أما الصيد فلا ضمان عليه فيه، لأن الصيد يعتبر من صيد الحل. لماذا؟ لأنه وقف على غصن في الحل وإن كان أصل الشجرة في الحرم.
أما الغصن الذي انكسر فإنه يضمنه، فإنه يضمنه لأن الغصن، لأن الغصن وإن كان في الحل إلا أنه لما كان تابعًا لأصله وأصله في الحرم فإنه يعتبر من شجر من شجر الحرم.
الفرق الأول أن حرم مكة إذا أدخل الإنسان إليه صيدًا فإنه لا يجوز له أن يمسكه. وأما حرم المدينة فيجوز له أن يمسكه.
الفرق الثاني أن صيد حرم مكة فيه الجزاء وصيد حرم المدينة لا جزاء فيه.
الفرق الثالث يجوز قطع الحشيش للعلف أو للحاجة في حرم المدينة دون حرم مكة.
شخص أراد الطواف للعمرة ولا يتيسر له الرمل إلا إذا ابتعد عن الكعبة، فهل الأفضل أن يطوف قرب الكعبة أو يطوف بعيدًا عنها لكي يرمل؟ مع ذكر القاعدة في ذلك.
الأفضل أن يطوف بعيدًا عنها لكي يرمل. والقاعدة أن مراعاة العبادة المتعلقة بذات العبادة أولى من مراعاة العبادة المتعلقة بزمانها أو مكانها.
نبدأ بدرسنا اليوم. وقفنا في أحكام الطواف عند قول المصنف رحمه الله تعالى: ومن طاف راكبًا أو محمولًا لم يجزئه إلا لعذر.
الطواف الأصل فيه أنه يمشي، يعني يجب فيه المشي، يجب فيه المشي. لأن النبي صلى الله عليه وسلم طاف ماشيًا. طبعا طاف ماشيًا في أغلب أحواله وطاف راكبًا كما سيأتي.
فإذا طاف راكبًا على دابة أو راكبًا الآن على عربة، فإنه لا يجزئه هذا الطواف إلا إذا كان إلا إذا كان لعذر إلا إذا كان لعذر.
أما عدم إجزاء الطواف راكبًا أو محمولًا لغير عذر طبعا وهو المذهب كما قاله في الإنصاف، فيستدلون بحديث ابن عباس: الطواف بالبيت صلاة. قالوا لما كان صلاة نجعل له أحكام الصلاة.
فمن أحكام الصلاة أنه يجب فيها الوقوف، يجب فيها الوقوف مع القدرة. فلذلك قالوا يجب فيه المشي مع القدرة.
قالوا ووجه الجامع بينهما أن أيضا مما يجمع بينهما أنهما عبادتان تتعلقان بالبيت. الصلاة والطواف عبادتان تتعلقان بالبيت، فوجب فيهما، فوجب فيهما القيام مع القدرة أي فوجب في الطواف القيام مع القدرة كالصلاة.
وعدم إجزائه، عدم إجزاء الطواف من الراكب والمحمول بلا عذر، هذا ذكر المرداوي رحمه الله أنه من المفردات، أنه من مفردات الحنابلة.
أما إذا كان لعذر فإنه يجزئه قولًا واحدًا في المذهب، فلأن الموفق بن قدامة قال: بغير خلاف علمناه، بغير خلاف علمناه. لأن النبي صلى الله عليه وسلم طاف راكبًا. لأن النبي صلى الله عليه وسلم طاف راكبًا لعذر.
روى ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم كثر عليه الناس يقولون هذا محمد هذا محمد حتى حتى خرج العواتق من البيوت، وكان النبي صلى الله عليه وسلم لا تضرب الناس بين يديه، فلما كثر عليه الناس ركب. وهنا ركوب النبي صلى الله عليه وسلم للحاجة، ركوبه عليه الصلاة والسلام للحاجة.
ولا يجزئ عن حامله إلا إن نوى وحده أو نويا جميعًا عنه، أو نويا جميعًا عنه. يعني أنه إذا حمل شخصًا آخر.
إذا حمل شخصًا آخر على عاتقه. سواء كان المحمول بالغًا أو غير بالغ. وسواء كان غير البالغ هذا مميزًا أم غير مميز.
فإذا حمل شخصًا آخر وطاف به، فإن هذا لا يجزئ إلا عن طواف واحد. لا يجزئ إلا عن طواف واحد. على المذهب لا بد من طوافين، لا يكفي هذا الطواف عن الحامل والمحمول.
لماذا؟ قالوا لأنه فعل واحد، لأنه فعل واحد، فلا يتأدى به واجبان. الآن فيه واجب على الحامل وفيه واجب على المحمول. قالوا الآن هذا هذه سبعة أشواط واحدة، ليست ١٤ شوط. فقالوا إنه، فقالوا إنه لا يتأدى به، إنه فعل واحد فلا يتأدى به واجبان.
الآن لا يتأدى به، طيب عمن يقع؟ عن الحامل أو عن المحمول؟ عن الحامل أو عن المحمول؟
نقول: إذا نوياه. إذا نوياه كلاهما للمحمول. إذا نوياه يعني في صورتان تقع عن المحمول، في صورتان تقع عن الحامل. إذا نوياه كلاهما للمحمول، يعني مثلا زيد حمل ابنه محمدًا. ولنفترض أن محمد مميز، يعني فوق السبع سنوات.
فزيد ومحمد كلاهما نويا أن هذا الطواف عن محمد اللي هو المحمول، فإنه يقع عنه. وهذا واضح.
والصورة الثانية التي يقع فيها الطواف عن الحامل والمحمول، عن المحمول. إذا نوى كل منهما عن نفسه. فزيد الحامل نوى عن نفسه، ومحمد المحمول نوى عن نفسه.
فيقع عن المحمول هنا على المذهب. لماذا؟ قالوا المحمول لم ينويه إلا لنفسه، بخلاف الحامل فقد نواه عنه وعن المحمول. فقد نواه عنه وعن المحمول. يعني عنه، عن نفسه، وعن المحمول بكونه طاف به. بكونه طاف به.
فلذلك قالوا لما شركت هذه النية سقطت وأخذنا نية المحمول وأخذنا نية المحمول. إذا يقع عن المحمول في الحالين في هذه في هاتين الحالتين إذا نويا إذا نويا كلاهما إذا نويا كلاهما أن يقع عن المحمول فإنه يقع عنه، أو أو أن ينوي كل منهما عن نفسه.
طبعا لم يذكرهم المصنف ذكر الحالتان التي التي ذكر الحالتين اللتين يقع فيهما الطواف عن الحامل. قال: إلا إن نوى وحده. يعني يقع الطواف عن الحامل إذا نوى وحده. يعني كان منه نية ولم يكن من المحمول نية.
كان منه نية ولم يكن من المحمول نية. إما أن المحمول مثلا كان غير مميز فلا تصح منه النية أو كان مميزًا لكن لم يستحضر أن أن ينوي أن هذا الطواف عن نفسه. فهنا يقع الطواف عن الحامل.
قال: أو نويا جميعًا عنه. يعني ينوي الحامل والمحمول أن هذا الطواف عن الحامل فقط. فهنا يقع الطواف عن الحامل.
إذا يقع عن المحمول في حالتين ويقع عن الحامل في حالتين. يقع عن المحمول إذا نويا جميعًا عنه أو ينوي كل منهما عن نفسه. ويقع عن الحامل إذا نوى هو عن نفسه ولم ينوي المحمول شيئًا أو أو نويا جميعًا عن الحامل.
قال: وسعي راكبًا كطواف. فلا يجزئ سعي الراكب إلا لعذر على الصحيح من المذهب على الصحيح من المذهب، كالطواف.
والمرداوي رحمه الله في التنقيح استظهر صحة السعي راكبًا ولو لغير عذر، ولو لغير عذر، وهو ما اختاره، وهو قول في المذهب، اختاره الموفق ابن قدامة والشارح ابن أبي عمر. وذلك قالوا لأن المعنى الذي منع الطواف لأجله وهو شبهه بالصلاة لا يتحقق في السعي. فلم يشبه السعي بالصلاة فيكون الأصل صحته، صحته راكبًا.
ثم ذكر المصنف رحمه الله مسائل يصح فيها الطواف. فقال: وإن طاف على سطح المسجد، وإن طاف على سطح المسجد أو قصد في طوافه غريمًا وقصد معه طوافًا بنية حقيقية لا حكمية، توجه الإجزاء قاله في الفروع.
إن طاف على سطح المسجد هنا يصح طوافه. يصح طوافه، لماذا؟ وش الإشكال فيها؟ لماذا نبه عليها المصنف رحمه الله؟
هنا لأنه سيكون أعلى من مسامتة الكعبة. فهل يصح طوافه وهو أعلى من مسامتها؟ قالوا: نعم، يصح طوافه كما صححنا صلاته إليها. فيصح صلاته إلى الكعبة وهو أعلى من مسامتها، فكذلك فكذلك الطواف. ولذلك قال في الفروع: يتوجه الإجزاء كصلاته إليها.
قال: أو قصد في طوافه غريمًا وقصد معه طوافًا بنية حقيقية لا حكمية، توجه الإجزاء قاله في الفروع. يعني أنه أراد أن يطوف، أراد أن يطوف مثلًا طواف العمرة أو طواف الإفاضة. وهو يطوف وجد أمامه غريمًا له، كان يطالبه بمال، فكان يتابعه، يتابعه. فهو نوى الطواف نيةً حقيقيةً وقصد أيضًا متابعة الغريم.
فيصح طوافه. يصح طوافه لوجود النية. وقوله بنيةٍ حقيقية، هذه النية الحقيقية نوى الطواف. قال: لا حكمية. كيف لا حكمية؟ لا حكمية يعني أن ينوي الطواف قبل البدء به. قبل البدء به.
لكنه قبل أن يبدأ وجد غريمًا له، فجلس يتابعه. جلس يتابعه. غابت عن ذهنه نية الطواف. غابت عن ذهني نية الطواف. غابت عن ذهني نية الطواف.
فهنا النية حكمية بمعنى أنه لم يقطعها. لم يقطعها. لكنه لم يقصدها أثناء ملازمة الغريم. فهنا لا يصح لا يصح طوافه هنا. لا يصح طوافه لأن النية الحكمية شأنها أقل من النية الحقيقية. فكأنه هنا نيته متابعة الغريم فلم يصح فلم يصح طوافه.
قال: ويجزئ في المسجد من وراء حائل. يجزئ في المسجد من وراء حائل. على الصحيح من المذهب وعليه أكثر الأصحاب. لماذا؟ لأنه صدق عليه أنه طاف بالبيت العتيق.
يعني لو كان مثلًا في المسجد لكنه لا يرى الكعبة، في المسجد الحرام لكنه لا يرى الكعبة. فحال بينه وبينها حائل من جدار ونحوه، فإنه يجوز أن يجزئه هذا الطواف لأنه صدق عليه أنه طاف في المسجد وأنه طاف بالبيت العتيق.
ثم ذكر المصنف رحمه الله تعالى مسائل لا يصح معها الطواف لاختلال بعض شروطه. لاختلال بعض شروطه. وسنذكر شروط الطواف، شروط صحة الطواف باختصار ثم نطبق عليها هذه المسائل.
فاشترط الحنابلة رحمهم الله تعالى لصحة الطواف ١٣ شرطًا. ١٣ شرطًا.
الشرط الأول: أن يكون في المسجد، أن يكون في المسجد. وهذه ذكرت آنفًا في قوله: ويجزئ في المسجد من رآه.
ثانيًا: أن يكون الابتداء من الحجر الأسود. وهذه ذكرت بالأمس أنه يبتدئ من الحجر الأسود.
الثالث: أن يجعل البيت عن يساره. وهذه ستأتينا بعد قليل إن شاء الله.
والرابع: أن يكون خارج البيت جميعه، يكون خارج البيت جميعه.
والخامس: إكمال السبع، إكمال سبعة أشواط.
والسادس: النية.
والسابع: ستر العورة.
والثامن: الطهارة من الحدث، طهارة من الحدث، لكنها مستثناة والطفل غير المميز، الطفل غير المميز فإنهم استثنوا من هذا الشرط.
والتاسع: الطهارة من النجاسة.
والعاشر: الموالاة.
والحادي عشر: أن يكون ماشيًا إلا لعذر. وهذا تقدم قبل قليل في قوله: ولا يجزئ الطواف راكبًا.
والثاني عشر: الإسلام.
والثالث عشر: العقل.
فالإسلام والعقل هذه ذكرها الحجاوي في الإقناع.
نرجع إلى المسألة التي ذكرها المصنف. قال: لا خارجه. يعني لا يصح الطواف خارج المسجد. هنا أي شرط اختل؟ اختل الشرط الأول وهو أن يكون في المسجد. قالوا لأنه لم يرد به الشرع، ولا يحنث به من حلف لا يطف بالبيت. يعني لو حلف من حلف لا يطف بالبيت ثم ثم طاف من خارج المسجد. قالوا: فهو لا يحنث. لذلك قالوا لا يصح الطواف خارج المسجد. وهذا على الصحيح من المذهب وعليه الأصحاب.
وعلى هذا فالمسعى في حكم خارج المسجد. فمن صار طوافه في المسعى، فمن صار طوافه في المسعى، يعني جاء جزء من طوافه ودخل المسعى، فإنه لا يصح طوافه. لا يصح طوافه لأنه طاف من خارج المسجد. هذا في وقت السعة.
هذا في وقت السعة. لكن إذا كان الازدحام شديدًا، لكان الازدحام شديدًا ولم يجد له مكانًا إلا أن يخرج إلى هذا المسعى يخرج إلى المسعى خاصة في السطح، فإنه فإنه يجزئه بإذن الله.
قال: أو منكسًا، أو منكسًا، منكسًا أو منكسًا. يصح هذا وهذا.
هنا اختل الشرط ايش؟ الشرط الثالث: جعل البيت عن يساره. لأنه إذا طاف منكسًا فإنه سيجعل البيت عن يمينه. يعني يجعل البيت عن يمينه عند الحجر الأسود ويمشي باتجاه بعكس اتجاه بعكس اتجاه الناس. فهناه لا يصح طوافه لأن النبي صلى الله عليه وسلم جعل البيت عن يساره وقال: لتأخذوا عني مناسككم.
قال: ونحوه. أو ونحوه كما لو طاف كما لو طاف القهقرى. يعني طاف جعل البيت عن يساره. لكنه طاف راجعًا. طاف راجعًا أو جعل البيت عن يمينه وطاف راجعًا فإنه لا يجزئه لما تقدم.
قال: أو على جدار الحجر. وعلى جدار الحجر. الحجر الذي هو الحطيم. وهو مجتزأ من أو أو جزء منه مجتزأ من الكعبة. فلا يجزئه.
هنا اختل الشرط الرابع. اختل الشرط الرابع وهو أن يكون خارج البيت جميعه. لقوله تعالى: وليطوفوا، فلا يجزئه لقوله تعالى: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: 29]. والحجر من البيت. والحجر أو أو جزء منه كثير من البيت.
قال: أو شاذروان الكعبة. أو شاذروان الكعبة. وشاذروان الكعبة هو الجدار الذي، الجدار الذي جعل ملاصقًا له كأنه عماد له. فلا يصح طوافه عليه. طبعًا الآن جعل في وقتنا مسنمًا بمعنى أنه لا يستطيع أن أن يطوف عليه إلا لو.
صعد عليه واتكأ على من بجانبه، فهنا يستطيع الطواف عليه لكنه لا يجزئه. لماذا؟ اختل هذا الشرط الذي هو أن يطوف بالبيت جمיعًا، لأنه هنا لم يطف بالبيت جمיعًا. فالشاذروان من الكعبة على الصحيح من المذهب وعليه الأصحاب، فيقولون هنا لم يصح طوافه، لأنه من البيت. فإذا طاف عليه فكأنه لم يطف بكل البيت.
قال: أو ناقصًا ولو يسيرًا. هنا اختل الشرط الخامس وهو استيعاب السبع أو إكمال السبع، فلا يجزئ هنا لأنه صلى الله عليه وسلم طاف سبعة أشواط وقال: «لتأخذوا عني مناسككم». وقوله ولو يسيرًا له هنا إشارة خلاف. ومن النقصان أن يبتدئ من بعد الحجر الأسود، لا يبتدئ من الحجر الأسود، فهذا من النقصان فليتنبه له.
قال: أو بلا نية. هنا الشرط السادس الذي اختل، فلا يجزئه في حديث: «إنما الأعمال بالنيات»، وكما لو نوى متابعة غريم أو التحدث مع شخص ولم ينوي الطواف، يعني مثلًا كان يتحدث مع شخص وطاف حول الكعبة شوطين، بعدين قال ما دام أني طفت شوطين خلاص سأكمله خمسة أشواط، نقول لا يجزئك ذلك، لابد أن تبدأ من جديد، لأن النية لابد أن تسبق الفعل ولا تأتي بعده.
قال: أو عريانًا. هنا اختل الشرط السابع وهو ستر العورة، ويدل على عدم صحة طواف العريان أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث من ينادي في حجة أبي بكر وهي سنة تسعة: ألا يحج بعد العام مشرك ولا يطوف بالبيت عريان.
قال: أو محدثًا. هنا الشرط الثامن اللي هو الطهارة من الحدث، أو نجسًا وهو الشرط التاسع. وقالوا إنه يشترط الطهارة من الحدث والنجس لحديث: «الطواف بالبيت صلاة». وهذا يستدل به الأصحاب وهو ورد عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما مرفوعًا وموقوفًا، والصواب أنه موقوف. ولقوله صلى الله عليه وسلم لعائشة: «افعلي ما يفعل الحاج غير أن لا تطوفي بالبيت حتى تطهري».
ثم قال المصنف رحمه الله تعالى: وفيما لا يحل لمحرم لبسه يصح ويفتي. يعني لو أن شخصًا محرمًا طاف في ثوب مخيط أو طاف في ثوب مطيب، فهنا يصح طوافه لكن يخرج الفدية لارتكابه محظورًا.
قال المصنف رحمه الله: ويبتدئ لحدث فيه وقطع طويل. هذا لماذا؟ لأنه اختل الشرط العاشر وهو شرط الموالاة. وانقطاع الطواف بالحدث هذا المذهب بلا ريب كما قاله المرداوي في الإنصاف، وتأثره بالانقطاع الطويل هذا على الصحيح من المذهب وعليه الأصحاب نص عليه الإمام أحمد رحمه الله. والدليل على اشتراط الموالاة أن النبي صلى الله عليه وسلم والى طوافه وقال: «لتأخذوا عني مناسككم».
قال: وإن كان يسيرًا أو أقيمت صلاة أو حضرت جنازة صلى وبنى من الحجر فلا يعتد ببعض شوط قطع فيه. يعني أن الطواف لا يؤثر فيه القطع اليسير، كما لو كان يطوف ثم القطع الطويل ما مثلنا عليه، أو الحدث ما مثلنا عليه. في الحدث لو كان مثلًا يطوف ثم احتاج إلى أن يذهب لدورات المياه أكرمكم الله، فذهب ثم رجع، فهل يكمل؟ يقولون لا، لابد أن يعيد من جديد. قالوا هذا مثل الصلاة، الصلاة إذا أحدث في أثناء الصلاة، فإنه يذهب يتوضأ ثم يرجع ويبتدئ من جديد، فالطواف مثله. الانقطاع الطويل مثلًا طاف ثلاث أشواط ثم ذهب يرتاح من الضحى، فلم يرجع إلا العصر، فهنا انقطاع طويل.
الانقطاع اليسير مثل لو كان يطوف ثم ذهب يشرب ماءً، فهنا انقطاع يسير، فيذهب يشرب ماءً ثم يرجع. وكذلك لو قطعه لصلاة، وهو يطوف أقيمت صلاة المغرب، فنقول يقف ويصلي المغرب ثم يكمل. يقف ويصلي المغرب، لماذا يصلي؟ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة». قالوا: حضرت جنازة، يصلي على الجنازة ثم يكمل. حضرت جنازة، لماذا؟ قالوا لأن الجنازة تفوت بالتشاغل، يعني لو تشاغل عنها بالطواف فاتت الجنازة، فلذلك قالوا يصلي، لا سيما وأن الانقطاع يسير.
من أين يبتدئ إذا أقيمت الصلاة فصلى ثم رجع وهو في منتصف الشوط الثالث؟ نقول يبتدئ الشوط الثالث من جديد، يبتدئ من الحجر. قالوا: لا يعتد ببعض شوط قطع فيه، وهذا نص عليه الإمام أحمد رحمه الله تعالى، وكذا السعي، السعي مثله، لو قطع السعي في أثنائه فإنه إذا رجع فإنه يرجع ويبتدئ الشوط من جديد.
فإذا تم طوافه تنفل بركعتين. وهاتان الركعتان سنة على الصحيح من المذهب وعليه أكثر الأصحاب، والأفضل كونهما خلف المقام وبالكافرون والإخلاص بعد الفاتحة، وهذا لفعله صلى الله عليه وسلم كما في حجة الوداع، صلى خلف المقام وقرأ: ﴿وَاتَّخِذُواْ مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ [البقرة: 125]، وقرأ في هاتين الركعتين الكافرون والإخلاص. واختلف فيما ورد في حديث جابر من قراءة السورتين الكافرون والإخلاص: هل هو مرفوع إلى النبي صلى الله عليه وسلم أو مدرج؟ وأطال الكلام فيه الخطيب البغدادي رحمه الله تعالى في كتابه موضح أوهام الجمع والتفريق، فأطال في البيان بأن هذه الرواية مدرجة، أقصد قراءة الكافرون والإخلاص. ولذلك تجدون في صحيح مسلم من حديث جابر يقول الراوي: قال أبي فكان أبي يقول لا أعلمه إلا نقله عن النبي صلى الله عليه وسلم، يعني لا أعلم جابرًا إلا نقله عن النبي صلى الله عليه وسلم. لكن العمل عليه، يعني حتى لو كان هذا من قول جابر أو فعل جابر فإن هذا العمل عليه عند أهل العلم رحمهم الله تعالى، فهو وإن لم يثبت مرفوعًا حقيقةً لكنه مرفوع حكمًا.
وقال كونهما خلف المقام مقام إبراهيم عليه السلام، ونقل ابن مفلح عن شيخه شيخ الإسلام رحمه الله أنه لا يشرع تقبيل هذا المقام ولا مسحه إجماعًا، فسائر المقامات أولى.
وتجزئ مكتوبة عنهما، يعني لو أنه لما أنهى الطواف أقيمت صلاة العشاء فصلى العشاء، فهل نقول يصلي العشاء ثم يصلي ركعتي الطواف؟ يقول لا، تجزئ المكتوبة عنهما. ونظيرها إجزاء ركعتي الطواف عن تحية المسجد. وهذه المسألة ذكرها ابن رجب رحمه الله في قواعده في القاعدة الثامنة عشرة، وهي: إذا اجتمعت عبادتان من جنس واحد في وقت واحد، ليست إحداهما مفعولة على وجه القضاء ولا على طريق التبعية للأخرى في الوقت، تداخلت أفعالهما واكتفي فيهما بفعل واحد.
ثم ذكر أنهما على ضربين، الضرب الأول أن يحصل له بالفعل الواحد العبادتان جميعًا، فيشترط أن ينويهما معًا على المشهور. والضرب الثاني أن تحصل له إحدى العبادتين بنيتها وتسقط عنه الأخرى. وذكر من مسائلها: قال إذا صلى عقب الطواف مكتوبة، فهل يسقط عنه ركعتا الطواف؟ على روايتين، قال أبو بكر الأقيس أنها لا تسقط، ونقل أبو طالب عن أحمد يجزئه لستهما واجبتين، ونقل الأثرم عنه أرجو أن يجزئه، وهذا قد يشعر أنه قد يحصل له بذلك الفرض ركعة الطواف فيكون من الضرب الأول اللي هو لابد أن ينويهما معًا، لكن لا تعتبر هنا نية ركعتي الطواف. ثم قال بعد كلام: وقد يقال المقصود أن يقع عقب الطواف صلاة، كما أن المقصود أن يقع قبل الإحرام صلاة، فأي صلاة وجدت حصلت المقصود.
ثم قال المصنف رحمه الله: ويسن عوده إلى الحجر فيستلمه لفعله صلى الله عليه وسلم كما في حديث جابر رضي الله عنه، هذا المذهب وعليه معظم الأصحاب.
قال: والإكثار من الطواف كل وقت. ونص الإمام أحمد رحمه الله تعالى أن الطواف لغريب أفضل من الصلاة بالمسجد الحرام.
قال: وله جمع أسابيع بركعتين لكل أسبوع منها. يعني أنه يقول، طبعًا الأصل لكل سبعة أشواط يطوف سبعة أشواط ثم يصلي ركعتين، قال لا، أنا سأطوف واحدًا وعشرين شوطًا، يعني ثلاثة أسابيع، أسبوع يعني سبعة أشواط، فطاف مثلًا أسبوعين أربعة عشر شوطًا أو ثلاثة أسابيع واحدًا وعشرين شوطًا ثم يصلي بعدها ست ركعات، ركعتين ثم ركعتين ثم ركعتين. قال: له جمع أسابيع بركعتين لكل أسبوع، وهذا ورد عن عائشة والمسور بن مخرمة رضي الله عنهما، وهذا نص عليه الإمام أحمد رحمه الله وهو من مفردات الحنابلة رحمهم الله كما ذكره المرداوي في الإنصاف. لكن الأولى أن يركع لكل أسبوع ركعتين بعده، الأولى أن يطوف سبعًا ثم يصلي ركعتين ثم يطوف سبعًا ثم يصلي ركعتين، هذا هو الأولى، لكن له أن يجمع الأسابيع ثم يصلي بعدها ركعتي الطواف.
قال: الأولى أن يركع لكل أسبوع لكن الأولى أن يركع لكل أسبوع ركعتين بعده خروجًا من الخلاف. هنا قال له ذلك، هل يكره؟ قالوا لا يكره، بعضهم قال يكره لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يفعل. لكن الحنابلة رحمهم الله يقولون لا يكره وإن كان النبي صلى الله عليه وسلم لم يفعله، فترك النبي صلى الله عليه وسلم له لا يقتضي الكراهة. قالوا: نظيره أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يجمع الأسابيع، لم يرد عنه أنه يطوف أسبوعًا ثم يصلي ركعتين ثم بعده مباشرة أسبوعًا ثم يصلي ركعتين وهكذا لم يرد عنه، وهذا مشروع بالاتفاق أو وهذا غير مكروه بالاتفاق. وعلم من ذلك من قوله وله جمع أسبوعين بركعتين لكل أسبوع، علم منه أنه لا تعتبر الموالاة بين الطواف والركعتين، يعني لا تشترط ذلك، لأن عمر رضي الله عنه صلاهما بذي طوى.
قال: وتأخير سعيه عن طوافه بطواف وغيره. يعني أنه لا يشترط الموالاة بين السعي والطواف، فله تأخير، فلا بأس أن يطوف مثلًا أول النهار ويسعى آخر النهار أو من الغد.
قال المصنف رحمه الله: وإن فرغ متمتع ثم علم أحد طوافية بلا طهارة وجهله لزمه الأشد، وهو جعله للعمرة، فلا يحل بحلق وعليه دم، ويصير قارنا، ويجزئه الطواف للحج عن النسكين ويعيد السعي.
هنا متمتع أخذ عمرته، طواف وسعى ثم حلق، ثم أحرم بالحج يوم الثامن وذهب إلى عرفة ثم إلى مزدلفة ثم إلى منى، ثم ذهب إلى مكة وطاف طواف الإفاضة وسعى سعي الحج تحلل. يوم تحلل علم هنا علم لا مجرد ظن، لا، علم يقينًا أنه كان في أحد الطوافين يا طواف العمرة أو طواف الإفاضة كان طاف على غير طهارة. نام ثم جاء وطاف، لم يتوضأ. لكن شك هل هو من طواف العمرة أو هو من طواف الحج؟ المصنف رحمه الله ماذا يقول؟ يقول: لزمه الأشد. ما الأشد؟ أن يجعله للعمرة.
طيب، أن يعتبر أن طواف العمرة هو الذي حصل بلا طهارة، وطواف الحج حصل بطهر. ما الذي يترتب على ذلك؟ يقول: إذا جعله للعمرة، الآن طوافه غير صحيح، جيد؟ فيكون سعيه اللاحق له غير صحيح، لأنه سيأتينا أن من شروط السعي أن يقع بعد طواف نسك. طيب، إذا طوافه غير صحيح، سعيه غير صحيح. طيب، إذا حلقه الذي تم بعد الطواف والسعي غير صحيح.
هنا حلقه غير صحيح، فماذا يلزمه في الحلق؟ قالوا: فلا يتحلل بالحلق، وعليه دم، اللي هو دم فعل المحظور. فهو حلق رأسه أو قصره قبل التحلل، لأن هذا تحلله صار غير صحيح. وعليه دم، طيب، المحظورات الثانية، لماذا لم نعذره بالجهل هنا؟ لم نعذره بالجهل لماذا؟ لأن محظور حلق الشعر يعتبر من الإتلاف، والإتلاف والمحظورات التي فيها إتلاف يستوي فيها العمد والسهو والجهل، فهنا لا يعذرونه. لذلك لو لبس مخيطًا أو تطيب، فهنا يعذرونه، لماذا؟ لأنه كان عن جهل.
فلا يحل بحلق وعليه دم، يصير قارنًا، يعني لما أحرم بالحج يوم التروية، هنا أحرم بحج وهو حقيقةً لم يتحلل من العمرة، فيكون أدخل الحج على العمرة فيصير قارنًا.
طواف الإفاضة. احنا قلنا أن طواف الإفاضة الأصل أنه طواف، الطواف غير الصحيح هو طواف العمرة. طواف الإفاضة قالوا: يجزئه طواف الإفاضة هنا عن العمرة والحج، لماذا؟ لأنه قارن، والقارن يجزئه طواف الإفاضة عنهما معًا.
قال: ويعيد السعي. طيب، هل يعيد الطواف أو لا؟ سنتكلم عن جملة ويعيد السعي. البهوتي رحمه الله في شرحه في شرح المنتهى قال: والاحتياط إعادة الطواف، طواف الإفاضة، لماذا؟ قال: لأنه لاحتمال أنه هو الذي كان بلا طهارة، قال لاحتمال أنه الذي بلا طهارة، فلا يسقط فرضه بيقين.
ويعيد السعي، سعي الحج، لماذا؟ هذه العبارة حقيقة مشكلة، وتعليلها مشكل. إعادة السعي، لماذا؟ يعيد السعي.
قالوا لأنه وقع بعد طواف غير معتد به طواف الإفاضة. طيب كيف غير معتد به وأنتم اعتبرتم طواف العمرة هو الفاسد، أما طواف الحج فهو صحيح؟
قالوا لأننا نقدره، وقد يقدر بأنه قد يعتقد بأنه هو الذي حصل بلا طهارة. كذا علله المصنف في شرحه، والبهوتي كذلك في شرحه للمنتهى وفي الكشاف. وفي هذه العبارة قلق، أو في هذا التعليل قلق، لماذا؟ لأنه على هذا التقدير يكون طواف الحج صحيحًا. إذا قلنا إن طواف العمرة هو الفاسد، طواف الحج صحيحًا، إذاً السعي بعده يكون صحيح، ليس فاسد، ولذلك انتقد هذا الإطلاق الخلوتي، لكن لم ينتقدوه في حاشية المنتهى انتقدوه في حاشية الإقناع. ونص كلامه هناك قال: وفيه أنا حيث قدرنا الفاسد طواف العمرة فطواف الحج صحيح مستوفٍ للشروط والأركان، فقد وجد شرط الاعتداد بالسعي، اللي هو أن يقع بعد طواف صحيح. فما وجه القول بلزوم إعادة السعي؟ وما وجه قوله يعني الحجاوي في الإقناع لأنه وجد بعد طواف غير معتدٍ به؟ والمصنف يعني الحجاوي في الإقناع تابع في ذلك للشرح الكبير لأن صاحب الشرح الكبير علل بذلك، فلتحرر المسألة.
وقد يقال يعيده احتياطًا. يعني أننا قد نحمل قوله يعيد السعي على الاحتياط. هذا احتمال، احتمال أنه يعيد السعي احتياطًا، كما قاله البهوتي في إعادة طواف الإفاضة احتياطًا. ابن قائد في حاشية المنتهى ذكر احتمالًا آخر، وهو أنه يحتمل أن مراده بقوله ويجزئه الطواف للحج عن النسكين الطواف الذي يأتي به بعد التذكر، يعني يقول إنه لما تذكر أنه احتمال أنه فسد طواف العمرة واحتمال أنه فسد طواف الحج قلنا نعتبره فاسد طواف العمرة، قال: وأيضًا يلزم إعادة طواف الحج ويجزئه الطواف المعاد عن النسكين، وليس طواف الإفاضة الذي فعله، لذلك قال: وقوله يعيد السعي يعني سعي الحج لجواز كونه بعد طواف فاسد. قال: لكن هذه العبارة أيضًا هذا الاحتمال فيه إشكال، لأنه لو كان كذلك قال لكن كان حق العبارة يعني لو كان هذا الاحتمال صحيحًا أن يقول ويعيد الطواف والسعي ويجزيئان عن النسكين، قال فتأمل ذلك ولا تستعجل.
فلذلك العبارة ما زالت مشكلة فيها إشكال إلا إذا حملنا إعادة السعي يعني إما أن نحمل إعادة السعي على الاحتياط أو نقول أيضًا يعيد طواف الإفاضة والسعي كليهما إعادة السعي الاحتياط وهذا الاحتمال هو الذي ذكره الخلوتي في حاشية الإقناع، أو نقول يعيد الطواف والسعي كليهما وهذا الاحتمال هو الذي ذكره ابن قايد رحمه الله في حاشيته على المنتهى.
قال: وإن جعل من الحج فيلزمه طوافه وسعيه ودم. يعني إن قدرنا أن هذا الطواف الفاسد من الحج وهنا شيخنا الاحتمال الثاني، الاحتمال الأول هو الأشد فيلزمه إياه، الاحتمال الثاني أننا نقدره من الحج، لكن إذا قدرناه من الحج ما الذي يلزمه؟ يلزمه بس إعادة الطواف وإعادة السعي بعد الطواف، لأن إعادة الطواف لأنه وقع فاسدًا، وإعادة السعي لأنه وقع بعد طواف غير صحيح، ودم. الدم هذا عن ماذا؟ الدم هذا عن ماذا؟ المصنف الفتوحي في شرحه ذكر أن الدم لحلقه قبل تمام نسكه. وانتقده البهوتي رحمه الله في شرحه، وذكر أن الدم هو دم التمتع، يعني صح حجه صح تمتعه فيكون عليه دم التمتع بشروطه التي تقدمت سابقًا. نعم، قلت أن البهوتي انتقده في شرحه، لا الانتقاد كان في حاشيته وفي شرحه ذكر أنه دم التمتع، وأشار إلى أن إطلاق المصنف فيه نظر لكن في حاشيته وضح ذلك.
طيب، فقوله وإن جعلنا الحج يعني إن قدرناه من الحج وليس أنه له تقديره من الحج، لماذا؟ لأنه في الأول قال لزمه الأشد وهو جعله للعمرة، فهو قال إن جعلنا الحج يعني أنه يذكر لك الاحتمال الآخر وأنه أسهل من الأول.
طيب، قال: وإن كان واطئا بعد حله من عمرته لم يصح. يعني هذا ما ذكر سابقًا على افتراض أنه لم يحصل منه وطء بين النسكين، لكن إذا حصل منه وطء بعد حله من عمرته يعني لما فرغ من تمتعه وتحلل من حجه تذكر أنه طاف أحد الطوافين إما طواف العمرة أو طواف الإفاضة بلا طهارة. طيب، نقول هنا يجعله من العمرة.
طيب، وإذا جعل العمرة قال أنا وطئت زوجتي بعد تحللي من العمرة، نقول هنا إذا كان واطئا زوجته بعد تحلله من العمرة فهنا لم يصح لا العمرة ولا الحج. لماذا؟ لم تصح العمرة لوقوع الوطء قبل التحلل الأول، والتحلل الأول يكون بتمام السعي لأن الطواف هنا غير صحيح لكونه قدرنا أنه حصل من محدث، والسعي أيضًا غير صحيح، لماذا؟ لأنه وقع بعد طواف غير صحيح. فلم يصح، فيكون عمرته فاسدة، والحج لا يصح، لماذا؟ لأنه أدخل حجًا على عمرة فاسدة، فلا يصح.
طيب، ماذا يفعل؟ يكون طوافها الذي نواه للإثابة هو طواف العمرة الذي يتحلل به من عمرته الفاسدة، ولسهدم لحلقه ودم لوطئه في عمرته، فيلزمه دمان: دم لحلقه لأنه فعل محظورًا وهي فدية، ودم لوطئه في عمرته حيث وطئ قبل التحلل الأول فهو فعل محظورين من محظورات الإحرام.
ثم انتقل المصنف رحمه الله تعالى إلى السعي، قال: ثم يخرج للسعي من باب الصفا، هو كان باب موجود، لكنه أزيل مع التوسعة، فيرقى الصفا ليرى البيت، ويكبر ثلاثًا، ويقول ثلاثًا: «الحمد لله على ما هدانا، لا إله إلا الله وحده لا شريك له» إلى آخره، لحديث جابر في صفة حجة النبي صلى الله عليه وسلم أنه خرج للسفا من بابه فرقى الصفا حتى رأى البيت، وكبر ثلاثًا، وقال: «لا إله إلا الله وحده لا شريك له». وليس في حديث جابر في صحيح مسلم يحيي ويميت وهو حي لا يموت بيده الخير، وإن كانت لفظة يحيي ويميت موجودة خارج الصحيح.
قال: ويدعو بما أحب، لفعله صلى الله عليه وسلم، ثم دعا بين ذلك ولا يلبي لعدم نقله، قال ثم ينزل، طبعًا بعض الأصحاب ذكروا أن القارن والمفرد يلبيان في السعي لكن لا يجهران به لئلا يخلط على الساعي.
قال: ثم ينزل فيمشي حتى يبقى بينه وبين العلم نحو ستة أذرع، فيسعى ماشيًا سعيًا شديدًا إلى العلم الآخر، ثم يمشي حتى يرقى المروة، لفعله صلى الله عليه وسلم في السعي، وإنما يسعى شديدًا بين العلمين لأنه مجرى واد، واتباعًا لأم إسماعيل رضي الله تعالى عنها لما كانت تبحث الطعام لولدها في القصة المعروفة. والمصنف رحمه الله هنا ذكر أن بدء السعي الشديد قبل العلم بنحو ستة أذرع، وبعض الحنابلة وهو نص الإمام أحمد رحمه الله أن بدء السعي الشديد من العلم.
فهل هما قولان أو قول واحد؟ يعني هل نقول إنه هناك قولان في المذهب؟ منهم من يرى أنه يسعى من العلم، ومنهم من يرى أنه يسعى قبل العلم بنحو ستة أذرع. ظاهر صنيع المفلح في الفروع والمرداوي في الإنصاف رحمهما الله تعالى أنهما قولان، ولذلك ذكروا أن بعض الأصحاب قال كذا وبعض الأصحاب قال كذا.
والذي ظهر لي بعد تأمل أنهما قول واحد، وأن من عبر بالعلمين، العلم يعني الشيء الشاخص، يعني مثل اللوحة تقريبًا، من عبر بالعلمين قصد مكانهما الأصلي، ومن عبر قبل العلم بستة أذرع قصد مكان العلم بعد تأخيره، حيث كان العلم أصلاً في بدء الوادي إشارةً إلى بدء السعي الشديد، والعلم الآخر في نهايته، ثم جرفه السيل عن مكانه الأصلي فأخر عن بدء الوادي بنحو ستة أذرع، وهذا ذكره بعض الشافعية كالجويني رحمه الله في نهاية المطلب وذكره بعض الحنفية كابن عابدين رحمه الله في الحاشية.
ولعل مما يؤيد، وطبعًا تأخيره عن مكانه هذا يبدو أنه في وقت متقدم، ولذلك حتى الشافعي رحمه الله في الأم ذكر أن السعي قبل العلم بنحو ستة أذرع. ولعل مما يؤيد أنهما قول واحد أن الموفق في المغني لما شرحت عبارة الخرقي وفيها فيمشي حتى يأتي العلم، قال: ومعناه حتى يحاذي العلم وهو الميل الأخضر المعلق في ركن المسجد، فإذا كان منه نحوًا من ستة أذرع سعى سعيًا شديدًا. فالموفق رحمه الله لم يعتبره خلافًا، وكذا صاحب الشرح الكبير لما شرح عبارة المقنع حتى يأتي العلم، إن ذكر نفس عبارة المغني، فهما لم يعتبره خلافًا، ولعل هذا مما يؤيد أنهما قول واحد، والله تعالى أعلم.
قال: فيقول كما قال على الصفا، يعني يقول على المروة كما قال على الصفا، قال: ويجب استيعاب ما بينهما فيلصق عقبه بأصلهما، فمن ترك شيئًا منهما ولو دون ذراع لم يجزه سعيه. وقد أزيل الجبلان، ومبتدأ أصلهما ونهايته مسار العربات في الوقت الحالي.
ثم ينزل فيمشي في موضع مشيه ويسعى في موضع سعيه إلى الصفا، يفعله سبعًا، ذهابه سعيه ورجوعه سعيه، بفعله صلى الله عليه وسلم، فمن بدأ بالمروة لم يحتسب بذلك الشوط، لأنه صلى الله عليه وسلم بدأ بالصفا وقال: «لتأخذوا عني مناسككم».
ثم ذكر المصنف رحمه الله شروط السعي فذكر له ثلاثة شروط. الأول قال: ويشترط للسعي نيته، لقوله صلى الله عليه وسلم: «إنما الأعمال بالنيات». وهذا صوبه المرداوي في الإنصاف أنه تشترط له النية.
قال: وموالاته. يعني أنه يأتي به متواليًا لا يفرقه، كالطواف قياسًا على الطواف. وهذا المذهب وعليه أكثر الأصحاب، يعني اشتراط الموالاة في السعي.
قال: وكونه بعد طواف ولو مسنونًا. على الصحيح من المذهب نص عليه، لأنه صلى الله عليه وسلم سعى بعد طواف وقال: «لتأخذوا عني مناسككم».
وقد تابع المصنف المنقح، أي المرداوي في التنقيح، في إطلاق لفظة طواف. والحنابلة رحمهم الله يشترطون أن يكون طواف نسك، ولذلك اعترضه الحجاوي في حاشيته على التنقيح قائلاً: قوله لا يصح إلا بعد طواف ولو مسنوناً في عمومه نظر، إذ كل طواف لا يصح السعي بعده ولا يسن، وإنما يصح بعد طواف نسك حج أو عمرة من حج أو عمرة أو قران، لا أنه كلما طاف استحب له السعي، ولو قال لا يصح إلا بعد طواف نسك لكان أصوب ولا سلمت العبارة. وليس في كلامه ولا في كلام المقنع تصريح بذلك، لأن صاحب المقنع لم يشترط هذا حتى يقال اجتزأ به.
إيه وش يقصد؟ يقصد أن أحياناً المنقح لا يذكر كل شيء، يعني العبارات المنصوص عليها في المقنع التي ليس فيها خلاف مطلق أو ليس فيها عموم يريد أن يقيّده فإنه يتركها ولا يذكرها أصلاً في التنقيح، فهو يذكر في التنقيح عبارات المقنع التي سيعلق عليها، ولذلك قال هنا: وليس في كلامه يعني في كلام المنقح ولا في كلام المقنع تصريح بذلك يعني بكونه طواف نسك حتى يقال اجتزأ به، فمقتضى كلامه أنه إذا طاف في غير نسك أن السعي بعده مطلوب وهو فاسد. انتهى كلامه رحمه الله.
وهذا الكلام من الحجاوي في الحاشية قد سقط من حاشية التنقيح المطبوعة بتحقيق الشيخ ناصر السلامة وفقه الله. وفي هذا الموضع سقط أصلاً قرابة ورقة كاملة أو ورقة كاملة من المخطوط، وهي موجودة في المخطوط وفي تحقيق الشيخ يحيى الجردي، الشيخ يحيى الجردي حقق حاشية التنقيح فقط طبعت قديما لكن الظاهر الآن أنها نادرة.
قال الخلوتي: وكونه بعد طواف أي طواف نسك كما نبه عليه الحجاوي في حاشية التنقيح مع أنه لم يتنبه له في الإقناع فأطلق فتدبر. يعني يقول الحجاوي انتقد المنقح في حاشية التنقيح، لكنه لما أتى إلى الإقناع لم يذكر طواف نسك، يعني لم يقيده بكونه طواف نسك، لكن قد يقيد إنه في الإقناع فقال طواف ولو مسنونا كطواف القدوم، فلعل قصده بتقييد الإطلاق بالمثال، فلا اعتراض عليه.
ثم ذكر المصنف رحمه الله تعالى ما يسن في السعي، فقال: تسن موالاته بين الطواف وبين السعي، وهذا تقدم ذكره في قوله: وتأخير سعيه عن طوافه بطواف وغيره. فتسن الموالاة بينهما فلا يفرق بينهما طويلا لفعله صلى الله عليه وسلم.
وطهارة هذا الثاني، يعني الطهارة من الحدث ومن النجس، وستره، يعني ستر العورة. وهذا على الصحيح من المذهب استحباب الطهارة والسترة على الصحيح من المذهب وعليه جماهير الأصحاب، وإنما لم يشترط الطهارة لعدم الدليل على الوجوب، فليست مثل الطواف، فالطواف مشبه بالصلاة، والسترة هي ستر العورة، ولا يقصد بالسنية هنا أنه لو طاف عرياناً أو كاشفاً عورته سواء المخففة أو المغلظة أنه يعتبر أنه لا إثم عليه، لا، بل يقصد أن ستر العورة هنا ليس شرطاً لصحة السعي، فليتنبه لذلك.
قال: والاضطباع. يعني لا يشرع الاضطباع أثناء السعي، فالاضطباع من
خصائص الطواف الأول: المرأة لا ترقى ولا تسعى سعياً شديداً. لا ترقى على الجبل لكونها عورة، وفي صعودها استشراف للجبال. ولا تسعى سعياً شديداً لأن السعي لإظهار الجلد، ولا يقصد إظهار الجلد في حق المرأة، بل المطلوب منها الستر.
قال: وتسن مبادرة معتمر بذلك، يعني بالطواف والسعي، لفعله صلى الله عليه وسلم، حيث إنه أول ما قدم بدأ بالطواف ثم السعي وتقصيره. وتسن مبادرة معتمر بذلك وتقصيره، يعني التقصير، يسن للمتمتع أن يقصر من شعره إذا لم يكن معه هدي ليحلق إذا توفر شعره ليحلق في الحج.
قال: ويتحلل متمتع لم يسق هدياً ولو لبد رأسه، يعني يتحلل بالطواف والسعي والتقصير بإرشاد النبي صلى الله عليه وسلم لمن لم يسق هدياً ولذلك. أما إذا كان ساق الهدي فإنه لا يتحلل بذلك، لا يتحلل إلا إذا كان يوم النحر.
قال: ولو لبد رأسه، إشارة خلاف؛ لأن بعض الفقهاء رحمهم الله تعالى من الحنابلة ذكروا أنه إذا لبد رأسه، يعني جعل على رأسه ما يلبده من عسل وغيره، فإنه لا يحل حتى يكون يوم النحر، أخذوا بظاهر قول النبي صلى الله عليه وسلم: «إني قلدت هديي ولبدت رأسي فلا أحل حتى أنحر».
فالمصنف هنا يقول: سواء كان لبد رأسه أو لا. ويقولون في الجواب عن هذا الحديث: إن النبي صلى الله عليه وسلم لم يذكره لبيان أنه شرط، وإنما الشرط هو تقليد الهدي، فتلبيد الرأس ذكر وصفاً كاشفاً يعني.
قال: ويقطع التلبية متمتع ومعتمر إذا شرع في الطواف، ولا بأس بها في طواف القدوم سراً. وقطع التلبية للمتمتع والمعتمر إذا شرع في الطواف، هذا هو الصحيح من المذهب، لحديث ابن عباس يرفعه: «أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يمسك عن التلبية في العمرة إذا استلم الحجر» رواه الترمذي وقال: حديث صحيح والعمل عليه عند أهل العلم. قالوا: لا يقطع المعتمر التلبية حتى يستلم الحجر. وقال بعضهم: إذا انتهى إلى بيوت مكة قطع التلبية. لذلك عبارة الترمذي: والعمل عليه عند أهل العلم، لا يقصد منها دائماً الإجماع، فهو أحياناً يقصد الإجماع، وأحياناً يقصد قول الأكثر. قال: والعمل على حديث النبي صلى الله عليه وسلم، وبه يقول سفيان والشافعي وأحمد وإسحاق. قال: ولا بأس بها في طواف القدوم سراً، ويككره الجهر بها لئلا يخلط على الطائفين، وكذا حكمها في السعي بعده أنه لا بأس بها في السعي بعده سراً، وهذا للقارن والمفرد.
ثم انتقل المصنف رحمه الله تعالى إلى صفة الحج بعد أن ذكر صفة العمرة. واعتنى الصحابة رضي الله تعالى عنهم بذكر صفة الحج صلى الله عليه وسلم، ولم يحج صلى الله عليه وسلم بعد الهجرة إلا حجة واحدة وهي حجة الوداع. ومن أعظم من اعتنى بذكر دقائق حجه صلى الله عليه وسلم جابر رضي الله تعالى عنه في حديثه الطويل الذي رواه مسلم وغيره، وهو منسك، ولذلك أفرده بعض العلماء بالشرح في عصرنا هذا وفي عصور سابقة. وأحسن الشيخ الألباني رحمه الله تعالى في جمع صفة حجة النبي صلى الله عليه وسلم في كتابه حجة النبي صلى الله عليه وسلم كما رواها جابر عنه، فجمع الروايات الواردة في حديث جابر وتكلم عليها تصحيحاً وتضعيفاً وتكلم على فقهها، فرحمه الله رحمة واسعة.
قال: يسن لمحل بمكة وقربها ومتمتع حل إحرام بحج في ثامن ذي الحجة وهو يوم التروية. فيسن الإحرام بالحج يوم التروية للمحل بمكة وبقربها يعني دون مسافة قصر، وكذا المتمتع إذا حل من عمرته فإنه يحرم بالحج في يوم التروية هذا المذهب مطلقاً، وقوله مطلقاً أي للمكي وغيره. نعم، هذا المذهب مطلقاً وعليه أكثر الأصحاب ونَص عليه، كذا قال المردوي في الإنصاف: مطلقاً يعني للمكي وغيره؛ لأن الصحابة المتمتعين مع النبي صلى الله عليه وسلم أهلوا بالحج يوم التروية.
قال: إلا من لم يجد هديًا وصام ففي سابعه. يعني من لم يجد هدياً فنقول: يصوم ثلاثة أيام في الحج. قالوا: إنه يحرم بالحج يوم السابع ليصوم السابعة والثامنة والتاسع، كذا ذكره بعض الأصحاب رحمهم الله تعالى. قالوا: ليكون صيامه في إحرام بالحج خروجاً من خلاف من لم يجوز الصيام قبل الإحرام بالحج.
قال: بعد فعل ما يفعله في إحرامه من الميقات. فتقدم أنه عند الإحرام بالميقات يغتسل ويتنظف ويتطيب، ولبس إزاراً ورداءً أبيضين نظيفين، ويجرد من المخيط إلى آخره، فما ذكر هناك يذكر هنا. قال: وطواف وصلاة ركعتين، يعني أنه على المذهب أنه يشرع له أن يطوف ويصلي ركعتين ثم يحرم بالحج. وهذا نص عليه الإمام أحمد رحمه الله في رواية ابنه عبد الله. في رواية ابنه عبد الله قال: فإذا كان يوم التروية طاف بالبيت، فإذا خرج من المسجد لبى بالحج.
يقول شيخ الإسلام رحمه الله في شرح العمدة: وهذا الطواف لتوديع البيت لكونه خارجاً إلى الحل؛ لأنه سيخرج إلى منى في طريقه إلى عرفة، فهنا سيودع الحرم إلى الحل. قال: لتوديع البيت لكونه خارجاً إلى الحل، ويستحب لمن خرج إلى الحل أن يودع البيت وأن يحرم عقب الطواف، كما استحب لمن يحرم بغير مكة أن يحرم عقب الصلاة، ومتى طاف أحرم عقب ركعتي الطواف.
قال: ولا يطوف بعده لوداعه. يعني أنه إذا أحرم لا يطوف طوافاً آخر لوداع الحرم، اكتفاءً بالطواف الأول نصاً لعدم دخول وقته على الصحيح من المذهب. قال: والأفضل من تحت الميزاب، ميزاب الكعبة. وكان عطاء يستلم الركن ثم ينطلق مهلاً بالحج. قال في الإنصاف: والظاهر أنه لا ترجيح لمكان على غيره. ونقل حرب: يحرم من المسجد. وقال في الفروع: ولم أجد عنه خلافه، ولم يذكره الأصحاب إلا في الإبضاع فإنه قال: يحرم من الميزاب. قال المرداوي: وكذا قال في المبهج.
قال: وجاز وصح من خارج الحرم على الصحيح من المذهب، ولا دم عليه أيضاً، ولا دم عليه نصاً. يعني يجوز أن يحرم خارج الحرم كما لو أحرم من عرفة مثلاً؛ لأنه يعتبر أحرم قبل الميقات.
قال: ثم يخرج إلى منى قبل الزوال، فيصلي بها الظهر مع الإمام ثم إلى الفجر، بحديث جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم أخرج إلى منى قبل الزوال وصلى بها الظهر والعصر والمغرب والعشاء والفجر فجر يوم عرفة. قال: فإذا طلعت الشمس سار فأقام بنمرة إلى الزوال بفعله صلى الله عليه وسلم. وقد ذكر بعض من كتب في المناسك أن نمرة من عرفة، وبعضهم ذكر أنها قرب عرفة، وممن ذكر ذلك النووي رحمه الله أي أنها قرب عرفة وليست من عرفة، وكذلك شيخ الإسلام رحمه الله وابن القيم رحمهما الله تعالى. قال ابن جاسر رحمه الله: وهو الذي اتضح لنا، يعني أنها ليست من عرفة وإنما قرب عرفة، قد اتضح لنا بعد التحري الشديد والوقوف على تلك المواضع ومشاهدتها. وقلنا لكم سابقاً أن ابن جاسر رحمه الله تميز منسكه بأنه عاش في مكة وفي المدينة، وشارك في تحديد بعض حدود الحرم وبعض حدود المشاعر وبعض حدود المواقيت.
ومسجد نمرة الآن أوله ليس من عرفة وآخره في عرفة، وفي وسطه بيان حد عرفة، فينبغي لمن دخل إلى عرفة أو مسجد نمرة ليصلي مع الإمام أن ينتبه، إذا كان صلى في أول الصفوف ومكث فيها ثم إلى الغروب ثم خرج من هذا المكان إلى مزدلفة ولم يمر بعرفة فهنا نقول: لم يصح حجه. لماذا؟ لأنه لم يقف في عرفة، فأول مسجد نمرة ليس من عرفة، فينبغي أن ينتبه إلى الحدود.
قال: فيخطب بها الإمام أو نائبه خطبة قصيرة لفعله صلى الله عليه وسلم، حيث خطب خطبة بين فيها شيئاً من شعائر الإسلام العظيمة، مفتتحة بالتكبير، ولعل افتتاحها بالتكبير قياساً على خطبة العيد، قياساً على ما ذكر الأصحاب في خطبة العيد؛ لأنهما كلاهما في مجمع عظيم، فناسب افتتاحها بالتكبير، وإلا فإنه لم يرد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه افتتحها بالتكبير. قال: يعلمهم فيها الوقوف ووقته والدفع منه والمبيت في مزدلفة؛ لأن هذا مما تمس حاجة الحجاج إلى بيانه. وكذلك يعلمهم شعائر الإسلام العظيمة، كما أن النبي صلى الله عليه وسلم بين لهم أمر الربا وأمر حقوق النساء، فهذا مما يغتنم إمام المسلمين في عرفة فيبين الأشياء التي تمس حاجة الحجاج خصوصاً إلى بيانها وحاجة المسلمين كلهم إلى بيانها.
قال: ثم يجمع من يجوز له حتى المنفرد بين الظهر والعصر ويُعجِّل، بفعله صلى الله عليه وسلم. والمراد بمن يجوز له الجمع: المسافر الذي سفره سفر قصر، وهو من أقام دون أربعة أيام، على ما ذكره المصنف في صلاة أهل الأعذار في قوله: ومن نوى إقامة بمكة فوق أربعة أيام أو كان مكياً فلا يجمع بعرفة ومزدلفة؛ لأنه ليس بمسافر سفر قصر.
قال: ثم يأتي عرفة وكلها موقف إلا بطن عرنة، لقوله صلى الله عليه وسلم: «كل عرفة موقف فارفعوا عن بطن عرنة»، فلا يجزئ وقوفه فيها لأنها ليست من عرفة. قوله: وهي من الجبل المشرف على عرنة إلى الجبال المقابلة له إلى ما يلي حوائط بني عمرو، وهذا حدها. وحدود المشاعر كلها ولله الحمد علامات واضحة، أمرت بها القيادة الرشيدة وفقها الله، علامات واضحة على بدء منى ونهاية منى، وبدء مزدلفة ونهاية مزدلفة، وعرفة ونهاية عرفة، وكل مشعر له لون مستقل، فمنى لون لوحاتها أخضر، وعرفة لون لوحاتها أصفر، ومزدلفة لون لوحاتها وردي.
قال: وسنة وقوفه راكباً لفعله صلى الله عليه وسلم، بخلاف سائر المناسك فالأفضل أن يكون راجلاً، وتقدم ذكر الطواف راكباً. قال: مستقبل القبلة عند الصخرات وجبل الرحمة؛ لأن هذا موقف النبي صلى الله عليه وسلم، ولا يشرع صعود الجبل لعدم نقله. قال الشيخ تقي الدين رحمه الله: إجماعاً. قال: ويرفع يديه ويكثر الدعاء ومن قول: لا إله إلا الله وحده لا شريك له إلى آخره. وهذا لما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «خير الدعاء دعاء يوم عرفة، وخير ما قلت أنا والنبيون من قبلي: لا إله إلا الله وحده لا شريك له». كذا جاء في حديث طلحة بن عبيد الله مرسلاً، وجاء في حديث عبد الله بن عمرو ولكن فيه ضعف، وهو المشهور: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وقوله: «خير الدعاء دعاء يوم عرفة، وخير ما قلت أنا والنبيون من قبلي: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير». وأما قوله: اللهم اجعل في قلبي نوراً وفي بصري نوراً، فهذا جاء من كلام علي رضي الله عنه عند البيهقي.
قال: ووقته من فجر يوم عرفة إلى فجر يوم النحر. أما نهاية وقته وأنه فجر يوم النحر فهذا محل إجماع، كما ذكر الموفق وغيره رحمه الله. وأما وقت بدئه فهو من طلوع الفجر فجر يوم عرفة، وهذا من مفردات الحنابلة، من مفردات الحنابلة أن وقت الوقوف من طلوع فجر يوم عرفة، فلو وقف نهاراً ثم دفع يعني قبل الزوال، فعلى مذهب الحنابلة أن حجه صحيح. لكن مذهب الجمهور أن بدء الوقوف من الزوال؛ لأنه صلى الله عليه وسلم لم يأت عرفة إلا بعد الزوال، أما قبل الزوال فكان في نمرة، وقلنا لكم إن نمرة ليست من عرفة.
واستدل الأصحاب رحمهم الله تعالى بحديث عروة بن مضرس وفيه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من شهد صلاتنا هذه ووقف معنا حتى ندفع، وقد وقف قبل ذلك بعرفة ليلاً أو نهاراً، فقد أتم حجه وقضى تفثه». فقالوا: أو نهاراً هذا يشمل ما قبل الزوال وما بعده. قالوا: ولأن ما قبل الزوال يعتبر من يوم عرفة فكان وقتاً للوقوف كما بعد الزوال. طيب، يجيبون عن قول الجمهور بأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يقف إلا بعد الزوال، قالوا: إن النبي صلى الله عليه وسلم كونه ترك الوقوف قبل الزوال لا يعني أنه ليس وقتاً له، ونظيره العشاء، العشاء من يوم عرفة فهو وقت للوقوف بالإجماع ومع ذلك لم يقف النبي صلى الله عليه وسلم في عرفة عشاء يوم عرفة يعني ليلة المزدلفة.
والقول الثاني كما قلنا هو قول الجمهور، وقد حكاه ابن عبد البر إجماعاً أن وقت الوقوف يبدأ من الزوال، وأن من وقف قبل الزوال فلا حج له. حكاه ابن عبد البر إجماعاً، لكن لا يصح هذا الإجماع، وإن كان قول الجمهور له وجه، وهو قول لبعض الحنابلة رحمهم الله تعالى. قال ابن مفلح في الفروع وتبعه المرداوي في الإنصاف: وحكي رواية عن أحمد، فهو يعني أن الرواية ليست صريحة عن الإمام أحمد رحمه الله فيها، رواية عن الإمام أحمد رحمه الله في كون وقت الوقوف بعد الزوال جاءت عنه روايات لكنها ليست صريحة، ورواياته الصريحة عنه رحمه الله أن وقت الوقوف يبدأ من طلوع الفجر. لكن الأحوط ألا يغادر قبل الزوال، فإن غادر قبل الزوال فحجه على خطر.
إذا غادر عرفة قبل الزوال ولم يأتي لها حتى طلع فجر يوم النحر، فحجه على خطر وهو باطل أو فاسد، على أنه حج غير صحيح على قول جمهور أهل العلم رحمهم الله تعالى.
قال: فمن حصل لا مع سكر أو إغماء فيه بعرفة لحظة وهو أهل، ولو مارا أو نائما أو جهل عرفة، صح حجه.
يعني أن الوقوف بعرفة يشترط له الإسلام والعقل. ولذلك قوله أهل، أهل يعني مسلم عاقل. ولذلك عبر في التنقيح بأنه قال وهو مسلم عاقل.
فإذا تحقق هذان الشرطان الإسلام والعقل أثناء كونه في عرفة حصل له الوقوف. فلا يشترط وقت معين، فلو مر ولو لحظة صح حجه. يعني لو مر مثلا شخص كان في الطائرة فمر على هواء عرفة مرورا في وقت الوقوف فنقول يصح حجه. ولا يشترط الاستيقاظ، فلو وقف نائما صح حجه. ولا يشترط العلم بكونها عرفة، فلو وقف بعرفة ولم يعلم أنها عرفة صح حجه لحديث عروة بن مضرس: قال: أكللت راحلتي، لم أجد جبلا من الجبال إلا وقفت به.
فالنبي صلى الله عليه وسلم قال: «من شهد صلاتنا هذه ووقف معنا حتى ندفع وقد وقف قبل ذلك بعرفة ليلاً ونهاراً». فلم يشترط العلم بها. فلذلك لا يصح وقوف السكران، ولا المغمى عليه على الصحيح من المذهب.
وكذلك المجنون، المجنون إجماعاً لا يصح وقوفه. وهذا إذا استمر غياب العقل لديهم طيلة يوم عرفة وهم بها فإنه لا يصح وقوفهم لأنه لم يتوفر فيهم شرط العقل. فإن أفاقوا فيه صح وقوفهم.
قال: وعكسه إحرام وطواف وسعي، فلا يصير من حصل بالميقات محرما بلا نية. وكذا الطواف والسعي لا يصحان بلا عقل لأن من شروطهما النية، والنية لا تتصور من غير العاقل.
قال: ومن وقف بها نهارا ودفع قبل الغروب ولم يعد أو عاد إليها قبله ولم يقع وهو بها فعليه دم، وهذا المذهب وعليه الأصحاب. يعني من يقتصر وقوفه على النهار على نهار يوم عرفة فدفع قبل الغروب، سواء لم يرجع، أو أنه رجع مثلا دفع العصر ثم رجع أثناء العصر ثم دفع مرة أخرى قبل الغروب، فإنه في الحالتين عليه دم لترك واجب من واجبات الحج.
فإن عاد إليها ليلاً فلا دم عليه لأنه أتى بالواجب وهو الوقوف في النهار والليل. وكذا لو عاد بها نهاراً ومكث إلى الغروب. فمتى يتحقق فيه الدم؟ إذا لم يعد إليها مطلقاً أو عاد إليها ثم خرج قبل الغروب فيتحقق عليه الدم.
قال: بخلاف واقف ليلاً فقط فلا دم عليه. قال المرداوي: بلا نزاع يعني في المذهب لحديث عروة بن مضرس: وقد وقف قبل ذلك بعرفة ليلاً أو نهاراً. ولحديث ابن عمر: من أدرك عرفات بليل فقد أدرك الحج. ولأنه لم يدرك جزءاً من النهار، أشبه من منزله دون الميقات إذا أحرم منه، فلا نقول إنه ترك واجباً.
يعني كونه لم يقف بعرفة إلى الغروب، لا نقول هنا إنه ترك واجباً، نقول الوقوف بعرفة للغروب هذا لمن وقف بها نهاراً، أما من وقف بها ليلاً فقد سقط الواجب في وقته قياساً على من كان منزله دون الميقات، فإنه لا يشترط له أن يحرم من الميقات، لا نقول الإحرام من الميقات المحدد واجب في حقه لأنه هنا إحرامه أصلاً من منزله.
هذا والله تعالى أعلم، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
الشيخ عبدالله بن عبدالرحمن الميمان