بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين. صلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. اللهم يا معلم آدم وإبراهيم علمنا، ويا مفهم سليمان فهمنا. اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علما وعملا صالحا يا كريم.
أما بعد، هذا هو اللقاء الثالث عشر من لقاءات شرح كتاب الحج من منتهى الإرادات. أسأل الله أن يجعله لقاء مباركا وينفع به القائل والمستمع.
نبدأ بالإجابة على أسئلة تمارين الدرس الماضي. السؤال الأول: شخص دفع من عرفة إلى مزدلفة بعد الغروب، ولم يصل مزدلفة إلا قبيل الفجر، فهل يلزمه دم؟ الجواب: لا، لا يلزمه دم. فوجوب الوقوف بمزدلفة أو المبيت بمزدلفة إلى نصف الليل هذا لمن أدرك نصفه الأول، أما من لم يدرك نصفه الأول فإنه يعتبر غير واجب عليه، إنما الوجوب أن يدركها قبل الفجر.
السؤال الثاني: حاج نحر هديه وحلق رأسه، ولم يطف للإفاضة ولم يرمي جمرة العقبة، فهل يعتبر بذلك قد تحلل التحلل الأول؟ الجواب: لا، لا يعتبر قد تحلل التحلل الأول؛ لأن التحلل الأول كما سبق يحصل باثنين من ثلاثة، وهي الحلق والطواف والرمي، أما النحر فلا علاقة له بالتحلل.
السؤال الثالث: شخص رمى سبع حصيات جمرة العقبة ولكن إحدى الجمرات لم تسقط في المرمى، فأخذ حصى من وسط حوض الجمار ورمى به عن الحصاة التي لم تسقط، فهل يصح فعله ولماذا؟ الجواب: لا يصح فعله على المذهب، لماذا؟ لأنه رمى بجمرة رمي بها سابقا، والمشهور من المذهب أنه لا يجزئ الرمي بما رمي به سابقا؛ لأن هذه استعملت في عبادة فلا تستعمل فيها مرة أخرى.
طيب، نبدأ درس هذا اليوم. يقول المصنف رحمه الله تعالى وقفنا على طواف الإفاضة: ثم يفيض إلى مكة فيطوف مفرد وقارن لم يدخلاها قبل للقدوم برمل، ومتمتع بلا رمل، ثم للزيارة وهي الإفاضة، ويعينه بالنية، وهو ركن لا يتم حج إلا به.
بين المصنف رحمه الله تعالى أن على الحجاج يوم النحر طوافين: طوافا للقدوم، وهذا في حق المتمتع وفي حق المفرد والقارن الذين لم يدخلا مكة قبله، يعني لم يأتي بطواف القدوم قبله، ثم طواف الزيارة. فالمفرد والقارن يطوفان للقدوم متى؟ إذا لم يكونا طافا للقدوم قبله، أما المتمتع فإنه يطوف للقدوم مطلقا. ثم بعد طوافهما للقدوم يطوفان طواف الزيارة، وطواف المفرد والقارن للقدوم يكون برمل -طبعا إذا لم يكونا دخلها قبله؛ لأن هذا هو أول طواف له- وأما المتمتع فإنه يكون بلا رمل؛ لأنه سبق أن طاف طواف العمرة.
وطواف القدوم يعني هم الآن سيطوفون طوافين، طواف القدوم في حقهم هذا مستحب. مستحب على المذهب، وهو من مفردات المذهب، ونص عليه الإمام أحمد رحمه الله في رواية الأثرم، يقول: قلت لأبي عبد الله رحمه الله: فإذا رجع أي المتمتع كم يطوف ويسعى؟ قال: يطوف ويسعى لحجه، ويطوف طوافًا آخر للزيارة. عاودناه في هذا غير مرة فثبت عليه. واحتج الإمام أحمد رحمه الله بحديث عائشة، وفيه: فطاف الذين أهلوا بالعمرة بالبيت وبين الصفا والمروة ثم حلقوا، ثم طافوا طوافًا آخر بعد أن رجعوا من منى لحجهم، وأما الذين جمعوا الحج والعمرة فإنما طافوا طوافًا واحدًا، أخرجه الإمام مسلم رحمه الله. فحمل الإمام أحمد رحمه الله تعالى طوافهم لحجهم على طواف القدوم. قوله: طافوا طوافًا آخر بعد أن رجعوا من منى لحجهم، يعني طواف القدوم. وأما الذين جمعوا بين الحج والعمرة فإنما طافوا طوافًا واحدًا، يقصد طواف القدوم الأول، اكتفوا به. هكذا روي عن الإمام أحمد رحمه الله تعالى.
وهذا كما قلت من مفردات الحنابلة، ولذلك يقول الموفق بن قدامة رحمه الله: ولا أعلم أحدا وافق أبا عبد الله على هذا الطواف الذي ذكره الخرقي، بل المشروع طواف واحد للزيارة، كمن دخل المسجد وقد أقيمت الصلاة فإنه يكتفي بها عن تحية المسجد، وقد أطال رحمه الله في الجواب عن حديث عائشة. وهذا هو القول الثاني في المذهب، أنه لا يشرع، وإنما يطوفون طوافاً واحداً.
وقد ذكر ابن رجب رحمه الله هذه المسألة في القاعدة الثامنة عشرة من قواعده: إذا اجتمعت عبادتان من جنس واحد في وقت واحد ليست إحداهما مفعولة على وجه القضاء ولا على وجه التبعية للأخرى في الوقت، تداخلت أفعالهما واكتفي فيهما بفعل واحد، وذكر أن هذه القاعدة على ضربين: الضرب الأول أن يحصل له بالفعل الواحد عبادتان جميعاً فيشترط أن ينويهما معاً على المشهور. والضرب الثاني أن تحصل له إحدى العبادتين بنيتها وتسقط عنه الأخرى. وذكر من أمثلة الثاني: إذا قدم المعتمر مكة فإنه يبدأ بطواف العمرة ويسقط عنه طواف القدوم. قال: وقياسه إذا أحرم بالحج من مكة ثم قدم يوم النحر، هنا هذا يصدق على المتمتع أحرم بالحج من مكة؛ لأنه أصبح في حكم المكي لما أحرم بالعمرة وتحلل منها وبقي في مكة فإنه يصبح في حكم المكي فيحرم بالحج من مكة، فيقول: إذا أحرم بالحج من مكة ثم قدم يوم النحر أنه يجزئه طواف الزيارة عنه. والمنصوص ها هنا أنه يطوف قبله للقدوم، أنه يطوف قبل القدوم يعني لا يتداخلان. قال: وخالف فيه صاحب المغني. الموفق في الكلام الذي قلته قبل قليل قال: وخالف فيه صاحب المغني وهو الأصح. لذلك هذا القول الثاني أنه لا يشرع الطوافان، لا للقارن والمفرد ولا للمتمتع، أنه لا يشرع لهم طوافان، هذا هو القول الثاني في المذهب، وهو اختيار الموفق ابن قدامة وشيخ الإسلام رحمه الله وأيضا الحافظ ابن رجب رحمه الله.
قال: ثم للزيارة وهي الإفاضة، أي طواف الزيارة يسمى طواف الإفاضة لأنه يأتي به إذا أفاض من منى إلى مكة، ويسمى طواف الزيارة لأن الحاج إذا أتى به يزور البيت ولا يقيم بمكة وإنما يرجع لمنى. قال: ويعينه بالنية، يعني لابد إذا طاف أن يستحضر أنه يطوف للإفاضة؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: «إنما الأعمال بالنيات». قال: وهو ركن لا يتم حج إلا به، وهذا بالإجماع قاله ابن عبد البر رحمه الله؛ لقوله تعالى: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: 29] حمل على طواف الزيارة وطواف الإفاضة. ولما جاء في قصة صفية لما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أنها حاضت قال: «عقرى حلقى، أحابستنا هي؟» فقيل له: إنها قد كانت أفاضت بالبيت ثم طافت ثم حاضت بعد ذلك، فقال: «فلتنفر إذا». فدل على أن طواف الإفاضة لابد منه، ركن لا يتم الحج إلا به.
قال: ووقته، أول وقته متى؟ قال: ووقته من نصف ليلة النحر لمن وقف وإلا فبعد الوقوف. فيبتدئ من نصف ليلة النحر؛ لأن هذا هو وقت الدفع الجائز من مزدلفة، فإذا جاز الدفع من مزدلفة بدأ وقت الرمي، وبدأ وقت الحلق، وبدأ وقت الطواف، وأما النحر فسيأتينا إن شاء الله أنه لا يبدأ وقته؛ لأن أفعال يوم النحر خمسة: الرمي والحلق والطواف يبدأ وقتها من نصف ليلة النحر، أما النحر نحر الهدي لمن كان معه هدي فلا يبدأ إلا من طلوع الشمس يوم النحر ومضي قدر صلاة العيد.
قال: ووقته من نصف ليلة النحر لمن وقف وإلا فبعد الوقوف، يعني لابد أن يسبقه الوقوف، فلا يجزي أن يطوف قبل أن يقف بعرفة، وهذا المذهب وعليه الأصحاب. قال: ويوم النحر أفضل بفعله صلى الله عليه وسلم، يعني إن لم يطف إلا يوم النحر ضحى فإن هذا أفضل؛ لأن هذا هو فعل النبي صلى الله عليه وسلم. قال: وإن أخره عن أيام منى جاز، وكذا لو أخره عن شهر ذي الحجة فإنه يجوز؛ لأنه لا آخر لوقته، وهذا بلا نزاع في المذهب كما قاله المرداوي، فكونه لا آخر لوقته هذا لا نزاع فيه بين الأصحاب. لكن كونه يأتي به في أي وقت، لكن طبعا إذا لم يأت به فإنه لم يتحلل التحلل الثاني بعده. لكن هل عليه دم لو أخره؟ قال: ولا شيء فيه كالسعي، يعني سواء أخره عن أيام منى أو أخره عن شهر ذي الحجة، فلا يترتب على تأخيره دم على الصحيح من المذهب وعليه أكثر الأصحاب.
فإذا هما مسألتان، مسألة آخر وقته نقول: لا آخر لوقته. ومسألة هل يترتب على تأخيره عن أيام منى أو عن شهر ذي الحجة شيء؟ يقول: لا يترتب عليه شيء؛ لأنه فعله في وقته لأنه لا آخر لوقته، فهو لم يفعله بعد مضي وقته. وقال: كالسعي فالسعي مثله لا آخر لوقته.
قال: ثم يسعى متمتع ومن لم يسعى مع طواف القدوم، أي أن المتمتع عليه سعيان، سعي للعمرة وسعي للحج، وأما القارن والمفرد فعليهما سعي واحد، فإذا لم يسعيا مع طواف القدوم فيسعيان بعد طواف الإفاضة. ومن أتى به مع طواف القدوم من القارن والمفرد فإنه لا يشرع في حقهما الإتيان به مرة أخرى؛ لأنه لا يستحب التطوع بالسعي. قال: ثم يشرب من ماء زمزم. وكون المتمتع عليه سعيان هو المشهور عند الحنابلة رحمهم الله تعالى، ويحتجون بحديث عائشة: فطاف الذين أهلوا بالعمرة بالبيت وبين الصفا والمروة ثم حلقوا، ثم طافوا طوافا آخر بعد أن رجعوا من منى لحجهم، فقالوا: طافوا طوافهم الآخر يعني أن هذا هو السعي بين الصفا والمروة، وأما الذين جمعوا الحج فإنما طافوا طوافًا واحدًا يعني السعي، المقصود بالطواف هنا السعي كما قرره ابن القيم رحمه الله تعالى.
قال: ثم يشرب من ماء زمزم لما أحب ويتضلع منه ويرش على بدنه وثوبه. أما الشرب بعد الطواف فقد ورد عنه صلى الله عليه وسلم كما في حديث جابر رضي الله تعالى عنه في صفة حجه صلى الله عليه وسلم. وأما التضلع منه فجاء في الحديث: «آية ما بيننا وبين المنافقين أنهم لا يتضلعون من ماء زمزم». وأما الرش على بدنه وثوبه فهذا يذكره بعض الأصحاب رحمهم الله تعالى، ورد أو روي مرفوعا للنبي صلى الله عليه وسلم أنه لما شرب من ماء زمزم رش على أو مسح به رأسه عليه الصلاة والسلام، وروي فعله عن بعض السلف رحمهم الله تعالى.
قال: ويقول: بسم الله، اللهم اجعله لنا علما نافعا ورزقا واسعا وريا وشبعا وشفاء من كل داء، واغسل به قلبي واملأه من خشيتك. فيدعو بما أحب، وهذا دعاء مناسب. وجاء في حديث جابر: «ماء زمزم لما شرب له». وورد عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما الدعاء عند شرب ماء زمزم: اللهم إني أسألك علما نافعا ورزقا واسعا وشفاء من كل داء. وماء زمزم ماء مبارك ويستشفى به، كما جاء في الحديث: «إنها مباركة، إنها طعام طعم وشفاء سقم»، فهو يعني يكفي عن الجوع كما جاء في قصة أبي الدرداء رضي الله تعالى عنه، وأيضًا يستشفى به، وقد وردت قصص كثيرة في الاستشفاء بماء زمزم، لكن ينبغي للإنسان إذا شربه ودعا أن يدعو الله بحضور قلب ويقين، ولا يقول -يعني هذا في الدعاء عموماً- ولا يقول: سأفعل ذلك للتجربة، لا، بل يستحضر العبودية والدعاء والتضرع إلى الله عز وجل، ويستحضر أن الله على كل شيء قدير، ويستحضر ضعفه وذله بين يدي الله تعالى، ويستحضر أنه ضيف من ضيوف الرحمن، والله عز وجل أكرم من أن يرد أضيافه سبحانه وبحمده.
قال: ثم يرجع فيصلي ظهر يوم النحر بمنى ويبيت بها ثلاث ليال. أما صلاته ظهر يوم النحر بمنى لفعله صلى الله عليه وسلم، حيث جاء في حديث ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى ظهر يوم النحر في منى كما في الصحيحين. وجاء في حديث جابر أنه صلى الله عليه وسلم صلى الظهر يوم النحر بمكة. واختلف العلماء رحمهم الله تعالى في الجمع بينهما، فمنهم من قدم حديث ابن عمر حيث اتفق على روايته الشيخان ولأسباب أخرى، وممن ذهب إلى ذلك الحافظ ابن القيم رحمه الله تعالى في زاد المعاد. ومنهم من جمع بينهما بأن النبي صلى الله عليه وسلم صلى بمكة ثم لما ذهب إلى منى وجد أصحابه ينتظرونه فطلبوا منه أن يصلي بهم فصلى بهم ثانياً، فكل روى ما رأى، وهذا الجمع ذكره النووي رحمه الله تعالى.
قال: ويبيت بها ثلاث ليال هذا إذا لم يتعجل، ويرمي الجمرات بها أيام التشريق كل جمرة بسبع حصيات. وصفة رميه كصفة رمي جمرة العقبة في أنه يرميها واحدة بعد واحدة ويكبر مع كل حصاة. قال: ولا يجزئ رمي السقاة والرعاة إلا نهارًا بعد الزوال؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يرمي الجمرة ضحى يوم النحر، ورمى بعد ذلك يعني في أيام التشريق بعد زوال الشمس، وهذا في صحيح مسلم، وقال صلى الله عليه وسلم: «لتأخذوا عني مناسككم». وقال ابن عمر
رضي الله تعالى عنهما: كنا نتحين فإذا زالت الشمس رمينا. وهذا رواه البخاري معلقًا ووصله أبو داود وغيره.
فبدء الرمي أيام التشريق يكون من بعد الزوال؛ يعني من أذان الظهر، من أذان الظهر. وعلى المذهب أنه يمتد إلى غروب الشمس؛ فلا يعني فلا يجزئ الرمي نهارًا قبل الزوال ولا ليلًا بعد الغروب على غير سقاة ورعاة. أما السقاة والرعاة فيجوز لهم الرمي ليلًا ونهارًا، كما ذكره المرداوي رحمه الله في الإنصاف وفي التنقيح.
ويستدلون على ذلك بحديث الترخيص للرعاة أن يبيتوا بمنى في حديث عاصم بن عدي. وأمس قلنا في حديث عدي. وهذا ذكره البهوتي في شرحه، لكن الصحيح حديث عاصم بن عدي. عند الإمام مالك أن النبي صلى الله عليه وسلم رخص لرعاة الإبل في البيتوتة أن يرموا يوم النحر ثم يجمعوا رمي يومين بعد يوم النحر فيرمونه في أحدهما ثم يرمون يوم النفر.
فقالوا: لما رخص لهم في ذلك رخص لهم في ترك المبيت، ورخص لهم أيضًا في الجمار للتوسعة عليهم، فيرمون. فالمقصود برميهم نهارًا رمي القضاء؛ يعني مثلاً يوم الحادي عشر لو كانوا لم يرموا جمرة العقبة يوم النحر فلهم أن يرموها ضحى يوم الحادي عشر. والحادي عشر ما رموه حتى غربت الشمس، لهم أن يرموها في الليل، ولهم أن يرموها من الغد. فرميهم فينهار يكون لما مضى لا لما يستقبل، هذا ظاهر كلامهم رحمهم الله تعالى.
قال: والسنة قبل الصلاة؛ يعني السنة المبادرة برمي الجمار من أول وقتها قبل صلاة الظهر، لما جاء عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه صلى الله عليه وسلم كان يرمي الجمار إذا زالت الشمس، قدر ما إذا فرغ من رميه صلى الظهر، كما عند ابن ماجه وغيره.
قال: يبدأ بالأولى، اللي هي الجمرة الصغرى، أبعدهن عن مكة، وتلي مسجد الخيف، فيجعلها عن يساره ويرمي، يعني على المذهب الطريقة الصحيحة على المذهب. كيف يرمي وهو متجه إلى الآن مسجد الخيف خلفه، والجمرات الثلاث أمامه، الصغرى ثم الوسطى ثم العقبة؟ فيرمي الصغرى، يكون وجهه مستقبلاً القبلة والجمرة عن يساره، فيرمي هكذا. الجمرة عن يساره، لا يستقبل الجمرة، وإنما يستقبل القبلة ويجعل الجمرة عن يساره كذا، كذا يراه الأصحاب رحمهم الله تعالى؛ فكل الجمار عندهم لا تستقبل الجمرة، وإنما تستقبل القبلة.
وهناك قول آخر: أنه إنما يستقبل القبلة في الجمرة الصغرى والوسطى؛ استقبلوا القبلة والجمرة، يعني يجعل الجمرة أمامه، يرمي من الأمام، تكون الجمرة بينه وبين القبلة، يكون مسجد الخيف خلفه والجمرة الصغرى أمامه ويرميها. ثم يتقدم قليلًا ويدعو، كما قال المصنف رحمه الله. قال: فيجعلها عن يساره ثم يتقدم قليلًا فيقف يدعو ويطيل، كما جاء ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم.
قال: ثم الوسطى، فيجعلها عن يمينه كما قلنا في الصغرى، يجعلها عن يمينه وهو مستقبل القبلة ويرمي من تلقاء يمينه، ويقف عندها فيدعو. ثم جمرة العقبة ويجعلها عن يمينه ويستبطن الوادي ولا يقف عندها لضيق المكان ولانتهاء العبادة. قال: ويستقبل القبلة في الكل، لأنه استقبال القبلة في المذهب مشروع في كل عبادة إلا ما استثني.
وكان من دعاء عمر وابن مسعود أنهما عند الرمي يقولان: اللهم اجعله حجًّا مبرورًا وذنبًا مغفورًا.
ثم تكلم المصنف رحمه الله تعالى عما يشترط في الرمي فقال: وترتيبها شرط. هذا من شروط الرمي أن يرتبها، فيبدأ بالصغرى ثم الوسطى ثم جمرة العقبة، لأن النبي صلى الله عليه وسلم رماها كذلك وقال: «لتأخذوا عني مناسككم». واشتراط الترتيب في الرمي هذا هو المذهب وعليه الأصحاب.
قال: كالعدد، هذا أيضًا شرط آخر من شروط الرمي أن يستوفي العدد، وهو سبع حصيات من كل جمرة. وهذا شرط، فيلزم أن يرمي كل جمرة سبع حصيات لفعله صلى الله عليه وسلم ولقوله: «لتأخذوا عني مناسككم».
كثير من العلماء يستدلون إذا أرادوا الاستدلال بحديث: لتأخذوا عني مناسككم، يروونه بلفظ: «خذوا عني مناسككم». وهذا اللفظ ليس في الكتب المشهورة، الذي أذكر أنه عند الطبراني. لكن في الكتب المشهورة أبو داود والإمام مسلم أولًا، والإمام مسلم وأهل السنن، بعضها جاءت بلفظ خذوا مناسككم، وبعضها جاءت بلفظ لتأخذوا عني مناسككم، وبعضها جاءت بلفظ لتأخذوا مناسككم يا أيها الناس لتأخذوا عني مناسككم إلى آخره، لكن «خذوا عني مناسككم» هذه التي أذكر أنها عند الطبراني وربما الشك مني الآن أن يكون النسائي رواها في الكبرى، لكن لست متأكدًا، فترجع.
ثم ذكر المصنف رحمه الله ما يترتب على اشتراط الترتيب والعدد. قال: إن أخل بحصاة من الأولى، يعني الأولى مثلاً رماها بست، أم الجمرة الأولى، قال: لم يصح رمي الثانية، لأنه هنا لم يرتب، لأنه هنا لما صار رميُه ناقصًا ما صح رمي ما بعده، فيلزمُه إتمامُها ثم إعادةُ رمي ما بعده. وهذا المذهب وعليه الأصحاب. فإن جهل من أيهما تركتْ بنى على اليقين، يعني مثلاً هو معه إحدى وعشرون حصاةً، فرمى الأولى يحسب أنها بسبع ويمكن أنها رماها بست، ثم رمى الثانية ثم رمى الثالثة، انتهى وبقي معه حصاة باقية، يقول: أنا ما أدري هل أنا نقصت من الأولى أو نقصت من الثانية أو نقصت من الثالثة؟ ماذا يقول المصنف رحمه الله؟ يقول: بنى على اليقين، واليقين ما هو؟ اليقين أن يجعلها من الأولى. فيجعل كأنه رمى الأولى بست، الآن يكملها سبعًا ثم يرمي الوسطى ثم يرمي الصغرى.
قال: وإن أخر رمي يوم، ولو يوم النحر، إلى غده أو أكثر، أو الكل إلى آخر أيام التشريق، أجزأ أداءً. هنا أيضًا من شروط الرمي أن يكون في وقته، ووقته يوم النحر إلى غروب الشمس آخر أيام التشريق، ويكون في النهار لا في الليل، ما بين الزوال إلى الغروب. يقول: أجزأ أداءً. أما إجزاؤه فبلا نزاع في المذهب، يعني سواء أخره لعذر أو لغير عذر. يعني مثلاً شخص لم يرمي جمرة العقبة يوم النحر؛ أجهد، ذهب إلى مثلاً كان واقفًا في عرفة ثم ذهب إلى مزدلفة ثم ذهب إلى مكة وطاف وسعى وحلق ثم ذهب نحر هديه، طيب، بقي الرمي فجاء إلى منى مجهدًا فنام حتى غربت الشمس، فالعلي المذهب أنه لا يجزئه الرمي ليلًا، طيب متى يرمي؟ يرمي من الغد، هنا أخره لعذر. طبعًا هذا على المذهب أنه لا يجزئه الرمي ليلًا، طبعًا المفتى به عند علمائنا رحمهم الله تعالى إجزاء الرمي ليلًا، وهذا قول آخر في المذهب.
قال: أجزأ أداءً. أما كونه أداءً أقول يعني سواء أخره لعذر أو لغير عذر؛ يعني قال: لن أرمي إلا اليوم الثالث من أيام التشريق، فيجمع رمي الأيام كلها في يوم واحد. فيقولون: يصح ويكون أداءً أيضًا، لأن أيام التشريق وكونه أداءً هو على الصحيح من المذهب، يعني لا يعتبر ما أخره قضاءً. وهذا على الصحيح من المذهب، لأن أيام التشريق كلها وقت للرمي فيجوز تأخيره إلى آخر وقته، وفعل العبادة في وقتها يعتبر أداءً لا قضاءً.
قال: ويجب ترتيبه بالنية، يعني أنه مثلاً عليه مثلاً جمرة العقبة، عنده رمي الحادي عشر والثاني عشر، وهو أراد أن يتعجل، فيبدأ بالصغرى يرميها عن الحادي عشر، ثم الوسطى عن الحادي عشر، ثم الكبرى عن الحادي عشر، ثم يرجع للصغرى ويرميها عن الثاني عشر وهكذا، ثم الوسطى ثم الكبرى ليحصل له الترتيب. وقال: ويجب ترتيبه بالنية لحديث: «إنما الأعمال بالنيات».
قال: وفي تأخيره عنها دم، يعني إذا ترك الرمي ولم يرمي الجمار حتى انتهت أيام التشريق فهنا يلزمه دم لهذا الترك بأثر ابن عباس: من ترك شيئًا من نسكه أو نسيه فليهرق دمًا. وكذا لو ترك المبيت كله، لو ترك مبيت أيام التشريق كلها على الصحيح من المذهب وعليه أكثر الأصحاب، كترك مبيت ليلة بمنى. ففي ترك المبيت ليلة بمنى يجب به دم؛ يعني لو أنه لم يبت ليلة الحادي عشر بمنى وإنما بات ليلة الثاني عشر والثالث عشر، فعليه على المشهور من المذهب أنه يجب بترك مبيت ليلة واحدة دم، وهذه إحدى الروايتين عن الإمام أحمد رحمه الله، واقتصر عليها المرداوي رحمه الله في التنقيح. والرواية الأخرى التي اختارها الموفق وغيره أن فيها ما في حلق شعرة. وسبق أن في محظورات الإحرام أنه إذا حلق شعرة واحدة فعليه إطعام مسكين، وإذا حلق شعرتين فإطعام مسكينين، وإذا حلق ثلاثًا فأكثر فعليه دم، فيقولون في ترك مبيت ليلة ما في حلق شعرة، ففي ترك مبيت ليلة إطعام مسكين، وفي ترك مبيت ليلتين إطعام مسكينين، وإنما الدم يجب في ترك مبيت الليالي الثلاث كلها. وهذا الرواية الثانية في المذهب، وهو اختيار الموفق رحمه الله في المقنع، لأنه هنا ترك جزءًا من الواجب، يعني الليلة جزء من الواجب، الواجب هو المبيت بمنى ليالي التشريق، فإذا ترك مبيت ليلة فإنه ترك جزءًا من الواجب ولم يترك واجبًا كاملًا.
قال: وفي ترك حصاة ما في شعرة، وفي حصاتين ما في شعرتين. وهذا على الصحيح من المذهب، أنه إذا ترك حصاة أو حصاتين فإنه يعتبر كأنه حلق شعرة أو شعرتين، ففي ترك حصاة إطعام مسكين وفي ترك حصاتين إطعام مسكينين. وهذا إنما يتصور في الليلة الأخيرة، نعم، إنما يتصور هذا في آخر جمرة، اللي هي جمرة العقبة من آخر يوم، اللي هو يوم الثاني عشر لمن تعجل، أو الثالث عشر لمن لم يتعجل. لماذا لا يتصور في ترك الجمرة الصغرى أو الوسطى أو ترك جمرة العقبة في يوم النحر أو اليوم الأول من أيام التشريق أو اليوم الثاني لمن تأخر؟ قالوا: لأنه لو ترك الجمرة غير الجمرة الأخيرة وغير آخر يوم، فإنه يعتبر هذا الرمي غير صحيح، وما بعده أيضًا غير صحيح. يعني مثلًا لو ترك حصاة واحدة من جمرة الصغرى يوم الحادي عشر، ترك حصاة واحدة ما رمى بسبع، زين؟ نقول: الآن رمي الوسطى والكبرى رمي اليوم الثاني عشر كله رمي اليوم الثالث عشر كله، وهذا غير صحيح. لماذا؟ لأنه هنا رمي الوسطى والكبرى قبل أن يتم رمي الأولى، فلم يرتب، فلم يصح رمي الأولى يعني ناقص، ولم يتم الترتيب. ولذلك يقول البهوتي رحمه الله في شرحه: وهذا إنما يتصور في آخر جمرة من آخر يوم وإلا لم يصح رميه وما بعده. وزاد الخلوتي أيضًا قيدًا آخر يقول: وهذا بشرط ألا تمضي أيام التشريق. فلو ترك جمرة من آخر يوم ولم تغرب الشمس، يعني مثلًا رمى الجمار الثلاث في اليوم الثالث عشر، وترك حصاتين من رمي جمرة العقبة في اليوم الثالث عشر، فيقول الخلوتي هنا: ما نقول له أطعم مسكين وخلاص، نقول لا، نقول له روح وأكمل الجمرتين المتبقيتين ما لم تغرب الشمس، فإذا غربت الشمس الآن استقر عليه الفدية وهو إطعام مسكينين.
قال: فلو ترك جمرة من آخر يوم ولم تغرب الشمس فيلزمه استدراكها ولا يجزئه الإطعام ببقاء وقت الرمي.
قال المصنف رحمه الله: ولا مبيت على سقاة ورعاة، وفي بعض النسخ ورعاة، لحديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما في استئذان العباس في المبيت بمكة ليالي منى، وأيضًا حديث عاصم بن عدي أنه صلى الله عليه وسلم رخص لرعاة الإبل في البيتوتة، ومفهومه أن غيرهم يجب عليهم المبيت. وهذا عليه أكثر الأصحاب لفعله صلى الله عليه وسلم، ولأن الترخيص في مقابلة الوجوب، لأن النبي صلى الله عليه وسلم رخص لهؤلاء فدل على أن غيرهم غير مرخص لهم، فيجب في حقهم. ويلحق بالسقاة والرعاة المريض، ومن له مال يخاف ضياعه. وهذا جزم به الموفق والشرح رحمهم الله تعالى وصوبه المرداوي. ويفتي بعض مشايخنا أيضًا من ترك المبيت لحاجة عامة كالطبيب مثلاً أو ال
رجل الأمن كلف بمهمة داخل مكة في ليالي أيام التشريق، فهنا كلف بمهمة لمصلحة عامة فيقاس على السقاة والرعاة. قال: فإن غربت الشمس وهم بها، إن غربت الشمس أحد أيام التشريق وهم بها يعني الحجاج بها ومنهم السقاة والرعاة، قال: لزم الرعاة فقط المبيت، يعني دون السقاة. أما لزومه للرعاة، قالوا: فلكون الراعي يفوت بغروب الشمس أنهم كانوا لا يرعون في الليل. وأما السقاة فمرخص لهم لحديث العباس.
قال: ويخطب الإمام ثاني أيام التشريق خطبة يعلمهم حكم التعجيل والتأخير وتوديعهم. ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه خطب ثاني أيام التشريق، فقد روى أبو داود عن رجلين من بني بكر، قال: رأينا النبي صلى الله عليه وسلم يخطب بين أوسط أيام التشريق ونحن عند راحلته، ولحاجة الناس إلى بيان الأحكام المذكورة، بيان أحكام التعجيل والتأخير وبيان أحكام طواف الوداع. قال: ولغير الإمام المقيم للمناسك التعجيل فيه، يعني أن الحاج أو الحجاج مخيرون بين التعجيل أو التعجل، يعني أنهم ينفرون يوم الثاني عشر أو التأخر إلى الثالث عشر، لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى﴾ [البقرة: 203].
أما الإمام إمام المسلمين الذي أوكلت له إقامة المناسك بالحجاج فإنه يلزمه التأخر، فيلزم التأخر وليس له التعجل. ولذلك لما ذكره المرداوي رحمه الله في الإنصاف قال: فيعايى بها، فيعايى بها يعني يققال: حاج لا يجوز له التعجل، فالجواب: والإمام المقيم للمناسك. يقول شيخ الإسلام رحمه الله في سياق كلامه على أن الأمر قد يكون مستحباً في حق الأفراد واجباً في حق الإمام أو المسؤول عن المسلمين، قال: ولهذا أوجب على الأمة من تحصيل المستحبات العامة ما لا يجب على الأفراد تحصيله نفسه، مثل الذي يؤم الناس في صلاته فإنه ليس له أن يفعل دائماً ما يجوز للمنفرد فعله.
يعني الإمام في الصلاة أو نقول المنفرد في الصلاة له أن يقتصر على أدنى الواجب، يعني مثلاً يقول: سبحان ربي العظيم مرة واحدة في الركوع، سبحان ربي الأعلى مرة واحدة في السجود. الإمام ليس له ذلك، يعني ينهى عن ذلك، وما نهي كراهة وهو نص المذهب، والمشهور في المذهب أنه نهي كراهة فليس له التعجل والاقتصار على أدنى الواجب الذي يجوز للمنفرد فعله. لماذا؟ لأن تصرف الإمام على من تحت يده تصرف لغيره، ومن تصرف لغيره فإن اختياره اختيار مصلحة لا اختيار تشهٍ. إلى أن قال شيخ الإسلام رحمه الله: ولهذا قال الفقهاء: إن الإمام المقيم بالناس حجهم عليه أن يأتي بكمال الحج من تأخير النفر إلى الثالث من منى ولا يتعجل في النفر الأول ونحو ذلك من سنن الحج التي لو تركها الواحد لم يأثم، وليس للإمام تركها لأجل مصلحة عموم الحجيج من تحصيل كمال الحج وتمامه. انتهى كلامه رحمه الله، وكلامه في المجلد الخامس والعشرين من مجموع الفتاوى، وذكرها في مواضع رحمه الله تعالى.
قال: فإن غربت وهو بها، إن غربت الشمس ثاني أيام التشريق والحاج بمنى، فإنه يلزمه المبيت والرمي من الغد. قال في المرداوي: بلا نزاع، يعني بين الأصحاب. وجاء عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما أنه قال: من أدرك المساء اليوم الثاني فليقم إلى الغد حتى ينفر مع الناس، أخرجه مالك. ولأنه إذا أدركه الليل فإنه لا يصدق عليه أنه تعجل في يومين، لأنه دخلت عليه ليلة الثالثة. هذا إذا لم يكن متهيئًا للمسير وقد حبسه، يعني للمتهيئ للنفرة وقد حبسه المسير، أما إذا كان قد تهيأ للنفرة وحبسه المسير فإن المفتى به عند علمائنا أن هذا يكون ممن حبسه العذر، فيجوز له إكمال النفير.
فإن خرج قبل الغروب فإنه يسقط عنه المبيت لليلة الثالثة، ويسقط عنه الرمي لليوم الثالث بلا نزاع في المذهب. قال: ويسقط رمي اليوم الثالث عن متعجل نصاً لظاهر الآية. قال: ويدفن حصاه. وهذا على الصحيح من المذهب، وهذا لم يرد به نص، لكن لعل الأصحاب رحمهم الله تعالى ذهبوا لذلك احتراماً لهذا الحجر الذي جمع لأجل العبادة، فذكروا أنه يدفنه، والله أعلم.
قال: ولا يضر رجوعه. يعني لو أن الحاج نفر المتعجل من منى قبل الغروب فذهب إلى مكة وطاف للوداع أو لم يطف للوداع، لكنه رجع إلى منى في الليل، فإنه يعتبر متعجلاً، بمعنى أنه من الأصل لا يلزمه المبيت، ولا يلزمه الرمي من الغد. وهذه يحتاجها الحجاج، أحياناً يكون الحجاج في الحملة بعضهم متعجلون وبعضهم متأخرون، المتعجلون تصير سيرجعون بالطائرة، تصير طائرتهم مثلاً من الغد، يعني في اليوم الثالث عشر، مثلاً طائرتهم الظهر، فهم لا يستطيعون أن يتأخروا لأنه لن يرموا إلا من الزوال، فإذا رموا طافوا للوداع، فإذا رموا طافوا للوداع ستفوتهم الطائرة، فيتعجلون، يذهبون يطوفون للوداع أو لا يطوفون للوداع ما في إشكال، المهم أنهم يغادرون منى قبل الغروب، ولهم أن يرجعوا ويبيتوا في مخيمهم، ثم يذهبوا في الصباح إلى مكة، يعني ينزلون إلى المسجد الحرام ويطوفون ثم يخرجون إلى المطار.
فلا يضر رجوعهم إلى منى بعد التعجل لحصول الرخصة، لأنه تحقق لهم التعجل بمفارقتهم لمنى قبل الغروب. قال: فإذا أتى مكة لم يخرج حتى يودع البيت بالطواف إذا فرغ من جميع أموره، يعني أنه إذا أتى مكة بعد التعجل أو التأخر، يعني إذا تأخر أو تعجل فإنه لابد أن يطوف للوداع إذا فرغ من جميع أموره، لحديث ابن عباس رضي الله عنهما: كان الناس ينفرون في كل وجه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا ينفرن أحد حتى يكون آخر عهده بالبيت».
أنبه هنا إلى الورود في حاشية ابن قايد النجدي رحمه الله عند هذا الموضع ما نصه: قال: قوله فإذا أتى مكة إلى آخره، فهم منه أنه لو سافر إلى بلده من منى ولم يأت مكة لا وداع عليه، وصرح به في كشاف القناع، وفي نسخة في الإقناع عن الشيخ تقي الدين في موضع. انتهى كلامه رحمه الله. يعني يقصد أن ينسب إلى شيخ الإسلام رحمه الله أن الحاج لو تعجل من منى وخرج إلى بلده مباشرة من غير أن يطوف للوداع فإنه لا بأس عليه عند شيخ الإسلام رحمه الله تعالى، ويذكر أن البهوتي أو الحجاوي على أكثر النسخ نقلوه عن شيخ الإسلام رحمه الله في موضع، وهذا الكلام نقله عن ابن قايد العنقري رحمه الله في حاشيته على الروض، وكذلك نقله ابن فيروز وابن قاسم لكن بدون عزو.
وهذا النقل والله أعلم فيه نظر، الشيخ شيخ الإسلام رحمه الله له قولان في حكم طواف الوداع، أحد القولين أنه خاص بالحج، فالحاج إذا فرغ من جميع أموره لابد أن يطوف للوداع، والقول الثاني أنه عام في كل من خرج من مكة، سواء دخل مكة لنسك حج أو عمرة أو دخلها لغير نسك، فيقول لنا طواف الوداع لا علاقة له بالنسك، فهو لكل من خرج من مكة. فله قولان، الحجاوي رحمه الله في الإقناع والشيخ منصور في الكشاف نقلوا عن الشيخ رحمه الله القوله الثاني أنه يلزم كل من خرج من مكة، يقصدون أو يقصد شيخ الإسلام أن كل من خرج من مكة سواء كان حاجاً أو معتمرًا أو حتى قدم مكة لغير النسك، فابن قايد رحمه الله أن شيخ الإسلام يقصد أنه إنما يلزم الحاج إذا خرج من منى لمكة، وأما إذا خرج من منى لبلده فلا يلزمه. وهذا ليس مراد الشيخ رحمه الله فيما يظهر والله تعالى أعلم.
وابن قايد رحمه الله وابن جاسر رحمه الله لما نقل كلام ابن قايد وأنه نقله عن صاحب الإقناع قال: وقد راجعت الإقناع مرارًا فلم أقف على هذا النقل، قال: إلا إذا كان قصد قوله ذلك اللي ذكرناه سابقاً أنه لكل خارج من مكة. قال: والسنة بعده يعني بعد طواف الوداع تقبيل الحجر وركعتان، يعني ركعتان اللي هو ركعتي الطواف كغيره من الأطوفة. قال: فإن ودع ثم اشتغل بغير شد رحل ونحوه أو أقام أعاده، لأنه إذا اشتغل مثلاً بتجارة أو جلس يوماً كاملاً بعد طواف الوداع أو نصف يوم لغير انتظار رفقته ونحو ذلك، فإنه يعتبر لا يعتبر أنه جعل آخر عهده بالبيت.
لكن شد الرحل هنا قال لنا المصنف بغير شد رحل، فإذا أقام لشد رحل، يعني بعدما طاف ذهب إلى شقته وجلس يجمع أغراضه ثم ذهب هو بسيارته، فهنا أقام إقامة يسيرة هذه شد رحل، أو قالوا نحوه كما لو اشترى شيئاً في طريقه وهو خارج مثلاً رأى بائع مساويك فاشترى مساويك فهذا لا يؤثر، أو اشترى طعاما ليأكله في طريقه فهذا لا يؤثر أو وجبة فهذا لا يؤثر، أو انتظر رفقته لكي يستكملوا فهذا لا يؤثر، لكن الذي يؤثر هو الإقامة لأن هذا كله يسير وتمس الحاجة إليه.
قال: ومن أخر طواف الزيارة ونصفه أو القدوم، يعني نصف الإمام أحمد أو أخر طواف القدوم، قال: فطاف عند الخروج أجزأه عن طواف الوداع. نتكلم عن طواف الزيارة أولاً ثم نتكلم عن طواف الإفاضة، يعني لو أنه لم يطف طواف الإفاضة يوم النحر ولا اليوم الحادي عشر، قال: سأطوفه إذا خرج هو متعجل، فطافه يوم الثاني عشر وهو متعجل، فذهب إلى مكة لما انتهى ذهب إلى مكة وطاف طواف الزيارة نوى به الزيارة والوداع، فإنه يجزئه، وكذا لو نوى به الزيارة فقط فإنه يجزئه، لأنه صدق عليه أن آخر عهده كان بالبيت ولأنهما عبادتان من جنس فأجزأت إحداهما عن الأخرى.
وقد ذكر ابن رجب رحمه الله هذه المسألة في القاعدة الثامنة عشرة المشار لها آنفاً: إذا اجتمعت عبادتان من جنس وأدتا في وقت واحد ليست إحداهما مفعولة على وجه القضاء ولا على وجه التبعية للأخرى في الوقت، فإنه تتداخل أفعالهما ويجتزئ إحداهما عن الأخرى. وذكر أنها لضربين، كما سبق ذكر من صور الضرب الثاني: لو أخر طواف الزيارة إلى وقت خروجه فطافه، فهل يسقط عنه طواف الوداع أم لا؟ قال على روايتين، ونص في رواية ابن القاسم على سقوطه. وابن القاسم هذا من تلاميذ الإمام أحمد رحمه الله، وشيخ الإسلام رحمه الله ذكر في بعض كتبه أن ابن القاسم رحمه الله يروي عن الإمام أحمد المتأخر من قوله، يقول: كثيراً ما يروي ابن القاسم عن الإمام أحمد رحمه الله المتأخر من أقواله رحمه الله تعالى.
وأنبه في مسألة أحياناً يخطئ بعض العلماء في النقل فيظنون ابن القاسم هذا ابن القاسم المالكي، ابن القاسم المالكي تلميذ الإمام الفقيه المالكي المعروف رحمه الله، ولذلك في الصيام هذا ابن القاسم روى عن الإمام أحمد رحمه الله، روى الإمام أحمد رحمه الله أنه في فعل المفطرات يعفى فيها عن الخطأ والنسيان على عمومها فيشمل حتى الجماع. وهذا غير الرواية المشهورة، السفاريني في كشف اللثام لما نقل هذه الرواية قال: نقل ابن قاسم المالكي عن الإمام أحمد كذا وكذا، هذا خطأ. ابن قاسم المقصود به هو الراوي عن الإمام أحمد رحمه الله تعالى وهو من أصحاب أبي عبيد القاسم بن سلام رحمه الله الجميع فينتبه لذلك.
وذكر ابن رجب رحمه الله في القاعدة ذاتها مسألة ما لو طاف ينوي به الأمرين، يعني هنا النقل الذي نقله ابن رجب إذا طاف نوى الزيارة فقط فإنه يجزئ عنه الوداع، وذكر أيضاً لو نوى به الأمرين، قال: لو طاف عند خروجه من مكة طوافاً واحداً ينوي به الزيارة والوداع، نقول: قال الخرقي في شرح المختصر وصاحب المغني في كتاب الصلاة: يجزئه عنهما. والخرقي له مختصر وله شرح، لكنه مفقود، وكان للخرقي رحمه الله مؤلفات ولكن لم يسلم، أصيبت بحريق فلم يسلم منها إلا مختصره رحمه الله وغفر له وشرحه تلف، وينقل عنه بعض الأصحاب بعض المسائل، في المغني نقل عنه يمكن مسألتين أو ثلاث، أيضاً شيخ الإسلام في شرح العمدة نقل عنه وغيره.
فنرجع إلى مسألة طواف الزيارة والوداع نقول: طواف الزيارة إذا أخره إلى طواف الوداع، إما أن ينوي به الأمرين عن الزيارة والوداع فليجزئه، أو ينوي به الزيارة فقط فيجتزئ به عن الوداع، أو ينوي به الوداع فقط فهنا لا يجزئ عن طواف الزيارة. لماذا؟ طواف الزيارة أعلى من طواف الوداع، طواف الزيارة ركن وطواف الوداع واجب، فلا يجتزأ به.
الأصغر عن الأكبر. إذا طاف نوى به الوداع ولم ينو به الزيارة فهل يجزئ عن الوداع؟ نقول لا، لا يجزئه حتى عن الوداع. يعني يلزمه أن يطوف طوافاً آخر. يطوف طوافاً آخر ينوي به الزيارة والوداع. فلا يجزئ هذا حتى عن الوداع، بمعنى أنه لو طوف نوى الوداع ثم غادر، فهنا غادر مكة وتجاوز مسافة القصر، فهنا على المذهب خلاص.
ترك طوافين: طواف الزيارة وطواف الوداع. طواف الزيارة لابد أن يأتي به، وطواف الوداع هنا لا يجزئه عنه. هل يلزمه دم أو لا يلزمه دم؟ نقول: نعم، يلزمه دم لأنه ترك مكة قبل الإتيان بالوداع المشروع، وقبل إتمام النسك.
قال: ونصه أو القدوم. يعني إذا أخر طواف القدوم فطافه مع الوداع. كيف طافه مع الوداع؟ هذه صورتها: إذا قلنا يشرع للحاج يوم النحر طوافين، سواء كان متمتعاً أو مفرداً أو قارناً ولم يطف للقدوم أولاً، فلم يطف الطوافين يوم النحر، قال: سأؤجلهما مع الوداع. فهنا لو أتى للوداع فطواف الزيارة ولم ينو به القدوم، قالوا: يشرع له أن يطوف طوافاً آخر للقدوم، فطاف طواف القدوم نوى به القدوم والوداع، فيجزئه عن ذلك. هذا على القول بأنه يشرع للمفرد والقارن والمتمتع طوافين يوم النحر، فيشرع لهم طواف القدوم، فهذه صورتها، وفيها قولان في المذهب، والمنصوص عن الإمام أحمد رحمه الله الإجزاء، وذكر المرداوي أنها هي المذهب.
قال: فإن خرج قبل الوداع رجع ويحرم بعمرة إن بعد. إذا خرج قبل الوداع، نقول: فإنه يلزمه الرجوع للإتيان بطواف الوداع، فيرجع وجوباً بلا إحرام إن كان قريباً، يعني دون مسافة قصر؛ لأنه رجوع لإتمام نسك مأمور به. فإن بعد، قالوا: يحرم بعمرة ثم يطوف للوداع عند خروجه. وحد البعد مسافة قصر.
ثم تكلم عما يلزمه إن لم يرجع، فذكر أنه يلزمه الدم في حالين. قال: إن شق أو بعد مسافة قصر فعليه دم. يعني إذا شق وصعب عليه الرجوع مع كونه دون مسافة قصر فهنا يلزمه دم لأنه ترك واجباً، أو بعد مسافة قصر فعليه دم بلا رجوع دفعاً للحرج. قالوا: سواء تركه عمداً أو خطأً. ويلزمه الدم حتى وإن رجع، يعني مثلاً مشى إلى المدينة قلنا: يلزمك الرجوع، رجع بعمرة وطاف للوداع، نقول: حتى وإن رجعت يلزمك الدم، لكن رجوعك هذا يخرجك من الإثم. قالوا: فيلزمه الدم حتى وإن رجع؛ لأن الدم استقر في ذمته. وهذا هو الصحيح من المذهب، الصحيح من مذهب أحمد رحمه الله تعالى.
قال: ولا وداع على حائض ونفساء. أما الحائض فلما ورد عن ابن عباس: أمر الناس أن يكون آخر عهدهم بالبيت، لأنه خفف عن المرأة الحائض والنفساء. والنفساء لأنها مقيسة على الحائض وهي في حكمها، إلا أن تطهر قبل مفارقة البنيان فيلزمها العود لأنها في حكم المقيم.
قال: ثم يقف في الملتزم بين الركن والباب ملصقاً به جميعاً. وهذا ورد عن بعض الصحابة الوقوف في الملتزم، كابن عباس رضي الله تعالى عنهما وغيره، ورؤي مرفوعاً ولا يصح، يعني مرفوعاً إلى النبي صلى الله عليه وسلم، لكنه ورد عن بعض الصحابة رضي الله تعالى عنهم. قال: ويقول: «اللهم هذا بيتك وأنا عبدك وابن عبدك وابن أمتك، حملتني على ما سخرت لي من خلقك، وسيرتني في بلادك حتى بلغتني بنعمتك إلى بيتك، وأعنتني على أداء نسكي، فإن كنت رضيت عني فازدد عني رضا، وإلا فمن الآن -كذا ضبطها صاحب المطلع، وبعض العلماء يضبطها فمن الآن حرف جر- قبل أن تنأى عن بيتك وداري، وهذا أوان انصرافي إن أذنت لي، غير مستبد بك ولا ببيتك، ولا راغب عنك ولا عن بيتك، اللهم فأصحبني العافية في بدني، والصحة في جسمي، والعصمة في ديني، وأحسن منقلبي، وارزقني طاعتك ما أبقيتني، واجمع لي بين خيري الدنيا والآخرة، إنك على كل شيء قدير».
وهذا مأثور عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، ويدعو بما أحب من خيري الدنيا والآخرة. ويذكر العلماء رحمهم الله تعالى أن هذا من مواطن إجابة الدعاء، وفيه حديث مسلسلاً في هذا، أن كل من روى هذا الحديث قال: ودعوت دعوة فاستجيب لي بها، فاستجيب لهم بها. وذكر الشيخ ابن إبراهيم رحمه الله أنه دعا -أقول: كانت لي مطلب أو مهمة عظيمة شاقة فدعوت الله بها فاستجيبت لي- يعني عند الملتزم فاستجيبت لي.
قال: يدعو بما أحب ويصلي على النبي صلى الله عليه وسلم، لأن هذا من أدب الدعاء. قال: ويأتي الحطيم أيضاً وهو الحجر، وهو تحت الميزاب، ثم يشرب من ماء زمزم ويستلم الحجر ويقبله قياساً على ما جاء في طواف الإفاضة والقدوم. قال: وتدعو الحائض والنفساء من باب المسجد ندباً، يعني قياساً على غيرهما.
قال: وسن دخول البيت بلا خف ونعل وسلاح، وهذا من باب التعظيم للكعبة، ونص عليه الإمام أحمد رحمه الله تعالى.
قال: وزيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم وقبر صاحبيه رضي الله تعالى عنهما، هذا ليس من الحج ولا علاقة له به ولا من لوازمه، لكن الفقهاء رحمهم الله تعالى تتابعوا على ذكره؛ لأن الحج في زمنهم كان شاقاً، خاصة لمن كان بعيداً من أهل الأندلس أو المغرب ونحوهم، فإذا قدموا للحج يحرصون على أن يقدموا للحج ثم يذهبوا لزيارة مسجد النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأنه قد لا يتيسر لهم قدوم آخر إلى جزيرة العرب.
وزيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم وقبر صاحبيه رضي الله تعالى عنهما مشروعة بدون شد رحل، بمعنى ألا يشد الرحل للزيارة، وإنما يشده لزيارة مسجد النبي صلى الله عليه وسلم، ثم تأتي الزيارة تبعا؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، ومسجدي هذا، والمسجد الأقصى».
قال: فيسلم عليه صلى الله عليه وسلم مستقبلاً له مولياً ظهره القبلة، ثم يستقبل القبلة ويجعل الحجرة عن يساره ويدعو. هكذا قاله بعض الأصحاب رحمهم الله تعالى. والحقيقة أن في هذا إشكالا شرعيا، يعني قصد الدعاء عند قبر الصالحين فيه إشكال شرعي؛ لأنه وسيلة إلى تعظيم صاحب القبر واعتقاد فضيلة الدعاء عنده. ولذلك الأقرب والله تعالى أعلم أنه لا يستحب تقصد الدعاء عند قبر النبي صلى الله عليه وسلم أو عند قبور الصالحين رحمهم الله تعالى.
قال: ويحرم الطواف بها لأنه وسيلة إلى الشرك، ويكره التمسح بالحجرة. قال الشيخ تقي الدين رحمه الله: اتفقوا على أنه لا يقبله ولا يتمسح به؛ فإنه من الشرك، يعني التمسح بالقبر؛ لأن هذا وسيلة إلى تعظيم صاحب القبر بما لم يعظمه الله به.
قال: ورفع الصوت عندها، يعني رفع الصوت عند القبر هذا مكروه؛ لأن له صلى الله عليه وسلم من الحرمة والتوقير كحال الحياة.
قال: وإذا توجه، يعني رجع إلى بلده، هلل: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وعلى كل شيء قدير. ثم قال: آيبون تائبون عابدون لربنا حامدون، صدق الله وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده. وهذا ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم. قال السامري في المستوعب: وكانوا يغتنمون أدعية الحاج قبل أن يتلطخوا بالذنوب؛ لأن الحجاج إذا حجوا على الوجه المشروع كان ذلك سبباً لغفران الذنوب. الحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة، من أتى هذا البيت فلم يرفث ولم يفسق رجع من ذنوبه كيوم ولدته أمه.
ثم انتقل المصنف رحمه الله تعالى إلى أحكام العمرة، يعني بعض الأحكام المختصة بالعمرة. قال: فصل من أراد العمرة وهو بالحرم، سواء كان من أهل مكة أو كان جاء إلى مكة زائراً، فخرج فأحرم من الحل، فلا يجوز له الإحرام من الحرم، وإنما يحرم من الحل وجوباً لأنه ميقاته؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر عبد الرحمن بن أبي بكر رضي الله تعالى عنهما أن يعمر عائشة من التنعيم. قالوا: الأفضل من التنعيم بحديث عائشة، فالجعرانة فالحُديبية فما بعده. فالجعرانة تنطق هكذا، الجعرانة بالتشديد وضبطها بعضهم بالتخفيف، فالحُديبية وكل هذه من الحل، فما بعد عن مكة. وهذه لم أجد عليها دليلاً، يعني ترتيب هذه الأمور، لكن كذا يذكره الأصحاب رحمهم الله تعالى.
قال: وحرم أن يحرم المكي للعمرة من الحرم لتركه ميقاته، قال في الإنصاف بلا نزاع، وعليه دم على الصحيح من المذهب لتركه واجب من واجبات العمرة. قال: ثم يصلي، نعم، ثم يطوف ويسعى ولا يحل حتى يحلق أو يقصر كما تقدم.
قال: ولا بأس بها في السنة مراراً. روي ذلك عن بعض الصحابة رضي الله تعالى عنه، ولحديث: «العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما». لكن ذكر شيخ الإسلام رحمه الله أنه يكره الموالاة بين العمرتين باتفاق السلف، وذكره الموفق ابن قدامة، وهذا الذي ذكره المؤلف فيما بعد في قوله: ويكره الإكثار منها.
قال: وفي غير أشهر الحج أفضل على الصحيح من المذهب. يعني اختلفوا: هل العمرة في أشهر الحج أفضل أو لا؟ والنبي صلى الله عليه وسلم كانت عمره كلها في شهر ذي القعدة: عمرة الحديبية، وعمرة القضاء، وعمرة الجعرانة، والعمرة التي مع حجته صلى الله عليه وسلم؛ فكلها أحرم بها في ذي القعدة. لكن الفقهاء يذكرون أن العمرة في غير أشهر الحج أفضل؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم إنما أحرم في أشهر الحج لرفع توهم أهل الجاهلية الذين يعتقدون أن العمرة في أشهر الحج من الفجور في الأرض. ولذلك جاء في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «عمرة في رمضان تعدل حجة»، وفي رواية: «حجة معي»، ولم يأت ذلك في العمرة في أشهر الحج.
قال: ويكره الإكثار منها، وهو في رمضان أفضل لحديث ابن عباس الذي ذكرناه آنفاً. قال: ولا يكره الإحرام بها يوم عرفة ويوم النحر وأيام التشريق لعدم وجود نهي خاص عنه، هذا على الصحيح من المذهب.
قال: وتجزئ عمرة القارن ومن التنعيم عن عمرة الإسلام. إنما أجزأت عمرة القارن عن عمرة الإسلام لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال لعائشة: «طوافك هذا يجزئك عن حجك وعمرتك»، وأيضاً أعمرها من التنعيم، ولم يقصد أن هذا لا يجزئ عن حجه وعمرته، وإنما أعمرها من التنعيم كان لتطييب قلبها.
ثم ذكر المصنف رحمه الله تعالى أركان الحج وواجباته وأركان العمرة وواجباتها، فقال: أركان الحج الوقوف بعرفة وطواف الزيارة. أما الوقوف بعرفة فهذا بالإجماع لأحاديث: «الحج عرفة»، وكذلك طواف الزيارة بالإجماع للآية وقوله تعالى: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: 29].
قال: فلو تركه، يعني ترك طواف الزيارة ورجع إلى بلده، فإنه يرجع معتمراً، فيأتي بأفعال العمرة ثم يطوف للزيارة. قال البهوتي رحمه الله في حاشيته: ومقتضى كلامه أنه يعود معتمراً بعد عن مكة أو لا، يعني سواء كان عن مكة مسافة قصر أو لا. قال: وصريح كلامه في شرحه في تعليله أنه يعود للوداع بلا إحرام إن لم يبعد لا إحرام، حيث قال: رجع إلى الوداع من غير إحرام إن لم يكن بعد عن مكة؛ لأنه رجوع لإتمام نسك مأمور به، أشبه من رجع لطواف الزيارة. قال: فجعل هذا أصلاً لذلك، جعل الرجوع لطواف الزيارة أصلاً يعني مقيساً عليه، فقاس عليه الرجوع لطواف الوداع. قال: فيقيد ما هنا بذاك.
وذكر ابن نصر الله رحمه الله في حاشيته على الفروع أن في عودته للعمرة إشكالاً، قال: لأنه إذا أحرم بعمرة مع أنه في بقية إحرام الحج يكون قد أدخل عمرة على حج -يعني حجته ما تحلل منها التحلل الثاني، فإذا أحرم بعمرة فإنه يكون أدخل نسكاً على نسك-. قال: والصحيح عدم جواز إدخال العمرة على الحج، كما تقدم في صور القران أن للقران صورتين صحيحتين: أن يحرم بهما معاً، أو يحرم بالعمرة ثم يدخل عليها الحج. أما العكس، إذا أحرم بالحج ثم أحرم بالعمرة فإنه لا يصح قراناً كما تقدم ذلك.
فيقول هنا فيه إشكال، لأنه إذا رجع معتمراً يكون أدخل عمرة على حجة لم يتحلل منها التحلل الكامل، والصحيح عدم جواز إدخال العمرة على الحج. قال ابن جاسم رحمه الله: وقد يقال الممنوع هو إدخال العمرة على الحج الكامل، الحج الكامل يعني الذي لم يأت بشيء من مناسكه. قال: بخلاف ما إذا لم بقي من الحج إلا طواف الإفاضة فقط، والله أعلم.
قال المصنف رحمه الله: والإحرام.
من شروط أو من أركان الحج الإحرام، يعني نية الدخول في النسك؛ لأنه لا يصح الحج بلا نية.
السعي هذا هو الركن الرابع، وهذا هو الصحيح من المذهب عند الإمام أحمد رحمه الله تعالى، لحديث عائشة، يعني من قولها: ما أتم الله حج من لم يطف بين الصفا والمروة. وواجباته الإحرام من الميقات، يعني كون الإحرام من الميقات لما تقدم في المواقيت، ووقوف من وقف نهارا، يعني وقوفه بعرفة من وقف نهارا إلى الغروب وتقدم ذلك، والمبيت بمزدلفة إلى بعد نصف الليل إن وافاها قبله، واثستنى المصنف رحمه الله سابقا السقاة والرعاة.
وقد استثناهما أيضا الخرقي وتبعه بعض الأصحاب، ولذلك قال الزركشي في شرح الخرقي: ولم أرى من صرح باستثنائهما إلا أبا محمد حيث شرح الخرقي. والمبيت بمنى، المبيت بمنى ليالي التشريق لفعله صلى الله عليه وسلم وأمره به.
والرمي يبقى في ذمته، فإنه يبقى في ذمته لا بد أن يأتي به، طبعا الوقوف بعرفة قلنا له وقت معين من فجر يوم عرفة إلى فجر يوم النحر، فإذا طلع فجر يوم النحر وهو لم يقف بعرفة هنا ما يمكن أن يستدرك، فيعتبر فاته الحج، وسيأتينا إن شاء الله في الدرس القادم أحكام الفوات. أما من ترك طواف الإفاضة أو السعي فنقول: لا بد أن يأتي به، لا يكتفى بجبره بدم، لا بد أن يأتي به، فهذا هو الفرق بين الركن والواجب، لا بد أن يأتي به، وكذا لو ترك نيته، يعني لو ترك طبعا النية هذا في الطواف والسعي، أما في الوقوف بعرفة فقالوا: لا يشترط النية، فلذلك لو وقف بها جاهلاً أنها عرفة جاز ذلك.
بخلاف الطواف والسعي لا بد أن يعين أن هذا طواف العمرة أو طواف الإفاضة أو طواف القدوم أو طواف الوداع، وكذلك السعي لا بد أن يعين هذا سعي العمرة أو سعي الحج، فلذلك لو ترك نية الطواف للإفاضة، طاف بدون استحضار أنه للإفاضة فإنه يعتبر طواف نفل لا يجزئ عن طواف النسك، واستثني من ترك النية ترك الإحرام الوارد سابقًا وكذلك ترك الوقوف بعرفة فإنه لا يعتبر فيه النية.
ومن ترك واجبًا فعليه دم، وهذا سواء تركه عمدًا أو سهوًا أو جهلًا بإطلاق أثر ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: من ترك شيئًا من نسكه أو نسيه فليهرق دمًا. فإن عدمه، يعني ما عنده دم أو قيمته فإنه كصوم متعة، يصوم ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع إلى أهله. والمسنون كالمبيت بمنى ليلة عرفة فإنها مسنونة، لا يجب المبيت بمنى ليلة عرفة بحديث عروة بن مضرس رضي الله تعالى عنه حيث لم يوجب النبي صلى الله عليه وسلم مبيت ما سبق على عرفة.
وطواف القدوم فإنه ليس بواجب ولا ركن بدليل سقوطه عن الحائض لما قدمت عائشة رضي الله تعالى عنها قدمت وسقط عنها، وكذلك القارن المفرد إذا أتى مكة مباشرة، فإذا أتى عرفة مباشرة فإنه لا يلزمه أن يأتي بطواف القدوم. والرمل والاضطباع فهذا كله سنة لا شيء في تركه، يعني سواء كان تركه ناسياً أو جاهلاً أو متعمداً فلا شيء فيه، لكن ينقص به أجره، فإذا أتى به فإنه يثاب على فعله وإذا تركه فإنه ينقص أجره.
نقف عند هذا الحد ونسأل الله أن يوفقنا جميعا لما يحب ويرضى، صلى اللهم وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
الشيخ عبدالله بن عبدالرحمن الميمان