فصل: ولا يستحب رفع الصوت بالتلبية في الأمصار ولا في مساجدها إلا في مكة والمسجد الحرام، لما روي عن ابن عباس أنه سمع رجلاً يلبي بالمدينة فقال: إن هذا المجنون، إنما التلبية إذا برزت. وهذا قول مالك.
وقال الشافعي: يلبي في المساجد كلها ويرفع صوته أخذاً من عموم الحديث. ولنا قول ابن عباس، ولأن المساجد إنما بنيت للصلاة وجاءت الكراهة لرفع الصوت فيها عامةً لا إمام خاصةً، فوجب إبقاؤها على عمومها.
فأما مكة فتستحب التلبية فيها لأنها محل النسك، وكذلك المسجد الحرام وسائر مساجد الحرم كمسجد منى وفي عرفات أيضاً.
هنا لما ذكر استحب رفع الصوت بالتلبية، تكلم عن رفع الصوت بالتلبية في مساجد الأمصار؛ يعني مثلاً شخص أحرم، مثلاً جاء بالطائرة، جاء بالطائرة أحرم بالطائرة، يعني أحرم قبل أن يصل، لمح الميقات، وصل إلى مطار جدة ونزل في جدة وصلى في أحد مساجد جدة، الآن هو محرم، يشرع له التلبية.
هل يشرع له رفع الصوت بالتلبية؟ هنا نقول على الأصل، هو شخص رجل محرم، والرجل المحرم يشرع له رفع التلبية، ومما يشرع فيه ومما تتاكد فيه التلبية أدبار الصلوات المكتوبة. فهل يشرع له رفع الصوت؟ الكلام عن رفع الصوت، كونه يلبي هذا ما في إشكال، هل يشرع له رفع الصوت هنا أو لا؟
يقول: لا يشرع له رفع الصوت بالتلبية في الأمصار ولا في مساجدها إلا في مكة والمسجد الحرام، وطبعاً وذكر أيضاً مساجد مكة، المساجد الحرام ومساجد مكة أيضاً يرفع الصوت فيها.
وأما الشافعي القول الثاني، الشافعي يقول: يلبي في المساجد كلها ويرفع صوته، لا فرق بين مساجد الأمصار وغيرها. الشافعي أخذ بعموم الحديث. والأصحاب رحمهم الله تعالى استدلوا بأثر ابن عباس: إنما التلبية إذا برزت.
قال: ولأن المساجد إنما بنيت للصلاة، وجاء النهي فيها عن رفع الصوت الأذكار، رفع نهياً مطلقاً استثني الإمام، فوجب إبقاؤها على عمومها، ومما يدخل في ذلك التلبية، فلا يرفع صوته بالتلبية.
القاضي أبو يعلى علل عدم مشروعية رفع الصوت بالتلبية في مساجد الأمصار، يقول: التلبية مستحبة، وإخفاء التطوع أولى من إظهاره لمن لا يشركه فيه. يقول هنا في مساجد الأمصار المحرمون قلة فيستحب له، لكن في مساجد مكة مساجد الحرام المسجد الحرام نفسه لو كان مثلاً قارناً مفرداً لا تنقطع التلبية في حقه بالوصول المسجد الحرام، فهنا يقول الذين يشركون فيه كثر فيشرع له رفع الصوت هناك. هذا تعليل القاضي.
لكن الشيخ رحمه الله شيخ الإسلام في شرح العمدة ذكر أن هذا ليس بشيء. قال الشيخ رحمه الله: ويحتمل أن يكون ذلك لأن المقيم في مصره ليس بمسافر ولا بمتوجه إلى الله، والتلبية إجابة الداعي، وإنما يجيبه إذا شرع في السفر، إنما يجيبه إذا شرع في السفر.
وهذا التعليل ينطبق على، مثلاً في المثال السابق لو كان هو من أهل جدة، لكن لو كان هو من أهل الأمصار وسافر وجاء إلى جدة لا ينطبق عليه التعليل الذي ذكره شيخ الإسلام رحمه الله تعالى. لكن ينطبق عليه التعليل أن المساجد يعني ينهى فيها عن رفع الصوت في الأصل.
قال: أما مكة تستحب التلبية فيها لأنها محل النسك، كذلك المسجد الحرام وسائر مساجد الحرم كمسجد منى وفي عرفات أيضاً مسجد عرفات أيضاً يشرع فيه رفع الصوت بالتلبية لأن هذه كلها محال للنسك.
هذا الظاهر رفع الصوت في القراءة كذلك، لعلهم أيضاً يقصدون في خطبة الجمعة كذلك.
صحيح يقول: إن أثر ابن عباس قد نفهم منه أنه لا يستحب التلبية نفسها ليس رفعها لأن الكلام عن رفع الصوت في التلبية، هذا محتمل.
الشيخ عبدالله بن عبدالرحمن الميمان