دخولتسجيل الدخول

[المجلس العاشر ] شرح كتاب الحج من منتهى الإرادات | الشيخ عبدالله بن عبدالرحمن الميمان #دروس_الميمان

عبدالله بن عبدالرحمن الميمانالشيخ عبدالله بن عبدالرحمن الميمان
  • مدة الدرس:
  • قراءة

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. اللهم يا معلم آدم وإبراهيم علمنا، ويا مفهم سليمان فهمنا. اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علما وعملا صالحا يا كريم.

أما بعد؛ فهذا هو اللقاء العاشر من لقاءات شرح كتاب الحج من منتهى الإرادات. أسأل الله أن يجعله لقاء مباركا، وأن ينفع به القائل والمستمع. نجيب على أسئلة تمارين الدرس الماضي.

السؤال الأول: محرم قلم أظافره يوم التروية، ثم حلق شعره يوم عرفة، ثم قتل حمامتين معا يوم النحر، فماذا عليه؟ الجواب: عليه أربع فديات؛ فدية أولا لتقليم الأظافر، ثم فدية لحلق الشعر، ثم فديتان للحمامتين. وفدية حلق الشعر وتقليم الأظافر هذه فدية أذى، يخير فيه بين صيام ثلاثة أيام، أو إطعام ستة مساكين، أو ذبح شاة. وأما فدية قتل الحمامة، الحمامة الواحدة ففيها شاة؛ إما أن يخرج شاة، أو هذه الشاة يشتري بها طعاما ويطعم بها المساكين، لكل مسكين مد أو نصف صاع من غيره، أو يصوم بدل إطعام كل مسكين يوما.

السؤال الثاني: محرم أراد الحج فلم يتيسر له الوقوف بعرفة حتى طلع فجر يوم النحر، فوجب عليه دم لفوات الحج. أين يذبح الدم؟ الجواب: يذبحه في الحرم، ويفرقه على مساكين الحرم.

السؤال الثالث: شخص تحلل من إحرامه يوم النحر، فوجد في منى حمامة فحبسها عنده، فتلفت فراخها بسبب حبسه لأمهم، فهل يلزمه شيء ولماذا؟ نعم، يلزمه ضمان هذه الفراخ التي تلفت بسبب حبسه لأمها؛ لأنه تسبب في تلفها.

نبدأ بدرس اليوم. يقول المصنف رحمه الله تعالى: باب صيد الحرمين ونباتهما. تكلم المصنف رحمه الله تعالى في هذا الفصل عن بعض الأحكام المتعلقة بالحرم، بدأ بالحرم المكي ثم انتقل إلى الحرم المدني، وبدأ في هذا الفصل بصيد حرم مكة. ثم تكلم في الفصل اللاحق عن نباته، فقال: وحكم صيد حرم مكة حكم صيد الإحرام حتى في تملكه.

يعني أن كل ما قيل في صيد المحرم من أنه لا يجوز أو يجوز، فهذا كله ينطبق على حكم صيد الحلال داخل حدود الحرم، ففيه الجزاء، والجزاء يتنوع إلى ما له مثل وما لا مثل له إلى آخره. هذا وهو المذهب، وعليه جماهير الأصحاب، ونص عليه الإمام أحمد رحمه الله تعالى.

قال: حتى في تملكه. يعني أنه لا يجوز له أن يتملكه ابتداء بغير إرث. والدليل على عدم جواز الصيد داخل الحرم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال يوم فتح مكة: «إن هذا البلد حرمه الله يوم خلق السماوات والأرض، فهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة» إلى أن قال: «ولا ينفر صيده»، متفق عليه. وأيضا أجمع العلماء رحمهم الله تعالى على أنه لا يجوز للمحل الصيد داخل الحرم، ويضمن صيد بحري بريه بالجزاء كصيد الإحرام، كما ورد عن الصحابة في وقائع متعددة.

قال: إلا أنه -يعني هذا فرق بين صيد الحرم وصيد الإحرام- قال: إلا أنه يحرم صيد بحريه ولا جزاء فيه. وهذا تقدم الكلام فيه، وأن صيد البحر حرام داخل حدود الحرم لأن التعدي متعلق بالمكان، وهذا على المذهب. قال: ولا جزاء فيه، لعدم وروده. وهذا فرق، ومر معنا فرق آخر وهو أيضا ضمان القمل، فيحرم في الإحرام لا داخل الحرم لمحل، كما تقدم معنا سابقا.

قال: وإن قتل محل من الحل صيدا في الحرم كله أو جزئه، لا غير قوائمه، بسهم أو كلب، أو قتله على غصن في الحرم ولو أن أصله في الحل، أو أمسكه في الحل فهلك فرخه أو ولده بالحرم ضمنه. هنا ذكر المصنف رحمه الله تعالى في هذه الجملة عدة مسائل.

المسألة الأولى؛ قال: وإن قتل محل من الحل صيدا في الحرم كله أو جزئه. إذا قتل المحل من الحل صيدا في الحرم، يعني شخص واقف مثلا عند مسجد عائشة، فرمى بسهم أو بمسدس على حمامة داخل حدود الحرم فأصابها، فههو مكانه في الحل طبعا، وهو ليس محرما -لو كان محرما ما اختلف الحكم- هو محل ومكانه في الحل، لكنه أصاب صيدا في الحرم، فإنه يضمنه؛ لعموم قوله صلى الله عليه وسلم: «ولا ينفر صيده»، وتغليبا لجانب الحظر؛ لأنه اجتمع في حقه مبيح ومانع، أما المبيح فهو كونه في الحل، وأما المانع فهو كون الصيد في الحرم، فغلب جانب الحظر.

وهذه المسألة ذكرها ابن رجب رحمه الله في القاعدة التاسعة والعشرين بعد المئة: إذا تغير حال المرمي أو الرامي بين الرمي والإصابة، فهل الاعتبار بحالة الإصابة أم بحالة الرامي، أم يفرق بين القود والضمان، أم بين أن يكون الرمي مباحا أو محظوراً؟ قال فيه للأصحاب أوجه. ثم ذكر من المسائل المتفرعة على هذه القاعدة: لو رمى المحل من الحل صيدا في الحرم فقتله، قال: عليه ضمانه على المنصوص عن الإمام أحمد رحمه الله تعالى، ثم ذكر بعض النصوص الواردة عن الإمام أحمد رحمه الله في ذلك، ثم ذكر أن بعض الأصحاب رحمهم الله تعالى حكوا عن الإمام أحمد رحمه الله رواية أخرى بعدم ضمان الصيد والحال تلك؛ اعتبارا بحال الرامي، قالوا ما دام أن الرمي في الحل فلا يضمنه. وقال ابن رجب رحمه الله: خطأ هذه الرواية، وذكر وجوه تخطئتها، فمن أرادها فليراجعها. وهذا مما تميز به الحافظ ابن رجب رحمه الله تعالى، أنه ليس مجرد ناقل، بل ينقل ويحقق ويدقق، ويذكر هذه الرواية هل هي صحيحة أو غلط عن الإمام أحمد رحمه الله تعالى، ويبين مستند غلطه، ويبين مستند من وهم في هذا. وهذا كما قلنا مما تميزت به قواعد ابن رجب رحمه الله تعالى.

المسألة الثانية: إذا قتل المحل من الحل صيدا بعضه في الحل وبعضه في الحرم، من ذلك قال: أو جزء، وهذا الذي في الحل ليست قوائمه الأربع، فإنه يضمنه أيضا على الصحيح من المذهب تغليبا لجانب الحظر. يعني لو كانت هذه الحمامة واقيفة على آخر حد الحرم، رأسها ومقدمة يديها خارجة عن هذا الحد، أما رجليها فهي داخلة في حدود الحرم، فإنهم يقولون أيضا يضمنه تغليبا لجانب الحظر.

المسألة الثالثة: إذا كانت قوائمه الأربع في الحل، لكنه كان نائما لا قائما، يعني ليس معتبرا على قوائمه، لكنه مضطجع، فإنه أيضا يضمنه تغليبا لجانب الحظر.

المسألة الرابعة: وهي التي لا يضمن، هي التي قال: لا غير قوائمه قائمة. إذا قتل من الحل صيدا قوائمه في الحل وأرجله الأربع في الحل، ورأسه أو مؤخرته داخلة في الحرم، وكان قائما، فإنه لا يضمنه؛ لأنه لا يعتبر من صيد الحرم، لأن اعتماده في الحل. وهذا تخريجا على إحدى الروايتين، يعني هو وجه في المذهب تخريجا على إحدى الروايتين في أصل المسألة عن الإمام أحمد رحمه الله تعالى، ومال إلى عدم الضمان المرداوي رحمه الله في الإنصاف، وذكر أنه ظاهر كلام كثير من الأصحاب.

المسألة الخامسة: إذا كان الصيد قال: أو قتله على غصن في الحرم ولو أن أصله بالحل. إذا كان الصيد قائما على غصن في الحرم فقتله المحل من الحل، قال: فإنه يضمنه ولو أن أصل الشجرة بالحل؛ لأنه صيد في الحرم. يعني الصيد كان على شجرة داخل حدود الحرم فإنه يضمنه، ولو أن أصل الشجرة بالحل، يعني لو أن الشجرة أساسها في الحل، لكن غصنها متدل إلى داخل الحرم، فهذا الحمام وقع على طرف الغصن الذي هو داخل حدود الحرم فأصابه الحلال، فإنه هنا لا يحل ويضمنه، لماذا؟ لأنه صيد داخل حدود الحرم.

المسألة السادسة: قوله: أو أمسكه بالحرم فهلك فرخه أو ولده في الحرم يضمنه. إذا أمسك المحل صيدا في الحل، يعني مثلا وهو عند التنعيم عند مسجد عائشة أمسك حمامة -هذا ما فيه إشكال، إمساكه لا مانع منه- لكن هذه الحمامة عندها فراخ في الحرم، فلما أمسكها تلف فراخها التي في الحرم وماتت، لماذا؟ ليس لها من يطعمها، ماتت بسبب إمساك هذا المحل لأمها التي تطعمها، فإنه هنا يضمن الأولاد يضمن الفراخ؛ لأنها تلفت بسببه حيث أمسك أمها.

ثم ذكر المصنف رحمه الله تعالى مسائل لا يضمن فيها. قال: وإن قتله في الحل محل بالحرم، ولو على غصن أصله بالحرم، بسهم أو كلب، أو أمسكه بالحرم فهلك فرخه أو ولده بالحل، أو أرسل كلبه من الحل على صيد به فقتله أو غيره في الحرم، أو فعل ذلك بسهمه بأن شطح فقتل في الحرم، أو دخل كلبه سهم الحرم ثم خرج فقتل، أو جرحه بالحل فمات في الحرم، قال بعدها في كل هذه المسائل: لم يضمن، لم يضمن.

وعدم ضمانه هو أصح رواية عن الإمام أحمد رحمه الله تعالى، وهي المذهب، وعليها أكثر الأصحاب. هذه سبع مسائل:

المسألة الأولى: إذا قتله في الحل محل بالحرم. يعني بالعكس، عكس المسألة الأولى؛ المحل داخل حدود الحرم، الحمامة مثلا عند شجرة عند مسجد التنعيم، ومسجد التنعيم في الحل، فهو داخل حدود الحرم رمى بالسهم فأصاب هذه الحمامة، فهذا لا يضمنها، لماذا؟ لأنها ليست من صيد الحرم، إنما هي من صيد الحل. فانظروا، العبرة عند الأصحاب أن يكون الصيد في الحرم، يعني لا عبرة بمكان الرامي، إنما العبرة بمكان المرمي، هذا هو المشهور من المذهب أن العبرة بمكان المرمي لا مكان الرامي.

قال حتى: ولو على غصن أصله بالحرم. يعني حتى لو كان الصيد على غصن شجرة، الشجرة أصلها بالحرم لكن لها غصن متدل في الحل، فأصاب هذا الصيد الذي واقف على غصن في الحل، فإنه لا يضمنه؛ لأنها وقفت على غصن في الحل، فلا يضمن؛ لأن الهواء تابع للقرار، والهواء في الحل.

المسألة الثانية: قال أو أمسكه بالحرم فهلك فرخه أو ولده بالحل. يعني أمسك هو حمامة داخل حدود الحرم، ثم هلك فرخها أو ولدها الذي في الحل، فهنا لا يضمن فرخها أو ولدها، لماذا؟ لأنها تلفت في الحل، لأنها من صيد الحل.

المسألة الثالثة: إذا أرسل كلبه من الحل على صيد به أي صيد في الحل، فقتله أو غيره في الحرم. أرسل كلبه -ومعه كلب صيد وهو في الحل هو مثلا في عرفة- فأرسله على صيد في الحل، أرسله على أرنب كانت في عرفة، فهذا الكلب يتبع الأرنب ثم خرج الأرنب من الحل ودخل في الحرم فأمسك به في الحرم، قالوا: فإنه لا يضمن، لماذا؟ قالوا: لأنه لم يرسل كلبه على صيد في الحرم، وإنما دخل الكلب باختيار نفسه. وهذا المذهب نص الإمام أحمد رحمه الله، وعليه جماهير الأصحاب كما قاله المرداوي.

وكذلك إذا أرسل سهمه، قال أو فعل ذلك بسهم بأن شطح فقتل في الحرم؛ أرسل سهمه من الحل على صيد في الحل، فشطح هذا السهم وأصاب صيدا في الحرم، فإنه لا يضمن؛ لماذا؟ قالوا: لأنه لم يرم في الحرم، وقد شطح السهم بغير اختيار الصائد، هذا على الصحيح من المذهب. وذكر المرداوي رحمه الله في الإنصاف أن هذا فيما إذا كان الذي رماه السهم غير الصيد الذي قصده، يعني لو رمى سهماً على أرنب في الحل فشطح هذا السهم وأصاب حمامة في الحرم فإنه لا يضمنه، لا يضمنه لأنه لم يرمه، وإنما شطح السهم بغير اختيار الرامي. أما إذا كان هذا الصيد هو الذي قصده، يعني لو أنه رمى على أرنب في الحل فهرب هذا الأرنب ودخل الحرم فشطح السهم وأصابه داخل الحرم.

فهنا يقول المرداوي رحمه الله: هذه المسألة أصلاً نادرة الوقوع، نادرة الوقوع. ويقول: وعلى فرض وقوعها، أن الأصحاب رحمهم الله تعالى يفترضون المسائل النادرة لتمرين الطالب على فهم المسائل العلمية وضوابطها. يقول: وظاهر كذلك كثير من الأصحاب تضمينه، منهم صاحب الفائق وغيره، بل هو كالصريح في ذلك؛ لأنه صدق عليه أنه أصاب صيداً في الحرم، والسهم أصلاً لا اختيار له، لا اختيار له، حتى نقول إنه مثل الكلب لا يضمن.

طيب، المسألة الخامسة: قال أو دخل كلبه أو سهمه الحرم ثم خرج فقتل. يعني رمى سهمه أو أرسل كلبه على صيد في الحل، أو على صيد في الحرم، لكنه دخل الحرم، وتبع هذا الصيد يعني الكلب، فتبع هذا الصيد حتى خرج من الحل فأصابه، فهنا لا يضمن، لماذا؟ لأن هذا من صيد الحل. قال: أو جرحه بالحل فمات في الحرم. أو جرحه بالحل فمات في الحرم، يعني إذا جرح الصائد صيداً في الحل، جرح مثلاً حمامة فتحاملت ثم دخلت الحرم فماتت في الحرم، فإنه لا يضمنها، لأن الجرح كان بالحل.

قال: كما لو جرحه ثم أحرم ثم مات، وكذا لو جرح الصيد وهو محل، يعني قبل أن يدخل، ينوي الدخول في النسك، ثم نوى الدخول في النسك، فلما نوى الدخول في النسك مات هذا الصيد، فإنه لا يحرم، لأنه لم يجني عليه في إحرامه.

لكن في المسائل التي قتل فيها الصيد في الحرم، وهي المسألة الثالثة والرابعة، إذا أرسل كلبه من الحل على صيد في الحل فقتله وغيره في الحرم، وكذا إذا أرسل سهمه من الحل على صيد من في شطحه فقتله في الحرم، قلنا لا يضمن، لكن هذا لا يعني أن الصيد مباح، وأنه يجوز له أكله، لا.

قال المرداوي: يحرم عليه الصيد، سواء ضامنه أو لا، لأنه قتل في الحرم، ولأنه سبب تلفه. فلا يضمن، ومع ذلك يحرم عليه أكل الصيد إذا كان داخل الحرم، قال: ولا يحل ما وجد سبب موته بالحرم، كما لو جرحه في الحرم مثلاً ثم مات في الحل، عكس المسألة الأخيرة، لو جرح صيداً في الحرم، ثم تحامل هذا الصيد فدخل في الحل فمات في الحل، فإنه لا يضمنه، نعم، فإنه يضمنه، تغليباً لجانب الحظر.

ثم انتقل المصنف رحمه الله تعالى إلى مسألة نبات الحرم، حرم مكة. فقال: ويحرم قلع شجره وحشيشه حتى الشوك ولو ضر، والسواك ونحوه والورق. يحرم قلع الشجر في حرم مكة الذي لم يزرعه آدمي، وهذا بإجماع أهل العلم رحمهم الله تعالى، كما نقله ابن المنذر، لقوله صلى الله عليه وسلم في حرم مكة: «ولا يعضد شجرها»، وكذا حشيشه، وورد في بعض الروايات: «ولا يحش حشيشها».

ولا شوكها، يعني قال: حتى الشوك، يعني شوكها لا يقطع، ولو كان يضر، لعموم قوله صلى الله عليه وسلم: «ولا يختلى شوكها»، وهذا هو أحد الوجهين في المذهب، وصححه المرداوي رحمه الله في التصحيح واختصر عليه في التنقيح. ولذلك في التنقيح قال: حتى شوكه مطلقاً، يعني سواء ضر أم لم يضر. وهذه المسألة ذكرها ابن رجب رحمه الله تعالى في القاعدة السادسة والعشرين، في قاعدة مرت معنا سابقاً، وهي: من أتلف شيئاً لدفع أذاه عنه لم يضمنه، وإن أتلفه لدفع أذاه به ضمنه. ومن صورها: لو قلع شوكاً في الحرم لم يضمنه لأذاه. هنا مشى ابن رجب رحمه الله في هذه القاعدة على الرواية الثانية في المذهب، أنه لا يضمن الشوك إذا ضر.

لذلك قوله هنا: ولو ضر، هنا إشارة خلاف. ابن رجب رحمه الله أنزل المسألة على الرواية الثانية على هذه القاعدة. قال: لم يضمن لآدم، ولو احتاج إلى إيقاد غصن شجرة ضمنه، ذكره ابن الخطاب وغيره. يعني شخص أراد أن يشعل ضوءاً ليستدفئ مثلاً أو يطبخ طعامه، فهنا احتاج ما لم يجد إلا غصن شجرة ليشعله، وهو داخل حدود الحرم المكي، فهنا أتلفه لدفع أذاه به، دفع أذى هذا القاطع به، لأنه أراد أن يدفع أذاه من الجوع به، أو أذاه من البرد به، فهنا ليس الأذى من الشجر، خلاف المسألة الأولى. فلما كان ليس الأذى من الشجر فإنه يضمنه، وفي المسألة الأولى الأذى من الشجر اللي هو الشوك فلا يضمنه على القاعدة.

قال: وخالف صاحب المغني ابن قدامة رحمه الله في جواز قطع الشوك بالنص الوارد فيه. يعني ابن قدامة رحمه الله خالف في قطع الشوك، قال: إنه لا يقطع حتى لو ضر لعموم الحديث، يعني أنه قدم عموم الحديث على خصوص هذه القاعدة. قال: والسواك ونحوه والورق لدخوله في مسمى الشجر.

ثم استثنى المصنف رحمه الله ما يباح من قطع الشجر، فقال: إلا اليابس، يعني من الشجر والحشيش، لأنه كالميت، وهذا على الصحيح من المذهب. والإذخر، لقول العباس رضي الله تعالى عنه لما حرم النبي صلى الله عليه وسلم شجر مكة، قال: إلا الإذخر يا رسول الله، فإنه لقينهم وبيوتهم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «إلا الإذخر».

قال: والكمأة والفقع لأنهما لا أصل لهما، يعني لأنهما زرع ينبت في الأرض لا أصل له، يعني لا غصن له فليس شجراً. قال: والثمرة لأنها تستخلف. قال: وما زرعه آدمي، وهذا أجمع العلماء عليه أن المقصود من الشجر الذي يحرم قطعه هو ما كان نبت بفعل الله تعالى. قال: حتى من الشجر على الصحيح من المذهب، لأنه مملوك الأصل كالأنعام، وقوله صلى الله عليه وسلم: «لا يقطع شجرها»، المراد ما لا يملك أحد، لأن هذا يضاف إلى مالكه.

قال: ويباح رعي الحشيش. هذا المستثنى السادس، إذن الأول اليابس، والثاني الإذخر، والثالث الكمأة والفقع، والرابع الثمرة، والخامس ما زرعه آدمي، والسادس رعي الحشيش، على أحد الوجهين في المذهب وصوبه المرداوي في الإنصاف. يعني أن الحشيش يجوز أن يرعى، لكن لا يجوز أن يقطع فيجلب إلى البهائم، يجوز أن تطلق البهائم فتجعل ترعى الحشيش، قالوا: لأن الهدايا، يعني التي كان الحجاج يحضرونها في عهد النبي صلى الله عليه وسلم ومن بعده، كانت تدخل الحرم فتكثر، فإنهم يسوقونها من خارج الحرم، ولم يكونوا يسدون أفواهها، ولدعاء الحاجة إليها، لو كان لا يجوز رعي الحشيش لسدوا أفواهها، لكن لم يكونوا يسدون أفواهها فدل على جواز رعي البهائم للحشيش. ولدعاء الحاجة إليها، بخلاف الاحتشاش لها فالاحتشاش لها لا يجوز لأنه لم تدع الحاجة إليه.

قال: وانتفاع بما زال أو انكسر بغير فعل آدمي ولو لم يجد. يعني لو أن الهواء هبت ريح شديدة فانقطعت بعض أغصان الشجر، فهنا يجوز الانتفاع بما انقطع بغير فعل آدمي، وكذا قال ولو لم يجد، أو انكسر الغصن لكن لم ينفصل تماماً، فيجوز الانتفاع به وقطعه، لماذا؟ قالوا: لأن هذا كالظفر المنكسر. وجواز الانتفاع بمنكسر أشجار الحرم بغير فعل آدمي، هذا قال الموفق بن قدامة رحمه الله: لا نعلم فيه خلافاً، لأن الخبر ورد في القطع وهذا لم يقطعه.

طيب، قوله بغير فعل آدمي، مفهومه أنه إذا انقطع بفعل الآدمي فإنه لا يجوز الانتفاع به، لا يجوز أن ينتفع به هذا القاطع ولا غيره، قياساً على الصيد الذي يذبحه المحرم على الصحيح من المذهب، نص عليه الإمام أحمد رحمه الله، قاله المرداوي رحمه الله.

ثم ذكر المصنف رحمه الله مقدار ضمان الشجر، فقال: إذا قطع في الحرم، تضمن شجرة صغيرة عرفاً بشاة، وما فوقها ببقرة، ويذكرون أن هذا مأثور عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما. وضمان الشجرة الكبيرة ببقرة هذا هو المذهب وعليه نقله الجماعة عن الإمام أحمد رحمه الله. وضمان الصغيرة بشاة هذا هو الصحيح من المذهب وعليه أكثر الأصحاب. لكن أثر ابن عباس هذا يقول عنه الحافظ ابن حجر في التلخيص وقبله الملقن في البدر المنير: وأما أثر ابن عباس فسبق إلى نقله عنه إمام الحرمين، وذكره أيضاً أبو الفتح القشيري في الإلمام ولم يعزه. أبو الفتح القشيري يقصدون به ابن دقيق العيد رحمه الله. وذكر الألباني رحمه الله في الإرواء أنه لم يقف عليه من أثر ابن عباس، لكن روى بعضه عن ابن الزبير كما رواه البيهقي عن الشافعي.

قال: ويخير بين ذلك وبين تقويمه، ويفعل بقيمته كجزاء صيد. يعني أن من قطع شجراً في الحرم لو قطع شجرة كبيرة فهنا يضمنها ببقرة، هل يذبح البقرة؟ يقولون: يفعل بها كجزاء الصيد، إما أن يذبح بقرة ويفرق على مساكين الحرم، أو أنه يقومها ويشتري بقيمتها طعاماً يطعمه مساكين الحرم، كل مسكين مد بر أو نصف صاع من غيره، أو أنه يصوم عن كل طعام مسكين يوماً.

قال: وحشيش وورق بقيمته. يعني إذا قطع حشيشاً أو قطع ورقة من شجر فإنه يضمنه بقيمته. قال المرداوي في الإنصاف: لا نعلم فيه خلافاً في المذهب، ونَصَّ عليه الإمام أحمد رحمه الله تعالى. قالوا: وإنما يضمن بقيمته لأنه متقوم، ويفعل بقيمته ما سبق من إطعام أو صيام.

قال: وغصن بما نقص. أي يضمن الغصن بما نقص من قيمة الشجرة المكتملة، ويفعل بالعرش كما سبق في القيمة على الصحيح من المذهب وعليه جماهير الأصحاب. قال: فإن استخلف شيء منها سقط ضمانه. يعني أنه لو قطع شجرة مثلاً فنبتت، أو أنه قطع حشيشاً فنبت، أو أنه قطع ورَقاً فنبت فإنه يسقط ضمانه. هذا هو المذهب وعليه أكثر الأصحاب. قالوا: قياساً على ريش الصيد إذا نتف فعاد فإنه يسقط ضمانه كما تقدم في درس ماض، وكشعر الآدمي إذا نبت، يعني إذا أن شخصاً اعتدى على آخر فحلق لحيته مثلاً، فحلق لحيته، فهنا فعل أمراً محرماً اعتداءً وحلق لحية، فحلق اللحية فيه الجزاء، فيه فدية يعني.

طيب، لو أن اللحية عادت ونبتت قالوا: تسقط الدية، تسقط الدية. طبعاً يبقى التعزير، لكن الكلام في الدية فتسقط. وهذه المسألة ذكرها ابن رجب رحمه الله في القاعدة الثانية والأربعين بعد المئة: ما زال من الأعيان ثم عاد بأصل الخلقة أو بصنع آدمي، هل يحكم على العائد بحكم الأول؟ قال: فيه خلاف يطرد في مسائل. ثم ذكر نبات الحرم إذا قطعه أو قطع غصناً من شجرة منه ثم عاد، ففي ضمانه وجهان. قال: وكذلك لو جنى على ريش طائر في الحرم أو الإحرام ثم نبت فهل يضمنه؟ على وجهين، إلى آخر كلامه رحمه الله تعالى.

قال: كمن رد شجرة فنبتت فيضمن نقصها. يعني لو قلع شجرة من الحرم ثم أعادها وغرسها في الحرم، فهنا تسقط عنه الفدية، لكن لو نقصت قيمة الشجر فهنا يضمن نقصها. قال: ولو غرسها في الحل وتعذر ردها ويبست ضمنها. يعني لو قطع شجرة من شجر الحرم ثم غرسها في الحل، فهنا نقول يلزمه إعادتها إلى الحرم، لأنه إذا غرسها في الحل فقد فوت حرمتها التي استوجبها الضمان، فيلزمه إعادتها إلى الحرم، فإن تعذر عليه ردها، أو أنه ردها ويبست فلم تحيا، فهنا يضمنها لتسببه بتلفها.

قال: فلو قلعها غيره ضمنها وحده. يعني لو أنه قطع شجرة من الحرم ثم غرسها في الحل، زين، الآن نقول يلزمه إعادتها إلى الحرم، طيب ما أعاده؟ جاء شخص آخر وقلعها من الحل ثم أعادها إلى الحرم، ثم تلفت، يعني ما حيت داخل الحرم، قالوا: يضمنها القالع وحده، لماذا؟ قالوا: لأنه هو المتلف لها، يعني لما قلعها الأول من الحرم إلى الحل حيت داخل الحل، فهنا لا يضمنها، لكن لما أعادها الثاني ماتت فيضمنها القالع الثاني لأنه متلف لها.

قال: ويضمن منفراً صيداً قتل بالحل. يعني لو نفر شخص صيداً من الحرم، مثلاً جاء شخص ووجد حمامة فنفرها، يعني ركض باتجاهها فنفرت، لما نفرت خرجت إلى الحل فأصابها سهم صائد، فهنا يضمن المنفر هذا الصيد، لماذا؟ قالوا: لأنه فوت حرمته بإخراجه إلى الحل، ولا ضمان على قاتله في الحل، لماذا؟ لأنه فعل أمراً مباحاً، قتل صيداً في الحل وهو في الحل، فعل أمراً مباحاً. طيب، هل هذا على إطلاقه؟

ظاهر كلام الأصحاب رحمه الله أنه على إطلاقه؛ يعني سواء قصد تنفيره أو لم يقصد تنفيره. مرعي الكرمي رحمه الله قيده في غاية المنتهى بما إذا قصد تنفيره. قال ابن جاسر رحمه الله بعد نقله: وهذا الاتجاه وجيه، لأنه إذا لم يقصد تنفيره لا يكون مؤاخذًا به.

قلت: لكن هذا لا يجري على قواعد الأصحاب رحمهم الله تعالى، لأنهم لا يشترطون في قتل الصيد القصد، لأن هذا إتلاف، فلا يستوي فيه القاصد وغير القاصد، والمكره والناسي، والجاهل والعالم، لأنه إتلاف. فلهذا التقييد الذي قيده به مرعي ورجحه الشيخ ابن جاسر رحمه الله لا يجري على قواعد المذهب، لكنه يجري على القول الثاني الذي يشترط القصد. قال: لأنهم لا يشترطون في قتل الصيد. نعم. قلت: وهذا لا يجري على قواعد المذهب لأنهم لا يشترطون في قتل الصيد القصد، فالتمثيل الذي هو سبب له من باب أولى.

وقال: وكذا مخرجه إن لم يرده. يعني لو أخرج شخص صيدًا من الحرم إلى الحل، فقتل في الحل، فإنه يضمن. لماذا؟ قالوا: لأنه تسبب في تفويت حرمته. إن رده إلى الحرم، قال: إن لم يرده. طيب، رده إلى الحرم، ثم خرج هذا الصيد مرة أخرى للحل، فقتل، فإنه لا ضمان عليه لكونه انقطع تسببه برده.

قال المصنف رحمه الله: فلو فداه ثم ولد، لم يضمن ولده. يعني لو أنه أخرجه إلى الحل، يعني نفره من الحرم إلى الحل، فأخرج فديته بتنفيره وهو ما مات، لكن أخرج فديته بتنفيره. طيب، ثم ولد ولدًا، يعني مثلًا حمامة فولدت فرخًا، يعني أفرخت، فقتل ولد هذه الحمامة في الحل، فهل يضمن المنفر ولده؟ قالوا: لا يضمن ولده. لماذا؟ لأن ولده يعتبر من صيد الحل. وقيده الخلوتي رحمه الله في حاشيته بما إذا لم تكن حاملًا حين إخراجه؛ يعني لو كانت مثلًا حمامة في بطنها الفرخ حين إخراجها، فخرجت ووضعته خارج الحرم فقتل صيدها خارج الحرم، فقتل فرخه خارج الحرم يعني في الحل، فإنه يضمنه. لماذا؟ لأنه نماء منفصل، والنماء تابع للأصل، كأنه نفر الصيد وفرخه، فكأنه منفر من الحرم فيضمنه.

قال: ويضمن غصن في هواء الحل أصله أو بعض أصله بالحرم، لا ما بهواء الحرم وأصله بالحل. هنا ذكر مسألتين؛ المسألة الأولى: إذا كان الغصن في هواء الحل، وأصله أو بعض أصله في الحرم، يعني شجرة في الحرم في آخر حدود الحرم عند الأعلام، وتدلى غصنها إلى الحل، فجاء شخص وقطع غصنها الذي في الحل، فهنا يقول يضمنه. قال في الإنصاف: بلا نزاع بين الأصحاب. لماذا؟ قالوا: لأنه تابع لأصله، وأصله في الحرم.

قال: لا ما بهواء الحرم وأصله بالحل؛ يعني اعكسها، شجرة في آخر حد الحل يعني قبل أنصاب الحرم، لكن لها غصن تدلى داخل حدود الحرم فقطع شخص، فإنه لا يضمنه. لماذا؟ قالوا: لأنه تابع لأصله، وأصله في الحل. وهذا على أحد الوجهين وهو المذهب.

فإن قيل: فقد تقدم في الصيد أنه إذا قتل صيدًا على غصن في الحرم أصله بالحل فإنه يضمنه، فما الفرق؟ يعني قلنا الآن: هذه الشجرة التي في الحل تدلى غصنها داخل الحرم، لو كان على غصنها صيد فقتل فإنه يضمن، لكن نفس الغصن لو قطع لا يضمن، ما الفرق؟ يقول الخلوتي رحمه الله: قد يفرق بأن الصيد لما كان معتمدًا على الغصن الذي هو بالحل، جعل كأنه أصله، فيتبع أصله وأصله داخل الحرم. بخلاف الغصن نفسه، فإنه تابع لأصله الذي هو في الحل، فهو تابع لأصله لا لقراره. الغصن يتبع أصله لا يتبع قراره، الصيد يتبع قراره، الصيد قراره في الحرم، يعني أن مكانه في الحرم فيتبعه فيكون من صيد الحرم، أما الغصن فأصله يتبع أصله لا يتبع قراره، أصله الذي هو أصل الشجرة في الحل فيأخذ حكمها.

قال: وكره إخراج تراب الحرم وحجارته إلى الحل. وهذا نص عليه الإمام أحمد رحمه الله تعالى، وهو مأثور عن ابن عباس وابن عمر أنهما قالا: ولا يخرج من حجارة مكة إلى الحل. قال: لا ماء زمزم؛ يعني لا يكره إخراج ماء زمزم، بل يباح لكونه يستخلف كالثمرة. جاء عن عائشة رضي الله تعالى عنها أنها كانت تحمل ماء زمزم، وتخبر أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يحمله، كما عند الترمذي وغيره. وذكر شيخ الإسلام رحمه الله أن السلف كانوا يفعلونه.

قال: ولا وضع الحصى بالمساجد؛ يعني لا يكره وضع الحصى بالمساجد، كما في مسجده صلى الله عليه وسلم زمنه وبعده. وهذا ذكره المصنف رحمه الله استطرادًا. وفي سنن أبي داود أن ابن عمر سئل عن الحصى الذي على المسجد، فقال: مطرنا ذات ليلة فأصبحت الأرض مبتلة، فجعل الرجل يأتي بالحصى في ثوبه فيبسطه تحته، فلما قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم الصلاة، قال: ما أحسن هذا.

قال: ويحرم إخراج ترابها وطيبها، ولعلها أصوب. وهي التي موجودة أن تكون في العرض. وفي نسخة الشيخ التركي، التحقيق الشيخ التركي من المنتهى: وطينها، وأشار في الحاشية إلى النسخة الأخرى: وطيبها، ولعلها أصوب، فقد وردت في بعض النسخ الخطية المتقنة، وأيضًا هي التي ذكرها ابن الشيخ منصور البهوتي في شرحه وكذا، يعني دللوا على الطيب لم يدللوا على الطين، وأيضًا الخلوتي رحمه الله في حاشيته.

لماذا يحرم إخراج ترابها وطيبها؟ قالوا: لأن هذا انتفاع بالموقوف على غير جهة، فهو أوقف هذا التراب والطيب على الحرم، فلا يخرج خارج الحرم لأن هذا انتفاع بالموقوف على غير جهة. وبعض الأصحاب أو الإمام أحمد رحمه الله نقل عنه، وهذا يتناقلونه في كتب الأصحاب، أنه قال: إذا أراد أن يستشفي بطيب الكعبة لم يأخذ منه شيئًا، ويلصق عليها طيبًا من عنده ثم يأخذه.

والحقيقة أن هذا النص مشكل، لأن فيه استشفاءً بسبب لم يجعله الشارع سببًا، فهو داخل في التبرك الممنوع الذي يؤول إلى الشرك الأصغر والعياذ بالله. ولذلك قال ابن جاسر رحمه الله: وجواز الاستشفاء بطيب الكعبة أو بطيب يلصقه عليها من عنده ثم يأخذه فيه نظر، والأظهر عدم جوازه وإن خالف نص الإمام، لأن الاستشفاء به من قبيل التبرك به، وهو ممنوع للأدلة الواردة في ذلك.

ولما ذكر ابن مفلح في الفروع ما نقل عن الإمام أحمد في الاستشفاء بالطيب عن ابن عقيل وأنه يدل على الاستشفاء، يعني هذا النص يدل على الاستشفاء بما وضع على جدار الكعبة، قال بعده: كذا قال. وبعض أصحابنا يرى في مسألة الاستشفاء بالطيب ونحوه نظرًا، وأنه ليس كمائي زمزم ولا كفضلاته عليه الصلاة والسلام، يعني أن هذه ليست مما يتبرك به.

والحقيقة أن هذه الرواية رواها من؟ رواها عن الإمام حنبل، فيما ذكره غلام الخلال في زاد المسافر. والحقيقة أن حنبل رحمه الله ينفرد عن بعض الأصحاب بروايات مستغربة عن الإمام أحمد رحمه الله. ولذلك نقل نذكر نظير هذا النقل من المسائل المستغربة في العقيدة التي نقلها حنبل؛ نقل أن الإمام أحمد رحمه الله لما نوقر في المحنة في خلق القرآن وكان مناظروه يرون أن القرآن مخلوق، استدلوا عليه بحديث: يؤتى يوم القيامة بالبقرة وآل عمران كأنهما غمامتان أو غيايتان أو فرقان من طير صواف تحاجان عن أصحابهما. قالوا: فهذا دليل على أن القرآن مخلوق. فالإمام أحمد رحمه الله ذكر أن هذا في الثواب، أن هذا ثوابها ليست هي، واحتج عليهم بقوله تعالى: ﴿هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا أَن يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِّنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةُ﴾ [البقرة: 210]. فقال: قيل إنما يأتي أمره، وليس الآتي هو الله.

طبعًا هذا نقل حنبل. قال شيخ الإسلام رحمه الله في شرح حديث النزول وهو في مجموع الفتاوى المجلد الخامس الصفحة 399: ولم ينقل هذا غيره ممن نقل مناظرته في المحنة كعبد الله بن أحمد وصالح بن أحمد والمروذي وغيره. فاختلف أصحاب أحمد في ذلك، فمنهم من قال: غالط حنبل ولم يقل أحمد هذا، وقالوا: حنبل له غلطات معروفة وهذا منها. إلى آخر كلامه رحمه الله في ذكر اتجاهات الأصحاب في الإجابة عن هذه الرواية.

وقال في الاستقامة، في كتاب الاستقامة، شيخ الإسلام قال: وحنبل له مفاريد ينفرد بها من الروايات في الفقه والجماهير يرون خلافه، وقد اختلف الأصحاب في مفاريد حنبل التي خالفه فيها الجمهور هل تثبت روايته على طريقين، فالخلال وصاحبه يعني أبا بكر بن عبد العزيز غلام الخلال قد ينكرانها، ويثبتها غيرهما كابن حامد. إلى آخر كلامه رحمه الله. لذلك ما ينقله بعض الأصحاب هنا من أن حرمة إخراج ترابها وطيبها سواء كان للتبرك أو غيره، نقول: أصلاً للتبرك لا يجوز سواء أخرجه أو لم يخرجه. فلذلك يتنبه إلى ما ينقله بعض الأصحاب رحمهم الله تعالى في هذه المسألة.

ثم انتقل المصنف رحمه الله تعالى إلى بيان حدود حرم مكة. ومعرفة حدود الحرم من أهم ما يعتنى به لكثرة ما يتعلق به من الأحكام، كما قاله النووي رحمه الله في المجموع.

قال: وحد حرم مكة من طريق المدينة ثلاثة أميال عند بيوت السقيا، ويقال لها بيوت نثار، دون التنعيم. وبيوت السقيا لا يعلم مكانها اليوم، وحدها اليوم علمان موجودان اليوم قبل مسجد التنعيم الذي يسمى مسجد عائشة، أمر ببنائهما الخليفة العباسي الراضي سنة 325.

قال: ومن اليمن سبعة عند أضاة لبن. ومن العراق كذلك، يعني سبعة أميال على ثنية رجل، جبل بالمنقطع. وقوله: ثنية رجل، هذا في بعض النسخ، وفي بعضها خل، وفي بعضها على ثنية خل. وبذا ضبطها الحجاوي في الإقناع بالقلم، ضبطها الحجاوي في الإقناع بالقلم، كما قاله البهوتي في الكشاف، وهي أرض بيضاء واسعة تقع ضمن سهل المغمس، توسطها الآن طريق الطائف السيل، تسمى الشرائع السفلى وقرية المجاهدين.

وقال: ومن الطائف وبطن نمرة كذلك، يعني سبعة أميال عند طرف عرفة. ومن الجعرانة تسعة أميال في شعب عبد الله بن خالد، ومن جدة عشرة عند منقطع الأعشاش، عند منقطع الأعشاش أي منتهى طرفها. وأنصاب الحرم من طريق جدة قبل الشميسي بكيلو ونصف تقريبًا، والشميسي هي الحديبية.

نعم. ومن بطن عرنة أحد عشر ميلًا. أحد عشر، يعني أحد عشر ميلًا. وهذا كذا ذكره الأزرق، وتبعه بعض الأصحاب، وانتقده ابن جاسر بأن الأزرق رحمه الله ذكر أن حده من طريق الطائف على عرفات من بطن نمرة سبعة أميال، وهذا يعني نمرة وعرنة من جهة واحدة، لذلك ذكر ابن جاسر أن المعتمد في حده من بطن أو من بطن عرنة أنها سبعة أميال لا أحد عشر ميلًا.

وهذه الحدود نظمها الخلوتي رحمه الله بقوله: وللحرم التحديد من أرض طيبة ثلاثة أميال لمن رام إتقانه وسبعة أميال عراق وطائف وجدة عشر ثم تسع جعرانة زاد بعضهم بيتين آخرين، وقيل إن الذي زادها هو أبو الفضل النويري الشافعي: ومن يمن سبع ومن يمن سبع بتقديم سينه لأن بعضهم قال سبع وبعضهم قال تسع، لذلك قال سبع بتقديم سينه: وقد كملت فاشكر لربك إحسانا وقد زيد في حد لطائف أربع ولم يرض جمهور لذا القول رجحانا يعني أن الطائف بعضهم قال أنها أربعة أميال، والمعتمد أنها سبعة أميال.

قال: وحكم وج واد بالطائف كغيره من الحل، فيباح صيده وشجره وحشيشه بلا ضمان. وما ورد في الحديث أن صيد وج وعضاهه حرم محرم لله، هذا عند أحمد وأبي داود، لكن ضعفه الإمام أحمد وغيره.

قال: وتستحب المجاورة بمكة، وهي أفضل من المدينة، لحديث عبد الله بن عدي بن الحمراء أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول وهو واقف بالحزورة في سوق مكة: والله إنك لخير أرض الله، وأحب أرض الله إلى الله، ولولا أني أخرجت منك ما خرجت. وهذا عند أحمد وغيره. وقوله أنها أفضل من المدينة هذا المذهب وعليه أكثر الأصحاب.

وإنما صارت أفضل من المدينة لمضاعفة الصلاة فيها أكثر من مسجد المدينة، فمضاعفة الصلاة فيها بـ 100,000 صلاة، أما المدينة فتضاعف بـ 1,000 صلاة، فهي أكثر من المدينة بـ 100 ضعف. قال الشيخ سليمان بن علي جد شيخ الإسلام، جد إمام الدعوة شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب في مصباح السالك لما ذكر مضاعفة الصلاة في المسجد الحرام، قال بعده: وهذا شيء يعجز الحاذق الماهر في الحساب عن ضبط سنينه وأعوامه ولياليه وأيامه، فحق لمثل هذا الحرم الشريف أن تشد إليه الرحال، وتتلف فيه أنفس الرجال فضلاً عن الأموال، لأن الصلاة فيه بـ 100,000، فخمس سنوات فيه بـ 500,000 صلاة.

كم كم ستمكث من سنة وأنت تصلي خمسمائة ألف صلاة فرضا لا نفلا، وثواب أجر الفريضة أعظم من أجر ثواب النافلة؟ يقول ابن عقيل رحمه الله في الفنون: الكعبة أفضل من مجرد الحجرة، يعني حجرة النبي صلى الله عليه وسلم، فأما والنبي صلى الله عليه وسلم فيها، فلا والله، ولا العرش، وحملته، والجنة؛ لأن بالحجرة جسدا لو وزن فيه لرجح. هكذا يتناقله الأصحاب، ونقله ابن القيم رحمه الله في البدائع، لكن هذا فيه مبالغة وهو هفوة من ابن عقيل رحمه الله تعالى.

قال: وتضاعف الحسنة والسيئة بمكان وزمان فاضل. سئل الإمام أحمد رحمه الله: هل تكتب السيئة أكثر من واحدة؟ قال: لا، إلا بمكة لتعظيم البلد، ولو أن رجلا بعدن هم أن يقتل عند البيت أذاقه الله من العذاب الأليم. وقال ابن عباس: ما لي ولبلد تتضاعف فيه الحسنات كما تتضاعف السيئات! وهذا ينقله العلماء رحمهم الله تعالى، وإن كان بعضهم يضاعفه.

قال البهوتي في حاشيته: ولا ينافيه، وهذا الكلام نقله عن شيخ الإسلام رحمه الله. ولا ينافيه قوله تعالى: ﴿وَمَن جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَىٰ إِلَّا مِثْلَهَا﴾ [الأنعام: 160]؛ فإن ابن عباس لم يعن، والله أعلم، أن السيئة تضاعف بقدر مضاعفة الحسنة. وإنما يعني أنه كما أن الحسنة تضاعف ثم، فكذلك السيئات تضاعف ثم؛ لأن حسنات الحرم أعظم من حسنات غيره، وسيئاته أعظم من سيئات غيره. فالس- فالسيئة فيه إذا عظم عقابها، فذلك عقوب سيئة- عقوبة سيئة واحدة، وليس هذا هو التضعيف المنفي عن السيئات.

فالسيئة إذا تقلب- في زمان أو مكان أو حال أو غير ذلك- تغلظ عقابها، وكان جزاؤه سيئة واحدة، ليس هو تضعيفًا لمقدار جزائه، بخلاف الحسنة، فإن مقدار جزائها يضاعف. قاله الشيخ تقي الدين في فتاويه. يعني مضمونه أن- أن الحسنة تضاعف كمًا وكيفًا، بخلاف السيئة فإنها تضاعف كيفًا لا كمًا. يعني أنها سيئة واحدة، ولكنها- ولكن جرمها أعظم من السيئة الواحدة خارج الحرم.

قال الكشاف- قال ال- البهوتي رحمه الله في الكشاف عند قول الحجاوي: وت- وتعظم السيئة به. قال الظاهر كلامه أن المضاعفة- مضاعفة السيئة في الكيفية لا- لا الكم، وهو كلام تقي الدين- عن شيخ الإسلام رحمه الله. وظاهر كلامه في المنتهى- ظاهر كلام الفتوحي في المنتهى- تبعًا للقاضي وغيره- القاضي أبي يعلى- أن المضاعفة الكم، كما هو ظاهر نص الرواية الذي نقلناه أولًا، أنه لما سئل: هل تكتب السيئة أكثر من واحدة؟ قال: لا، إلا بمكة.

قال: وكلام ابن عباس: ما لي ولبلد تضاعف فيه السيئات كما تتضاعف الحسنات! وهو خاص، فلا يعارضه عموم الآيات بل تخصص به، لأن مثله لا يقال من قبيل الرأي، فهو بمنزلة المرفوع. يعني أن البهوتي رحمه الله يرجحهما- رجحه الإمام، أو ما هو نص الإمام أحمد رحمه الله.

وظاهر كلام البهوتي وظاهر كلام الفتوحي هنا أن السيئات تضاعف كمًا كيفًا، وهذا خلاف كلام شيخ الإسلام وخلاف كلام الحجاوي في- حجاوي في الإقناع. فهما قولان للأصحاب رحمهم الله تعالى.

ثم انتقل المصنف رحمه الله إلى- إلى- أحكام حرم المدينة. فقال: ويحرم صيد حرم المدينة. نص عليه الإمام أحمد رحمه الله في رواية الجماعة وعليه الأصحاب لقوله صلى الله عليه وسلم: «إن إبراهيم حرم مكة ودعا لأهلها، وإني حرمت المدينة كما حرم إبراهيم مكة» متفق عليه.

طيب، إذا صادها- إذا صاد في حرمها، فهل يكون صيده حلالا أو ميتة؟ وجهان عند الأصحاب. ذكر المرداوي في الإنصاف أن صحة تذكيته والصحيح من المذهب، وبه جزم الحجاوي في الإقناع. قال: وقطع شجره وحشيشه، للحديث السابق وفيه: «ولا يقطع شجرها ولا يختلى خلاها».

ثم ذكر ما يستثنى من شجر المدينة فقال: إلا لحاجة المساند والحرث والرحل من- من الشجر إذا احتاج- إذا احتاجت المساند والحرث والرحل لحديث جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم- اه- لما حرم المدينة قالوا: يا رسول الله، إنا أصحاب عمل وأصحاب نضح، وإنا لا نستطيع أرضا غير أرضنا فرخص لنا فقال: «القائمتان والوسادة والعارضة والمسد، وأما غير ذلك فلا يعضد ولا يختلط منها شيء».

وهذا الأثر أو الحديث نسبه البهوتي وغيره للإمام أحمد رحمه الله، وقال المحقق الشيخ التركي: لم نجده في مسند أحمد، ونسبه السمهودي في وفاء الوفاء لابن زبالة، ولعله في كتابه أخبار المدينة، والمسد عود البكرة.

قال: والعلف ونحوه، أي يستثنى من الحشيش أن يحش لأجل العلف وما أخذ للحاجة، وقد روى أبو داود عن علي مرفوعا للنبي صلى الله عليه وسلم: «المدينة حرام ما بين عير إلى ثور، لا يختلى خلاها ولا ينفر صيدها، ولا يصلح أن تقطع أن تقطع منها شجرة إلا أن يعلف رجل بعيره»، وهذا صححه النووي رحمه الله تعالى، وهذا من الفروق بين حرمي مكة والمدينة أن- أنه يقطع من شجرها للعلف، وهذا وإنما يرعى وإنما يرعى.

وكذلك صيد المدينة لا جزاء فيه. نعم، صيد المدينة إذا صاده فإنه لا يحرم، وصيد مكة إذا صاده فإنه يحرم، وكذلك لا جزاء فيه وسيأتينا بعد قليل.

قال: ومن أدخلها صيدا فله إمساكه وذبحه. قال في الإنصاف: لا أعلم فيه نزاعا، لقوله صلى الله عليه وسلم: «يا أبا عمير، ما فعل النغير؟» وكان له طير صغير يلعب به. وهذا أيضا مما يفارق فيه حرم مكة حرم المدينة.

قال: ولا جزاء فيما حرم من ذلك على المذهب. قال الإمام أحمد رحمه الله: لم يبلغنا أن النبي صلى الله عليه وسلم ولا أحد من أصحابه حكموا فيه، حكموا فيه بجزاء. وما ورد عن سعد بن أبي وقاص رضي الله تعالى عنه من أنه- من أنه أخذ سلب قاطع الشجر- قاطع الشجر داخل المدينة، وقال: نفلني رسول الله صلى الله عليه وسلم. هذا- يحمله الأصحاب رحمهم الله تعالى على أنه من باب التعزير وليس من باب الجزاء.

قال: وحرمها بريد في بريد. وهذا نص عليه الإمام أحمد رحمه الله، قال: بين ثور- جبل صغير- إلى الحمرة في تدوير، يعني لا استطالة فيه، خلف أحد من جهة الشمال، وعير جبل مشهور بها، في حديث علي مرفوعا: «حرم المدينة ما بين ثور إلى و-»

بعض الفقهاء رحمهم الله تعالى يقولون إن- إنه لا يعرف في المدينة جبل يسمى الثور، ولا- ولا و- الحافظ ابن حجر رحمه الله أطال الكلام في ذلك في الفتح، وأيضا ابن جاسر رحمه الله أطال الكلام في ذلك في- في مفيد الأنام، وذكروا أن أهل المدينة يعرفون ذلك، وأن هناك جبل يسمى ثور، وجبل يسمى في المدينة.

قال: وهو ما بين لابتيها، في حديث أبي هريرة في الصحيحين مرفوعا للنبي صلى الله عليه وسلم: «ما بين لابتيها حرم»، وهما الحرتان وهي أرض تربتها وحجارتها سود. وهذا حدها ما بين المشرق والمغرب، وأما حدها بين ثور وعير فهو حدها ما بين الجنوب- الجنوبي والشمال، قاله في المطلع- قاله في المطلع، اللي هو البعل في المطلع.

وعاكسه ابن حجر في الفتح، يعني ابن حجر في الفتح قال: إن حدها بين المشرق والمغرب هو بين ثور وعير، وحدها بين اللابتين هو بين الشمال والجنوب. وقال ابن جاسر فيما قاله الحافظ ابن حجر: نظر ظاهر، نظر ظاهر.

قال: وجعل النبي صلى الله عليه وسلم حول المدينة اثني عشر ميلا حمى، رواه مسلم عن أبي هريرة، والحمى المكان الممنوع من الرعي.

ثم انتقل المصنف رحمه الله تعالى إلى باب دخول مكة. الآن انتهينا من المقدمات وسنشرع في المهم من صفة الحج وصفة العمرة.

قال: يسن نهارا. يسن دخول مكة نهارا، وهذا مستحب بلا نزاع كما قاله المرداوي، يعني بين الأصحاب، بفعله صلى الله عليه وسلم حيث جاء في حديث ابن عمر أنه صلى الله عليه وسلم بات بذي طوى حتى أصبح ثم دخل مكة. قال: من أعلاها من ثنية كداء. كداء بفتح الكاف والثنية الطريق بين الجبلين وهي التي يقال لها الحجون.

وههل هي سنة مطلقا؟ أو لمن كانت في طريقه؟ ظاهر كلام الأصحاب رحمهم الله تعالى أنها سنة مطلقا، يعني سواء أتى- كانت ثنية كداء في طريقه أو لا، لإطلاقهم سنية ذلك دون تقييد. ومال الشيخ ابن جاسم رحمه الله في مفيد الأنام إلى أنها سنة لمن كانت في طريقه.

قال: والخروج من أسفلها من ثنية كدى- من ثنية كدى بالضم والتنوين عند ذي طوى بقرب شعب الشافعي. قال ابن جاسم: تعرف الآن بريع الرسام وهي في الشارع العام الموصل إلى جروال.

قال: ودخول المسجد من باب بني شيبة. وقيل إنه هو باب السلام، وقيل إنه بإزائه، يعني من- طبعا- إيه- قطعًا أنه ليس باب السلام الذي هو موجود في عصرنا؛ لأن باب السلام الموجود في عصرنا أصلاً هذا الباب- أو- أو- أو أن الحرم المكي من الأصل، يعني في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، تقريبًا- تقريبًا- هو الصحن الموجود الآن، فما بعده هذه كلها زيادات أتت بعده، فباب السلام الموجود في عصرنا قطعًا ليس هو باب بني شيبة، لكن كان هناك باب السلام قديماً، هل هو نفسه باب بني شيبة أو لا؟ هذا بعضهم يقول هو نفسه، وبعضهم يقول هو بإزائه. لكن- لكن يقال: إن من دخل من باب السلام- يقال: إن من دخل من باب السلام واتجه مباشرة إلى الكعبة، يعني في طريقه، لم يلف يمينا ولا يساراً، فإنه سيحاذي باب بني شيبة، والله أعلم.

ويستدل الأصحاب رحمهم الله تعالى على استحباب دخول المسجد من باب بني شيبة بحديث جابر: أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل مكة ارتفاع الضحى وأناخ راحلته عند باب بني شيبة ثم دخل. وقد تتابع الأصحاب رحمهم الله تعالى على عزو هذا الحديث- حديث جابر- إلى صحيح مسلم. والحقيقة أن الإمام مسلماً لم يروه رحمه الله تعالى، لكن جاء نحوه عند الحاكم في المستدرك والبيهقي بلفظ: «دخلنا مكة عند ارتفاع الضحى، فأتى النبي- النبي صلى الله عليه وسلم باب المسجد فأناخ راحلته ثم دخل المسجد فبدأ بالحجر». فهنا- هذا أقرب- أقرب إيه رواية لما يقصده الأصحاب، فهو من حديث جابر وفيه دخول مكة عند ارتفاع الضحى، وفيه إناخة الراحلة عند المسجد، وفيه أن النبي صلى الله عليه وسلم أتى باب المسجد لكن لم يسم هذا الباب، فهو أقرب رواية لما يقصده الأصحاب. وجاءت تسمية الباب بباب بني شيبة عند الطبراني في الأوسط من حديث- من حديث ابن عمر وفيه ضعف.

قال: فإذا رأى البيت رفع يديه. وهذا نص عن الإمام أحمد رحمه الله تعالى. وروى ابن جريج أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا رأى البيت رفع يديه، وهذا أخرجه الشافعي. وجاء عن ابن عمر وابن عباس عند البيهقي أنهما يرفعان أيديهما. ولأن الدعاء مستحب عند رؤية البيت وقد أمر برفع اليدين عند الدعاء.

وهل يكبر مع رفع اليدين أو لا؟ زاد في المقنع والإقناع: وكبر، لحديث- لحديث جاء عند البيهقي وهو مرسل. والمذهب، كما قال المرداوي في الإنصاف، إنه يرفع يديه فقط بدون تكبير. وذكر الحجاوي في حاشيته على التنقيح أن التكبير- أن التكبير جاء عن أكثر الأصحاب رحمهم الله تعالى، وساق من ورد عنه التكبير. والذي ساقه الحجاوي في حاشية التنقيح زائد، يعني فيه زيادة على ما ذكره المرداوي في الإنصاف، فمن أحب الازدياد من نسبة القول بالتكبير إلى الأصحاب فلي- إلى حاشية المرداوي على التنقيح. وسقط فيه ذكر شخص واحد لم يرد في المطبوع الذي حققه الشيخ ناصر السلامة، وهو شارح المحرر؛ الصفي شارح المحرر لم ترد في المخطوط، لم ترد في المطبوع ووردت في المخطوط.

طيب، ا- قال: وقال: «اللهم أنت السلام ومنك السلام، حينا ربنا بالسلام». وهذا جاء مرفوعا عند البيهقي لكنه مرسل عن مكحول. وجاء عن عمر مرفوعا عند البيهقي أيضا. وقال النووي في المجموع: ليس إسناده، ليس إسناده بالقوي.

وهل يقول دعاء دخول المسجد المعتاد الذي يقول عند دعاء- عند دخولك كل مسجد؟ يقرر المرداوي رحمه الله أنه يقول ذلك وإن لم نص الأصحاب عليه عند دخول المسجد الحرام. قال: وإنما سكتوا عنه هنا اعتمادا على ما قالوه هنا- هناك. وإنما يذكرون هنا ما هو مختص به. هذا ما يظهر، هذا ما يظهر، ولذلك- ولذلك قد يترك- يعني- قد يترك بعض العلماء التنبيه على شيء ل- ل- وضوحه لا لكونه لا يراه، وهذا ينتبه إليه- ينتبه إليه من من- يقرأ في كتب أهل العلم رحمهم الله. قد يقول: لماذا لم يذكر الإمام هذا؟ فنقول: لم يذكره لوضوحه، وهذا كثير.

ا- قال: اللهم زد هذا البيت- إلى آخره- تعليماً وتشريفا وتكريما ومهابة وبراً، وزد من عظمه وشرفه ممن حجه واعتمره تعظيما وتشريفا وتكريما ومهابة وبرا. وهذا جاء من حديث ابن جريج مرفوعا مرسلا وهو الذي ذكرناه قبل قليل. وذكر البيهقي أن له شاهدا عن مكحول مرسلا. قال: الحمد لله رب العالمين كثيرا- إلى آخره. وهذا عزاه البهوتي في الشرح للأثرم وإبراهيم الحربي، وذكره ابن الجوزي في مثير العزم الساكن ولم يعزه. قال: يرفع بذلك صوته؛ لأنه ذكر مشروع أشبه التلبية.

قال: ثم يطوف- ثم يطوف متمتعا للعمرة ومفردا وقارنا بقدوم وهو الورود. فيسن أن يبتدئ القادم لمكة بالطواف. في حديث جابر: حتى إذا أتينا البيت معه استلم الركن فرمل ثلاثا ومشى أربعا. قال المرداوي: هذا المذهب بلا ريب، أنه لا يبتدئ بشيء أول من الطواف ما لم تقم- ما لم تقم الصلاة.

قال: ويضطبع غير حامل معذور في كل أسبوعه. فالاضطباع، وهو جعل وسط الرداء تحت عاتقك الأيمن وطرفيه على عاتقك الأيسر، هذا مشروع في كل

في كل أسبوعه، يعني في الأشواط السبعة كلها على الصحيح من المذهب، لما روى أبو داود وابن ماجه عن يعلى بن أمية أن النبي صلى الله عليه وسلم طاف مضطبعاً، والاضطباع سنة متعلقة بالطواف الأول فقط، فإذا فرغ من طوافه أزاله.

وقال: ويبتدئ من الحجر الأسود فيحاذيه لفعله صلى الله عليه وسلم، فيحاذي الحجر بكل بدنه ويستقبله بوجهه. واستقبال الحجر بوجهه هذا سنة على الصحيح من المذهب. قال: أو بعضه بكل بدنه. محاذاة الحجر أو بعضه بجميع البدن هذا مجزئ قولاً واحداً، أما محاذاته ببعض البدن فالصحيح من المذهب عدم الإجزاء كما قاله المرداوي في الإنصاف. وإنما وجب استقباله بكل البدن، قالوا لأن ما لزم استقباله لزم بجميع البدن كالقبلة.

قال: ويستلمه بيده اليمنى ويقبله ويسجد عليه، فإن شق لم يزاحم فاستلمه بيده وقبله، فإن شق فبشيء وقبله، فإن شق أشار إليه بيده أو بشيء ولا يقبله. ذكر المصنف رحمه الله هنا أحوال الطائف مع الحجر الأسود، فذكر أنها أربعة أحوال مرتبة، الأول أن يستلمه بيده اليمنى ويقبله، أما استلامه بيده فهذا جاء في حديث جابر عند مسلم، وأما تقبيله فجاء في حديث عمر في الصحيحين أنه كان يقبل الحجر الأسود ويقول: «والله إني لأعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع، ولولا أني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبلك ما قبلتك». وذكر أنه يسجد عليه، أي يضع جبهته عليه، وهذا جاء عن عمر وابن عباس كما عند البيهقي والحاكم، وروي مرفوعاً ولا يصح، ويعزوه بعض الأصحاب لابن عمر، والصواب أنه عن عمر.

الثاني أن يستلمه بيده، يعني إذا شق الأصل أنه يستلمه، يعني يمسحه بيده ويقبل الحجر، يجمع بين الاستلام والتقبيل، فإن شق فإنه يستلمه بيده ويقبل يده لفعله صلى الله عليه وسلم كما جاء ذلك في حديث ابن عمر عند مسلم. الثالث أن يستلمه بشيء ويقبله، يعني يستلم مثلاً بعصا ويقبل هذه العصا كما جاء في صحيح مسلم من حديث أبي الطفيل. والرابع أن يشير إليه بيده أو بشيء ولا يقبله، كما يشير إليه بيده ولا يقبل يده، أو يشير إليه مثلاً بالعصا إذا كان معه عصا ولا يقبل العصا، كما جاء في الصحيح عن ابن عباس أنه صلى الله عليه وسلم طاف على بعير، فلما أتى الحجر أشار إليه بشيء في يده وكبر. قال: ولا يقبل ما أشار إليه به لعدم وروده.

قال: واستقبله. واستقبله يعني استقبل الحجر بوجهه عند الشروع في الطواف، وقال: بسم الله والله أكبر، بسم الله والله أكبر. والتسمية والتكبير وردت عن ابن عمر موقوفاً عليه عند البيهقي وصحح سنده الحافظ في التلخيص: اللهم إيمانًا بك وتصديقًا بكتابك ووفاءً بعهدك واتباعًا لسنة نبيك صلى الله عليه وسلم. ويستدل الأصحاب بأنه ورد من حديث عبد الله بن السائب أنه صلى الله عليه وسلم كان يقول ذلك عند استلامه، لكن قال الحافظ في التلخيص وقبله ابن الملقن في البدر المنير: لم أجده، يعني عن عبد الله بن السائب. وقد جاء عن علي موقوفاً عند البيهقي، كما جاء عن ابن عباس موقوفاً عند عبد الرزاق، وجاء عن ابن عمر أيضاً موقوفاً عند الطبراني في الأوسط بنحوه.

قال: ثم يجعل البيت عن يساره، لأنه صلى الله عليه وسلم طاف كذلك وقال: «لتأخذوا عني مناسككم». ويرمل ماشٍ بفعله صلى الله عليه وسلم فرمل ثلاثاً ومشى أربعاً. قال: غير حامل معذور، ونساء، ومحرم من مكة أو قربها. فهؤلاء مستثنون من مشروعية الرمل. أما حامل المعذور فلما شق عليه، وهذا على الصحيح من المذهب نص عليه وعليه جماهير الأصحاب. وأما النساء فنقل الإجماع على عدم شرعية الرمل لهن كما نقله ابن المنذر، والمرأة مأمورة بالستر وعدم الضرب على الرجل، وفي رملها إظهار لشيء من ذلك. وأما المحرم من مكة أو قربها فلأن الرمل شرع في البدء لأجل إظهار الجلد للمشركين، وكان ذلك مختصاً بمن قدم من خارج مكة، ولذلك كان ابن عمر رضي الله تعالى عنهما إذا أحرم من مكة لم يرمل. وكذا أيضاً يستثنى الراكب، من ركب على دابة فإنه لا يرمل على الصحيح من المذهب كما ذكره المرداوي في الإنصاف.

قال: فيسرع المشي ويقارب الخطا، هذا هو الرمل في ثلاثة أشواط ثم يمشي أربعاً لفعله صلى الله عليه وسلم. قال: ولا يقضى فيها رمل، يعني أنه لو نسي الرمل في الثلاثة الأشواط الأولى فإنه لا يقضيها في الأربعة الأشواط المتبقية على الصحيح من المذهب، لأنها سنة فاتت محلها فسقطت، ولئلا يفوته هيئة المشي فيها.

قال: والرمل أولى من الدنو من البيت، أو التأخير له أولى للدنو. يعني على الصحيح من المذهب أنه إذا تعارض الرمل مع البعد أو تركه مع القرب قدم الرمل. يعني شخص قال إذا طفت قريباً من البيت فلا يتيسر لي الرمل، لماذا؟ لأنه زحام، أما إذا طفت بعيداً فسيتيسر لي الرمل، ماذا يقدم؟ نقول يقدم البعد مع الرمل، لماذا؟ قالوا لأن الرمل هيئة متعلقة بذات العبادة، والقاعدة أن مراعاة الهيئة المتعلقة بذات العبادة أولى من مراعاة الهيئة المتعلقة بزمانها أو مكانها.

وكذلك قال والتأخير له، يعني يقول: إذا قدم مكة مثلاً بعد صلاة المغرب، مكة زحام عند المطاف بعد المغرب، لكنه لو أخره بعد العشاء بساعة فيستطيع أن طوف ويرمل، فهل نقول يطوف أول ما يقدم بدون رمل أو يؤخر الطواف ويرمل؟ قالوا يؤخر الطواف ويرمل للقاعدة السابقة، أو للدنو أولى، يعني يقول: إذا طفت الآن فإني لا أستطيع أن أطوف قريباً من الكعبة، وإذا طفت بعد ساعة فإني أستطيع أن أطوف قريباً من الكعبة، نقول: يؤخر الطواف.

قال: وكلما حاذى حجراً والركن اليماني استلمهما. أما محاذاة الحجر فإنه يستلمه بلا نزاع، الحجر الأسود بلا نزاع كما قال المرداوي في الإنصاف. وأما الركن اليماني فإنه يستلمه على الصحيح من المذهب لحديث ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم كان لا يدع استلام الركنين، وكان ابن عمر يفعله، لكن لا يقبل إلا الحجر الأسود، وأما اليماني فلا يقبل على المذهب نص عليه الإمام أحمد وعليه جمهور الأصحاب.

طبعاً هذا من الأصل أن الحجر الأسود يقبل والركن اليماني لا يقبل. لكن هل الحجر الأسود يقبل في كل شوط أو في الشوط الأول فقط؟ يقول الشيخ عبد الله أبا بطين فيما نقله ابن جاسر: ظاهره من غير تقبيل، ظاهره من غير تقبيل وهو المذهب. وقال الشيخ سليمان بن علي فيما منسكه: فظاهر هذا أن تقبيل الحجر الأسود والسجود عليه مسنون في ابتداء كل أسبوع، يعني في الشوط الأول، لا في كل طوفة، يعني لا في كل شوط، وإنما المسنون في كل طوفة استلامه هو واليماني باليد، فإن شق استلمه بشيء. قال ابن جاسر رحمه الله لما نقل ذلك وتقدم في كلام ابن القيم أنه صلى الله عليه وسلم كلما حاذى الحجر الأسود استلمه بمحجن وقبل المحجن، فظاهره سنية تقبيل الحجر في كل طوفة كلما حاذاه، يعني أن ابن جاسر رحمه الله يرى أنه يسن تقبيل الحجر في كل شوط لا في أول شوط. وهذا طبعاً كله إذا وجد سعة، أما إذا كان يؤدي ذلك إلى الزحام فإننا نقول لا يزاحم، فإننا نقول الأفضل أن لا يزاحم المعتمد أن لا يزاحم، لأن تقبيل الحجر الأسود أو استلام الركن اليماني هذا مستحب، فإذا أدى إليه الازدحام ومزاحمة الطائفين فإنه لا يجوز ذلك، لأن مزاحمة الطائفين من الأذية، فلا تفعل الأذية وهي محرمة لفعل شيء مستحب.

قال: أو أشار إليهما. أو أشار إليهما يعني إن شق استلامهما فإنه يشير إليهما، أما إلى الأسود فقد وردت به السنة، وأما في اليماني فلم يرد، فلم يرد الإشارة إليه. ولذلك قال ابن جاسر: لم أطلع على دليل يقتضي استحباب الإشارة إلى الركن اليماني، وذكر أن القول بأن لا يشار إليه أسعد بالدليل.

قال: لا الشامي وهو أول ركن يمر به، ولا الغربي وهو ما يليه، فلا يسن استلامهما لعدم نقل ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم ولأنهما ليسا على قواعد إبراهيم عليه السلام.

ويقول كلما حاذى الحجر: الله أكبر، فقط لحديث ابن عباس: طاف النبي صلى الله عليه وسلم على بعير كلما أتى الركن أشار بيده وكبر. رواه البخاري. والاقتصار على التكبير هو المذهب نص عليه. وزاد الموفق في المقنع وغيره التهليل، يعني أن يقول الله أكبر ولا إله إلا الله.

قال: وبين الركن اليماني وبينه: ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [البقرة: 201] لورودها عن النبي صلى الله عليه وسلم كما في حديث عبد الله بن السائب عند الإمام أحمد.

قالوا: وفي بقية طوافه: اللهم اجعله حجاً مبروراً وسعياً مشكوراً وذنباً مغفوراً. وهذا جاء عن بعض السلف لكنه عند رمي الجمار. رب اغفر وارحم واهدني السبيل الأقوم وتجاوز عما تعلم وأنت الأعز وأنت الأعز الأكرم. وهذا جاء عند أحمد من حديث أم سلمة. قالوا: ويدعو بما أحب، فليس هناك ذكر أو دعاء راتب غير الذكر عند الحجر والركن اليماني وبينهما.

قال: وتسنى القراءة فيه، أي في الطواف، لأن الطواف صلاة ولا تكره القراءة في الطواف. نص الإمام أحمد رحمه الله على أنه يقرأ فيه ولأنها أفضل الذكر لكن لا يجهر بها.

قال: ولا يسن رمل ولا اضطباع في غير هذا الطواف. وهذا المذهب وعليه أكثر الأصحاب، لأنه لم يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه رمل ولا اضطباع إلا في الطواف الأول، ولا يشرع قضاؤهما لو تركهما، سواء تركهما عمداً أو نسياناً. والله تعالى أعلم، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.