دخولتسجيل الدخول

[ المجلس الثاني عشر ] شرح كتاب الحج من منتهى الإرادات | الشيخ عبدالله الميمان #دروس_الميمان #الحج

عبدالله بن عبدالرحمن الميمانالشيخ عبدالله بن عبدالرحمن الميمان
  • مدة الدرس:
  • قراءة

نبدأ بالإجابة على أسئلة تمارين الدرس الماضي.

السؤال الأول: شخص طاف طواف العمرة ثم أقيمت الصلاة وهو في الشوط الخامس قرب الحجر الحطيم، فوقف يصلي، فهل يبطل طوافه بذلك؟ وأي من أين يكمل إذا كان طوافه صحيحًا؟ الجواب: لا، لا يبطل طوافه بذلك؛ لأن هذا القطع بالصلاة هذا مستثنى من اشتراط الموالاة، ويكمل من أول الشوط، بمعنى أنه إذا انتهى من صلاته لا يكمل من المكان الذي وقف منه، وإنما يرجع إلى الحجر.

السؤال الثاني: شخص من أهل مكة نوى الإفراد، فطاف طواف القدوم ثم سعى للحج، فهل فعله صحيح؟ الجواب: لا، فعله ليس بصحيح، لماذا؟ لأن طواف القدوم إنما هو للقادم من مكة، أما أهل مكة فهم أهل الحرم، فلا طواف عليهم للقدوم، ويترتب عليه أن سعيهم هنا سعي غير صحيح، لماذا؟ لأن السعي الصحيح هو ما جاء بعد طواف نسك، والطواف الذي ليس للقدوم ولا للعمرة ولا للإفاضة ليس طوافًا نسكيًّا، طبعًا هذا على ما اشترطه الحجاوي وغيره من كون الطواف يكون طواف نسك.

السؤال الثالث: حاج في منى أصيب بضربة شمس يوم التروية فأغمي عليه فنقل إلى المستشفى في عرفة لمعالجته، فأفاق في عرفة بعد غروب الشمس يوم عرفة ولم يغادر عرفة بعدها، فهل يصح وقوفه؟ الجواب: نعم، يصح وقوفه؛ لأنه أدرك جزءًا من الوقوف، وهو أدرك جزءًا من الوقوف في وقته الذي هو على المذهب بين فجر يوم عرفة ويوم النحر، أدرك جزءًا من الوقوف وهو صحيح العقل.

طيب، نبدأ بدرس اليوم من قول المصنف رحمه الله تعالى: ثم فصل ثم يدفع بعد الغروب إلى مزدلفة، وهي ما بين المأزمين ووادي محسر. انتهينا في صفة الحج من الذهاب إلى منى يوم التروية ثم الذهاب إلى عرفة يوم عرفة اللي هو اليوم التاسع، فإذا غربت الشمس من اليوم التاسع فإنه يدفع من عرفة إلى مزدلفة، يدفع من عرفة إلى مزدلفة على طريق المأزمين؛ لأنه صلى الله عليه وسلم سلكه.

وتسمى مزدلفة بمزدلفة وتسمى بجمع؛ لأنها تجمع الحجاج، وتسمى أيضًا المشعر الحرام، كما قال الله تعالى: ﴿فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِندَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: 198]، وهو جبل في مزدلفة، وسميت المشعر الحرام تفريقًا بينها وبين المشعر الحلال وهو عرفة. قال: وهي ما بين المأزمين ووادي محسر، والمأزمان جبلان بين عرفة ومزدلفة، ووادي محسر وادٍ بين مزدلفة ومنى، ليس من واحدة منهما، سمي بذلك لأنه يحسر سالكه.

قال: بسكينة مستغفرًا، بفعله صلى الله عليه وسلم لما دفع من عرفة إلى مزدلفة عليه الصلاة والسلام، دفع بسكينة، يقول جابر رضي الله عنه: ودفع رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد شنق بالقصواء الزمام حتى إن رأسها ليصيب مورك رحله، ويقول بيده اليمنى: «أيها الناس، السكينة السكينة» عليه الصلاة والسلام، ويستغفر؛ لأنه أليق بالحالة، والاستغفار من الذكر، والله عز وجل أمر بذكره في الحج في مواضع.

قال: ويسرع في الفرجة لفعله صلى الله عليه وسلم، يعني الأصل أنه يمشي بسكينة، فإذا وجد فرجة أسرع، يعني حرك قليلًا، لقول أسامة رضي الله تعالى عنه، أسامة بن زيد: كان النبي صلى الله عليه وسلم يسير العنق، فإذا وجد فجوة نص، أي أسرع، والعنق والنص هما ضربان من السير، فالعنق انبساط السير، يعني سيرًا منبسطًا لا مسرعًا، والنص فوق العنق، أسرع منه.

قال: فإذا بلغها جمع العشاءين بها قبل حط رحله لفعله صلى الله عليه وسلم، حيث إنه عليه الصلاة والسلام لما خرج من عرفة، وقف عليه الصلاة والسلام يقضي حاجته، ثم استنجى، وقال له أسامة: الصلاة؟ فقال: «الصلاة أمامك» الصلاة أمامك؛ لأنه صلى الله عليه وسلم يراعي حال من معه، فلو وقف عليه الصلاة والسلام في الطريق اضطر الناس كلهم للوقوف؛ لأنهم يريدون الاقتداء به صلى الله عليه وسلم، وتعطلوا وشق عليهم، فأراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يكون الوقوف مرة واحدة في مزدلفة، فلما بلغها صلى الله عليه وسلم جمع المغرب والعشاء ثم حط رحله عليه الصلاة والسلام.

والذي يجوز له الجمع بين العشاءين هو المسافر سفر قصر، كما تقدم معنا في الجمع في عرفة، وإن صلى المغرب بالطريق ترك السنة وأجزأه، إذا صلى المغرب بالطريق بين عرفة ومزدلفة، أو صلى بعرفة قبل الدفع إلى مزدلفة، نقول: ترك السنة التي هي الصلاة في مزدلفة، وأجزأه ذلك؛ لأنه أتى بالصلاة في وقتها الأصلي، وإنما نص المصنف رحمه الله تعالى على ذلك لدفع قول من قال إنه لا يجزئه إلا الصلاة في مزدلفة آخذًا بظاهر قوله صلى الله عليه وسلم لأسامة: «الصلاة أمامك».

لكن إذا خشي أن لا يصل إلى مزدلفة إلا بعد نصف الليل، وهو وقت خروج صلاة العشاء، أو ثلث الليل على مذهب وقت خروج صلاة العشاء، فإذا خشي ذلك فنقول يصلي في عرفة، يعني لو حبسه المسير فنقول يصلي في عرفة قبل أن يذهب إلى مزدلفة، وإذا خشي خروج الوقت وهو في الطريق فإنه يقف ويصلي، حتى إن بعض العلماء رحمهم الله تعالى، ومنهم شيخ الإسلام وابن القيم رحمهم الله، ذكروا أنه إن خشي خروج وقت الوقوف، لا وقت الصلاة، خروج وقت الوقوف، يعني بطلوع الفجر وهو لم يصل إلى عرفة، فإنه يصلي على دابته، وفي وقتنا هذا يصلي في سيارته، يعني إذا كان متجهاً إلى عرفة لم يصل عرفة، وخشي أن يدخل الفجر وهو لم يصل إلى عرفة، فهنا له أن يصلي في سيارته.

قال: ومن فاتته الصلاة مع الإمام بعرفة أو مزدلفة جمع وحده، يعني لا يشترط للجمع أن يصلي مع إمام المسلمين في عرفة أو مزدلفة، فأهل الخيام في خيامهم يشرع لهم الجمع إذا كانوا ممن يجوز لهم الجمع، لفعل ابن عمر رضي الله تعالى عنهما؛ فإنه كان إذا فاتته الصلاة مع الإمام في عرفة أو مزدلفة فإنه يصلي وحده ويجمع، فالجمع ليس مختصاً بإمام المسلمين أو من صلى معه.

قال: ثم يبيت بها، يعني يبيت بمزدلفة، والمبيت بها واجب كما سيأتي في واجبات الحج، بفعله صلى الله عليه وسلم وقوله: «لتأخذوا عني مناسككم»، وليس بركن، وليس المبيت بمزدلفة بركن لقوله صلى الله عليه وسلم: «الحج عرفة»، فمن جاء عرفة قبل ليلة جمع فقد تم حجه.

قال: وله الدفع قبل الإمام بعد نصف الليل، يعني الحاج الأفضل أن يبقى في مزدلفة إلى بعد الفجر وقبيل طلوع الشمس يدفع منها، لكن إن دفع بعد نصف الليل جاز له ذلك، لحديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: كنت فيمن قدم النبي صلى الله عليه وسلم في ضعفة أهله من مزدلفة إلى منى، كما جاء في الصحيحين، والدفع في الليل على المذهب ليس خاصًا بأهل الأعذار، بل يشمل حتى الأقوياء، الأفضل أن لا يبقوا إلى الفجر أو إلى بعد الفجر لفعله صلى الله عليه وسلم، لكن إن دفعوا في الليل جاز لهم ذلك.

قال: وفيه قبله على غير رعاة وسقاة دم ما لم يعد إليها قبل الفجر، يعني أن المبيت بمزدلفة إلى نصف الليل واجب، طيب، لماذا حدد الفقهاء بنصف الليل؟ حددوه بنصف الليل لأن المبيت أو الدفع لأنه ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم الدفع، يعني الإذن لضعفة أهله بالدفع بالليل، قالوا: من بات نصف الليل فالنصف في حكم الكل، فمن بات نصف الليل فهو في حكم من بات كل الليل، فيأخذ النصف حكم كل الليل.

أو نقول: الأكثر يأخذ حكم الكل، فإذا بات النصف فما زاد على النصف هو أكثره، والأكثر يأخذ حكم الكل، فإذا دفع قبل نصف الليل عليه دم؛ لأنه ترك واجباً، وجاء عن ابن عباس: من ترك شيئاً من نسكه أو نسيه فليهرق دماً، قال: عليه دم إلا إذا عاد إليها قبل الفجر، يعني لو دفع مثلاً الساعة عشرة، وصل إلى مزدلفة الساعة تسعة، دفع الساعة عشرة، ثم ذهب إلى منى، جاء مثلاً الساعة ثنتين ورجع إلى مزدلفة، فهنا نقول يسقط عنه الدم، وهذا نص عليه الإمام أحمد رحمه الله تعالى.

كذلك لا يجب الدم على من لم يأت مزدلفة إلا في نصف الليل الثاني، كمن لم يأت إلا في النصف الثاني، فلا يجب الدم على من لم يدرك إلا النصف الأخير، لماذا؟ لأنه لم يدرك جزءاً من الليل الأول فلم يتعلق به حكمه، يعني قلنا المبيت الأصل نصف الليل الأول، هذا هو الواجب، من لم يأت إلا في نصف الليل الأخير قالوا هنا لا نقول إنه ترك واجباً، لماذا؟ لأنه لم يتعلق به حكمه، قالوا: مثل الدفع، مثل الوقوف في عرفة، الأصل في الوقوف في عرفة أنه لا يدفع إلا بعد غروب الشمس، فالمكث فيها نهاراً هو الواجب، من لم يأت فيها إلا ليلاً يقولون أجزأه، هل عليه دم لأنه لم يأت نهاراً؟ يقولون: لا، لم يتعلق به الوجوب، وهذا لما تكلمنا عن هذا قلنا الفقهاء قاسوه أيضًا على الإحرام من الميقات، فمن كان منزله دون الميقات فلا نقول يلزمه الرجوع للميقات؛ لأنه لم يتعلق به حكم وجوب الإحرام من الميقات، فسقط عنه هذا الوجوب، وهؤلاء سقط عنه هذا الوجوب.

طيب، قوله رحمه الله: على غير رعاة وسقاة، فالرعاة والسقاة لا يجب عليهم المبيت بمزدلفة، قالوا: لوجود الإذن للرعاة في ترك المبيت، كما في حديث عدي عند مالك: رخص النبي صلى الله عليه وسلم لرعاة الإبل في المبيت أن يرموا يوم النحر ثم يجمعوا رمي اليومين بعد يوم النحر فيرمونه في أحدهما ثم يرمون يوم النفر.

قالوا: والسقاة وجد الإذن للعباس في ترك المبيت في السقاية، وهذان الاستثناءان للرعاة والسقاة إنما ورد في منى، يعني في المبيت في منى ليالي التشريق، وقاس عليهما بعض الحنابلة المبيت بمزدلفة، ولذلك الحجاوي نعم، والمرداوي في التنقيح ذكر أن استثناء السقاة والرعاة قاله الخرقي، وتابعه في المغني والمستوعب وجمع، لم يرد عن الإمام أحمد رحمه الله تعالى استثناء السقاة والرعاة من المبيت في مزدلفة؛ لأن النص الوارد فيهم الترخيص لهم في ترك المبيت في منى، فقاس بعض الأصحاب مزدلفة على منى، فقالوا: حتى السقاة والرعاة لا يلزمهم المبيت في مزدلفة.

وهذه فائدة لطالب العلم، أقصد الذي يتخصص في الفقه الحنبلي، هناك بعض المسائل تجدها غير منصوصة عن الإمام، ثم يذكرها بعض الأصحاب ممن تأخر عن الإمام أحمد رحمه الله، فيتابعه عليها من بعده، وهذا كثير، هذا الفقيه قد يقولها تخريجًا على نص الإمام، الإمام أحمد لم ينص عليها فيخرجها عليه بعض الأصحاب، إما من تلاميذ الإمام أحمد أو من بعده، يعني الخرقي لم يدرك أصلًا عصر الإمام أحمد رحمه الله تعالى، فتجدهم يتابعونه عليها وإذا دققت لم تجدها منصوصة عن الإمام أحمد، وهي تنسب إلى المذهب؛ لأن المذهب كما لا يخفى على شريف علمكم أنه شيء منه شخصي، مذهب شخصي، نقل عن الإمام أحمد رحمه الله نصًا، وشيء منه اصطلاحي، اصطلح الأصحاب رحمهم الله تعالى عليه، وما اصطلح عليه الأصحاب فأحيانًا يكون هو أحد الروايات المنقولة عن الإمام أحمد رحمه الله، وأحيانًا يقول: لا، الإمام أحمد رحمه الله أومأ إليه، أو أنه نبه على علة، يعني قيس على علة، أو أنه مخرج على نص الإمام أحمد رحمه الله تعالى، وهذه شيخ الإسلام رحمه الله ينبه عليها.

كثيراً؛ وأن بعض الروايات ليست منصوصة عن الإمام أحمد وإنما نص عليها فلان أو فلان، فيتابعه عليها من بعده، خاصة ممن ألف من الأصحاب، يعني ألف الكتاب، لا ممن يملي على تلاميذه، ممن ألف كتاباً فتجدهم يتابعون مثل ابن حامد رحمه الله، أو القاضي، أو القاضي أبو يعلى رحمة الله الجميع.

قال: ومن أصبح بها؛ يعني من بات بمنى حتى أصبح، صلى الصبح بغلس، أي أول وقتها، لفعله صلى الله عليه وسلم كما في حديث جابر رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى الصبح بها حين تبين له الصبح بأذان وإقامة.

قال: ثم أتى المشعر الحرام، وهو جبل في مزدلفة، مقام عنده حالياً مسجد مزدلفة، فرقي عليه رقي هكذا -تضبط رقي بالياء ومضارعها يرقى، بخلاف رقى إذا قلت رقى من الرقية ومضارعها يرقي، إذا رقى يرقي من الرقية وراقي يرقى من الصعود- فرقي عليه أو وقف عنده وحمد الله تعالى وهلل وكبر بفعله صلى الله عليه وسلم، كما في حديث جابر: ثم أتى المشعر الحرام فرقى عليه فحمد الله وهلله وكبر.

قال: فقال: اللهم كما وقفتنا فيه ورأيتنا إياه وأريتنا إياه فوفقنا لذكرك كما هديتنا، واغفر لنا وارحمنا كما وعدتنا بقولك وقولك الحق: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُم مِّنْ عَرَفَاتٍ﴾ إلى قوله: ﴿غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [البقرة: 198]. والدعاء هذا ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم، لكن لم يرد عنه صيغة معينة.

فقال: فإذا أسفر جداً؛ يعني بعد طلوع الفجر وصلاتها، أسفر جداً يعني قبيل طلوع الشمس سار بفعله صلى الله عليه وسلم، وكان أهل الجاهلية لا يدفعون من مزدلفة إلا بعد طلوع الشمس، كانوا يقولون: أشرق ثبير كيما نغير، فخالفهم النبي صلى الله عليه وسلم ودفع قبل طلوع الشمس.

والنبي صلى الله عليه وسلم كان يتقصد مخالفة أهل الجاهلية في نسكهم، فلذلك كانوا في الجاهلية، كان أهل الحرم لا يقفون بعرفة، فخالفهم النبي صلى الله عليه وسلم ووقف بعرفة، وكان من يقف بها من أهل الأمصار لا يقفون بعرفة لماذا؟ لأنهم يقولون: نحن أهل الحرم فلا نخرج في حجنا إلى خارج الحرم، وكان من يقف بها من أهل الأمصار يدفع من عرفة قبل الغروب، فخالفهم النبي صلى الله عليه وسلم ودفع بعد الغروب.

وكانوا في مزدلفة يدفعون بعد طلوع الشمس، فخالفهم النبي صلى الله عليه وسلم ودفع قبل طلوعه، هذه ثلاث مواضع. وكانوا في التلبية يقولون: لبيك لا شريك لك إلا شريكاً ملكته وما ملك والعياذ بالله، فخالفهم النبي صلى الله عليه وسلم ولبى بالتوحيد: «لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك».

وكانوا في الدفع من مزدلفة إلى منى يقفون عند محسر ويتفاخرون بآبائهم، فخالفهم النبي صلى الله عليه وسلم وأسرع عند وادي محسر كما سيأتينا إن شاء الله بعد قليل، فهذه مواضع ومن تبصر يجد غيرها. يتقصد النبي صلى الله عليه وسلم مخالفة أهل الجاهلية، فلذلك مخالفة أهل الشرك والكفر هذا من مقتضيات لزوم الصراط المستقيم، ولذلك شيخ الإسلام رحمه الله ألف كتابه المعروف اقتضاء الصراط المستقيم مخالفة أصحاب الجحيم، يعني أن من لزم الصراط المستقيم يقتضي ذلك أن يخالف أصحاب الجحيم، وتحدث فيه بكلام مطول ونفيس كعادته رحمه الله تعالى في ذلك.

قال: فإذا أسفر جداً سار بسكينة؛ لأنه صلى الله عليه وسلم أردف الفضل بن عباس في دفعه، ثم قال: «يا أيها الناس، إن البر ليس بإيجاف الخيل والإبل، فعليكم بالسكينة» رواه أبو داود.

قال: فإذا بلغ محسرا أسرع رمية حجر، وسواء كان ماشياً أو راكباً، وإسراعه رمية حجر عند بلوغ محسر لقول جابر رضي الله تعالى عنه: حتى أتى بطن محسر فحرك قليلاً. وقد ذكر بعض العلماء أن سبب إسراعه صلى الله عليه وسلم في وادي محسر أن هذا مكان عذاب الفيل، وأنه سمي محسرا لأن الفيل حسر فيه أي أعيا. وهذا الحقيقة فيه نظر، لأن الفيل لم يحسر هنا إنما حسر في المغمّس كما ذكره الأزرقي وابن كثير وغيرهما رحمهم الله تعالى، وهذا سهل شرقي مكة مبدأه قرب الشرائع ومنتهاه عند عرفة، وكل المغمّس من الحل، وفيه قال أمية بن الصلت: إن آيات ربنا ظاهرات ما يماري فيهن إلا الكفور، حبس الفيل بالمغمّس حتى ظل يحبو كأنه معقور.

ولعل الإسراع فيه إما لكونه وادياً فكان الإسراع فيه أسمح للدابة، أو لكون هذا المكان كان يجتمع فيه كفار قريش بالتفاخر بالآباء، فخالفهم النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك فأسرع النبي صلى الله عليه وسلم فيه إمعاناً في المخالفة، ولعل في قوله تعالى: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُم مِّنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِندَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِن كُنتُم مِّن قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ * ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ ۚ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ * فَإِذَا قَضَيْتُم مَّنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا﴾ [البقرة: 198-200]، لعل في هذا إشارة لقوله: كذكركم آباءكم، إشارة إلى ما كان يفعله أهل الجاهلية من التفاخر.

قال: ويأخذ حصى الجمار سبعين؛ أي يأخذها من مزدلفة وهذا لفعل ابن عمر رضي الله تعالى عنهما، فقد كان ياخذه من جمع كما عند البيهقي وغيره، ونقله سعيد بن جبير رحمه الله عمن تقدم أنهم كانوا يتزودون الحصى من جمع. قالوا: ومن أسباب ذلك لئلا يشتغل عند قدوم منى بلقط الحصى، فيشتغل بلقط الحصى عن رمي الجمار، ورمي الجمار كما قيل تحية منى، رمي جمرة العقبة يوم النحر هي تحية منى.

قال البهوتي رحمه الله في حاشيته: لكن استحب بعض الأصحاب أخذه قبل وصول منى لئلا يشتغل عند قدومه بها، لأن الرمي تحية منى كما أن الطواف تحية المسجد الحرام فلا يبدأ بشيء قبله. وقوله سبعين؛ يعني يأخذ الجمرات الثلاث كلها، جمرات الأيام الثلاثة كلها أو الأيام الأربعة يوم النحر وأيام التشريق كلها، فاذا كان سيتعجل فانه يأخذ تسعاً وأربعين.

قال: أكبر من الحمص ودون البندق كحصى الخذف، أي الرمي بحصاة مقاربة لما ذكر. وجاء في حديث ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له غداة العقبة: «القط لي الحصى». قال: فالتقطت له سبع حصيات من حصى الخذف، فجعل يقبضهن في كفيه ويقول: «لأمثال هؤلاء فارموا»، ثم قال: «أيها الناس، إياكم والغلو في الدين، فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو في الدين» رواه ابن ماجه. ولقط ابن عباس للنبي صلى الله عليه وسلم كان بمنى، وقيل إنه كان عند جمرة العقبة. فلذلك لم يرد عن النبي صلى الله عليه وسلم لقطه من مزدلفة، لكن سواء لقطه من مزدلفة أو عرفة أو من منى أو من غيرها أو أتى به من بلده، هذا كله لا إشكال فيه، ولذلك قال: من حيث شاء، يعني من حيث شاء أخذ حصى الجمار.

قال: وكره من الحرم. فسره البهوتي رحمه الله في شرحه بقوله: يعني المسجد. لماذا؟ قال: لما تقدم من جواز أخذه من جمع ومنى، لأنه قبل قليل قال: يأخذ حصى الجمار من مزدلفة، وقال من حيث شاء يعني أيضاً من منى، فلذلك قال: لما تقدم من جواز أخذه من جمع ومنى، وهما من الحرم.

قال: وقد أوضحته في الحاشية، فلذلك قال في حاشيته: هكذا في الإنصاف وغيره أنه يكره من الحرم، وفيه نظر. طبعا صاحب الإنصاف منين أخذها؟ أخذها من الفروع، وابن مفلح في الفروع قال: وكره من الحرم. والمرداوي رحمه الله في تصحيح الفروع قال: وهذا والله أعلم سهو، ثم استظهر في آخره قال: ولعله أراد حرم الكعبة، يعني من المسجد الحرام. وفيه معناه قوة؛ يكره أخذه من المسجد الحرام لماذا؟ لأنه كما تقدم أنه قالوا يكره إخراج الحصى من الحرم، ومنه المسجد الحرام، لكنهم ذكروا أنه يحرم إخراج ترابه وطيبه كما سبق، فلذلك استشكل الخلوتي ذلك وقال: هل يققال بالفرق بين الحصبة والتراب؟ أو يققال الحصبة التي من غير المسجد الحرام إنما جعلت فيؤخذ، أما التراب فكان من الحرام فلا يؤخذ؟ استشكل ذلك في حاشيته.

قال: ومن الحش؛ يعني يكره أخذ حصى الجمار من الحش أي مكان قضاء الحاجة لأنه مظنة النجاسة.

قال: وتكسيره؛ يعني يكره تكسير الحصى، طبعاً تكسيره يكره قالوا لئلا يطير إلى وجهه شيء فيؤذيه.

قال: ولا يسن غسله. قلنا لكم سابقاً أن الفقهاء إذا قالوا لا يشرع كذا، لا يسن كذا، لا يفعل كذا، هذا ترى إشارة إلى خلاف، لأن بعض الفقهاء ذكروا أنه يستحب غسله، وهو قول في المذهب، ولذلك لا يسن غسله، ويقول الأصحاب إن الإمام أحمد رحمه الله قال: لم يبلغنا أن النبي صلى الله عليه وسلم فعله، فلذلك لا يستحب، وهذا هو الصحيح من المذهب كما قاله المرداوي.

قال: وتجزئ حصاة من؛ يعني يجزئ أن يرمي بحصاة مع الكراهة بما تقدم من كراهة أخذه من الحش لكونه مظنة النجاسة. نعم، قالوا يكره أخذه من الحش لكونه مظنة النجاسة، فلذلك لو رمى بحصاة قالوا يجوز، لكنه مع الكراهة، لأن الرمي عبادة، وينزه عن الرمي بأشياء أصابها النجاسة، ويصح الرمي بها، قالوا لإطلاق قوله صلى الله عليه وسلم: «بأمثال هؤلاء فارموا»، ولم يشترط طهارة.

قال في الإنصاف عن إجزاء الرمي بحصاة: وهو المذهب على ما اصطلحنا، لأن المرداوي رحمه الله في مقدمة الإنصاف ذكر في مقدمته كيف تحرير المذهب في مسألة ما، فذكر أنه يقدم ما قدمه فلان أو فلان أو اتفقوا عليه، وهكذا، وهذا يرجع إليه في مقدمته.

قال: وفي خاتم إن قصده؛ يعني إذا كان هناك خاتم وفيه حجر فرمى هذا الخاتم يقصد الرمي بالحجر الذي فيه، لا يقصد الرمي بالخاتم، إنما يقصد الرمي بالحجر الذي فيه فإنه يجزئه، لأنه صدق عليه أنه رمى بحجر. فإن لم يقصد الحجر الذي فيه وإنما قصد الرمي بالخاتم فإنه لا يجزئه، لما سيأتي من أنه لا يجزئ الرمي بغير الحصى. وإنما لم يجزئه إذا لم ينوِهِ؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «وإنما لكل امرئ ما نوى»، وهو لم يقصد الرمي بالحجر ولم يمتثل أمر النبي صلى الله عليه وسلم في رمي الجمار بالحصى.

قال: وغير معهودة. وتجزئ حصاة نجسة، وفي خاتم إن قصده، وغير معهودة، يعني تجزئ حصاة غير معهودة. قال: كمسن وبرام. المسن هو الحجر الذي يسن به، أي يحد به السكين، فلو اقتطع قطعة من المسن فهو حجر، لكنه غير معهود؛ لأنه عهد صنعه لسن السكين، فلو اقتطع قطعة منه دون البندق وأكبر من الحمص أو مقاربة لها فإنه يجزئه. وكذا برام، والبرام هو القدر الذي من الحجر، فلو اقتطع قطعة منه صغيرة فإنه يجزئ الرمي بها، ونحوهما، يعني مما لم يقصد الرمي، مما لم يرمى به عادة وإنما يصنع لأمر ما.

قال: لا صغيرة جداً، أو كبيرة، أو ما رمي بها، أو غير الحصى كجوهر وذهب ونحوهما. هنا يبين المصنف رحمه الله ما لا يجزئ الرمي به، فذكر أنه لا يجزئ الرمي بأربعة أشياء: الأول الصغيرة جداً، يعني صغيرة جداً قرب حبة التراب أو نحوها، طبعا التقدير بدون الحمص أو أكبر من الحمص ودون البندق، هذا تقدير تقريبي، لا نقول إنه إذا صارت لماذا؟ لأن الحمص أصلاً أشكاله ليست واحدة، والبندق كذلك أشكاله ليست واحدة وإن كانت متقاربة، لكن هم يقولون هذا المتوسط، يكون أكبر من الحمص ودون البندق، فلو كان أصغر من الحمص أو بحجم الحمصة فلا نقول لا يجزئه، يجزئه، لو كانت أصغر منها بكثير فهنا لا يجزئه؛ لأن هذا لا يصدق عليه أنه رمى بحصى. والثانية إذا كانت كبيرة جداً، يعني مثلاً بحجم نصف الكف أو حجم إصبع كامل، فهنا هذا كبير، هذا كبير فلا يجزئه، فلا يشملها إطلاق قوله صلى الله عليه وسلم: «بأمثالها يرموا»، والكبيرة أيضاً تسمى حجراً لا حصى، الحصى هو الحصى الصغير، والكبير يسمى حجر. والثالثة ما رمي به، فالذي رمي لو أن شخصاً أخذ حصى من داخل المرمى من عند الجمرة، فهنا قالوا لا يجزئه؛ لأن هذه رمي بها سابقاً، وهذا هو الصحيح في المذهب وعليه الأصحاب؛ لأنه صلى الله عليه وسلم أخذ الحصى من غير المرمى، ولأنها استعملت في عبادة فلا تستعمل فيها ثانية.

قياسًا على ماذا؟ قياسًا على ماء الوضوء. فالماء المستعمل في رفع الحدث لا يستعمل ثانية، لا يستعمل ثانية في رفع الحدث، كما يذكره الأصحاب رحمهم الله تعالى في أحكام المياه.

الرابع: قال أو غير الحصى كجواهر المذاهب ونحوه، فإذا رمى بغير الحصى كالمعادن مثلًا، فهذه لا يجزئ الرمي بها لأنها لا تدخل في إطلاق الحديث بأمثال هؤلاء فارموا. قال: فإذا وصل منى وهي ما بين وادي محسر وجمرة العقبة بدأ بها، يعني بجمرة العقبة فرماها بسبع. وهذا لفعله صلى الله عليه وسلم أنه أول ما وصل منى رمى جمرة العقبة كما جاء في حديث جابر. قال: ويشترط الرمي. ويشترط الرمي؛ إذن سيذكر المصنف رحمه الله تعالى شروط رمي جمرة العقبة. قال: يشترط الرمي، فلا يجزئ الوضع. إذن هذا محترز الشرط الأول أنه لا يجزئ الوضع. إنما اشترطنا الرمي لقوله صلى الله عليه وسلم: «بمثل هؤلاء فارموا» فخص الرامي بذلك، ولا يجزئ الوضع بدون رمي لأنه ليس برمي. يعني لو أتى مثلًا بسبع حصيات ووضعها في المرمى، وضعها وضعًا ولم يرمها رميًا، فهنا لا يجزئه ذلك لأن هذا لا يعد رميًا، وهذا قولًا واحدًا في المذهب كما قاله في الإنصاف.

قال: وكونه واحدة بعد واحدة. يعني أنه لا يكون دفعة واحدة، وإنما يرميه مفرقًا، لا يكون دفعة واحدة، وإنما يرميه مفرقًا. فلو رمى دفعة واحدة فإنه لا يجزئه إلا عن واحدة، لو رمى سبعًا مرة واحدة فهنا نقول لا يجزئ إلا عن واحدة ويبقى عليه سبع حصيات؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم رماها مفرقة واحدة بعد واحدة، وقال: «لتأخذوا عني مناسككم». قال: ويؤدب من رماها دفعة واحدة لئلا يقتدى به، وهذا نقله الأثرم عن الإمام أحمد رحمه الله تعالى.

الشرط الثالث، قال: وعلم الحصول بالمرمى. والمرمى هو مجتمع الحصى. فلا بد أن يعلم أنها حصلت في المرمى، يعني يعلم ولا يكتفى بظنه. وهذا هو الصحيح من المذهب، قالوا: لأن الأصل بقاؤه، يعني بقاء الرمي في ذمته، فلا يبرأ إلا بيقين. وهذا هو الصحيح من المذهب، وهناك قول آخر في المذهب أنه يكتفى بالظن، يعني إذا رمى خاصة في وقت الزحام، أحيانًا يكون قبله عشرة أشخاص بينه وبين المرمى، فهنا لو رماها وظن أنها وقعت في المرمى فإنه يجزئه ذلك، هذا على القول الثاني، وهذا قال عنه البهوتي في شرحه: قلت قواعد المذهب تقتضيه؛ لأن من القواعد أن المشقة تجيسر، إلا أن يقال: لا مشقة في اليقين، إلا إن قلنا إنه لا مشقة في اليقين خاصة فيما إذا كان ليس بذي ضيق.

قال: فلو وقعت خارجه. هنا يذكر محترز الشرط الثالث؛ فلو وقعت خارجه ثم تدحرجت فيه، أو يذكر هنا مما يحصل به تحقق الشرط الثالث، اللي هو الحصول بالمرمى؛ فلو وقعت خارجه -خارج المرمى- ثم تدحرجت فيه -أي في المرمى- فإنه يجزئه، وكذلك لو وقعت على ثوب إنسان ثم صارت فيه فإنه يجزئه، يعني مثلًا رماها فأصابت مثلًا عمودًا ثم سقطت في المرمى، فهنا يجزئه ذلك؛ لأنه تحقق حصولها في المرمى، أو على ثوب إنسان رماها وقعت على ثوب شخص، فهذا الشخص نفض ثوبه فطارت إلى المرمى، فإنها تجزئه. ولذلك قال: ولو بنفض غيره أجزأه. وقوقله هنا: ولو، هذه إشارة خلاف، والأصحاب رحمهم الله تعالى أو المصنف رحمه الله تعالى في قوله: ولو بنفض غيره، هنا هو أحد القولين في المذهب، وهو الذي نص عليه الإمام أحمد رحمه الله أنه حتى لو نفضها من وقعت على ثوبه فإنه يجزئه، والقول الثاني في المذهب أنها لا تجزئه إذا وقعت على ثوب غيره فنفضها غيره فإنها لا تجزئه، وهذا هو الذي نص عليه وهو الذي استظهره صاحب الفروع وصوبه صاحب الإنصاف رحمهم الله تعالى. قالوا: لأن إنما علل جواز أو إجزاء الرمي في مسألة إذا وقع خارج ثم تدحرجت فيه أو على ثوب إنسان ثم صارت فيه؛ لأن الرمي وقع من واحد، أما إذا نفضها غيره فإن الرمي وقع من اثنين، لأن الرمي وقع من اثنين فلا يجزئه. أما إذا رمى حصاة فالتقطها طائر أو أمالتها الريح عن الوقوع، فإنه لا يجزئه لأنها لم تقع في المرمى.

قال المصنف رحمه الله: ووقته، يعني وقت رمي جمرة العقبة يبدأ من متى؟ يبدأ من نصف الليل، يعني من نصف ليلة النحر لمن وقف قبله. وهذا الصحيح من المذهب مطلقًا كما قاله في الإنصاف، ويستدلون بحديث عائشة رضي الله تعالى عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر أم سلمة ليلة النحر فرمت جمرة العقبة قبل الفجر ثم مضت فأفاضت. وروي أنه صلى الله عليه وسلم أمرها أن تعجل الإفاضة وتوافي مكة مع صلاة الفجر، وهذا الحديث فيه ضعف، واحتج به الإمام أحمد رحمه الله تعالى؛ ولأنه وقت للدفع من مزدلفة، يعني وقت نصف الليل هو وقت للدفع من مزدلفة كما سبق، فأجزأ الرمي به كما يجزئ الرمي بعد طلوع الشمس. يقول إنه إنما قدم الضعفة من مزدلفة لكي يرموا مبكرين، فلما جاز تقديمه من نصف الليل، نقول يجوز إذن الرمي من نصف الليل.

قال: وندب بعد الشروق. يعني الأفضل أن يكون الرمي من بعد طلوع الشمس؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم رمى بعد طلوع الشمس، لأنه دفع من مزدلفة قبيل طلوع الشمس، وما وصل إلى منى إلا بعد طلوع الشمس فرماها ضحى كما جاء في حديث جابر. أما ما جاء في حديث ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا ترموا الجمرة حتى تطلع الشمس»، فهذا إن صح الخبر؛ لأن بعضهم يضاعفه، وعلى تقدير صحته فإنه محمول على وقت الأفضلية.

قال: فإن غربت فمن غد بعد الزوال. إذن وقت رمي جمرة العقبة على المذهب يبدأ من نصف ليلة النحر حتى غروب الشمس من يوم النحر، فإذا غربت الشمس فإنه لا يرمي ليلًا، وإنما يرمي من الغد بعد الزوال. إذن وقت الرمي على المذهب من نصف ليلة النحر حتى غروب الشمس، فلا رمي ليلًا على المذهب في الأيام كلها، فلا يجزئ الرمي في الليل من يوم النحر وما بعده، إنما يجزئ رمي جمرة العقبة في الليل من نصف ليلة النحر، فإذا الرمي ليلًا المذهب لا يجزئ إلا في ليلة النحر.

قال: فإن غربت فمن غد بعد الزوال؛ لما أثر عن ابن عمر أنه قال: من فاته الرمي حتى تغيب الشمس فلا يرمي حتى تزول الشمس من الغد كما رواه البيهقي.

أن يكبر. يعني هذا مما يندب؛ المندوب الأول أن يكون بعد الشروق. المسنون الثاني أن يكبر مع كل حصاة بفعله صلى الله عليه وسلم كما جاء في حديث جابر، وأن يقول يعني مع كل حصاة: اللهم اجعله حجًا مبرورًا وذنبًا مغفورًا وسعيًا مشكورًا. وهذا جاء أثر عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما أنه كان يقوله، وروي أنه رفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم.

ويستبطن الوادي. أيضًا مما يندب، أين يرميها؟ من أين يرميها؟ قال: يستبطن الوادي ويستقبل القبلة ويرمي على جانبه الأيمن. يعني الآن القبلة أمامه، هذه الجمرة، فإذا جعل القبلة أمامه تكون من خلفه. جمرة العقبة الآن على حد منى، فإذا اتجه إلى القبلة تكون من خلفه، يعني طبعًا يتجه إلى القبلة تكون الجمرات الوسطى والأولى خلفه ومسجد الخيف أيضًا خلفه، فتكون منى كلها خلفه. فيقول هنا يرمي يكون مستقبل القبلة ومستدبرًا منى، ويجعل الجمرة عن يمينه ويرمي على يمينه، يعني لا يرمي من تلقاء وجهه إنما يرمي على يمينه، كذا قال الأصحاب رحمهم الله تعالى. ويستدلون بأثر عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه أنه جعل يرمي الجمرة على جانبه الأيمن وقال: والذي لا إله غيره من هاهنا رماها الذي أنزلت عليه سورة البقرة. وجاء في حديث آخر أن النبي صلى الله عليه وسلم جعل القبلة عن يساره ومنى عن يمينه ورماها من تلقاء وجهه، وهذا الحديث أصح مما ورد عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه.

ويرفع يده، يعني إذا رمى حتى يرى بياض إبطيه؛ لأن ذلك أعون على الرمي، ولا يقف عندها، يعني بعد الرمي لا يقف عندها للدعاء؛ لأنه لم يرد عن النبي صلى الله عليه وسلم ذلك، ولضيق المكان، وهذا كان سابقًا خلفها شجرة، ولأن الوارد في الدعاء أنه يكون أثناء العبادة ولا يكون بعدها، وهنا انتهت العبادة، عبادة الجمرة.

قال: وله رميها، يعني جمرة العقبة، من فوقها. وهذا طبعًا الكلام هذا في الماضي لما كانت على جبل، فكان الأيسر رميها من بطن الوادي، وإن رماها من فوق الجبل صح ذلك، وهذا جاء عن عمر رضي الله تعالى عنه.

ويقطع التلبية بأول الرمي؛ لحديث الفضل أن النبي صلى الله عليه وسلم لا يزال يلبي حتى رمى جمرة العقبة، لم يزل يلبي حتى رمى جمرة العقبة.

ثم ينحر هديًا معه. ثم ينحر هديًا. إذن أعمال يوم النحر أولًا: الرمي، رمي جمرة العقبة. ثانيًا: النحر؛ بفعله صلى الله عليه وسلم لما رمى جمرة العقبة انصرف إلى المنحر فنحر ثلاتًا وستين بيده، وأعطى عليًّا رضي الله عنه فنحر ما غبر.

ثم يحلق. بقوله تعالى: ﴿مُحَلِّقِينَ رُؤُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ﴾ [الفتح: 27]، ولفعله صلى الله عليه وسلم لما نحر حلق عليه الصلاة والسلام.

قال: وشن استقباله. يعني يسن في الحلق أن يستقبل القبلة وأن يبدأ بشقه الأيمن. أما استقبال القبلة فقالوا: هذا مشروع في كل عبادة. وأما البداءة بشقه الأيمن فلأن النبي صلى الله عليه وسلم بدأ بشقه الأيمن، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يعجبه التيمن في شأنه كله.

أو يقصر. يعني يحلق أو يقصر، والتقصير يكون من جميع شعره؛ للآية: ﴿مُحَلِّقِينَ رُؤُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ﴾، مقصرين أي مقصرين رؤوسكم، فعلق الحلق أو التقصير بالرأس أي كله. وهذا هو الصحيح من المذهب وعليه أكثر الأصحاب أن التقصير يكون من جميع الشعر. قال: لا من كل شعرة بعينها. أي ليس المقصود إذا قلنا من جميع الشعر أنه يمر على كل شعرة بعينها ويقصر منها، هذا فيه مشقة شديدة، وهذا لا يتحقق التيقن منه إلا بالحلق، فلذلك قالوا المقصود أن يعم شعره بالحلق. ولذلك من الأخطاء -وإن كان هذا الفعل صحيحًا على قول آخر- أن بعضهم يقصر من أطراف شعره، يقصر مثلًا من مقدم شعره، من يمين مقدم شعره، من يسار، من خلف شعره، هذا من الأخطاء ولم يمتثل أمر الله عز وجل في الآية. فلذلك قالوا: لا يجزئ حلق بعض الرأس أو تقصير بعضه؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم حلق جميع رأسه، فكان هذا تفسيرًا لمطلق الأمر الوارد في الآية.

والمرأة تقصر كذلك أنملة فأقل. يعني المرأة تقصر من شعرها أنملة فأقل. أما كونها لا تحلق فلما جاء في حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ليس على النساء حلق، وإنما على النساء التقصير»، ولأن الحلق مثلة في حقهن، يعني كأنه عيب وشين في حقهن، فتقصر من كل قرن قدر أنملة، أو تجمع شعرها إلى مقدم رأسها وتأخذ من أطرافه قدر أنملة.

كعبد. يعني العبد أيضًا يقصر ولا يحلق، لا يحلق إلا بإذن سيده؛ لماذا؟ لأن قيمته تنقص به، ولذلك يقول الزركشي رحمه الله: لأن الشعر ملك للسيد ويزيد في قيمته ولم يتعين زواله فلم يكن له ذلك كغير حال الإحرام. نعم، إن أذن له سيده جاز إذ الحق له، وألا يشارط، يعني لا يحلق بغير إذن سيده.

وسنة أخذ ظفر وشارب ونحوه. يعني بعد حلقه يأخذ من ظفره وشاربه. يقول المنذر: ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم لما حلق رأسه قلم أظافره، وجاء عن ابن عمر رضي الله عنهما أيضًا ذلك.

وألا يشارط الحلاق على أجرة. يعني يسن أيضًا ألا يشترط على الحلاق أجرة، يعني لا يقول له: لا أعطيك مثلًا إلا عشرة ريالات أو عشرين ريالًا ونحو ذلك. لماذا؟ قالوا: لأنه نسك، فلا ينبغي أن ستدفع لأجل النسك لأجل الله تعالى، فلا ينبغي أن تساوم في شيء ستدفعه لله.

وسنة إمرار الموسى على من عدمه. يعني الأصلع الذي لا شعر له، قالوا:

الآن ما عليه حلق؛ لأنه محلوق خلقة. فقالوا: يسن له إمرار الموسى، يعني الموس على شعره، ولا يجب ذلك. لماذا؟ لأن الحلقة محله الشعر، فسقط بانعدامه. وهذه القاعدة ذكرها ابن رجب رحمه الله في قواعده في القاعدة الثامنة، قال: من قدر على بعض العبادة وعجز عن باقيها، هل يلزمه الإتيان بما قدر عليه منها؟

ذكر أن هذه المسألة على أقسام أربعة، والذي يهمنا منها القسم الأول، قال: أن يكون المقدور عليه ليس مقصودًا في العبادة بل هو وسيلة محضة إليها. وذكر من أمثلتها إمرار الموسى على رأسه في الحلق، قال: فهذا ليس بواجب، إذ إنه إنما وجب ضرورة للحلق. يعني كون كونه يمر الموسى، الآن الذي سيحلق نقول: يحلق بإمرار الموسى على رأسه. يعني الشخص عنده شعر، يحلق بإمرار الموسى على شعره.

فإمرار الموس هنا فعل، وإزالة وزوال الشعر هذا فعل. زوال الشعر الآن لا يستطيعه لأنه مزال حقيقة إذا كان أصلع، فهل نقول ما دام أنه يقدر على بعض الواجب وهو إمرار الموس فإنه يلزمه أو لا؟ يقول ابن رجب رحمه الله: لا يلزمه، وإن كان يعني لا يدخل في قوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: 16].

لماذا؟ قال: لأنه إنما وجب ضرورة للحلق، يعني أنه هو وسيلة أصلًا، فوجب ضرورة للحلق فهو وسيلة، ولذلك قال: قد سقط الأصل -اللي هو الحلق- فسقط ما هو من ضرورته.

ثم قد حل له كل شيء إلا النساء. يعني إذا رمى وحلق ونحر إذا كان معه هدي، فقد حل له كل شيء حرم بالإحرام إلا النساء؛ إلا النساء وطئًا ومباشرةً وقبلةً ولمسًا لشهوة وعقد نكاح، يعني كل ما يتعلق بأمور النساء من الوطء ودواعيه ومن عقد النكاح. لما جاء في حديث عائشة رضي الله عنها مرفوعًا إلى النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا رميتم وحلقتم فقد حل لكم الطيب والثياب وكل شيء إلا النساء».

وقالت عائشة رضي الله عنها: «طيبت رسول الله صلى الله عليه وسلم لإحرامه حين أحرم ولحله قبل أن يطوف بالبيت»، متفق عليه. وهذا الحديث الثاني أصح من الأول لأنه متفق عليه، والأول فيه ضعف. لكن الفقهاء يستدلون، يذكرون أولًا الدليل الأصرخ ثم يذكرون الأصح، فيقدمون الأصرخ على الأصح في الاستدلال، ويجمعون بينهما.

فهنا حديث عائشة الأول إذا رميتم وحلقتم هذا صريح في المسألة لكن فيه ضعف. حديث عائشة الثاني هذا صحيح لكنه ليس بصريح، تقول: طيبت رسول الله صلى الله عليه وسلم لإحرامه حين أحرم ولحله قبل أن يطوف بالبيت. هذا يفهم منه أنه إنما حل -يعني من إحرام التحلل الأول- بعد أن رمى وحلق قبل أن يطوف، ونحر صلى الله عليه وسلم قبل أن يطوف. لكن هل يفهم منه أنه لو طيب قبله، لو طيب قبله فإنه لا يجزئه ذلك؟ هذا لا يفهم منه، إنما يفهم من الحديث الأول.

والحلق والتقصير نسك. هذه مسألة خلافية: هل الحلق والتقصير نسك أو إطلاق من محظور؟ يترتب عليها ماذا؟ إذا قلنا نسك فنقول: يلزمه أن يحلق أو يقصر. إذا قلنا إطلاق من محظور فنقول: لا يلزمك حلق أو تقصير، إنما يجزؤه فعل أي محظور. فلو مثلا رمى ونحر وطاف، نقول: لا يلزمك الحلق، إنما لو لبست مخيطًا، أو قصرت من أظافرك، أو تطيبت، هذا كاف في فعلك، فلا يلزمك الحلق والتقصير. هذا على الرواية الثانية في المذهب أنه إطلاق من محظور، لكن الصحيح من المذهب أنه نسك، ولذلك يلزم في تركه الدم.

لماذا أو ما الدليل على أنهما نسك؟ قالوا لأن الله عز وجل وصف الحجاج بذلك وامتن به عليهم، فدل على أنه من العبادة، ولأنه صلى الله عليه وسلم أمر بقوله: فليقصر ثم ليحلل. أمر من لم يطف ومن لم يسق الهدي أن يقصر ثم يحلق، وأمره به دل على أنه نسك وليس إطلاقًا من محظور. قالوا: لو لم يكن نسكًا لم يتوقف الحل عليه، لأن النبي صلى الله عليه وسلم لما جاء في حديث عائشة: إذا رميتم وحلقتم؛ فلو لم يكن نسكًا لم يتوقف الحل عليه. ولأن النبي صلى الله عليه وسلم دعا للمحلقين والمقصرين وفاضل بينهم، فلولا أنه نسك لما استحقوا لأجل الدعاء ولما وقعت المفاضلة، إذ لا مفاضلة في المباح.

ويلزم في تركه دم لأنه واجب. قال: لا إن أخرهما عن أيام منى، يعني لا يلزم الدم إن أخر الحلق والتقصير عن أيام منى، لأن الله عز وجل قال: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُؤُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ [البقرة: 196]، فبين أول وقته ولم يبين آخر وقته، فمتى أتى به أجزأه.

أو قدم الحلق على الرمي أو النحر، أو نحر أو طاف قبل رميه ولو عالمًا، أي أنه يجزئ ذلك. لأن النبي صلى الله عليه وسلم سئل، من قال: حلقت قبل أن أذبح، ومن قال: ذبحت قبل أن أرمي، فقال: «اذبح ولا حرج»، «ارم ولا حرج». فما سئل عن شيء قدم ولا أخر إلا قال: «افعلوا ذلك ولا حرج».

ولو عالمًا، وهنا إشارة خلاف لأن بعض الفقهاء يقولون: إذا كان عالمًا فإنه عليه دم في عدم الترتيب. والمشهور من المذهب أنه يجزئه ذلك لكن مع الكراهة. قالوا لإطلاق حديث ابن عباس؛ ابن عباس سئل: حلقت قبل أن أذبح وفي بعض الروايات: لم أشعر، بحلق؛ قالوا: في هذه الرواية نأخذها على إطلاقها. وأيضا في بعض روايات حديث ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له لا حرج، قال لمن فعل: لا حرج، وهذا يدل على أنه لا إثم فيه ولا دم. لأن بعض الفقهاء يقولون: لا حرج أي لا نعم، افعل ولا حرج، يقول: لا إثم لكن يلزم دم. والمؤلف رحمه الله تعالى يقول: إنه لا يلزم أيضًا به دم.

ثم بين المصنف رحمه الله بما يحصل التحلل الأول، قال: يحصل التحلل الأول الذي به تتم، الذي به تحل محظورات الإحرام ما عدا ما يتعلق بالنساء باثنين من رمي وحلق أو تقصير وطواف، يعني باثنين من ثلاثة: الرمي، والحلق والتقصير، والطواف اللي هو طواف الإفاضة. والثاني: يحصل التحلل الثاني بما بقي من الثلاثة هذه مع السعي. وهذا هو الصحيح من المذهب: أن التحلل الأول يحصل باثنين من ثلاثة، واختاره أكثر الأصحاب كما قاله المرداوي وابن مفلح رحمهما الله تعالى.

وقوله: والثاني بما بقي، يعني من الثلاثة مع السعي. وهذا هو الذي ذكر المصنف هنا، وذكر المرداوي رحمه الله في الإنصاف أن ظاهر كلام أكثر الأصحاب أنه يحل قبل السعي لإطلاقهم الإحلال بعد الطواف. وذكر في التصحيح أن هذا هو ظاهر ما قطع به في الرعاية الكبرى.

ثم يخطب الإمام بمنى يوم النحر خطبة يفتتحها بالتكبير، لفعله صلى الله عليه وسلم أنه خطب يوم النحر بمنى وعلمهم شيئًا من شعائر الإسلام. قال: يعلمهم فيها النحر والإفاضة والرمي، وهذا لحاجتهم إلى ذلك. وقوله: يفتتح بالتكبير، هذا ذكره ابن حمدان رحمه الله في الرعاية، ولعله قياسًا على ما يذكرونه في خطبة العيد ونحوها.

نقف عند هذا ونسأل الله أن يوفقنا وإياكم أجمعين لما يحب ويرضى، وصلى اللهم وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.