الجحفة أريد بلم يمر على ميقات آخر، يعني أن الشامي ميقاته الجحفة إذا لم يمر على ميقات آخر، فاذا مر على ميقات آخر كما لو أتى المدينة أولاً فمر على ذي الحليفة فإنه يهل من ذي الحليفة لأنه لا للحديث وما تينا من غير. قال بدليل ما لو مر بميقات غير ذي الحليفة، يعني لو أن الشامي مر -يعني أتى من طريق آخر لم ياتي من طريق الساحل- فأتى من طريق آخر فأول ميقات مر به ميقات قرن المنازل مثلاً، أو ميقات ذات عرق، أو ميقات يلملم، فإنه لا يجوز له تجاوزه بغير إحرام. قال: لم يجوز له تجاوز بغير إحرام بغير خلاف.
هذا دليل على أن الموفق رحمه الله يقصر الخلاف في هذه المسألة على الشامي إذا أراد تجاوز الحليفة، أما غيره فانه -سواء غير الشامي أو غير ذي الحليفة- فإنه لا يجوز تجاوزه بغير إحرام بغير خلاف. قال: وقد روى سعيد عن سفيان عن هشام عن أبيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وقت لمن ساحل من أهل الشام الجحفة، يعني أن الجحفة ميقات اهل الشام إذا أتوا من الساحل. وروى سعيد -سعيد طبعا ابن منصور- عن هشام عن أبيه مرفوعا عن حديث المواقيت، وفيه: «ولا اهل المدينة ومن مر بهم زيادة ومن مر بهم ذي الحليفة» وهذا صريح، لكنه مرسل طبعاً.
قال شيخ الإسلام رحمه الله في شرح العمدة: فقد بين عروة في روايته أن النبي صلى الله عليه وسلم وقت ذي الحليفة لأهل المدينة ومن مر به، وأن الجحفة إنما وقتها للشام إذا سلك تلك الطريق من طريق سلك الطريق، سلك تلك الطريق طريق الساحل. في الشام إذا سلك طريق الساحل طريق الساحل فميقات الجحفة، وإذا سلك طريق المدينة فميقاته ذو الحليفة. قال: الفرق بين الحج والعمرة في هذا ما قيل في الحج يققال في العمرة.
نعم، احسن الله إليكم. قال رحمه الله: فصل: فإن مر من غير طريق ذي الحليفة فميقاته الجحفة، سواء كان شاميا أو مدنيا. لما روى أبو الزبير أنه سمع جابرا يسأل عن المهل فقال: سمعته -أحسابه رفع ي- سال احسن الله إليكم، أنه سمع جابرا يسأل عن المهل فقال: سمعته -أحسبه رفع إلى النبي صلى الله عليه وسلم- يقول: «مهل أهل المدينة من ذي الحليفة، والطريق الآخر من الجحفة» رواه مسلم. ولانه مر على أحد المواقيت دون غيره، فلم يلزمه الإحرام قبله كسائر المواقيت.
ويحتمل أن أبا قتادة حين أحرم أصحابه دونه في قصة صيده للحمار الوحشي إنما ترك الإحرام لكونه لم يمر على ذي الحليفة، فأخر إحرامه إلى الجحفة، إذ لو مر عليها لم يجز له تجاوزها من غير إحرام. ويمكن حمل حديث عائشة في تأخيرها إحرام العمرة إلى الجحفة على هذا، وأنها لا تمر في طريقها على ذي الحليفة لئلا يكون فعلها مخالفا لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم ولسائر أهل العلم.
احسنت. قال: إن مر من غير طريق الحليفة وسيمر بالجحفة، فإن الجحفة -سواء كان شاميا أو مدنيا- الشامي واضح الميقات الأصلي، والمدني إذا سلك طريقا لا يمر بذي الحليفة، فإنه يحرم من الجحفة. ولذلك حديث عائشة حديث جابر: «مهل أهل المدينة من ذي الحليفة، والطريق الآخر» سلك الطريق الذي لا يمر بذي الحليفة فان مهله الجحفة.
ولأنه من مر بالجحفة فهذا أول ميقات مر به، فلم يلزمه الإحرام قبله، فلا نقول للمدني إذا أحرم من الجحفة: ارجع إلى ميقاتك الأصلي وهو لم يمر به ولم يحاذ، بل نقول له: أن يحرم من الجحفة. ثم ذكر تخريج فعل أبي قتادة وتخريج فعل عائشة. أبو قتادة لما ذهبوا مع النبي صلى الله عليه وسلم للعمرة، النبي صلى الله عليه وسلم سلك طريق الحليفة، وهو وأصحابه سلكوا طريقا آخر، أصحابه أحرموا وهو أخر إحرامه إلى الجحفة، ولذلك صاد الحمار الوحشي لأنه كان غير محرم، وأصحابه كانوا محرمين. فيقول: لعله إنما أخر إحرامه إلى الجحفة لأنه لم يحاذِ الحليفة، هذا احتمال. احتمال آخر: أنه يعني حصل له يعني تردد هل يحرم أو لا؟ ثم لما أتى للجحفة عزم على الإحرام.
وأيضاً حديث عائشة الذي مر معنا قبل قليل، إنما أخذت إحرام الجحفة على هذا، أنها لا تمر في طريقها على ذي الحليفة لئلا يكون فعلها مخالفا لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم. وهذا طبعاً هذا الذي حمله عليه الموفق، أنها لعلها مرت في طريق لا يمر بذي الحليفة وحمله على المعنى الآخر أنها إنما هي لم تخرج من المدينة أصلاً، هذا ما يدل عليه سياق الأحاديث التي سقناها قبل قليل، أنها لم تهل من المدينة إنما رجعت من مكة ولم ترجع إلى المدينة، رجعت من مكة إلى الجحفة فأحرمت منه، فلذلك كان إحرامها من ميقات لم تمر في ميقات قبله.
الان سيتكلم عن تقديم الإحرام على الميقات المكاني.
احسن الله إليك، قال رحمه الله: مسألة قال: والاختيار ألا يحرم قبل ميقاته، فإن فعل فهو محرم. لا خلاف في أن من أحرم قبل الميقات يصير محرما، تثبت في حقه أحكام الإحرام. قال ابن المنذر: أجمع أهل العلم على أن من أحرم قبل الميقات أنه محرم. ولكن الافضل ذكر أنه أن من أحرم قبل الميقات مكاني فإنه محرم، يعني أنه خلاص يدخل في الإحرام، لا نقول لا يصح إحرامه، بل هو محرم ونقل ابن المنذر الإجماع عليه.
نعم، لكن الآن لما اتكلم عن ذلك الآن سيتكلم عن الأفضل.
نعم، أحسن الله إليكم. قال: ولكن الأفضل الإحرام من الميقات، ويكره قبله. روي نحو ذلك عن عمر وعثمان رضي الله عنهما، وبه قال الحسن وعطاء ومالك وإسحاق. وقال أبو حنيفة: الأفضل الإحرام من بلده. وعن الشافعي كالمذهبين، كان علقمة والأسود وعبد الرحمن وأبو إسحاق يحرمون من بيوتهم، واحتجوا بما روت أم سلمة زوج...
يعني هنا الأفضل هنا ذكر الأفضل، ذكر قولين: قيل إن الأفضل الإحرام من الميقات، وقيل إن الأفضل الإحرام من بلده -أي من قبل الميقات- والكون الإحرام من الميقات وكراهة الإحرام من قبله هذا هو المذهب، هذا هو المذهب نص عليه، نص على أن الأفضل الميقات في رواية الأثرم وابن منصور وعبد الله ومحمد بن الحسن بن هارون. وقيل: لا يكره، يعني الأفضل الإحرام من الميقات ولكنه لا يكره قبله، في رواية حرب قال: قلت لأحمد: الرجل يحرم قبل الميقات؟ قال: فعل ذلك قوم، وكأنه سهل فيه. وقال في رواية صالح: إن قوي على ذلك أرجو ألا يكون به باس. والرواية الثانية أو القول الثاني لفظ الإحرام من بلده، الآن سيذكر أدلة القول الثاني.
نعم، أحسن الله إليكم. قال رحمه الله: واحتج بما روت أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وسلم أنها سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «من أهل بحجة أو عمرة من المسجد الأقصى إلى المسجد الحرام غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر» أو قال: «وجبت له الجنة» شك عبد الله أيهما قال. رواه أبو داود. وفي لفظه رواه ابن ماجه: «من أهل بعمره من بيت المقدس غفر له». وأحرم ابن عمر من إيلياء. وروى النسائي أبو داود باسنادهما عن الصبي بن معبد قال: أهل بالحج وال... الصبي بن معبد يتكرر معي للتنبيه عليه...
الله إليكم، باسناده عن الصبي بن معبد قال: أهلت بالحج والعمرة فلما أتيت
فلما أتيت العذيب لقيني سلمان بن ربيعة وزيد بن صوحان وأنا أهل بهما، فقال أحدهما: ما هذا بأفق من بعيره؟ فاتيت عمر فذكرت له ذلك، فقال: هديت لسنة نبيك صلى الله عليه وسلم، وهذا إحرام به قبل الميقات. وروي عن عمر وعلي رضي الله عنهما في قوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: 196]؛ إتمامه أن تحرم بهما من دويرة أهلك.
أحسنت، هنا ذكر دلالة القول الثاني، أن الأفضل الإحرام من بلده، ذكر الأحاديث المرفوعة الواردة في الإحرام من المسجد الأقصى، وفعلها ابن عمر أيضا، أحرم من إيلياء مدينة بيت المقدس، وأيضا فعل الصبيح بن معبد، أحرم من العذيب وهو مكان في العراق قرب القادسية.
عمر رضي الله تعالى عنه قال له: هديت لسنة نبيك، هذا يقرأ عمر له أيضا، تفسير عمر وعلي تتم الحج والعمرة لله، قالوا: إتمامه أن تحرم بهما من دويرة أهلك، فهذه الأدلة الثلاثة تدل على أن الأفضل الإحرام قبل الميقات، هذه أدلة القول الثاني سيجيب عنها بعد قليل، لكنه سيدخل قبلها أدلة القول الأول.
نعم، أحسنت، قال رحمه الله: ولنا أن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه أحرموا من الميقات ولا يفعلون إلا الأفضل.
أحسنت، هذا الدليل الأول: فعل النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، وهم لا يفعلون إلا الأفضل؛ لأنهم أحرص على الخير.
نعم، قال: فإن قيل: إنما فعل هذا لتبيين الجواز؟ قلنا: قد حصل بيان الجواز بقوله كما في سائر المواقيت، لو كان كذلك لكان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وخلفاؤه يحرمون من بيوتهم، ولما تواطؤوا على ترك الأفضل واختيار الأدنى وهم أهل التقوى والفضل وأفضل الخلق، ولهم من الحرص على الفضائل والدرجات ما لهم.
نعم، أحسنت، هنا قال: ذكر إشكال عن الدليل، يقول: الدليل هذا -يعني أصحاب القول الثاني- ذكر قال: هذا الدليل لا يدل على الأفضل إنما يدل على بيان الجواز ونحن نتكلم عن الأفضل، فأجاب عنه من وجهين فقال: بيان الجواز حصل بالقول، فلما تطابق القول والفعل دل على أن هذا هو الأفضل، وأيضا يقول: لو كان هذا لبيان الجواز، بيان الجواز من النبي صلى الله عليه وسلم، طيب الصحابه، الصحابة أطبق -طبعا أطبق أكثرهم وإلا ليس إجماعا- أطبق على الإحرام من المواقيت، وعمر وعثمان وأبو بكر وعلي الخلفاء الراشدون كانوا يحرمون من المواقيت ولم يحرموا من بيوتهم، وكانوا يعلمون أن الإحرام من قبل الميقات أفضل لفعله.
نعم، الدليل الثاني، أحسنت، قال رحمه الله: وقد روى أبو يعلى الموصلي في مسنده عن أبي أيوب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يستمتع أحدكم بحله ما استطاع، فإنه لا يدري ما يعرض له في إحرامه». وروى الحسن أن عمران بن حصين أحرم من مصره فبلغ ذلك عمر رضي الله عنه فغضب وقال: يتسامح الناس أن رجلا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أحرم من مصره! وقال إن عبد الله بن عامر أحرم من خراسان فلما قدم على عثمان لامه فيما صنع وكرهه له. روياهما سعيد والأترم، وقال البخاري: كره عثمان أن يحرم من خراسان أو كرمان؛ ولانه أحرم قبل الميقات فكره كالاحمق قبل أشهره، ولانه تغرير بالاحرام وتعرض لفعل محظورات، وفيه مشقة على النفس، فكره كالوصي في الصوم. قال عطاء: انظروا هذه المواقيت التي وقتت لكم فخذوا برخص الله فيها؛ فانه عسى أن يصيب أحدكم ذنبا في إحرامه فيكون أعظم لوزره، فإن الذنب في الاحرام أعظم من ذلك.
أحسنت، هذه تتمة أدلة القول الأول، ذكر حديث أبي أيوب: «استمتع أحدكم بحله ما استطاع، فإنه لا يدري ما في إحرامه». هذا الدليل ليس صريحا، لكن يعني ذكر النبي صلى الله عليه وسلم بهذا الدليل على إرشاده إلى أن لا يكلف الانسان نفسه ويحرم قبل الميقات، وأيضا أن هذا قول عمر وعثمان، عمر وعثمان لاما من أحرم من قبل الميقات، أيضا القياس على الاحرام في الحج قبل ميقاته الزماني، الحج قبل ميقاته الزماني مكروه فكذا قبل الميقات المكاني، وأيضا أنه فيه تغرير بالإحرام وتعرض لفعل محظورات، يعني أنه لو أحرم قبل الميقات فانه قد يفعل بعض المحظورات التي قد تفسد الصيام أو تلحق في الفدية، وهو في غنية عن الإشقاء على نفسه بذلك.
الان سيتكلم عن الرد على أدلة القول الثاني.
نعم، أحسنت، قال رحمه الله: فاما حديث الاحرام من بيت المقدس ففيه ضعف؛ يرويه ابن أبي فديك ومحمد بن إسحاق وفيهما ما قال، ويحتمل اختصاص هذا ببيت المقدس دون غيره ليجمع بين الصلاة في المسجدين في إحرام واحد، ولذلك أحرم ابن عمر منه ولم يكن يحرم من غيره إلا من الميقات.
وقول عمر: حديث المقدس -اللي هو الدليل الأول- أجاب عنه من وجهين: الوجه الأول: تبيينه تبيينه يقول: يرويه ابن أبي فديك ومحمد بن إسحاق وفيهما ما قال. ابن أبي فديك هذا من رجال الشيخين وتبيينه فيه نظر، فيه نظر، لكنه ضعيف من غيرهما.
والوجه الثاني: على القول بصحته فإن هذا مختص ببيت المقدس دون غيره، هذا ببيت المقدس فقط، لماذا؟ قال: ليجمع بين الصلاتين في المسجدين في إحرام واحد، فيحرم من بيت المقدس ويصلي فيه ثم ينطلق إلى المسجد الحرام، فجمع بين الإحرام في الصلاة في مسجدين مقدسين. وقال: لذلك ابن عمر رآه خاصا به، لذلك ابن عمر من إيلياء فقط ولم يحرم من غيره، لم يحرم من غيره، وابن عمر حريص على اتباع السنة.
هناك وجه آخر في الجمع ذكره القاضي في التعليقة، وهو أن المراد بالحديث أن يشرع أو أن ينوي النسك من بيت المقدس، لكنه لا يدخل في إحرام، أن يدخل في النسك، أن ينوي أن يسافر إلى مكة من بيت المقدس، لكن لا يدخل في النسك إلا من المواقيت، كذا قالوا، وفيه بعد، فيه بعد يعني من ظاهر هذا الحديث.
نعم، الآن سيجيب عن القول الثاني، الدليل الثاني.
نعم، أحسنت، قال رحمه الله: وقول عمر للصبي: هديت لسنة نبيك -يعني في القرآن الجمع بين الحج والعمرة لا في الإحرام من قبل الميقات- فإن سنة النبي صلى الله عليه وسلم الإحرام من الميقات، بين ذلك بفعله وقوله، وقد بين أنه لم يرد ذلك إنكاره على عمران بن حسين إحرامه من مصره.
نعم، يقول في قصة الصبي معبد: وقول عمر له هديت لسنة نبيك، لم يقصد بذلك الإحرام من قبل الميقات، وإنما قصد لقوله: لبيك حج وعمرة في القرآن، يعني وليس في الإحرام قبل الميقات.
نعم، أحسنت، وأما قول عمر وعلي، فإنما قال: إتمام العمرة أن تنشئها من بلدك، ومعناه أن تنشئ لها سفرا من بلدك تقصد له، ليس أن تحرم بها من أهلك. قال أحمد: كان سفيان يفسره بهذا، وكذلك فسره به أحمد، ولا يصح أن يفسر بنفس الإحرام؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه ما أحرموا بها من بيوتهم، فقد أمرهم الله بإتمام العمرة، فلو حمل قولهم على ذلك لكان النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه تاركين لأمر الله، ثم إن عمر وعليا ما كانا يحرمان إلا من الميقات، أفتراهما يران أن ذلك ليس بإتمام لهما فيفعلاه؟ هذا لا ينبغي أن يتوهمه أحد ولذلك أنكر عمر على عمران إحرامه من مصره واشتد عليه وكره أن يتسامح الناس مخافه أن يؤخذ به، أفتراه كره إتمام العمرة واشتد عليه أن يأخذ الناس بالأفضل؟ هذا لا يجوز، فيتعين حمل قولهما في ذلك على ما حمله عليه الأئمه، والله أعلم.
أحسنت، ذكر هنا الجواب عن قول عمر وعلي في تفسير وأتموا الحج، إتمامهما أن تحرم بهما من دويرة أهلك، قال: ليس المراد أن تدخل في النسك، لكن المراد أن تنشئ السفر من هناك، بمعنى أن يكون الانسان حينما خرج من بلده فانه منشئ السفر قاصدا مكة لحج أو عمرة، قاصد مكة لحج أو عمرة، هذا هو الأفضل، وليس الأفضل مثلا أن يذهب مثلا إلى بلد آخر للتجاره أو لعمل ما، ثم إذا انتهى من هذا العمل قصد أن يسافر لمكة يقصد من البلد الآخر، فالأفضل أن يكون قصده للسفر إلى مكة من بلده، هذا هو المراد.
لذلك قال: قال أحمد: كان سفيان يفسره بهذا، سفيان بن عيينة يقول حرب: سمعت أحمد يقول: قال سفيان بن عيينة في تفسير الحديث: تحرم دويرة أهلك، قال: هو أن ينشئ سفرهما من أهله. وقال في رواية ابن الحكم وقد سئل عن الحديث: أن تحرم دويرة أهلك؟ قال: ينشئ لها سفرا من أهله، كان يخرج للعمره عامدا كما يخرج للحج عامدا. قال: ولا يصح أن يفسر بنفس الإحرام.
لماذا؟ ذكر عدة أمور، قال: لأن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه ما أحرموا بالحج من بيوتهم، وقد نزل عليهم هذا الأمر، فلو حمل قولهم على أن الإحرام كان النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه تاركين لتنفيذ هذا الأمر، أمر الله عز وجل، ويدل على ذلك أيضا أن عمر وعليا الذين فسروا بهذا ما كانوا يحرمون إلا عن الميقات، ما كانوا يحرمون إلا من الميقات، فلو كان مقصوده إتمامه أن تحرم بدويرة أهلك يعني أن تنشئ أن تدخل في النسك من دويرة أهلك، لكانوا يعرفون أن هذا إتمام للنسك ولا يفعلونه، وهذا لا ينبغي أن يتوهم على الصحابة الذين هم من أحرص الناس على الخير.
وهذا هو الذي ينبغي على طالب العلم أن يكون أحرص الناس في المبادرة إلى الخير الذي يتعلمه، ولا يكون ما تعلمه فقط مجرد معلومات يرددها ولا تظهر على وقع عمله، وذكر أن مما يدل على ذلك أن عمر اشتد إنكاره على من أحرم من أهله، فهل يشتد إنكاره على من يفعل الأفضل؟ لا، ولذلك هذا مما يدل على أن مقصود عمر وعلي رضي الله عنهما في قوله: تحرم بهما من دويرة أهلك، يعني أن تنشئ السفر لهما من دويرة أهلك، وليس المراد أن تدخل في النسك من دويرة أهلك.
نعم، أحسنت، قال رحمه الله: مسألة، قال: ومن أراد الإحرام فجاوز الميقات غير محرم رجع فأحرم من الميقات، فإن أحرم من مكانه فعليه دم، وإن راجعا محرما إلى الميقات.
وجملة ذلك أن من جاوز الميقات مريدا للنسك غير محرم فعليه أن يرجع إليه ليحرم منه إن أمكنه، سواء تجاوزه علما به أو جاهلا، علم تحريم ذلك أو جاهله، فإن رجع إليه فأحرم منه فلا شيء عليه، لا نعلم في ذلك خلافا، وبه يقول جابر بن زيد والحسن وسعيد بن جبير والثوري والشافعي وغيرهم؛ لأنه أحرم من الميقات الذي أمر بالإحرام منه فلم يلزمه شيء كما لو لم يتجاوزه.
أحسنت، هنا ذكر أن من جاوز الميقات مريدا للنسك وكان غير محرم، فهنا يلزمه الرجوع ليحرم من الميقات إذا أمكنه، يقول: كان هو إلى الآن لم يدخل في النسك، نقول: يلزمه أن يحرم من الميقات، مثلا شخص ذهب بالطائرة من الرياض إلى جده ليحج أو ليعتمر، فنسي أو نام حتى وصل إلى ميقات جده، حتى وصل إلى مطار جده، فهنا نقول: عليه أن يرجع إلى الميقات الذي مر به ويحرم منه، فإذا رجع إلى الميقات الذي مر به وأحرم منه فانه لا شيء عليه، لا شيء عليه؛ لأنه أحرم من الميقات الذي أمر بالإحرام منه، فلم يلزمه شيء كما لو لم يتجاوزه، قال: لا نعلم فيه خلافا.
نعم، أحسنت، قال رحمه الله: وإن أحرم من دون الميقات فعليه دم، سواء رجع إلى الميقات أو لم يرجع، وبهذا قال مالك وابن المبارك، وظاهر مذهب الشافعي أنه إن رجع إلى الميقات فلا شيء عليه، إلا أن يكون قد تلبس بشيء من أفعال الحج كالوقوف وطواف القدوم فيستقر الدم عليه؛ لأنه حصل محرما في الميقات قبل التلبس بأفعال الحج فلم يلزمه دم كما لو أحرم منه.
وعن أبي حنيفة: إن رجع إلى الميقات فلبس سقط عنه الدم، وإن لم يلبس لم يسقط. وعن عطاء والحسن والنخعي: لا شيء على من ترك الميقات. وسعيد بن جبير: لا حج لمن ترك الميقات.
أحسنت، هنا قال: إذا أحرم من دون الميقات، يعني في المثال السابق لو أنه لما وصل إلى جده إلى مطار جده أحرم، لم يرجع إلى الميقات، وإنما أحرم من دون الميقات، فهنا أحرم من دم قد ترك واجبا من واجبات النسك، سواء كان حجا أو عمرة، فهنا ما الحكم؟
ذكر لك خمسة أقوال، القول الأول: أن عليه دم مطلقا سواء رجع أو لم يرجع وهذا هو المذهب، والقول الثاني: إنه إن رجع إلى الميقات فلا شيء عليه إلا إذا تلبس بشيء من أفعال النسك، فيقول: نفرق، نقول: هل هو تلبس بشيء من أفعال النسك بمعنى أنه طاف أو وقف بعرفه ونحو ذلك؟ فهنا يستقر الدم عليه ولا ولا ولا يسقط الدم برجوعه إلى الميقات، أما إذا كان لا، من حين ما وصل إلى مطار جده وأحرم، يعني أحرم، يعني لبس، ليس المراد أنه لبس لباس الإحرام، لبس لباس الإحرام ونوى الدخول في النسك -طبعا لا أقصد هو الأفضل، لكن لو نوى الدخول في النسك ولبس لباس الإحرام ورجع إلى الميقات- فهنا فهنا نقول على مذهب الشافعي: لا يلزمه شيء، يسقط عنه الدم؛ لأنه
رجع إلى الميقات، والقول الثالث: قول أبي حنيفة أنه لابد أن يرجع إلى الميقات وهو يلبي، أما إذا لم يرجع، إذا رجع إلى الميقات ولم يلبي أو لم يرجع إلى الميقات فإنه يكون عليه دم. ولعل قول أبي حنيفة مبني على أنه عنده لابد من التلبية مع النية. والقول الرابع: قول عطاء والحسن النخعي: لا شيء على من ترك الميقات؛ يعني أنه ليس واجباً، أو يعني أنه أو ليس مؤكداً تأكيد الواجب، فلا شيء عليه في ذلك.
والقول الخامس بعكسه: أنه لا حج له، كأنهم يرون أن إحرام الميقات ركن، إذا تتركه فلا حج له. القول الرابع والخامس حكم عليهما ابن عبد البر بالشذوذ، وسيذكر الدليل. الجمهور، نعم أحسن الله إليكم، قال رحمه الله: ولنا ما روى ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «من ترك نسكاً فجعليه دم» موقوفاً ومرفوعاً، ولأنه أحرم دون ميقاته فاستقر عليه الدم، كما لو لم يرجع، أو كما لو طاف عند الشافعي، أو كما لو لم يلبي عند أبي حنيفة، ولأنه ترك الإحرام من ميقاته فلزمه الدم كما ذكرنا، لان الدم وجب لتركه الإحرام من الميقات ولا يزول هذا برجوعه ولا بتلبيته، وفارق ما إذا رجع قبل إحرامه فأحرم منه، فانه لم يترك الإحرام منه ولم يهتك.
أحسنت، هنا ذكر أدلة الجمهور على أنه يجب الدم مطلقاً وأنه لا يسقط برجوعه، أو أدلة القول الأول؛ أثر ابن عباس «من ترك شيئاً من ترك نسكاً فجعليه دم»، وهذا جاء مرفوعاً وموقوفاً، والصواب فيه الوقف. لكن مع أن الصواب فيه الوقف فإن عامة أهل العلم رحمهم الله تعالى يستدلون به فيجعلونه في حكم المرفوع، وذهب بعض المتأخرين إلى أنه لا عبرة به، وأنه قول صحابي، وأنه جاء عن بعض التابعين وبعض الصحابة ما يدل على عدم لزوم الدم لمن ترك واجباً. لكن الأقرب والله أعلم أن هذا الأمر مما تواطأ عليه الاستدلال به أهل العلم على اختلاف مذاهبهم وبلدانهم وأمصارهم، وهذا مما يجعل القول به قوياً؛ القول بوجوب الدم على من ترك الواجب قولاً قوياً.
فعامة أهل العلم لا يمكن أن يمر عليهم دليل لا يستدلون به على اختلاف مذاهبهم وأمصارهم، يعني اهل العراق، أهل مصر، أهل الشام، أهل حجاز، من الطبقات الأولى، من طبقات التابعين ومن بعدهم إلى عصرنا هذا. ثم يأتي بعض الفقهاء على جلالته ويذكر أنه ليس عليه دليل، ثم ليس عليه دليل، وهذا خلل في مفهوم الاستدلال؛ يعني الدليل لا يلزم أن يكون نصاً من القرآن أو من السنة، فالأدلة كثيرة ومنها قول الصحابي ودلالة الشريعة عليه والإجماع وغيرها.
الدليل الثاني: أنه أحرم من دون الميقات -طبعاً رداً على أصحاب القول الثاني والثالث- يقول: أحرم من دون الميقات فاستقر عليه الدم، كما لو لم يرجع. هذا يعني أنتم توافقون يا الشافعي وأبو حنيفة أنه إذا لم يرجع فعليه دم، أو كما لو طاف عند الشافعي؛ أن الشافعي يقول إذا رجع وقد طاف فعليه دم، أو كما لو لم يلبي عند أبي حنيفة؛ أبو حنيفة يقول: إذا لم يلبي فعليه دم. فيقول: نقيس هذه المسالة المختلف فيها على المسائل التي توافقون عليها.
ولانه ترك الإحرام من الميقات فلزمه الدم، هذا رد على القول الرابع اللي قال: لا شيء عليه. نقول: بل عليه شيء لأنه ترك الإحرام من ميقاته، ولأن الدم وجب لترك الإحرام ولا يزول هذا برجوعه ولا بتلبيته، لأنه استقر عليه، وإذا استقر لا يسقط. وفارق ما إذا رجع قبل إحرامه فأحرم منه فإنه لم يترك الإحرام ولم يهتك؛ يعني الشافعي لما قال: نعم، الشافعي قاس هذه؛ يعني إذا رجع قبل التلبس بشيء فعل الحج، قاس إذا ما رجع قبل أن يحرم يقول: لا، إذا رجع قبل أن يحرم هنا ما ترك الإحرام من ميقاته، لكن هنا ترك الإحرام من ميقاته فافترقا.
نعم، أحسن الله إليكم، قال رحمه الله: ولو أفسد المحرم من دون الميقات حجه ولم يسقط عنه الدم به. قال الشافعي وإسحاق وأبو ثور وابن المنذر. وقال الثوري وأصحاب الراي: يسقط لأن القضاء واجب. ولنا أنه واجب عليه بموجب هذا الإحرام فلم يسقط بوجوب القضاء. يبدو أنها بموجب بفتح الجيم إن شاء الله عليه. ولأنه واجب عليه بموجب هذا الإحرام فلم يسقط بوجوب القضاء كبقية المناسك كجزاء الصيد.
أحسنت، هنا يقول: لو أنه أحرم من دون الميقات ثم أفسد حجه بوطء قبل التحلل الأول، إذا أفسد حجه فإنه سيقضيه، طيب إذا أفسد حجه وقضاه، فهل نقول إذا قضى الحج يسقط الدم الذي في الحج الفاسد أو لا؟ ذكر لك قولين؛ قول أول: أنه لا يسقط عنه الدم، وهذا في أصح الروايتين عن أحمد، نص عليه في رواية أبي منصور. وقد ذكر له قول سفيان؛ أي الثوري في رجل جاوز الميقات فأهل ثم جامع، قال قال سفيان: فعليه يحج من قابل، وعليه بدنه وليس عليه دم لترك الميقات. سفيان يرى هذا، والقول الثاني فقال الإمام أحمد رحمه الله عليه: عليه دم لتركه الميقات ويمضي في حجته ويصنع ما يصنع الحاج، ويلزمه ما يلزم المحرم في كل ما أتى؛ لأن الإحرام قائم وعليه الحج من قابل.
والقول الثاني: أنه يسقط، وهذا قول الثوري وأصحاب الراي، وهي رواية عن الإمام أحمد رواها عنه مهنا في رجل جاوز الميقات إلى مكة ثم أحرم بعمره فافسدها عليه قضاها يرجع إلى الميقات فيعلم، فسئل فلا يكون عليه شيء لترك الميقات أول مرة. قال: لا، هذه رواية مهنا عن أحمد، ودليله بأن القضاء واجب، فما دام أنه سيقضي قضاء تاماً فهذا الدم صار في نسك فاسد فلا يلزمه قضاؤه ما دام أنه سيقضي النسك كله. ودليل القول الأول يقول إنه يعني هذه فدية وجبت عليه بموجب هذا الإحرام؛ يعني نتيجة هذا الإحرام الفاسد، فلم يسقط بوجوب القضاء كبقية المناسك كجزاء الصيد.
بقية المناسك؛ يعني لو أنه قال: خلاص أنا فسد حجي خلاص لن أكمل، لن أوقف بعرفة، لن أوقف بمزدلفة. نقول: بل يلزمك إتمام المناسك، ولا يقولون ما دام فسد حجه فلا يلزم الإتمام. قالوا: كجزاء الصيد؛ لو أنه صاد صيداً في هذا النسك الفاسد فيلزمه، وانه صاد صيداً في هذا النسك الفاسد فيلزمه جزاؤه. قالوا: كذلك يلزم الدم الذي لزمه بترك الإحرام من الميقات ولو كان هذا النسك فاسداً. نقف على هذا، نسأل الله للجميع التوفيق والسداد. نعم في سؤال؟
طيب، هذا والله أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
الشيخ عبدالله بن عبدالرحمن الميمان