الإجابة عن أسئلة التمارين التي طرحت بعد الدرس الماضي: السؤال الأول: زيد حج متمتعاً لكنه أفسد حجه بوطئه لزوجته قبل التحلل الأول، أيذبح هدي التمتع أو يسقط عنه وجوبه؟ مع ذكر كلام المصنف رحمه الله الذي يدل على هذه المسألة. الجواب أنه يلزمه هدي التمتع ولا يسقط عنه. والمصنف رحمه الله تعالى قال: ولا يسقط بفساد نسكيهما أو فواتهما. هذا هو الذي معنا في هذه المسألة.
شخص أحرم بنسك مطلق لم يعينه عند بدء الإحرام، ثم وصل إلى مكة وطاف وسعى، ثم بعد السعي نوى أن يكون نسكه هذا نسك إفراد، فهل يجزئه السعي الذي أتى به عن سعي الحج؟ ولماذا؟ الجواب: لا يجزئه، لماذا؟ لأنه أتى به قبل أن يعين النسك الذي سيأتي به. ذكر المصنف رحمه الله تعالى أنه إذا أحرم مطلقاً صح وله صرفه لما شاء، لكن ما عمل قبل التعيين لا شئ له. فهذا السعي يعتبر لغواً لا يجزئه عن سعي الحج.
نبدأ درس في هذا اليوم من باب محظورات الإحرام. يقول المصنف رحمه الله تعالى: باب محظورات الإحرام تسعة. الأول والثاني: إزالة شعر ولو من أنف، وتقليم ظفر يد أو رجل بلا عذر. هنا انتقل المصنف رحمه الله تعالى إلى بيان محظورات الإحرام، وهي ما يحرم على المحرم فعله بسبب الإحرام. وذكر المصنف رحمه الله تعالى أنها تسعة ودليله الاستقراء. تتبع العلماء رحمهم الله تعالى ما يحرم على المحرم بسبب الإحرام فوجدوها لا تخرج عن هذه التسعة التي سيذكرها المصنف رحمه الله تعالى.
قلنا إن المحرم يمنع بسبب الإحرام من الاتيان بها، وهل يأثم لو أتي بها أو نقول تكفيه الفدية؟ ابن نصر الله رحمه الله له حاشية على النكت وهي لم تطبع ولا أدري هي موجودة مخطوطة أو لا الله أعلم، يقول: وفي ثبوت الإثم عليها تردد عندي، إذ يحتمل أن معنى حظرها وجوب الكفارة والفدية بها لا تحريمها وترتيب الإثم عليها، قال: كاليمين تجب الكفارة بفعل المحلوف عليه ولا إثم. يعني شخص حلف يميناً ثم حنث فنقول يلزمه الكفارة ولا إثم بذلك. يقول: إذ لم ينقل عن أحد أن من فعل محظوراً أنه يأثم ولا أمروا باستغفار، كما قال رحمه الله. وهذا النقل موجود في نسخة ابن عايد من التعليقات التي أثبتت على نسخة من المخطوط على من شرح البهوتي على المنتهى رحمهم الله تعالى. وبن عايد نقلها عن شيخه ابن حميد وليست موجودة في المطبوع من حاشية ابن حميد. قال ابن حميد بعد نقلها قال: وفيه نظر ظاهر، لأن عباراتهم صريحة بتأثيمك. عبارة الفقهاء رحمهم الله تعالى صريحة بأن من فعل هذه المحظورات فانه يأثم إضافة إلى الفدية.
يقول رحمه الله: المحظور الأول إزالة شعر ولو من أنف. وقد أجمع العلماء رحمهم الله تعالى على أن المحرم ممنوع من أخذ شعره، أي شعر رأسه إلا من عذر، كما قال الموفق ابن قدامة رحمه الله. والدليل على ذلك قوله تعالى: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلِّهُ﴾ [البقرة: 196]، وأيضاً حديث كعب بن عجرة رضي الله تعالى عنه الذي فيه أن النبي صلى الله عليه وسلم وهو سبب نزوله، الذي فيه أنه يقول: حملت إلى النبي صلى الله عليه وسلم والقمل يتناثر على وجهي، وقال النبي صلى الله عليه وسلم ما كنت أرى أن الجهد بلغ بك ما أرى، وأمرنا النبي صلى الله عليه وسلم بالفدية. وألحق بالحلق غيره، المؤلف قال: إزالة شعر، والذي في الآية: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ﴾، وألحق بالحلق غيره كالقص والنتف ونحوهما بمشابهة ما له للحلق بجمع الرفاهية. وهذا هو المذهب عليه الأصحاب. وألحق بالرأس سائر البدن.
قال: ولو من أنفه، وهذا إشارة خلاف، لأن بعض الفقهاء عند الحنابلة وغيرهم يرون أن إزالة الشعر خاص بالرأس، والمشهور عند الحنابلة رحمهم الله تعالى أن إزالة الشعر محظورة على المحرم سواء كانت من الرأس أو غيره. وألحق بالرأس سائر البدن بجامع الترفيه وهذا هو الصحيح من المذهب.
المحظور الثاني قال: وتقليم ظفر يد أو رجل بلا عذر. تقليم الأظفار محظور على المحرم فعله، ويحرم على المحرم أن يقلم أظفاره سواء أظفار يديه أو أظفار رجليه. وهذا حكى ابن المنذر والموفق ابن قدامة إجماعاً بأنه إزالة جزء من بدنه يترفّه به أشبه الشعر. وربما يؤخذ أيضاً التحريم من تفسير ابن عباس رضي الله تعالى عنهما لقوله تعالى: ﴿ثُمَّ لِيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلِيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلِيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: 29]. فسر ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قضاء التفث بأنه وضع الإحرام من حلق الرأس ولبس الثياب وقص الأظافر ونحو ذلك. فدل على أن هذه الأمور مما يحرم على المحرم فعله.
ذكرنا أن بالإجماع، طبعا خلت فيه نظرا يسير لكنه هو قول عامة أهل العلم كما نقله ابن المنذر والموفق ابن قدامة. وأنبه إلى أن الإجماع على أنه محظور، لكن على أنه تجب فيه الفدية هذا فيه خلاف. المذهب أيضاً وجوب الفدية. وأنبه إلى ما وقع لابن مفلح رحمه الله تعالى في الفروع، حيث التبس عليه فهم عبارة الموفق ابن قدامة رحمه الله في المغني، ابن قدامة رحمه الله لما ذكر أن المحرم ممنوع من أخذ أظفاره قال: وفي الفدية قول الأكثرين، وذكر بعض الفقهاء الذين يرون وجوب الفدية فيه وذكر من آخرهم عطاء. ثم قال: وعنه لا فدية فيه. رحمه الله فهم أن قوله وعنه يرجع إلى الإمام أحمد رحمه الله تعالى، والحقيقة أنه يرجع إلى عطاء لا إلى الإمام أحمد فهو أقرب مذكور.
وابن نصر الله في حاشيته على الفروع بينما وهي مطبوعة في السنتين الأخيرتين بين ذلك، وأن ابن قدامة إنما يقصد به عطاء لا يقصد به الإمام أحمد. ونقل أيضاً المرداوي كلام ابن نصر الله وافقه عليه، وقال ابن نصر الله: يبدو أن ابن قدامة نقله من ابن المنذر وهذا صحيح، ابن قدامة في هذا النقل نقل أقوال العلماء من كتاب الإشراف لابن المنذر، فهي فيه بنص وفي كتاب الإشراف واضح أن المقصود به عطاء وليس الإمام أحمد رحمه الله تعالى. وأيضاً اللبس موجود في الشرح الكبير لابن أبي عمر رحمه الله تعالى، ذكر عبارة الموفق لكنه حذف ذكر عطاء، يعني قال: قول الأكثرين من فلان وفلان وفلان وآخر قول وأهل الرأي، ثم قال: وفيه رواية أخرى أنه لا تجب فيه. الحقيقة أن فيه رواية أخرى عن عطاء الذي حذف ذكره ابن أبي عمر رحمه الله فيتنبّه لذلك.
وقول المصنف رحمه الله تعالى هنا بلا عذر، إلى عذر، هذا يعود إلى الإثم، أما إذا كان بعذر فانه لا يحرم، لقوله تعالى: ﴿فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِّن رَّأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِّن صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ [البقرة: 196]. فأباح حلق الرأس مع العذر. ولحديث كعب بن عجرة: «لعلك آذاك هوام رأسك» إلى آخره، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم بالحلق. فقوله بلا عذر إذاً يرجع إلى الإثم، وأما هل يفدي أو لا فسيأتينا بعد قليل.
ثم مثل المصنف رحمه الله تعالى على العذر بقوله: كما لو خرج بعينه شعر أو كسر ظفره فأزالهما أو أزالا مع غيرهما فلا يفدي بازالتهما، إلا أن حصل الأذى بغيرهما كقرح ونحوه. فهنا إذا خرج بعينه شعر فأزاله أو انكسر ظفره فأزاله فإنه هنا معذور ولا يفدي على المذهب، قالوا لأنه أزاله لدفع أذاه فكان الأذى في الشعر والظفر نفسه لا في غيره، فلا فدية في ذلك قياساً على قتل الصائل، لما لو صال شخص على آخر أو صال حيوان على آخر فقتله المصول عليه دافعاً عن نفسه فانه لا يضمن. ومثله هنا، إذا قتل الشعرة التي آذاه أو قص الظفر الذي آذاه فانه لا يضمن.
قال: أو أزالا مع غيرهما كما لو قطع جلدة وعليها شعر، فانه لا يفدي هنا لإزالته. لماذا في المسألة الثانية لا يفدي؟ لأنه لأن هذا الظفر أو الشعر زال بالتبعية لغيره والتابع لا يفرد بحكمه. قالوا: كما لو قطع إنسان أشفار عيني إنسان وهي غطاء العين، لو قطع غطاء العين فانه يجب فيه فديته. طيب غطاء العين فيه شعر، الأهداب. فهل يضمن الشعر أهداب العينين؟ يقولون: لا، يدخل تبعا. لكن لو قطع شعر أهداب العينين فقط فانه يضمنه، لكن لما دخل مع أشفار العينين يعني الأهداب دخلت مع أجفار العينين فان هنا لا يضمنهما لأنهما تابعان فلا يفردان بحكم.
قال: إلا أن حصل الأذى بغيرهما كقرح ونحوه فانه هنا يضمن. وهذا ذكر المرداوي ولم يذكر فيه خلافا، لقصة كعب بن عجرة رضي الله تعالى عنه حيث حلق شعر رأسه بكون القمل أتاه وأمر النبي صلى الله عليه وسلم بالفدية، وفي الآية أيضاً: ﴿فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِّن رَّأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِّن صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾. وقد ذكر ابن رجب رحمه الله هذه المسألة في القواعد السادسة والعشرين: من أتلف شيئاً بدفع أذاه له لم يضمنه، وإن أتلفه لدفع أذاه به ضمنه. يعني إذا كان الأذى من هذا الشيء الذي أتلفه فانه لا يضمنه، أما إذا كان الأذى من غيره فانه يضمنه. ومثل على ذلك بهذه المسألة: لو حلق محرم رأسه لتأذيه بالقمل والوسخ فدى، لماذا؟ لأن الأذى من غير الشعر، الأذى هنا من غير الشعر وإنما هو من القمل والوسخ، فهنا يخرج الفدية. لكن قال: ولو خرجت في عينه شعرة فقلعها أو نزل الشعر على عينيه فأزاله لم يفد، لماذا؟ لأن الأذى من الشعر نفسه، لأن الأذى من الشعر نفسه.
ثم ذكر المصنف رحمه الله تعالى مسألة من فعل به محظور أو أكره عليه، فقال: ومن طيب أو حلق رأسه بإذنه أو سكت ولم ينهه أو بيده كرهاً فعليه الفدية. هنا ذكر المصنف رحمه الله تعالى ثلاث مسائل فيها الفدية على المحرم. المسألة الأولى: من فعل به محظور بإذنه، من تطييب أو حلق أو تقليم بإذنه فعليه. يعني لو شخص جاء لمحرم وقال: تسمح لي أطيبك؟ تفضل، فطيبه. فهنا يلزم المحرم أن يدفع الفدية. أو قال: تسمح لاختبار شعرك؟ فقال: نعم. فحلق. فكونه يلزم المحرم أن يخرج فدية. لماذا؟ قالوا لأن الله أوجب الفدية بالحلق في الرأس مع العلم أنه في العادة أن غيره يحلقه، أن غيره يحلق شعر نفسه، العادة أن غيره يحلقه. فقالوا هذا دليل على أنه لو استأذن فأذن فإنه يلزمه الفدية. وهذا المذهب عليه الأصحاب.
الثانية: من فعل به محظور فسكت ولم ينهه، يعني جاء شخص وشاف محرم جالس وجا يحلق شعره ساكت ما نهاه، فيقولون: عليه الفدية على أحد الوجهين في المذهب، وصوبه المرداوي رحمه الله في الإنصاف. لماذا قالوا؟ لأنه مفرط بسكوته وعدم نهيه، أشبه الوديع يفرط في الوديعة، يعني يكون الشعر أمانة عنده كالوديعة، فاذا سكت ولم ينه الحالق ضمن لتفريطه. وهل هناك فدية على الحالق؟ هل نقول فدية على الحالق وعلى المحلوق؟ لا، حتى لو كان الحالق محرماً، قالوا لأنه محظور واحد فلا يوجب فديتين.
وظاهر مفهومه أن النهي كاف في سقوط الكذبة. يعني هنا يقول: طيب لو ما سكت نهاه لكن استمر هذا يحلق، فظاهر مفهومه أنه تسقط الفدية عنه. يقول يوسف حفيد المصنف الفتوحي فيما نقله عنه ابن حميد رحمه الله في حاشيته: وفيه نظر، لماذا؟ يقول لأنه كان عليه أن يمتنع منه ولا يمكنه من ذلك، لأن هذا منكر، والمنكر يزال بحسب استطاعة الإنسان.
فهنا يستطيع ازيد من النهي؛ فإنه لا بد أن يأتي به. الثالث: من أكره على فعل محظور ففعله بيده فعليه الفدية؛ يعني شخص أكره على أن يحلق رأسه بيده فحلقه بيده، فهنا يقولون: عليه الفدية. وهذا خاص على المذهب بالمحظورات التي فيها إتلاف، كحلق الشعر وتقليم الظفر؛ لكونه إتلافاً فيستوي فيه المكره وغيره، بخلاف المطيب كرهاً بيده فإنه لا فدية عليه؛ لأن هذا المحظور يعفى فيه عن الخطأ والنسيان والإكراه. يقول البهوتي رحمه الله في حاشيته: مقتضى المتن تناوله لمسألة الحلاقة والطيب؛ لأنه قال: ومن طيب أو حلق رأسه بإذنه أو سكت منه أو بيده كرهاً. يعني مقتضاه أنه يرجع إلى الطيب والحلق. لكن يقول في الحاشية: لكنه يعني المصنف في شرحه في مسألة الحلق، يعني المصنف الفتوحي في شرحه على المنتهى تمثل على الحلق فقط، يقول: وعلله بأنه إتلاف يستوي فيه الاختيار والإكراه، قال: ومقتضاه أنه لا فدية في مسألة الطيب، وهو الموافق لما ذكره في باب الفدية.
ومكرهاً بيد غيره أو نائماً؛ فعلى حاله. هنا مسألتان ذكر المصنف رحمه الله تعالى هنا مسألتين تلزم فيهما الفدية غير المحرم الذي فعل به المحظور. المسألة الأولى: إذا فعل به المحظور مكرهاً وكان بيد غيره؛ يعني شخص مثلاً جاء شخص وأمسك كتفه، والثاني بدأ يحلق شعره، فهنا فعل به هذا المحظور وكان الفعل بيد غيره، تلزم الفدية الحالق. الثاني: إذا فعل به المحظور وكان نائماً؛ شخص رأى نائماً محرماً وجاء يحلق شعره أو يقلم أظافره، فهنا لا فدية على المحرم في المسألتين، وإنما الفدية على الفاعل. وهذا المذهب عليه جماهير الأصحاب، ونصحه الإمام أحمد رحمه الله كما قاله في الإنصاف، قالوا: وإنما وجبت على الفاعل بأنه باشر إزالة ما منع شرعاً فلزمه موجبه، يعني ما نتج عنه، كالمحرم لو حلق رأس نفسه.
قالوا: ولن تجب على المحرم هنا لأنه لم يباشر فعل المحظور ولم يتسبب فيه فلم يلزمه الضمان، قالوا قياساً على ما لو أتلف الأجنبي وديعة غيره؛ يعني لو أن شخصاً مودع مالاً، فهو مودع أمين، فجاء شخص أجنبي وأتلف هذه الوديعة، فهل المودع يضمن؟ لا لا يضمن، من الذي يضمن؟ يضمن الأجنبي، قالوا هذا مثله، لا يضمن المحرم لأنه مودع، على رأسه شعر أمانة وإنما يضمنه الأجنبي الذي أتلفه. وهذا الحكم ليس خاصاً بالحلق، بل يشمل غيره كمن طيب غيره مكهاً أو قلم أظافره أو ألبسه ما يحرم عليك. قال البهوتي رحمه الله في حاشيته: كان الأولى يعني للمصنف أن يقول بدل أن يقول فعل حالق أن يقول فعل فاعل؛ ليعم الحالق والمطيب. قال في الفروع والإنصاف وغيرها لما ذكروا مسألة الحالق ومن طيب غيره وفي كلام بعضهم أو ألبسه فكالحالق.
ثم قال المصنف رحمه الله تعالى: ولا فدية بحلق محرم أو تطييبه حلالاً. يعني أن المحرم لو حلق رأس الحلال أو طيبه ولم يباشر الطيب ببدنه أو قلم أظافره أو ألبسه ما يحرم على المحرم لبسه، فلا تجب بذلك، لماذا؟ لكون هذه الأمور مباحة للحلال. وهذا المذهب وعليه الأصحاب كما قاله في الإنصاف.
ثم قال المصنف رحمه الله تعالى: ويباح غسل شعره بسدر ونحوه. على الصحيح من المذهب، لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال في المحرم الذي وقصته ناقته: «أغسلوه بماء وسدر»، كما في الصحيحين؛ ولأن القصد منه النظافة وإزالة الوسخ كالأسنَان، فلم يقصد منه الترفه.
ثم قال المصنف رحمه الله تعالى: وتجب الفدية لما علم أنه بان بمشط أو تخليد. على الصحيح من المذهب، للمحرم أن يمشط رأسه برفق، وإذا علم أن هذا الشعر قد بان، قد بان يعني انفصل من جلده بسبب المشط أو التخليد أي التفريك -التخليد يعني تفريك الشعر- فيلزم فيه الفدية. فيشترط إذاً للزوم الفدية بالشعر الساقط بالتمشيط أن يعلم أنه سقط لهذا السبب، وألا تكون الشعرة ميتة من الأصل.
ثم قال المصنف رحمه الله تعالى: وهي في كل فرد أو بعضه من دون ثلاث من شعر أو ظفر اطعام مسكين، وتستحب مع شك. يعني أن الفدية الواجبة للشعر والظفر إذا كان ما أزاله أقل من ثلاث شعرات أو ثلاث أظفار فيجب فيه إطعام مسكين عن كل واحد، فاذا قطع ظفراً يجب فيه طعام المسكين، يطعم مسكيناً مداً من طعامه، وإذا قطع أو قص شعرة واحدة ففيه طعام مسكين، قص شعرتين ففيه طعام مسكينين، قص ثلاثاً فأكثر ففيه دم، وسيأتينا المقصود بالدم في باب الفدية. وسواء قطع شعرة كاملة أو بعض شعرة، وسواء قطع أو قص ظفراً كاملاً أو بعض ظفر، وهذا المذهب وعليه الأصحاب؛ يعني أن بعض الشعر كالشعرة، وبعض الظفر كالظفر. قالت الكشاف في تعليل دالت بأنه يعني الظفر والشعر غير مقدر بمساحة، وهو يجب فيهما في الشعر والظفر سواء طال أو قصر كالموضحة يجب فيها الدية مع كبرها وصغرها.
طيب لماذا قالوا إطعام المسكين؟ يقولون: إطعام المسكين هو أقل ما وجد فدية شرعاً. يقول الزركشي رحمه الله نظراً إلى أن هذا لا مقدر فيه، والمد أقل ما أوجبت الشرع فدية فوجب الرجوع. يقول المصنف رحمه الله: تستحب مع شك؛ يعني إذا مشط شعره فسقطت شعرة لا يعلم هل هي سقطت بسبب تمشيطه أو كانت الشعرة ميتة من الأصل فسقطت، يعني من الأصل يعني أنها فقط التمشيط أظهر أنها ساقطة وإلا فهي ساقطة من الأصل، سيكون هنا تستحب له الفدية احتياطاً. فتستحب له الفدية احتياطاً، وهذا من المواضع القليلة جداً الواردة عند الحنابلة في استحباب الفدية. ولها نظير صلاة الجمعة، في صلاة الجمعة يذكرون أنه يستحب لمن فاتته صلاة الجمعة بدون عذر أن يتصدق يعني كفارة، وهنا تستحب الفدية.
والصحيح أن المذهب أن شعر الرأس والبدن واحد، وعلى هذا فلو حلق من رأسه شعرتين ومن ذراعه شعرة فهنا ثلاث شعرات وعليه دم. طيب هل هما الرأس والبدن والطيب واللباس يعاملان كالعضو الواحد أو لا؟ فريقان في المذهب، طريقان في المذهب، منهم من أجرى فيهما الروايتين المذكورتين في الشعر، ومنهم من قالهما عضو واحد رواية واحدة. ما الذي يترتب على هذا؟ يترتب على هذا أنه لو طيب شعره وطيب بدنه، هل نقول إنه فعل محظورين أو محظور واحد؟ على الخلاف، هل يعني من الأصحاب من قال فيهما رواية ومنهم من قال: لا، الروايتان في الشعر، أما الطيب واللباس فهما عضو واحد رواية واحدة.
ثم ذكر المصنف رحمه الله تعالى المحظور الثالث من محظورات الإحرام، وهو تغطية الرأس. وهذا المحظور خاص بالذكر، فالأنثى تغطي رأسها لا إشكال لأنه عورة، أما الذكر فلا يغطي رأسه إجماعاً بقوله صلى الله عليه وسلم المحرم عن لبس العمائم والبرانس، وقوله صلى الله عليه وسلم في المحرم الذي وقصته ناقته: «ولا تخمر رأسه فإنه يبعث يوم القيامة ملبياً»، متفق عليهما. والاذنان من الرأس، والحق الأصحاب رحمهم الله تعالى الأذنين بالرأس في الوضوء وفي الإحرام، فيمنع المحرم من تغطيتهما. قال: فمتى غطاه ولو بقرطاس به دواء أو لا دواء به، أو بطين أو نور أو حناء أو عصبه ولو بسير أو استظل في محمل ونحوه أو بثوب ونحو راكب أو لا حُرْم بلا عذر وفدى.
هذا ذكر المصنف رحمه الله تعالى صوراً لتغطية الرأس في تغطية الرأس المحظورة. الأول: أن يغطيه بقرطاس يعني مثل الكيس، يغطي به الرأس سواء كان فيه دواء أو لا دواء فيه، يعني أحياناً يجعل فيه دواء ليداوي به مثلاً رأسه من صداع ونحوه، فيجعل كيساً ويجعل فيه الدواء ويجعله على رأسه، فهذا يعتبر من تغطية الرأس، وأحياناً يكون تغطية بدون أي شيء يعني بدون دواء. الثاني: قال تغطيته بما يعني تغطيته بما يلبد الشعر من طين أو نورة أو حنا، فهنا يقولون إن هذا يعتبر محظوراً ويعتبر من تغطية الرأس. الثالث: عصب الرأس، يعني لف عصابة عليك ولو بسير، ويستدل الأصحاب بنهي النبي صلى الله عليه وسلم أن يشد رأسه بالسير. وهذه الأمور الثلاثة تغطية أو بما يلبس الشعر أو بعصب الرأس، هذه يجب فيها الفدية بلا نزاع في المذهب كما ذكره صاحب الإنصاف.
الرابع: الاستظلال في محمل ونحوه كما يحث محفة أو ثوب، فإنه يأخذ حكم المحمل؛ يعني الاستظلال بالشيء المتحرك الذي يعلو الرأس ولا يلاصقه، سواء كان راكباً أو لا، ومنه ركوب السيارة، يعني المحمل الذي يجعل على ظهر الدابة، الهودج الذي يجعل على الدابة فيركب على الإنسان ويكون مستظلاً به. ومنه الاستظلال بسقف السيارة، فإنه يدخل في المحمل، فعلى هذا يعني هذا كلام الأصحاب، أو على المشهور عند الأصحاب رحمهم الله تعالى أنه يحرم على المسلم أن يركب السيارة المسقوفة. وهذا هو المشهور في المذهب، ويستدلون بأثر عن ابن عمر أنه قال: أضحك لمن أحرمت له. وهذا قول أكثر الأصحاب. والرواية الأخرى عن الإمام أحمد رحمه الله أن الاستظلال بالمحمل مكروه وليس محرماً، اختاره الموفق ابن قدامة رحمه الله وغيره. وهو المعمول به حالياً، وهو المعمول بشأن الرواية الثانية هي المعمول بها الآن، وهي التي أفتى بها مشايخنا رحمهم الله تعالى. ومنه الاستظلال بالشمسية إذا جعلها فوق رأسه لا حياله، على المذهب أن الاستظلال بالشمسية إذا جعلها فوق رأسه فإنها تأخذ حكم المحمل، لكن إذا جعلها حياله يعني نأى بها عن رأسه قليلاً، فهنا لا تأخذ حكم المحمل، وسيأتينا نظيرها بعد قليل بإذن الله تعالى. قال لإن حمل عليه أو نصب حياله. أو قبل ذلك يقول: حرم بلا عذر وفدى. حرم بلا عذر وفدى لزوماً، قالوا: لأنه قصد به الترفه، ولانه ستره بما يستدام ويلازمه غالباً، أشبه ما لو ستره بشيء يلاقيه يعني ملاصق.
ثم ذكر مسائل لا يحرم على المسلم بفعله مع أن فيها تغطية للرأس، فقال: لإن حمل عليه أو نصب حياله شيئاً أو استظل بخيمة أو شجرة أو بيت أو غطى وجهه. هنا ذكر مسائل: الأولى: إذا حمل على رأسه شيئاً كطبق ونحوه، يعني مثلاً حمل معه مثلاً حقيبته فحملها فوق رأسه، فهل هذه تدخل في التغطية؟ يقولون: لا، لا تدخل في التغطية، وحتى على المذهب أنه حتى لو قصد تغطية رأسه بذلك يعني لو كان مثلاً حقيبته على ظهره آذته الشمس فرفعها فوق رأسه، فعلى المذهب أنه لا فدية فيها حتى لو قصد التغطية. الثاني: إذا نصب حياله يعني بإزائه شيئاً يستظل به، فهنا يقولون: لا يفدي؛ لأن هذا الشيء لا يقصد استدامته، أشبه الاستظلال بالحائط. وقد روى الإمام مسلم رحمه الله عن أم الحسين رضي الله عنها قالت: حججنا مع النبي صلى الله عليه وسلم حجة الوداع فرأيت أسامة وبلالاً، أحدهما آخذ بخطام ناقته والآخر رافع ثوبه يستره من الحر حتى رمى جمرة العقبة، فهذا يستدل به على أنه إذا نصب في بإزائه شيئاً يستظل به فإنه لا يكفي. والثالث: الاستظلال بالخيمة والشجرة والبيت، فلا يحرم على المحرم فعله لحديث جابر رضي الله عنه: أمر بقبة من شعر فضربت له بنمرة.
قال: أو غطى وجهه. فتغطية الوجه ليست محرمة على المحرم الذكر، وهذه إحدى الروايتين عن الإمام أحمد رحمه الله تعالى وهو الصحيح من المذهب وعليه الأصحاب كما قاله المرداوي، وهو مروي عن جملة من الصحابة: عثمان وزيد بن ثابت وغيرهم رضي الله تعالى عنه. ولا فدية عليه إذا فعل ذلك لعدم المانع من ذلك، والأصل الإباحة. وعلل بعضهم قالوا: لأنه لم يتعلق به سنة التقصير من الرجل فلم يتعلق به سنة التخمير كباقي بدني. يعني يقولون إنه لما كان تغطية الرأس ممنوع منها لأنه يتعلق به التقصير مشروعية التقصير، أما الوجه فلا يقصر منه شيئاً، قالوا: لما تعلق بالرأس مشروعية التقصير إذن تعلق به حكم التخمير، فلا يجوز أن يخمره، أما الوجه فلم يتعلق به مشروعية التقصير، قالوا: يمنع من تخميره كباقي بدني. وهذا التعليق يعني يقوى به هذا القول.
الرابع من المحظورات قال: لبس المخيط والخفين. لا إلا أن لا يجيء إزاراً فيلبس سراويل أو نعلين فليلبس خفين أو نحوهما كرائم، ويحرم قطعهما حتى يجتاز دون عليه ولا فدية. وهذا من المحظورات بالإجماع.
والدليل على ذلك ما ورد في حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل: ما يلبس المحرم من الثياب؟ فقال: «لا يلبس القميص ولا العمامة ولا البرنس ولا السراويل ولا ثوباً مسه ورس ولا زعفران».
والسراويل هنا هل هي جمع أو مفرد؟ يكون التعويل مفرد، سراويل مفرد وجمعها سراويلات، سراويل مفرد وجمعها سراويلات. لهذا لما ذكر ابن مالك رحمه الله السراويل ممنوع من الصرف. قال: وللسراويل بهذا الجمع شبه اقتبس عموم المنع. يعني سراويل منعت من الصرف لماذا؟ لأنها أشبهت الجموع سراويل لأنها على وزن مفاعيل.
نكمل الحديث: «ولا الخفين إلا أن لا يجد نعلين فليقطعهما حتى يكون أسفل من الكعبين». وجاء في حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في عرفات: «من لم يجد النعلين فليلبس الخفين، ومن لم يجد إزاراً فليلبس السراويل» متفق عليهما.
والمراد بالمخيط ما عمل على قدر ملبوس عليه، ما عمل على قدر ملبوس عليه، وليس المراد ما فيه خياطة، بل المراد ما عمل على قدر ملبوس، يعني ما عمل على قدر عضو، ولا فرق بين قليل اللبس وكثيره.
قال القاضي وغيره: ولو غير معتاد، كجورب في كف وخف في رأسه، لبس الجورب التي تلبس في الرجلين لبسها في اليدين، فهنا نقول: لبس مخيضاً وإن كان هذا اللبس غير معتاد، أو خف في رأس، رأس أو لبس الخف الجزمات أكرمكم الله على رأسه، هنا يقولون هذا لبس مخيط وإن كان غير معتاد.
وقول المصنف رحمه الله تعالى هنا: تران الخف، إلا أنه لا قدم له كما في القاموس، يعني شيء يلبس على الساق، يلبس على الساق فقط يعني لا يغطي القدمين، وإنما يلبس على الساق يصل إلى قريب من الفخذ.
قال المصنف رحمه الله تعالى: ويحرم قطع الخفين، هنا ذكر المصنف رحمه الله أنه يحرم القطع، والتحريم هو المشهور، وعدم قطع الخفين يعني كونه يلبس الخفين بدون قطعهما هذا من مفردات الحنابلة رحمهم الله تعالى، وقد نص عليه الإامام أحمد رحمه الله في رواية الجماعة وعليه الأصحاب.
لماذا؟ قالوا لأن فيه إضاعة مال، وجاء في حديث ابن عمر القطع: «وليقطعهما أسفل من الكعبين»، وفي حديث ابن عباس سكت عنه، فقدّم الإامام أحمد رحمه الله حديث ابن عباس عليه.
واستفيد منه نسخ وجوب القطع الوارد في حديث ابن عمر، بأن الذين حضروا أن حديث ابن عباس في عرفات وحديث ابن عمر في المدينة، والذين حضروا في عرفات جمع كثير، وكثير منهم لم يحضروا قوله صلى الله عليه وسلم في المدينة، فلو كان واجباً لبينه لهم، ولا يؤخر البيان عن وقت الحاجة، ولا يقال بتقديم المقيد هنا على المطلق بوجود القرينة المقتضية بإرادة حكم المطلق على إطلاقه.
وقال بعض العلماء: نقول يستحب القطع، لا نقول يستحب، المنسوخ هو الوجوب ويبقى الاستحباب. ولذلك يقول الموفق رحمه الله: والقطع أولى عملاً بالحديث الصحيح، يعني الموفق يقول: لا نقول يجب القطع ولا نقول يحرم، فلنقل يستحب، فالمنسوخ هو الوجوب.
يقول الخطابي رحمه الله: أنا أتعجب من أحمد في هذا، لهذا أنه لا يقول بوجوب القطع، يقول: فإنه لا يكاد يخالف سنة لم تبلغه. وقلت: سنة لم تبلغه؟ لما نقل الزركشي رحمه الله كلام الخرقي، كلام الخطابي كلامه في معالم السنن، قال الزركشي: والعجب كل العجب من الخطابي رحمه الله في توهمه عن الإامام أحمد رحمه الله مخالفة السنة أو خفائها.
وقد قال المروذي، والمروذي هكذا تنطق، بعضهم يظن أنه هو المروزي لا، المروزي شخص والمروذي شخص آخر، والمروذي هو الألصق بالإامام أحمد رحمه الله تعالى، يقول المروذي: احتجت على أبي عبد الله يعني الإامام أحمد بقول ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم يعني قوله وليقطعهما الشنكبين وقلت هو زيادة في الخبر، فقال: هذا حديث وذاك حديث، يعني أنه لا يقيد أحدهما بالآخر.
يقول الزركشي: فقد اطلع رحمه الله على السنة، وإنما نظر نظراً لا ينظره إلا الفقهاء المتبصرون، وهو يدل على غايته في الفقه والنظر، انتهى كلامه رحمه الله. وهذا صحيح، الإامام أحمد رحمه الله له نظر دقيق في فقه الأحاديث وفي فقه الآثار عن الصحابة رضي الله تعالى عنهم، ولذلك الإامام أحمد رحمه الله قلت: سنة لم تبلغه أو أثر عن صحابي لم يبلغه، ولذلك ابن رجب رحمه الله في رسالته الرد على من اتبع غير المذاهب الأربعة ذكر أن شارك الإامام أحمد رحمه الله كثيراً في معرفة الأحاديث، لكنه تميز عنهم في فقه آثار الصحابة رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم.
مصنف: ولا فدية، يعني لا فدية على من لم يجد إزاراً فلبس سراويل أو لم يجد نعلين فلبس خفين، لظاهر الخبر حيث لم يلزم النبي صلى الله عليه وسلم بالفدية هنا، والسكوت في معرض الحاجة للبيان بيان.
طيب لو الخف المقطوع، المقطوع يعني الذي أزيل يعني مغلق من الأمام وليس له كعب، فلو لبسه مع وجود النعل حرم وفدى على الصحيح من المذهب، ونص عليه الإامام أحمد رحمه الله.
طيب لو وجد نعلاً ولكن تعذر عليه مرض مثلاً، لكن في مرض في قدميه تعذر يعني أو يشق عليه مشقة شديدة لبس النعلين فلبس الخفين، فهل يفدي أو لا؟ قولان في المذهب.
الأول: أنه نعم يلزمه الفدية، وهذا نص عليه الإامام أحمد رحمه الله، قالت الإنصاف: هذا المذهب. والثاني: أنه لا فدية عليه، الحاقاً له بمن لم يجد نعلين، فهذا لم يجده وهذا لم يجده شرعاً لأنه لا يكلف الله نفساً إلا وسعها، وهذا اختاره الموفق بن قدامة والشارح والمرداوي في الإنصاف رحمه الله، وقدمه في الفروع وجزم به في الإقناع. وننبه هنا إلى أنه في مطبوع من شرح البهوتي على المنتهى بتحقيق التركي ذكر أن صاحب الفروع قدم القول الأول حيث لما ذكر القول الأول قال: وقدمه في الفروع، ثم قال بعده: واختار الموفق وغيره لكبيرة، والصواب وقدم في الفروع، يعني أنه ذكر القول الأول ثم ذكر القول الثاني قال: وقدم في الفروع واختار الموفق أنه لا فدية، وهذا هو الموافق لما في الفروع، وهي هكذا في حاشيته على المنتهى، يعني حاشية البهوتي على المنتهى.
المصنف رحمه الله تعالى: ولا يعقد عليه رداء ولا غيره إلا إزاره ومنطقته وهمياناً فيهما نفقة مع حاجة لعقد. يعني مما يلحق بلبس مخيط عقد المحرم عليه شيئاً، فلا يعقد الرداء، يعني لا يشبكه بأبرة أو مشبك أو أزرار ونحوه، وهذا نص عليه الإامام أحمد رحمه الله كما قاله المرداوي في الإنصاف، فإن فعل أثم وفدى لأنه بالمخيط، لقول ابن عمر لمسلم: «ولا تعقد عليك شيئاً» رواه الشافعي. وقال الإامام أحمد رحمه الله في محرم حزم عمامته على وسطه، ولا لا يعقدها ويدخل بعضها في بعض، أن يقول: يدخل بعضها في بعض ولا يعقدها يعني لا يشبكها بمشبك ونحوه.
ثم استثنى المصنف رحمه الله ما يجوز للمحرم عقده وهو وارد في قوله: إلا إزاره، فالإازار له عقده لحاجة ستر عورته حالة الإنصاف بلا نزاع.
قال: وإلا منطقة وهمياناً فيهما نفقة مع حاجة لعقد، المنطقة هي كل ما يشد به الإنسان على وسطه كالحزام، والهميان الكيس الذي فيه النفقة ويشد على وسطه، فيجوز عقدهما بشرطين، وهذا المذهب وعليه الأصحاب. الشرط الأول: إذا وجد فيهما نفقة، لقول عائشة رضي الله تعالى عنها: «أوثق عليك نفقتك» رواه ابن أبي شيبة، وجاء عن عمر وابن عمر وابن عباس رضي الله عنهم، فإن لم يكن فيهما نفقة لا يعقدهما. والثاني: إذا كان محتاجاً لعقدهما، فإن ثبت بدون العقد كما لو أدخل بعض سيور الهميان في بعض فإنه لا يعقده لانتفاء الحاجة.
فلو لبس الحزام وعقده لغير نفقة، كما لو كان به ألم في ظهره، فإنه يجوز ولا يفدي، نص عليه الإامام أحمد رحمه الله تعالى.
ثم ذكر المصنف رحمه الله أشياء مما تشبه لبس المخيط، فذكر أنه يفعلها إما مطلقاً أو بحاجة، فقال: تقلد بسيف لحاجة. فيتقلد بسيف لحاجة لقصة صلح الحديبية، حيث حمل النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة رضي الله تعالى عنهم سيوفهم وهم متجهون للحرم بنية العمرة، وكان ذلك بلا حاجة، لا يجوز، ولا يجوز عقده بلا حاجة، نعم تقلد بلا حاجة لشبهه باللبس، نص عليه الإامام أحمد رحمه الله تعالى، قال ابن عمر: لا يحمل المحرم السلاح في الحرم.
وننبه هنا إلى أن الموفق رحمه الله في المقنع عبر بالضرورة، قال: ويتقلد بسيف بالضرورة. وهنا في الفتحوعبر بالحاجة، وأيضاً المرداوي في التنقية عبر، ومراد الموفق والله أعلم بالضرورة هي الحاجة، ولذلك ترى الفقهاء رحمهم الله أحياناً يتسامحون في إطلاق الحاجة على الضرورة أو في إطلاق الضرورة ويريدون بها الحاجة.
ولذلك شرح الشارح ابن أبي عمر الحاجة، قال: فاذا احتاج لذلك أجازه. ولعل الموفق تبع نص الإامام أحمد رحمه الله حيث قال في لبس السلاح المحرم في غير الخوف؟ قال: لا إلا من ضرورة، يعني طالب العلم يتنبه إلى عبارات المتقدمين، فلا يحملها على مصطلحات المتأخرين، يعني المتأخرون يفرقون بين الحاجة والضرورة، لكن كلام المتقدمين أحياناً يتسامحون في إطلاق هذا على هذا وهذا على هذا، ومثله الكراهة والتحريم، قد يطلقون الكراهة ويريدون به الكراهة التحريمية، وهذا كثير عند الإامام أحمد رحمه الله أو الشافعي يقول: أكره كذا ونحو هذا، ويريدون به التحريم، فلا تحمل أقوال المتقدمين على اصطلاح المتأخرين، وهذا مما أبقى اللبس في نقل كثير من الأقوال خطأ، كما نبه عليه شيخ الإسلام ابن القيم رحمه الله تعالى في مواضع من كتبهم.
قال: ويحمل جرابه وقربة الماء في عنقه لا في صدره. قال الإامام أحمد رحمه الله: أرجو لا بأس، يعني جرابه الذي يعني إناء من جلد يحمله على عنقه، وكذلك قربة الماء يحملها في عنقه ولا يدخلها في صدره، يعني لا يدخل حبلها في صدره لئلا يشبه لبس المخيط.
قال: وله أن يتزر ويلتحف بقميص، يعني يجعل مكان الإازار قميصاً، الثوب عندنا يعني مثلاً، وهذا يعني لو مثلاً شخص في الطائرة مثلاً لباس الإحرام، لكن عنده ثوب زائد اتزر به، وهنا نقول: يجوز ذلك. طيب قبل لبس مخيط نقول: لم يلبسه على صفته التي صنع لها، وإنما اتزر به، وهو لبسه بالارتداء، وهو اتزر به.
وكذلك قال: يلتحف به، يعني له أن يتغطى به ويرتدي به، يعني يلبس القميص للرداء، يعني يلفه، فلو لبسه لبساً وأدخل كميه هنا نقول: فيه الفدية، لكن لو لفه على جسم كبد أو كالإازار فلا بأس به، لأنه ليس بلبس المصنوع لمثله.
قال: وبرداء موصل، يعني له أن يرتدي برداء موصل. وما معنى موصل؟ يعني الرداء مثلاً قصير، قماش ثان أحضر القماش الآخر وخاطه بهذا الرداء أو بهذه الطريقة، نعم الرداء قصير فجاء قماش آخر وخاطه، فرداء موصل فيجوز له لبسه وارتداؤه.
قالوا: الرداء لا يعتبر كونه صحيحاً، يعني صحيحاً من الأصل. قال: وإن طرح على كتفيه قباء فدى، هذا المذهب نص عليه وعليه أكثر أصحابه، قباء مثل المشلح والفروة عندنا، فلو أن المحرم طرح الفروة أو المشلح على كتفيه ولم يدخل كميه فيهما فإنه يعتبر لابساً للمخيط فيفدي ولو لم يدخل يديه في كميه. وجهاد في حديث ابن عمر عند البيهقي أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن لبس القميص والأقبية، ولانه يلبس هكذا عادة.
وفي قول آخر في المذهب أنه إن لم يدخل يديه في كميه فإنه لا يفدي، وهذا اختاره الخرقي والموفق رحمهم الله تعالى.
ثم ذكر المصنف رحمه الله حكم الخنثى المشكل، فقال: وإن غطى خنثى مشكل وجهه ورأسه أو وجهه ولبس مخيطاً فدى، فدى لا إن لبسه، أو غطى وجهه وجسده بلا لبس. أحكام الرجال والنساء في الإحرام تختلف فيما يتعلق باللبس وتغطية الرأس والوجه، الخنثى قد يكون أنثى وقد يكون ذكراً، فلا تلزمه الفدية إلا لو فعل محظوراً لا يختلف به حكم الجنسين كالطيب، لو تطيب خلاص يلزمه الفدية لأنه سواء كان المحرم ممنوع من الطيب مطلقاً.
لكن لو كان فعل محظوراً يختص بالرجال أو محظوراً يختص بالنساء فقط، فهنا نقول: لا يكفي، لا يفدي إلا إذا فعل محظوراً يختص بالرجال وبالنساء. ولذلك قال: إن غطى خنثى مشكل وجهه ورأسه، لماذا؟ لأن نقول: لا يخلو إما أن يكون ذكراً والذكر ممنوع من تغطية الرأس، أو أنثى والأنثى ممنوعة من تغطية الوجه، سؤال أول: فإنه أيضاً يفدي، لماذا؟ لأنه إن كان أنثى فقد حرم عليها تغطية وجهها، وإن كان ذكراً فقد حرم عليه لبس المخيط. قال: لإن لبسه يعني يقول: لا يأتي الخنثى إلا بسلمى خيطة فقط بدون تغطية وجه.
لا أن لبسه يعني لبس المخيط ولم يغطي الوجه. لماذا؟ لأنه يحتمل أن يكون أنثى، والأنثى يصح لها لبس المخيط.
قال أو غطى وجهه وجسده بلا لبس يعني لا يفي الخنثى إذا غطى وجهه وجسده بشيء بدون لبس لاحتمال كونه ذكرا لاحتمال كونه ذكرا. قالوا ولذلك لماذا لا تجب على الفدية هنا قالوا لأن للشك في وجوب الفدية عليه والأصل عدمه. يعني إذا شككنا في وجوب شيء فالأصل عدمه.
ثم ذكر المصنف رحمه الله تعالى المحظور الخامس وهو استعمال الطيب. فقال الخامس الطيب لقوله صلى الله عليه وسلم في المحرم قال: «ولا يلبس ثوبا مسه ورس ولا زعفران». وأمر النبي صلى الله عليه وسلم في الذي وقفته ناقته قال: «ولا تحنطوا» وفي رواية: «ولا تمسوه طيبا».
وفي حديث يعلى بن أمية أمر النبي صلى الله عليه وسلم بغسل الطيب في غسل الطيب الذي على الجبة. والأصحاب يقولون: أمر النبي صلى الله عليه وسلم يعلى بن أمية. هل هذا دقيق أو لا؟ إذا صلى في حاشيته على الفروع ذكر أنه إن يعلى هو راوي الحديث لا صاحب القصة.
يا صاحب القصة. وكذا ذكره ابن قندس في الحاشية وانتقدهما وانتقدهما لأن المرداوي ذكر كلام ابن نصر الله. طبعا المرداوي تلميذ لابن نصر الله وابن قندس أيضا تلميذ لهما، ولذلك أحيانا يقول: قال شيخنا. فانتقده المرداوي في تصحيح الفروع، وذكر أنه هو صاحب القصة، وذكر أن ابن حجر وابن الملقن ذكرا ذلك في شرح البخاري.
الذي في الصحيح، صحيح البخاري ومسلم أن رجلا سأل أن رجلا سأل. يقول المرداوي: لا يمنع هذا، لا يمنع أن يقول: إن رجلا سأل وهو نفسه، كما جاء في حديث الرقية بفاتحة الكتاب في حديث أبي سعيد في الصحيحين أنه انطلق رجل ورقى سيد القوم. يأتي بعض الروايات أن الذي رقاه هو أبو سعيد نفسه. يقول: لا يمنع أن يرد مبهما ويكون هو راوي الحديث.
أنبه إلى أن المرداوي قال: ابن الملقن أيضا ذكره. ذكر أن يعلى هو صاحب ما ذكره هكذا. ذكر أنه يحتمل أن يكون فلان، وجاء في بعض الروايات أنه يعلى بن مرة، ويعلى بن مرة هذا غير يعلى بن أمية، ويقال ابن منية وهي أمه. فهو غير يعلى بن مرة. ولذلك ابن حجر في الفتح يرى أنهما اثنان وليسا واحدا، ولكن جاء في بعض الروايات ونسبها ابن حجر في الفتح إلى الطحاوي أن يعلى بن أمية وهو ابن منية هو السائل.
ثم قال المصنف رحمه الله: فمتى طيب محرم ثوبه أو بدنه أو استعمل في أكل أو شرب أو ادهان أو اكتحال أو استعاط أو احتقان يظهر طعمه وريحه، أو قد شم دهن مطيب أو مسك أو كافور أو عنبر أو زعتر أو ورس أو بخور عود ونحوه، أو ما ينبته آدمي لطيب ويتخذ منه كورد وبنفسج ومنثور وثمين ونحوه وشمع، أو مس ما يعلق به كما ورد حرم وكذا.
هنا ذكر المصنف رحمه الله تعالى أن ما يحرم على المسلم في الطيب أمور أربعة، وهي: الأول: استعمال الطيب في بدنه أو ثوبه. مثلا طيب ثوبه وبدنه، فهنا يحرم عليه بالنصوص المتقدمة في حديث ابن عمر وحديث ابن عباس الذي وقفته ناقته وحديث يعلى بن أمية. الثاني: استعمال الطيب فيما ذكر المصنف في أكل، يعني استعمال الطيب الذي يظهر طعمه أو ريحه في الأكل، الأول في الأكل، أكل أرز يجعل فيه عنبر أو زعفران، قالت الإنصاف: بلا نزاع أعلمه، فين ذهب رائحته وبقي طعمه، فالمذهب أنه يحرم ويلزم به الفدية، نص عليه وعليه أكثر الأصحاب. قالوا لأن الطعم لا يكاد ينفك عن الرائحة، فمتى وجد الطعام دل على وجود وبقاء الرائحة. الثاني أو شرب زعفران أو قهوة. الثالث: أو الدهان بأن يدهن المحرم بكريم مرطب أو نكهة مطيبة، كنكهة العود مثلا وهذا على الصحيح من المذهب وعليه الأصحاب.
قال أو اكتحال أن تكتحل المحرمة مثلا بكحل فيه نكهة عطرية. أو استعاط، يعني يتداول المحرم بدواء في أنفه يكون فيه طيب. أو احتقان بأن يتداول المحرم بدواء يدخل من دبره فيه طيب، ويكون هذا الطيب مما يظهر طعمه وريحه، فإنه يحرم عليه ذلك ويفدي بما فيه من ترفه.
الأمر الثالث: أن يقصد شم الطيب أو يقصد شم ما ينبته الآدمي للطيب ويتخذ منه طيبا. فينبه هنا إلى أن ليس كل رائحة زكية أنها طيب يحرم على المحرم، لا، هناك روائح لكنها لا تتخذ للطيب عادة، لاحظوا روائح جميلة لكنها لا تتخذ كالتفاح مثلا، التفاح رائحته جميلة لكنه لا يتخذ للطيب عادة.
وعلى ذكر التفاح ذكر الشيخ عبد الرزاق البدر وفقه الله نقلا عن الشيخ ابن عثيمين رحمه الله تعالى يقول: مرة كنا في مجلس وجابوا بالفاكهة وأكلين التفاح. قال الشيخ محمد رحمه الله: أول مرة أرى التفاح في صغري، في صغري كان شبابنا كنت أحضر درس القواعد لابن رجب رحمه الله الذي يلقيه الشيخ ما بقي إلا أنا، فلما أهدينا شرح القواعد أهدي الشيخ السعدي على تلميذه الشيخ محمد رحمه الله يقول: أهداي هدية وهي التفاحة، يقول: هذه التفاحة أول مرة أراها، رحمهم الله تعالى وغفر لهم.
مثل المصنف رحمه الله ما يقصد شمه، قال: دهن مطيب أو مسك أو كافور أو عنبر إلى آخره. نحن واقفون على كل كلمة لأن هذا المقصود بها التمثيل، فالمقصود أن يقصد شم الشيء، يقصد شم الطيب أو الذي يتخذ للطيب.
الرابع: مس ما يعلق به ماء الورد، فيحرم على المحرم ما يعلق رائحته بجسمه إذا مسه كماء الورد، وهذا المذهب وعليه الأصحاب.
ثم ذكر المصنف رحمه الله ما لا يدخل في استعمال الطيب الممنوع الموحد. فقال: لا إن شم بلا قصد، هذا الأمر الأول، إذا شم بلا قصد كمن دخل سوقا مثلا فمر من عند محل أطيب فنفذ إلى أنفه رائحة البخور أو دهن العود ولم يقصد شمه. لو اشترى الطيب للتجارة، اشترى طيبا ويتاجر في العود للتجارة ولم يمسه فانه يجوز ولا يعتبر محظورا لعدم قصد الترفه به، ولأنه لم يقصد الطيب ولا يمكن التحرز عنه. قال: أو ما السم أو ما لا يعلم، يعني لو مس المحرم طيبا لا يعلق بيده، كما لو مس قطعة عنبر أو كافور فلا شيء عليه، لأنه لا يعتبر مستعملا للطيب هنا. قال في الإنصاف بلا نزاع يعني في المذهب.
الثالث قال: أو شم ولو قصدا، فواكه هذا اللي قلنا لكم، شيء رائحته جميلة لكنه لا يتخذ للطيب عادة، قال فواكه أو عودا، أو عودا بخور يعني، عود البخور ليس دهن العود، أو نبات صحراء كشيح ونحوه، أو ما ينبته آدمي لا بقصد طيب كحناء وقرنفل ودارصيني ونحوه، أو لقصد ولا يتخذ منه كريحاني فارسي إلى آخره. في هذه الأمور لا محظور على المحرم في شمها لأنها لا تتخذ للطيب عادة، لا تتخذ للطيب عادة.
وقول المصنف رحمه الله هنا ريحان فارسي وهو الحبق، وهو الحبق. قالوا والريحان عند العرب هو الآسي. ولا فدية في شمهما، لا الآسي ولا الحبق. قال ابن جاسر رحمه الله: والمعروف الآن من الريحان بالديار النجدية نوع من أفخر الطيب وفيه الفدية إذا قصد المسلم شمه وفيه الفدية إذا قصد المحرم شمه.
طبعا العود قلنا لا يطيب يعني العود وهو طيب، لماذا لا يحرم المحرم يشمه؟ قالوا بأنه لا يتطيب به بالشم. طيب استعمال الهيل في القهوة، استعمال في القهوة هل يجوز أو لا يجوز؟ هل هو من الروايح العطرية أو لا يجوز؟ نعم، فلا يجوز أو يجوز، نقول: ليس من روايح عطرية. ذكر ابن جاسر رحمه الله جواز استعماله في القهوة لأنه لا يدخل في مسمى الطيب، وقاسوا على القرنفل الذي يسميه بعضهم المسمار. قال محققه، محقق اللي هو الشيخ سعود: لم أجد من تعرض للهيل من الفقهاء قديما حسب ما أطلعت عليه من الكتب، يعني الكتب القديمة، وذكر فتوى ابن إبراهيم رحمه الله تعالى بجوازه.
قد أفاذني أحد الفضلاء أن محمد بن عمر الجاوي الشافعي رحمه الله المتوفى سنة ست عشرة بعد الثلاث مئة والألف تعرض لها، عرب لها في كتابه نهاية، في إرشاد المنتدين شرح قرة العين بمهمات الدين، والمتن لزين الدين من علماء القرن العاشر على مذهب الشافعية أنه تعرض له، ومما قاله: وإن كان له ريح طيبة كالتفاح وسائر الأبازير الطيبة كالقرنفل والهيل والهيل الهندي فلا تقيد، وهذه الفائدة قيدتها على الكتاب المفيد للأنام.
وأنصح بتقييد الفوائد، يعني إذا رأيت فائدة تتعلق، فائدة ذكرها صاحب الكتاب، علق، احرص على تعليقه، أما طلاب العلم فيختلفون فيه في طريقة: أما أن يقيدها على موضعها من الكتاب، أو يقيدها على غلاف الكتاب، أو يقيدها في كناشة خارجية سواء ورقية أو إلكترونية، فاحرص على تبييض الفوائد ما استطعت إلى ذلك سبيلا، فالعلم صيد والكتابة قيده، قيد صيدوك بالحبال الواثقة.
ولا تقل هذه واضحة، فإنك قد تكون واضحا الآن ولا ننساها، فإذا احتجت إليها بعد أيام نسيتها، وترى تقييدها مما يعين على حفظها واستذكارها. تقيدتها حتى لو لم تقرأه يعني تذكر أنك قيدت فائدة للمكان الفلاني، فهذا مما يعين على حفظها واستذكارها.
المصنف رحمه الله أو أدهن بغير مقيت ولو في رأسه وبدنه، يعني لو أدهن بالزيت مثلا فلا بأس به في المحرم ولا فدية فيه، ورد في حديث ابن عمر عند أحمد والترمذي وابن ماجه وفيه ضعف أن النبي صلى الله عليه وسلم أدهن بزيت غير مقيت. أي هو مقيت يعني أنه طيب، يعني الدهن بزيت غير مطيب وعلقه البخاري عن ابن عباس ولعدم الدليل على التحريم فلنبق على أصل الإباحة.
ثم ذكر المصنف رحمه الله تعالى المحظور السادس وهو قتل صيد البر إجماعا، وهذا نقله الموفق وغيره، قال المرداوي رحمه الله: إلا أن في بقر الوحش رواية، رواية لا جزاء فيها. والدليل على أن قتل الصيد محظور قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ [المائدة: 95]. قال: واصطياده يعني كونك مجرد مجرد أن يصيده المحرم حتى لو لم يقتله فانه أو لم يجرحه فان هذا محظور لقوله تعالى: ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُماً﴾ [المائدة: 96]. قال: وهو الوحشي المأكول، يعني يشترط في الصيد الذي يحرم على المحرم اصطياده الأول أن يكون صيد بر، أيضا بريا للاية حرم عليكم صيد البر ما دمتم حرما. والثاني أن يكون وخرج به صيد البحر، فصيد البحر لا يحرم على المحرم إلا إذا كان في الحرام كما سيأتي.
الثاني أن يكون وحشيا ليس أهليا، لأن الأهلي يذكى ولا يصاد. الثالث ولذلك أن يكون لو كان أهليا كبهيمة الأنعام فيجوز المحرم ذبحها. ثالثا يكون مأكولا، فغير المأكول لا فدية عن المحرم قاتله، كما لو قتل مثلا صقرا، ما لو قتل صقرا فانه لا فدية عليه في قتله. الرابع ألا يقتله دفاعا عن نفسه، يعني دفع الصائل، فان قاتله دفاعا عن نفسه فانه لا فدية في قتله.
قال: والمتولد منه ومن غيره، يعني الوحشي المأكول والمتولد منه ومن غيره، يعني لو كان حيوانا أبوه وحشي وامه أهلية أو العكس، أو أبوه مأكول وامه غير مأكولة أو العكس، فانه فانه أيضا مما يحرم صيده، قالوا كالسمع، السمع هو ولد الذئب والضبع، الذئب يحرم أكله والضبع يجوز أكله، فان في قتل السمع فان في قتل السمع الفدية إذا قتله المحرم تغليبا لجانب التحريم.
تحريم قتل المتولد من الحيوان الوحشي ومن غيره، ومن يأكل من غيره هو قول واحد في المذهب، وأما وجوب الجزاء في قتله فهو على الصحيح من المذهب كما ذكره المرداوي. قال: والاعتبار بأصله، حمام وبط وحشي، يعني العبرة في وصف الكون وحشيا أو أهليا بالنظر إلى أصله، فالحمام والبط وحشي حتى لو استأنس، وإن توحش أهلي من إبل أو بقر فانه لا يحرم أكله ولا جزاء ولا جزاء فيه.
المصنف رحمه الله صور ضمان الصيد، صور ضمان الصيد المحرم، صور ضمان الصيد المحرم. فقال: فمن أتلَفَه، هذه الصورة الأولى أن يتلفه يعني يقتله بآلة كانت معه، فإنه يضمنه بالإجماع الآية: ﴿لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم﴾. قال: أو تلف بيده، كما لو صاد أرنبا لكنه لم يمت وأمسكه بيده حتى تلف فإنه يضمنه لكون يده يدا عادية ثواني ما تلف بسببها. قال: أو بعضه، يعني لو أتلف بعض الصيد أو تلف بعضه بآلة كانت معه فيضمنه، فإن جملة مضمونة وضمنت أبعاده، وسواء كان التلف مباشرة كما لو قتل الصيد بيده أو بسبب، كما لو ربط الأرنبة مثلا بحبل حتى مات، فهنا تسبب في موته.
قال: الصورة الرابعة أو ولو بجناية دابة متصرف فيها، يعني يضمن المحرم ما قتل من الصيد حتى لو كانت الجناية بسبب الدابة التي هو متصرف فيها، بأن يكون راكبا الدابة أو سائقا أو قائدا، فيضمن ما أتلفت بيدها وفمها، يعني ما أتلفت بمقدمها.
لا ما رمحت في رجلها، فهو مسؤول عن مقدمها، أما ما رمحت برجلها فإنه لا يضمنه؛ لذلك قال صلى الله عليه وسلم: «رجل العجماء جبار»، يعني هدر. فإن انفلتت عنه لم يضمن ما أتلفت. قال البهوتي في حاشيته: كالآدمي، يعني قياساً على مملوك الفتى آدمي فإنه لا يضمنها.
قال: أو بإشارة، أو بإشارة محرم لمريد صيده. هذه الصورة الخامسة، يعني يضمن المحرم إذا دل شخصاً على صيد يريد صيده. وهذا شامل لكون مريد الصيد محرماً أو حلالاً؛ ولذلك قال المصنف بعده: إلا أن يقتله محرم فبينهما. فإذا كان من أراد الصيد محرماً فالفدية بينهما، وإن كان حلالاً فالجزاء على الدال. فالجزاء على الدال وهو محرم؛ يعني لو مثلاً شخص محرم ما دخل حدود الحرم حتى الآن، مثلاً كان بالميقات، فكان هناك شخص، فقال المحرم للحلال: انظر هذه الحمامة صِدها، فصادها؛ هنا يحرم على المحسن ويلزمه الفدية، فيلزمه الفدية، لماذا؟ لأنه أشار على من أراد الصيد.
قال: أو دلالته إن لم يره، أو دلالته؛ يعني سواء أشار إليه بإصبعه أو دله، قال: انظره على المكان الفلاني. فهذا من الإعانة على الصيد المحظور على المحرم فعله. طيب، إذا رآه؟ إذا كان الصائد قد رآه قبل أن يدله على المحرم، فهنا نقول لا فدية على المحرم.
قال: أو إعانته ولو بمناولة آلة. بمناولة؛ يعني يحظر على المحرم إعانة من يريد صيداً ولو كانت الإعانة بمناولة الآلة أو حتى إعارتها، سواء أمره بالصيد أو لا؛ يعني أعطاه آلة صيد وما قال له: روح صِد بها. طيب، في إعارة آلة لغير الصيد، يعني ما درى أنه بيأخذها لأن يذبح بها صيداً، فأعطاه سكينًا، فذهب هذا الشخص فرمى السكين على صيد فأصابه، فهنا لا يحرم على المحرم ولا يفدي.
ومما يدخل في الإعانة ما ذكره القاضي بقوله: أو بدفعه إليه فرساً لا يقدر على اخذ الصيد إلا به. يعني لو سلمه فرساً وهذا الصائد لا يستطيع أن يلحق الصيد إلا بهذا الفرس، نقول: يلزم المحرم الجزاء، لماذا؟ لأنه أعان على قتل هذا الصيد. طيب، أو إعانته آلته؟ ذكر ابن القائد رحمه الله أن الفقهاء ذكروا في الجنايات أن من دفع لشخص آلة فقتل بها، انفرد المباشر بالضمان، وهنا شركوا بينهما، لماذا؟ يقول الفرق: إن الآدمي من شأنه الدفع عن نفسه ولا يقدر عليه إلا بمزيد قوة، فقويت المباشرة، بخلاف الصيد فإن من شأنه عدم الدفاع عن نفسه فضعفت المباشرة، فأُلحق بالسبب.
ثم ذكر المصنف رحمه الله الحكم التكليفي للإعانة على الصيد، ذكر هناك الحكم الوضعي الذي هو أنه يلزم الفداء، وهنا ذكر الحكم التكليفي وقال: ويحرم ذلك، أي ما تقدم من الإشارة والدلالة والإعانة، لماذا؟ لأنها إعانة على فعل محرم. قال: لا دلالة على طيب ولباس. يعني لا يحرم على المحرم أن يدل محرماً غيره على طيب ولباس؛ لأنه لا ضمان فيهما بالسبب، يعني لأن إمساكهما ليس بمحرم ولا يتعلق بهما حكم يختص الدال عليهما، بخلاف الصيد؛ الصيد إذا دله، إذا دل المحرم غيره على الصيد، فإنه يتعلق بالدال حكم وهو الإثم والضمان أيضاً، بخلاف الطيب واللباس فإنه لا يتعلق بالدال حكم؛ لذلك قالوا: لا يتعلق به، لا يتعلق بالتحريم، قالوا: ولانه لا يحرم على المحرم تحصيلهما، بل استعمالهما، بخلاف الصيد؛ فإنه يحرم عليه حتى الشراء، فلذلك شدد فيه وألزم بالفدية في الدلالة عليه.
قال: بات عليه الجزاء؛ يعني فعلى من أتلفت الصيد مباشرة أو سبباً الجزاء، في خبر أبي قتادة رضي الله تعالى عنه في صيد الحمار الوحشي وأصحابه محرمون، وفيه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «هل أشار إليه إنسان منكم أو أمرهُ بشيء؟» وفي الرواية الأخرى فقالوا: لا. وفي رواية أخرى: فقلت ناولوني السوط والرمح فقالوا: والله لا نعينك عليه. فدل بمفهومه على أن من حصلت منه الإعانة فإنه يأثم ويترتب عليه الفدية.
وذكر المرداوي رحمه الله أن ضمان الدال على المذهب مطلقاً، وذكر أن استقلال المحرم المعين والدال بالجزاء هو الصحيح من المذهب. ذكر أبو رجب رحمه الله هذه المسألة تحت القاعدة الثامنة والعشرين، اللي هو اشتراك المحل والمحرم في الصيد، فقال: إذا –والقاعدة نصها– إذا حصل التلف من فعلين؛ أحدهما مأذون فيه، والآخر غير مأذون فيه، وجب الضمان كاملاً على الصحيح. وإن كان من فعلين غير مأذون فيهما، فالضمان بينهما نصفين، حتى لو كان أحدهما من فعل ما لا يجب الضمان عليه لم يجب على الآخر أكثر من النصف.
وذكر من صورها: إذا اشترك محل ومحرم في جرح صيد ومات من الجرحين، فإنه يلزم المحرم ضمانه كاملاً. نطبقه على القاعدة: حصل التلف الآن من فعلين، أحدهما مأذون فيه وهو فعل المحل، والآخر غير مأذون فيه وهو فعل المحرم، فهنا وجب الضمان كاملاً على الفعل غير المأذون فيه، قال: على الصحيح. ابن رجب رحمه الله قال: فإنه يلزم المحرم ضمانه كاملاً. هذا ظاهر كلام أحمد في رواية ابن منصور ومهنَّى (ابن منصور المراد به إسحاق بن منصور الكوسجي).
وقال القاضي، يعني أبا يعلى في المجرد: مقتضى الفقه عندي أنه يلزمه نصف الجزاء، وقاسه على مشاركة من لا ضمان عليه باتلاف النفوس والأموال. قال: والفرق واضح، إذ الأذن هناك منتف وهنا موجود. إذاً هناك يعني في الجنايات، يعني قاسوا علماء الضمان عليك لتلاف النفوس والأموال، قالوا: فلو اشترك شخص وسبع في قتل إنسان لزمت الفدية، تنازلوا هؤلاء عن القصاص وقالوا: نريد الفدية، هل يلزمه الفدية كاملة أو نصفها؟ قالوا: يلزمه نصفها؛ لأنه عليه نصف الجناية فلزمه نصف الفدية. القاضي في مجرد قاس مسألة الصيد على هذي فقال: يلزمه نصف الجزاء.
ابن رجب رحمه الله قال: نعم، في فرق؛ هنا في أذن للحلال أن يقتل، وهناك ما في أذن شرعي للأسد أن يقتل. لو قلنا نعم ما في أذن شرعي للأسد أن يقصد، طيب، قال ابن رجب: نعم، إن قصد المحل إعانة المحرم ومساعدته على قتل الصيد توجه ما ذكره القاضي، هنا فعل فعلاً غير مأذون له، أما محرم أو مكروه؛ لذلك قال: فانه يكره له ذلك أو يحرم عليه، كما نعم ويحرم عليه، كما إذا باع من لا جمعة عليه ممن عليه الجمعة بعد النداء.
قال: إلا أن يقتله محرم فبينهما. يعني إذا كان الصائد والدال محرمين فالجزاء بينهما؛ لأنهما اشتراِكا في التحريم فيشتركان في الجزاء. قالوا في الإنصاف: وهذا المذهب. وذكر أنه من المفردات: كان الدال والقاتل كلاهما محرمين فالجزاء عليهما جزاء واحد ويتناصفان فيه، يدل عليه القاعدة السابقة.
قال: ولو دل ونحوه، يعني الدلالة أو أشار أو أعان إلى آخره، حلال ضمنه محرم وحده؛ يعني يستقل المحرم بالضمان دون الحلال، وهذا خاص بصيد غير الحرم؛ لأن صيد الحل للحلال مباح بغير الحرم، فدلالته أولى. قال في الإقناع: ولا يحرم، ولا يحرم القاعدة السابقة، وهذا غريب بأنه من التعاون على الإثم؛ لأنه من التعاون على الإثم والعدوان.
قال: كشركة غيره. فلو ترك حلال ومسلم بقتل صيد فلا ضمان على الحلال لأنه ليس محلاً للضمان، ويضمنه المحرم كله تغليباً للإيجاب.
ولو دل حلال حلالاً على صيد بالحرم، كدلالة محرم محرماً. يعني لو دل شخص إنسان حلال حلالاً على صيد داخل حدود الحرم فقتله الحلال المدلول، فالجزاء بينهما؛ يعني زيد وعمرو في العزيزية داخل حدود الحرم كلاهما محلان ليس محرماً، فوجد صيدا، فزيد دل عمرو على الصيد فقاتله عمرو، فالجزاء على من؟ الجزاء بينهما، دلالة المحرم محرماً. المباشر لم يستطع الصيد إلا باشتراك الآخر في الدلالة. نص عليه الإمام أحمد رحمه الله وهذا المذهب وعليه أكثر الأصحاب.
نتناقش عند هذا، عند قوله: وإن صب شبكة ونحوها ثم أحرم، نقف عندها.
نسأل الله أن يوفقنا جميعاً لما يحب ويرضى. صلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
الشيخ عبدالله بن عبدالرحمن الميمان