بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، فحياكم الله في اللقاء الرابع من لقاءات شرح كتاب الصيام من منتهى الإرادات في جمع المقنع مع التنقيح وزيادات، وأسأل الله أن يجعله لقاء مباركًا خالصًا لوجهه الكريم.
أيها الأحبة، نبدأ هذا اللقاء بالإجابة على تمارين الدرس الماضي، ونشكر الأحبة الذين تفاعلوا وأرسلوا إجاباتهم. الأسئلة كانت كالتالي: طارق كان راجعًا من عمله في أحد أيام رمضان قبيل العصر، ولما صلى العصر نام وكان مجهدًا جدًا، فلم يستيقظ لصلاة المغرب ولا العشاء ولم ينتبه إلا بعد أذان الفجر بخمس دقائق، فهل يصح صومه فرضًا لليوم الثاني أو لا؟
الجواب: لا يصح صومه فرضًا لليوم الثاني، بمعنى أنه يلزمه قضاؤه؛ لأن كل يوم عبادة مستقلة، فيلزم لكل يوم نية مستقلة، والنية تكون من الليل، وهو قد استوفى الليل نومًا.
السؤال الثاني: يزيد كان صائمًا في اليوم العشرين من رمضان، فحصل له حادث مروري عصر اليوم العشرين، دخل في غيبوبة من الحادث ولم يفق إلا مغرب اليوم السادس والعشرين، وأفطر بقية الشهر لمرضه وقد تم الشهر ثلاثين يومًا، فهل عليه قضاء الأيام التي كان في غيبوبة فيها أو لا؟
الجواب: نعم، عليه قضاء الأيام التي كان في غيبوبة فيها من اليوم الحادي والعشرين إلى إفاقته أو إلى آخر الشهر؛ لأنه أفطر بمرضه. وهل يصح صومه ليوم الذي حصل له فيه الحادث؟ نعم، يصح صومه في اليوم الذي حصل فيه الحادث؛ لأنه أغمي عليه جزءًا من اليوم ولم يغمى عليه كل اليوم.
طيب، لو اكتحل الصائم بكحل لكنه لم يحس بطعم في حلقه، فهل يفطر بذلك؟ الجواب: لا يفطر بذلك؛ لذلك المؤلف قال: «ويكتحل بما يعلم وصوله إلى حلقه».
نبدأ في درس هذا اليوم، وكنا قد وصلنا إلى قول المؤلف رحمه الله تعالى بعد أن ذكر المفطرات وذكر شروط التفطير بها، وأنها لا بد فيها من الذكر والقصد، فإذا نسي أو أكله فإنه لا يعد مفطرًا بذلك.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: «كردة مطلقا وموت ويطعم من تركته في نذر وكفارة». بين المؤلف رحمه الله تعالى أن مما يفسد الصوم أيضًا الردة والموت، وهذه ليست مفطرات بالمعنى الدقيق لها، وإنما ذكرت لعدم تحقق شرط صحة الصوم، بأن من شرط صحة الصوم الإسلام، ومن ارتد فقد تخلف في هذا الشرط. وكذلك الموت؛ لأنه تخلف في أهلية الوجوب والأداء، ذكرهما هنا وإلا فهما ليس من المفطرات بالمعنى الدقيق، وإنما يفسد صوم من حصل به أحد هذين الأمرين لاختلال أحد شروط صحة الصوم.
وإنما لم يذكر المؤلف رحمه الله الجنون؛ فالجنون يفسد به الصوم، لكن الصائم المجنون لا يلزم بالقضاء لأنه اختل فيه شرط الوجوب، لكن المرتد يلزم بالقضاء على المذهب. فإذا ارتد شخص -والعياذ بالله- مثلا ولم يرجع للإسلام إلا بعد شهر من ردته، فالمذهب أنه يلزمه قضاء الصلوات التي تركها زمن ردته، وإلا فالقول الثاني أنه لا يلزم. ولذلك المؤلف رحمه الله تعالى ذكر هنا الردة لأنها تفسد الصوم لأن يلزم بها القضاء، والردة هي الخروج عن دين الإسلام إلى الكفر، فمن ارتد عن الدين بطل صومه لعموم قوله تعالى: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ [الزمر: 65].
وذكر موفق ابن قدامة رحمه الله تعالى أنه لا يعلم فيه خلافًا. وقوله «مطلقًا» قال: «كردة مطلقًا»، يعني أن الردة تفسد جميع الأعمال، الصوم وغيرها، ولا تختص بالصوم كما ذكره الفتوحي في شرحه؛ لعموم الآية السابقة. والبهوتي في شرحه قال: يعني مما يدخل تحت قوله «مطلقًا» أنه سواء عاد إلى الإسلام في اليوم ذاته أو لا. يعني مثلاً شخص ارتد عن الإسلام -والعياذ بالله- في نهار اليوم الثاني من رمضان بسب الدين مثلاً، فإنه يعتبر مرتدًا، ثم مثلاً في الظهر أو في العصر، فنقول يفسد صومه لهذا اليوم بأن الردة تحبط العمل ويلزمه قضاؤه.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: «وهو موت»، يعني أن الموت أيضًا يفسد به الصوم، قلنا الاختلال في شرط الأهلية. إذا مات، هل يقضى عنه؟ سيأتينا إن شاء الله في باب القضاء. هل يقضى الصوم عن الميت؟ والمذهب كما سيأتينا أن الصوم إنما يقضى عن الميت إذا كان نذرًا، أما إذا كان قضاء من رمضان أو كان كفارة فإنه لا يقضى عنه وإنما يطعم عنه.
قال المؤلف رحمه الله: «إذا مات الشخص في أثناء النهار فإنه يطعم من تركته في نذر وكفارة»، قول فساد صومه يوم موته وتعذر قضائه، وهذا ذكره ابن مفلح في الفروع، وأيضًا المرداوي في الإنصاف. المرداوي ذكر هذه المسألة -في مكان مستغرب- في أثناء الكلام على أحكام الجماع في نهار رمضان، ذكر هذه المسألة ابتدأها بقوله: «فائدة وإن كانت كالأجنبية»، لأنه يذكرها في أحكام الجماع. قال: «فائدة وإن كانت كالأجنبية»، ثم قال: «لو مات في أثناء النهار بطل صومه»، وفائدة بطلان صومه أنه لو كان نذرًا وجب الإطعام عنه من تركته، وإن كان صوم كفارة وجبت الكفارة في ماله. وسيأتينا إن شاء الله تفسير الكلام على هذا في أحكام القضاء.
يطعم من تركته في نذر وكفارة. طيب لو كان في نهار رمضان هل يطعم عنه أو لا؟ لا، وسيأتينا إن شاء الله في أحكام القضاء أن الميت إنما يقضى عنه ما أفطر فيه من رمضان إذا أمكنه القضاء ولم يقضِ. ولذلك، كمثال: لو أن شخصًا أصيب بمرض من اليوم العاشر من رمضان، ثم استمر به المرض من اليوم العاشر من رمضان إلى آخر رمضان، ولم يصم بسبب المرض، ثم استمر به المرض إلى أول ذي القعدة ثم مات ولم يشفَ من مرضه، اتصل به المرض حتى توفي، فهنا لا يلزم القضاء؛ لأنه لم يتمكن منه، وهذه ستأتينا إن شاء الله في أحكام القضاء.
ثم انتقل المؤلف رحمه الله تعالى إلى ما لا يفسد الصوم، يعني هناك أشياء يفعلها لا يفسد بها الصوم، لا يحصل بها الفطر ولا يفسد بها الصوم لتخلف أحد شروط الفطر.
قال: ناسيه؛ يعني أنه إذا فعل شيئاً من المفطرات ناسياً فإنه لا يفطر بذلك. فلو مثلاً جاء في صباح أول الأيام -والنسيان غالباً ما يكون في الأيام الأولى- جاء أول يوم من رمضان وتعود بعد صلاة الفجر، فذهب إلى البراد وشرب ماءً ثم ذهب إلى فراشه، ثم تذكر أنه صائم؛ فهنا نقول لا يفطر بذلك؛ لأن النبي ﷺ قال: «من نسي وهو صائم فأكل وشرب فليتم صومه، فإنما أطعمه الله وسقاه».
أو مكرهاً: فإذا تناول مفطراً مكرهاً فإنه لا يفطر بذلك، ولا يفسد صومه؛ بشرط القصد، وذكرنا سابقاً أن من شروط حصول الفطر أن يكون ذلك بقصد واختيار من الصائم، حتى أُكره على الفطر ففعله، أو فُعل به بدون إذنه. وهي التي ذكر المؤلف رحمه الله بقوله: «ولو بوجور مغمى عليه للمعالجة».
ومعنى قوله «ولو بوجور مغمى عليه للمعالجة»؛ أن شخصاً أغمي عليه وهو صائم في رمضان، فجاء المسعف وأكثر في فمه ماءً، وهذا هو الوجور، وهو إدخال الدواء عن طريق الفم لكي يفيق من إغمائه، فهنا لا يفطر بذلك لأنه لم يقصد الإفطار. وطبعاً قوله «ولو» هنا إشارة للخلاف؛ لأن من الحنابلة من قال إنه يعد مفطراً.
وكذلك النائم، لو قطر في حلقه وهو نائم فلا يفطر لتخلف شرط القصد، وهو القصد شرط في تحقق سبب الفطر؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُم بِهِ وَلَٰكِن مَّا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ [البقرة: 229]. ولأن النبي ﷺ قال: «فإنما أطعمه الله وسقاه»، وهذا متحقق في صب الماء في حلقه وهو مغمى عليه أو نائم.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: «وإن فصد وشرط ولا يفصد وشرط». وهذا هو الأمر الثالث مما لا يتحقق به التفطير. والفرق بين الفصد والشرط؟ الفصد هو شق العرق عرضاً، والشرط هو شقه طولاً. وأشبه شيء فيه بالمفطرات هو الحجامة؛ لأن فيها إخراجاً للدم الفاسد من الجسم.
قالوا إن الفصد والشرط لا يفطران، فلا يقاسان على الحجامة؛ لأن المشهور عند الحنابلة رحمهم الله تعالى أن العلة في الفطر بالحجامة تعبدية، يعني غير معروفة الحكمة، وما كانت العلة فيه تعبدية فلا يدخلها القياس؛ لعدم معرفة العلة، ومعرفة العلة شرط من شروط إجراء القياس.
الأمر الرابع مما لا يحصل به الفطر: إذا طار إلى حلقه ذباب أو غبار فلا يفطر بذلك؛ لعدم القصد، ولعدم إمكان التحرز منه. يعني شخص مثلاً يسير في الشارع وصار في عجاج، فدخل إلى حلقه غبار وهو لم يقصد، فهنا نقول إنه لا يفطر بذلك.
ثم قال المؤلف رحمه الله: «أو دخل في قبل ولو لأنثى مشكل». يعني إذا دخل في القبل شيء غير الفرج الأصلي فلا يفطر بذلك، وهذا يشمل مسألتين: المسألة الأولى التقطير في الإحليل، أي الذكر، فهذا لا يعتبر مفطراً؛ لأنهم قالوا إنه لا يصل إلى الجوف وإنما يستقر في المثانة وهي ليست جوفاً، وهذا نص عليه الإمام أحمد رحمه الله تعالى.
والمسألة الثانية: إذا أُولوج ذكر خنثى مشكل في قبل امرأة، فلا تفطر بذلك؛ لكونه فرجاً غير أصلي. قالوا: والفرج في حكم الظاهر، فالباطن يفسد الصوم بدخول شيء فيه. وفي حالة الخنثى المشكل الذي فيه شك في كونه أصلياً، فالأصل عدمه، فلا يفسد صوم واحد منهما إلا بالإنزال، ولو حصل الإنزال فإنه يفطر بالإنزال لا بالإيلاج، وهذا أحد القولين في المذهب، وهو الذي مشى عليه المؤلف هنا وتابعه ابن مفلح في الفروع.
وذكر ابن مفلح أنه صرح غير واحد من أن المراد بالجماع الذي يلزم فيه القضاء والكفارة أن يكون بذكر أصلي في فرج أصلي، وأنه لو كان أحد المتجامعين خنثى مشكلاً لم يفسد صوم واحد منهما إلا بالإنزال ولا كفارة فيه، وهذا قول ابن مفلح في الفروع. وهناك قول آخر في المذهب وهو الذي مشى عليه صاحب الإقناع؛ أنه يفسد صوم المرأة بذلك إذا أوجل الخنثى المشكل في فرج امرأة، فإنه يفسد صوم المرأة دون الأنثى المشكل؛ لكون فرجها في حكم الباطن، فيفسد صومها بدخول شيء فيه.
الأمر السادس مما لا يحصل به التفطير: الاستثناء من الذكر الأصلي كما قال المؤلف هنا لأنه جماع سيأتي في أحكام الجماع، وهو الإنزال بالتفكير؛ فإذا فكر فأنزل من مذي أو مني فإنه لا يفطر بذلك؛ لأن التفكير عمل قلب وهو معفو عنه.
الأمر السابع: إذا أنزل المني باحتلام فإنه لا يفطر بذلك؛ لأن الاحتلام يقع من غير قصد، فيكون الصائم معفواً عنه، وهذا لا نزاع فيه كما ذكره الموفق بن قدامة رحمه الله تعالى.
الأمر الثامن: إذا ذرعه القيء، يعني ألجأه القيء فخرج القيء بغير اختياره، فإنه لا يفطر بذلك؛ كما جاء في حديث أبي هريرة: «ومن ذرعه القيء فلا قضاء عليه».
الأمر التاسع: إذا أصبح في فمه طعام فلفظه، أو قالوا حتى وإن شق عليه لفظه فبالعه من عريقه بدون قصد، فإن صومه لا يفسد لمشقة التحرز منه. يعني شخص مثلاً كان يتسحر ثم أذن المؤذن لصلاة الفجر وذهب إلى الصلاة، ثم بعد الصلاة بقايا تمر في أسنانه فأخرجها، فهنا لا يفطر بذلك. ولو أنه ابتلع ريقه فمع ريقه قطعة تمر مثلاً فإنه لا يفطر بذلك؛ قالوا: لمشقة التحرز منه ولكونه لم يقصده.
الأمر العاشر: إذا لطخ باطن قدمه بشيء فوجد طعمه في حلقه فإنه لا يفسد صومه، وهذا مثل الحنظل، ويطلق عليه في نجد باللغة واللهجة العامية "الشريف".
قالوا: إذا وطأته برجلك أحسست بطعمه في حلقك، بطعمه بمرارته في حلقك، قالوا إن هذا لا يفسد الصوم إجماعًا، إجماعًا كما ذكر الموفق ابن قدامة رحمه الله، قالوا: لأن القدم غير نافذة للجوف. والنافذ للجوف أشبه ما لو دهن رأسه بشيء فوجد طعم الدهون في حلقه، فإنه لا يفطر بذلك؛ لأن المسام غير منفذة، لأن المسام لا تعتبر منفذًا ومثل القدم لا يعتبر منفذًا.
الأمر الحادي عشر: المضمضة والاستنشاق للصائم، إذا تمضمض أو استنشق فدخل الماء حلقه بلا قصد، فإنه لا يفطر بذلك؛ لأنه لم يقصد. قالوا كذلك لو بلع ما بقي من أجزاء الماء بعد المضمضة بدون قصد لم يفسد بذلك، لو تمضمض أو استنشق فوق ثلاث، فإنه لا يفطر بذلك.
وإن كان منهيًا عنه، منهيًا عن الزيادة على الثلاث، ومنهيًا عن المبالغة في المضمضة والاستنشاق إذا كان صائمًا، أو كان التمضمض أو الاستنشاق لنجاسة ونحوها، إذا جاءت نجاسة، كما لو كان في فمه بقايا -أكرمكم الله- فأراد أن يتمضمض لأن القيء نجس على المذهب، فأراد أن يتمضمض ليزيل أثر هذا القيء، فهنا تمضمض ليزيل أثر القيء، أو كقدر ذبابة أكرمكم الله جاءت في فمه بصقها ثم أراد أن يتمضمض لإزالة آثارها، هنا لو تمضمض ودخل معه حلقه بدون قصده فإنه لا يفطر بذلك.
وقد سأل عمر رضي الله عنه النبي ﷺ، فقال: «أرأيت لو تمضمضت من إناء وأنت صائم؟»، قلت: لا بأس. فقال: «فما يعني أن القبلة مثل المضمضة، لما كانت المضمضة لا تبطل الصائم فهي كذلك القبلة». ولكن المصنف رحمه الله تعالى ذكر أنه يكره تمضمضه أو استنشاقه إذا كان عبثًا، لا لوضوء ولا لتبرد ولا لنحوه، وإنما عبث؛ يلعب بالماء، أو لسرة، أو لحر، أو عطش، نص الإمام أحمد رحمه الله: قال الإمام أحمد رحمه الله: يرش على صدره، أجد به إليه، يعني كونه يرش على صدره أولى من أنه يتمضمض أو يستنشق لإزالة أثر الحر أو العطش.
الأمر الثاني عشر: مما لا يفطر، الغوص في الماء، الغوص في الماء إذا اغتسل فوصل الماء حلقه لم يفسد لكونه بدون قصده. والانتقال للصائم كان لمشروع أو لتبرد فإنه لا يكره، لقول بعض الصحابة رضي الله عنهم: «رأيت رسول الله ﷺ يصب على رأسه الماء وهو صائم من العطش»، ورواه أبو داود. قال المجد ابن تيمية رحمه الله تعالى: بأن فيه إزالة الضجر من العبادة، كالجلوس في الظلال الباردة. قال الخلوة رحمه الله في حاشية المنتهى: الآن يثير إشكالًا يقول: ما الفرق بين المضمضة والاستنشاق للحار وبين الغوص للتبرد؟
يقول: الآن الفقهاء رحمهم الله تعالى كما مر معنا قبل قليل، أن المضمضة والاستنشاق للصائم إذا كانت لأجل الحر أو العطش فإنها مكروهة، أما الاغتسال للصائم إذا كان لأجل العطش أو الحر، فإنه للتبرد يعني فإنه غير مكروه، ما الفرق بينهما؟ يقول: لعل الفارق بينهما أن المضمضة والاستنشاق مظنة وصول الشيء إلى الحلق أو الجوف، بخلاف الغوص فإنه قد لا يصل منه شيء إلى الجوف. يحرر؛ قال شيخنا ابن عثيمين رحمه الله تعالى في حاشية على الروض بعد نقله كلام الخلوة: هذا هو الفرق بينهما وهو ظاهر.
ثم انتقل المؤلف رحمه الله تعالى إلى مسألة الشك في الصوم، الشك في طلوع الفجر أو الشك في غروب الشمس، وقال: أو أكل ونحوه شاكًا في طلوع الفجر أو ظانًا غروب الشمس لم يفطر. هنا ذكر المؤلف رحمه الله تعالى مسائل الشك في بدء وقت الصوم وبدء وقت الفطر، وسنذكر الكلام بالتفصيل في وقت الفجر ووقت الفطر.
فنقول: الشك في وقت طلوع الفجر لا يخلو من أحوال، الحال الأول: إذا تناول مفطرًا شاكًا في طلوع الفجر ولم يتبين شيء، فلا يفطر بذلك؛ لماذا؟ قالوا: لأن الأصل بقاء الليل. مثلاً من النوم ثم تناول طعام السحور وهو شاك هل طلع الفجر أو لا، ما تبين له هل هو تسحر في آخر الليل أو تسحر لطلوع الفجر، ما تبين له شيء، فهنا نقول الأصل صحة صومه؛ لأن الأصل بقاء الليل.
إذا تبين -وهو اللي في الشريحة الثانية- إذا تناول مفطرًا شاكًا في طلوع الفجر ثم تبين له أن أكله كان بعد طلوع الفجر، فإنه يفطر بذلك بتبين خطئه، ولذلك يقول المؤلف رحمه الله: أو بان له أنه طلع ثم قال أفطر، أو بان له ثم قال في النهاية يقضي، فإذًا إذا تبين أنه أكله كان بعد طلوع الفجر فإنه يقضي، يمسك ويقضي؛ لأنه تبين له أنه مخطئ، والقاعدة أنه لا عبرة بالظن البين خطؤه. إذًا هذا هو الشك في طلوع الفجر، أما إن لم يتبين له شيء فهنا نقول صومه صحيح، أما إذا تبين له أن أكله كان بعد طلوع الفجر فهنا نقول غير صحيح ويلزمه القضاء.
نأتي إلى غروب الشمس، عندنا هنا المؤلف قال: شاكًا في طلوع الفجر، وقال: ظانًا غروب الشمس، في فرق؛ الشك يقصد به المستوي الطرفين، يعني مثلاً خمسين بالمئة أن الفجر قد طلع وخمسين بالمئة أنه لم يطلع، أما الظن الذي هو غلبة الظن، فهذه عنده احتمال كبير أن الشمس غربت، يعني مثلاً يمكن ثمانين بالمئة أن الشمس غربت لكن عشرين بالمئة أنها لم تغرب.
عندنا في غروب الشمس، إذا تناول مفطرًا ظانًا غروب الشمس، هذا لا يخلو من أحوال، الحالة الأولى: إذا تناول مفطرًا ظانًا غروب الشمس، يعني عنده غلبة ظن أن الشمس قد غربت ولم يتبين له شيء، يعني مثلاً كان نائمًا العصر ثم استيقظ وشاف الشمس وعليها غيوم، وما عنده ساعة، ونفرض أنه في البر فما عنده أحد يؤذنه.
والشمس والسماء مغيمة، فما عنده شيء يتأكد فيه عن الوقت، يبدو له أن الشمس قد غربت فأكل وأفطر، ثم لم يتبين له شيء، لاحقًا لم يتبين له هل أكله كان قبل غروب الشمس أو بعد غروب الشمس؟ فلا نقول صومه صحيح؛ لأنهم قالوا: لأن غلبة الظن لها حكم اليقين في الشريعة، ولم يوجد يقين يزيل ذلك الظن.
كذلك قياسًا على ما لو صلى بالاجتهاد، يظن أن الوقت قد دخل في الصلاة، مثلاً في برية يظن أن وقت الظهر قد دخل وما عنده شيء يتأكد فيه، فصلى الظهر ولم يتبين له لاحقًا أنه صلى قبل الوقت أو بعد دخول الوقت، فنقول: الأصل صحت صلاتي، وهذا مثله. قالوا: حتى لو شك لاحقًا أنه احتمال أنه أفطر قبل غروب الشمس، قالوا: لا يلتفت لهذا الشك.
وقد ذكر ابن رجب رحمه الله هذه المسألة في قواعده في القاعدة التاسعة والخمسين بعد المئة، ونحن في هذا الدور الثاني نكرر تمثيلاً بقواعد ابن رجب رحمه الله، وهذا كتاب نفيس. الغريب أنه مغفور عنه في أوساط طلاب العلم، نجد التفاتة للقواعد، مثل قواعد السعدي رحمه الله، وقواعد منظومة القواعد الشاملة رحمهم الله، وكذلك اختصار قواعد ابن رجب نجد لها، لكن أصل قواعد ابن رجب، من يقرأها -ولو رأيتم الدروس المعينة في المساجد- ما أحد، أو نادر من يشرحها أو يعلق عليها أو تقرأ عليه؛ حقيقة أن فيها نوع صعوبة، فهي لا تصلح للمبتدئين، لا تصلح إلا لمن هو أمثالكم، ممن انتهى مثلاً ضبط متونه كالروض المربع مثلاً في الفقه، فيصلح له هذا الكتاب.
والحقيقة هذا الكتاب سبحان الله نفيس، وأبدع فيه مؤلفه رحمه الله في تأليفه وتصنيفه، والغريب أنه ألفه في أيام يسيرة، كما ذكر في مقدمته: «ولقد سُمّ ببال على غاية من الإعجال في أيام يسيرة وليال». وحتى استكثر عليه، ذكر أن بعضهم قال: هذا مستكثر على ابن رجب أن يؤلف مثل هذا الكتاب، وإنما هو كلام شيخ الإسلام رحمه الله وهو مفرق في جمعه، وهذا غير صحيح؛ فابن رجب رحمه الله متفنن ومقتدر في تأليف وتصنيفه رحمه الله تعالى.
وهذا الكتاب اعتنى فيه لنقل كلام الأصحاب، وليس مجرد نقل وإنما يناقشهم ويبين مآخذهم، ويبين أحيانًا فهمهم، هل فهموا الرواية عن الإمام أحمد على وجهها، أو أن الإمام أحمد لم يقصد ما فهموا من روايته؟ هذا الكتاب يصلح للتدريب والتمرن عليه لتنمية الملكة الفقهية.
نرجع إلى المسألة، فنقول: ابن رجب رحمه الله ذكر هذه المسألة، مسألة مائدة غلب على ظنه غروب الشمس ثم تناول مفطرًا، فإنه إن كان صومه صحيحًا؛ ذكر في القاعدة التاسعة والخمسين بعد المئة يقول: إذا تعارض الأصل والظاهر، فماذا يقدم؟ ذكرنا المسألة على أربعة أحوال.
الحالة الأولى: أن يكون الظاهر حجة يجب قبولها شرعًا، يقول: مقدم على الأصل بغير خلاف، مثل الشهادة؛ لو أن شخصًا شهد، لو أن شخصًا ادعى على آخر أنه له عليه خمسون ألف ريال، الأصل مع النافل، الأصل براءة الذمة، والمدعي أتى بشاهدين عدلين، والشاهد أن هذا أكثر من هذا، هنا الشهادة ظاهر، لماذا؟ لأنها محتملة الكذب، وعندنا الذمة الآن الشهادة تثبت أن الذمة لحقها شيء، وليست بريئة، وعندنا الأصل براءة الذمة؛ فماذا نقدم؟ الأصل أم الظاهر؟ نقدم هنا الظاهر بلا خلاف، لأن الظاهر هنا حجة يجب قبولها.
الحالة الثانية: إذا لم يكن كذلك، لم يكن الظاهر حجة يجب قبولها شرعًا، بل كان مستنده العرف أو العادة الغالبة والقرائن أو نحو ذلك، فهل يقدم الظاهر أو الأصل؟ يقول: هذه المسألة ما فيها شيء مضطرب، فأحيانًا الأصحاب يقدمون الأصل، وأحيانًا الأصحاب يقدمون الظاهر، وأحيانًا يكون في المسألة قولان. ثم ذكر أن مما عُمِل فيه بالظاهر، ومما قدم فيه الظاهر، الفطر في الصيام؛ يقول: يجوز بغلبة الظن غروب الشمس في ظاهر المذهب. إذاً في هذه الحالة الأولى، إذا ظن غروب الشمس ولم يتبين له شيء، فإنه لا يفطر بذلك.
الحالة الثانية: إذا أكلوا ونحوه فبان طبعًا أن الفجر قد طلع -هذه تكلمنا عنها-، إذا بان أن الشمس لم تغرب، ظن أن الشمس قد غربت فتناول المفطر، ثم كانت السماء مغيمة ثم انجلى الغيم وإذا الشمس لم تغرب، فهنا يجب القضاء؛ لماذا؟ بالدليل من حديث أسماء بنت أبي بكر رضي الله تعالى عنها في صحيح البخاري: «أفطرنا في غيم في يوم غيم على عهد النبي ﷺ ثم طلعت الشمس»، سئل راوي الحديث، قال: «بد من قضاء»، قالوا: «ولتبين خطأه»، والقاعدة أنه لا عبرة بالظن البين خطؤه.
وقد ساق شيخ الإسلام رحمه الله في شرح العمدة الرواية بذلك، أي بعدم العذر بالجهل هنا عن عمر وأبي سعيد وابن مسعود في الوقت إذا تبين خطؤه، وقال: بعد ذلك فقد اتفقت الصحابة رضي الله عنهم على إيجاد القضاء مع الجهل؛ لأنه أفطر في جزء من رمضان يعتقده وقت فطر، فلزمه القضاء، كما لو أفطر في يوم ثلاثين من شعبان وتبين أنه من رمضان. وقال: والفرق بين هذا وبين الناس، لماذا أعذرنا الناس وهذا لم نعذر؟ يقول: إنه قد كان يمكنه الاحتراز، لأنه أكل باجتهاد، فممكن أنه يمتنع ويقول: ماذا؟ مني شكيت؟ سأنتظر قليلاً، أو مثلاً يشك في طلوع الفجر قال: سأمتنع، يقول: إنه أكل باجتهاده فتبين خطأ اجتهاده، بخلاف الناس فإنه لا يمكنه الاحتراز. انتهى كلامه رحمه الله.
المسألة الثالثة، الحال الثالث من حالات الظن في غروب الشمس: إذا شك في غروب الشمس ودام شكه، أي الشك إذا كان مستوي الطرفين في غروب الشمس ما أكل، ودام شكه ولم يتبين له شيء، فإنه يفسد الصوم بذلك؛ لماذا؟ قالوا: لأن الأصل بقاء النهار، ويلزمه القضاء. إذاً لا يفطر في غروب الشمس إلا إذا غلب على ظنه، لكن إذا كان شكًا مستوي الطرفين فإنه يفسد صومه، فإذا أفطر نقول: إذا دام شكه فإنه يجب عليه القضاء، لكن إذا لم يدم شك وتبين له...
إن الشمس حينما أفطرت، بين الشمس قد غربت، فإن صومه صحيح؛ لتبين صحة ظنه.
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى مسألة ما إذا تناول مفطراً يعتقده نهاراً فبان ليلاً؛ مثل من استيقظ في آخر الليل، أخوانا إن الفجر قد طلع، فقال: "ما أقدر أصوم اليوم أنا ما أكلت شيء"، فأكل، ثم قال: "خلاص، بصوم"، وأمسك، فتبين له أنه استيقظ من النوم في آخر الليل، يعني ما استيقظ فيه بعد طلوع الفجر، لكن هنا بعد أكله نوى الصوم.
فإذا كان قد نوى الصوم، فإنه إذا جدد النية للواجب فإنه يصح صومه. يقول المؤلف: «أو يعتقده نهاراً فبان ليلاً ولم يجدد نية لواجب»، فإذا كان قد جدد النية فإنه يصح صومه لوجود النية منه في الليل. لكن إذا لم يجدد النية، أكل وقال: "خلاص، منب صايم اليوم"، فبعد دقائق سمع المؤذن يؤذن، وإذا هو يؤذن الفجر، وهنا نقول: طلع الفجر وهو لم ينوِ الصوم من الليل، فانقطعت النية بتناوله المفطر. فنقول هنا: يلزمه الإمساك لكن يلزمه القضاء؛ لأن الإمساك هنا بلا نية، فاختل بذلك أحد ركني الصوم، فلا يصح صومه فرضاً.
أنا أقول: إذا أكل يعتقده نهاراً فبان ليلاً، إما أن يجدد النية للواجب فيصح صومه لوجود النية منه في الليل، أو لا يجدد النية لواجب، فهنا لا يصح صومه، لكن يلزمه الإمساك والقضاء؛ لتخلف أحد ركني الصوم وهو النية.
ثم ذكر المؤلف رحمه الله عكسها؛ إذا أكل معتقداً أنه بالليل، كان ذلك في أول الليل أو آخره، مثلاً من النوم وهو متيقن أن الفجر لم يطلع فبدأ يتسحر، وهو يتسحر سمع المؤذن يقيم صلاة الفجر، فهنا ليس كمثل الأول الذي شاك في طلوع الفجر، لا، هذا متيقن أن الفجر لم يطلع، فبان نهاراً، فإنه يفسد صومه بذلك. نقول: سواء كان شاكاً أو معتقداً متيقناً أنه ليل فبان نهاراً، فإنه ما دام قد بان خلاف ظنه، فإن صومه يفسد، وذلك في دليل حديث أسماء رضي الله تعالى عنها.
ثم ختم المصنف رحمه الله تعالى هذا الفصل بمسألة ما إذا تناول مفطراً ناسياً، قال: «إذا أكل ناسياً فظن أنه قد أفطر فأكل عمداً قضى». يعني إذا تناول مفطراً ناسياً فظن أنه قد فسد صومه فتعمد الإفطار. يتناقل العلماء قصة شخص في نهار رمضان أكل صحن من العنب وهو ناسي أنه صائم، ثم قال: "يا ما بقى إلا حبة واحدة من العنب، تذكرت أني صائم، إذاً هذه العنب كلها لا تفسد صومي، هذه العنبة الوحيدة لن تفسد صومي"، فأكلها. هنا أكل جاهلاً، وطبعاً عامداً لكنه جاهل. ومثله الشخص الذي لو قال: "خلاص، أكلت"، يحسب أنه لا يعذر بالنسيان، فأكل عمداً، هنا يقولون يبطل صومه بذلك، طبعاً يبطل صومه بالأكل الثاني الذي تعمد فيه لتعمد إفساد صومه، ولا يعذر بجهله كما سبق بيانه، في أن الصائم لا يعذر بالجهل بالتحريم.
أنهينا الكلام عن مسائل المفطرات التي يجب فيها القضاء، ننتقل إلى ما يجب فيه القضاء والكفارة، وهو الجماع في نهار رمضان. يقول المؤلف رحمه الله: «ومن جامع في نهار رمضان ولو في يوم لزمه إمساك، أو لم يبلغ خبر الرؤية إلا نهاراً، أو لم يبيت النية في صوم واجب، لزمه القضاء والكفارة».
إذن هذا هو المفطر الأخير من مفطرات الصوم، وإنما أفرد المؤلف رحمه الله تعالى في فصل مستقل لتميزه ببعض الأحكام. واعتبار الجماع في نهار رمضان من المفطرات هذا ثبت بالنص والإجماع كما قدمناه في الدرس الماضي، ويلزمه القضاء والكفارة. أما لزوم القضاء له فلفساد صومه، فلم تبرأ ذمته به فيلزمه القضاء، وقد ورد في بعض روايات حديث المجامع في نهار رمضان: «واقضِ يوماً ما كانه». لكن هذه الرواية فيها كلام، والقول بلزوم القضاء له هو قول أكثر أهل العلم رحمهم الله تعالى. أما لزوم الكفارة به في حديث المجامع في نهار رمضان، فهو قول أكثر أهل العلم رحمهم الله تعالى، ولعل من لم يقل بالكفارة لم يبلغه الحديث كما قاله الخطابي رحمه الله.
والكفارة تكون واجبة في نهار رمضان في الأداء، ويكون الصوم واجباً عليه فيه. وأما إذا كان في صوم تطوع، أو في صوم واجب غير أداء رمضان، أو كان مسافراً مثلاً جامع، فليس عليه سوى القضاء فقط كما سيأتينا.
ذكر المصنف رحمه الله تعالى أن القضاء والكفارة يلزمان من جامع في نهار رمضان وهو صائم فيه، وهذا واضح. قال: «ولو في يوم لزمه إمساك»، قوله «ولو» هنا إشارة عند الحنابلة، كمن قدم مسافراً من سفر مفطراً، ثم جاء مع زوجته وهي مقيمة وقد كانت حائضاً أول النهار، عليه القضاء والكفارة؛ لأن كليهما يلزمه الإمساك. أو لم يبلغهم خبر الرؤية إلا نهاراً، أو لم يبيت النية في صوم واجب، نسياً أن ينوي من الليل في أحد ليالي رمضان، نقول: لزمه الإمساك، قال: "ما دام أني بقضي"، فإذا جامع فهنا نقول يلزمه أيضاً الكفارة؛ لأن هذا اليوم يلزمه إمساكه، قالوا: وإنما تلزمه الكفارة في يوم يلزمه إمساك وإن كان يلزمه القضاء من الأصل، قالوا: لحرمة الزمن، ويحرم عليه تعاطي المفطر في الصوم، فإذا جامع فيه لزمته الكفارة.
هنا مسألة سئلت عنها في أول درس، وهي لو جامع قبل بلوغه خبر الرؤية، حيث لم تبلغه إلا نهاراً، فهل تجب عليه كفارة؟ تجب عليه كفارة. يعني شخص مثلاً ما علموا برمضان إلا في النهار في الضحى، الساعة التاسعة بلغهم أن الهلال قد رؤي البارحة، وهو قد جامع زوجته أول النهار، نقول: من حين يبلغه بالرؤية يلزمه الإمساك. طيب، الجماع الذي كان قبل بلوغ الرؤية هل يلزمه به الكفارة أو لا؟ الحقيقة فيه خلاف في المذهب.
أنقل لكم بعض النصوص في هذا؛ يقول البهوتي في الكشاف تعليقاً على كلام الحجاوي في الإقناع: «لو جامع ليلاً يعتقده، لو جامع يعتقده ليلاً فبان نهاراً وجب القضاء والكفارة»، وعلى قياسه لو جامع يوم الثلاثين من شعبان ثم ثبت أنه من رمضان، لزمه القضاء والكفارة. يقول ابن قاضي رحمه الله: «وهذه الأخيرة لو جمع فيه يوم الثلاثين من شعبان ثم ثبت أنه من رمضان يمكن إدراجها في قول المصنف».
والفتوح، ولو في يوم لزمه الإمساك؛ ولو في يوم لزمه الإمساك في نفس الأمر لزمه في الظاهر أيضًا، كما إذا ثبتت رؤية أثناء النهار؛ فأمسك بقية اليوم وجامع بعد الإمساك، أو لم يلزمه في الظاهر لعدم ثبوت الرؤية، فكان جامعًا في أول اليوم ثم ثبتت الرؤية آخره.
وهناك قول آخر في المذهب أنه لا يلزمه الكفارة والحال تلك لعذره بعدم علمه أنه من رمضان. يقول شيخ الإسلام في شرح العمدة: «وإذا اعتقد أنه آخر يوم من شعبان فجامع فيه ثم تبين أنه من رمضان فإنه يمسك ويمسك ويقضي ولم تجب عليه الكفارة، ولن تجب عليه الكفارة». هنا ذكره ابن عقيل بأنه لم ينو الصوم على وجه يعذر فيه، والكفارة إنما تجب بالوطء في إمساك واجب. انتهى.
وقال الخلوة تعليقًا على قوله: «في يوم لزمه إمساكه»، قال: لعله بعد لزومه بدليل تعليل المصنف في شرحه بقوله بأنه يحرم عليه تعاطي ما ينافي الصوم. انتهى. فهما قولان في المذهب، والظاهر لي والله أعلم أن الأول أقرب لقواعدهم، أنه تلزمه الكفارة أيضًا، أقرب لقواعد الحنابلة في عدم العذر بالجهل في الوقت أيضًا، ممن يلزمه القضاء والكفارة إذا جامع في يوم رأى الهلال في ليلته وردت شهادته. وهذا كما قلنا لو أنه رأى هلال رمضان في يوم وردت شهادته لم يأخذوا بها، فإنه يلزمه الصوم خاصة نفسه؛ فلو جامع في هذا النهار الذي رأى فيه الهلال، فنقول يلزمه القضاء والكفارة لأنه يلزمه الصوم.
الرابع: من جامع مكرهاً، أو من جامعته مكرهاً، فإنه يلزمه القضاء والكفارة في ظاهر المذهب، وما قاله ابن مفلح، وذكر المرداوي أنه الصحيح من المذهب وعليه أكثر الأصحاب. لماذا يلزمه القضاء والكفارة؟ قال القاضي أبو يعلى: لأن الإكراه على الوطء لا يمكن؛ لأنهم قالوا إنه لا يطأ حتى ينتشر، ولا ينتشر إلا عن شهوة، فهو كغير المكره. وهذه قاعدة الحنابلة رحمهم الله تعالى في الإكراه على الوطء، وأن الرجل لا يعذر بالإكراه على الوطء، لذلك قالوا في حد الزنا: إنه لو أُكره الزاني فإنه لا يسقط عنه الحد، والزانية لو أُكرهت فإنه يسقط عنها الحد، ومثل هنا يعذرون المرأة بالإكراه ولا يعذرون الرجل بالإكراه.
وهذا تعليله ما قالته الخلوة فيه: إنهم قد جعلوا فعل المكره كفعل المختار في غالب الأبواب، فكان مقتضى قاعدة الحنابلة في الإكراه أن فعل المكره غير معتبر. يقول: فكان مقتضى ذلك عدم لزوم الكفارة له، قال: إلا أنهم نظروا إلى أن الإيلاج لا يكون إلا عن انتشار، والانتشار يدل على الرغبة، فلم يدم الإكراه. طيب، إذا قلنا عليه الكفارة، هل له حق الرجوع على من أكرهه؟ قولان في المذهب وصوب المرداوي أن له الرجوع.
الخامس: ممن يلزمه القضاء، نعم، يلزمها القضاء من جامع ناسياً في ظاهر المذهب، وذكر المرداوي أنه نقله الجماعة عن الإمام أحمد وعليه أكثر الأصحاب، وهم مفردات الحنابلة كما ذكر في الدواوين، أن الناس عليه القضاء والكفارة. لماذا؟ قالوا لأن النبي ﷺ لم يستفصل، وهذا يصلح دليل الإكراه والنسيان، لم يستفسر عن حاله؛ فالذي جاء يسأل عن الكفارة عليه في نهار رمضان، لم يقل له النبي ﷺ: هل أنت ناسي؟ هل أنت مكره؟ لم يستفسر، قالوا فدل على الوجوب على كل حال. وقالوا لأن الصوم عبادة يفسدها الوطء، فأفسدها على كل حال كالصلاة والحج.
طبعًا الجماع لا بد أن يكون بذكر أصلي في فرج، قال: ولو كان لميتة، إذا جامع الميتة يلزم فيه القضاء والكفارة. قالوا لماذا؟ قالوا لأن هذا الجماع موجب للغسل، فلو أن شخصًا -والعياذ بالله- وطأ امرأة ميتة في نهار رمضان، فنقول يلزمه القضاء والكفارة، ولا يؤثر كونها ميتة على إسقاط القضاء والكفارة عنه، لأن هذا الوطء موجب للغسل فيوجب الكفارة. وكذلك من جامع بهيمة، فإنه أيضًا يلزمه القضاء والكفارة كسابقه لأنه موجب للغسل، وقد نص عليه الإمام أحمد رحمه الله تعالى.
أيضًا مما يلزمه القضاء والكفارة المجبوب، إذا أنزل بالمساحقة، يعني المدالكة للمرأة، فإنه يعتبر هذا جماعًا له، يلزم به الغسل فيلزم به القضاء والكفارة. وأيضًا المرأة إذا ساحقت امرأة فإنه يلزمهما القضاء والكفارة. وفي المسألتين الأخيرتين، إنزال المجبوب بالمساحقة أو إنزال المرأة بالمساحقة، هذا هو الذي ذهب إليه الفتوح في لزوم القضاء والكفارة، متابعًا فيه ابن مفلح والمنقح في التنقيح، أي المرداوي في التنفيح، وأكثر من الحنابلة رحمهم الله تعالى يرون أنه لا يلزمهم إلا القضاء فقط ولا يلزمهم الكفارة؛ لا يلزمهم الكفارة إذا ود للانزال، وهو الذي صححه الموفق ابن قدامة في المغني والشارح، قالوا: لأنه ليس بمنصوص عليه ولا هو في معنى المنصوص، فنبقى على الأصل في عدم الوجوب، أي قوله: ليس هو في معنى الجماع، فنبقى على الأصل في عدم وجوب الكفارة. وهذا هو الذي نقله المرداوي في الإنصاف عن الأصحاب وجزم به في الإقناع. فهذا مما اختلف فيه صاحب الإقناع والمنتهى، وقلنا إن المشهور أن المعتمد عند المتأخرين إذا اختلف الإقناع والمنتهى فالعبرة بما في المنتهى، هذا هو القول، وأحيانًا يقدم الحنابلة المتأخرون ما في الإقناع.
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى مسائل لا تجب فيها الكفارة وإنما يجب فيها القضاء عند الإنزال، وهما مسألتان:
المسألة الأولى: الجماع من جامع امرأته دون الفرج، فلا كفارة عليه؛ لعدم تحقق الجماع منه، ولأنه لا يوجد نص على أن الجماع دون الفرج يوجب الكفارة ولا هو في معنى المنصوص، ولأن الجماع في الفرج أبلغ بدليل تعلق الكفارة به من غير إنزال، ويجب به الحد، ويتعلق به أحكام لا تتعلق بالجماع دون الفرج فلا يصح القياس هنا، ولا قضاء عليه إلا إذا أنزل من مذي أو مذي. وقد ذكر الموفق في المقنع أن في الكفارة وجهين، والذي مال إليه الموفق وصححه الشارح أن هناك كفارة عليه واستظهره صاحب الفروع، والذي ذكره المنقح وتبعه عليه البهوتي.
الثانية: من المسائل التي لا كفارة فيها وإنما فيها قضاء فقط إذا وجد الإنزال، الجماع بين فرجين أحدهما غير أصلي، وكذا لو كان كلاهما أيضًا غير أصلي فلا كفارة؛ لعدم تحقق وصف الجماع، ولا قضاء إلا بالإنزال كما تقدم في المفطرات.
تقدم أن الحجاوي رحمه الله في "الإقناع" ذكر أن المرأة يبطل صومها بإدخال شيء في فرجها ولو كان فرجًا غير أصلي، وعليها القضاء فقط دون الكفارة. وذكرنا أن هذا مبني على مسألة، وهي: هل هو في حكم الظاهر فلا يبطل الصوم بما دخل به، أو في حكم الباطن فيبطل الصوم بدخول شيء فيه؟ قول الإغاني للحنابلة والمذهب على الأول، وهو ما ذهب إليه للفتوح والحجاوي، على الثاني أن الفرج في حكم الباطن.
لا يجب القضاء، نعم لا يوجب هذا الجماع دون الفرج وكونه أحد الفرجين غير أصلي فلا يجب الكفارة، لا يوجب الكفارة وإنما يوجب القضاء إذا وجد الإنزال، المني، كما تقدم في المفطرات.
ثم إذا كان المؤلف رحمه الله تعالى أن النزع جماع، النزع يا جماعة يعني إخراج الرجل ذكره من فرج المرأة، هذا يعتبر جماعًا. وإنما ذكر المؤلف رحمه الله تعالى هنا بيان مسألة، وهي: إذا كان الرجل يجامع زوجته في آخر الليل وطلع الفجر وهم مجامعون، فنزع أثناء طلوع الفجر، فهل يعتبر هذا النزع جماعًا يفسد به الصوم وتلزم به الكفارة أو لا؟
يقول مالك رحمه الله تعالى هنا: النزع جماع. لماذا؟ قالوا لأنه يتلذذ به كالعلاج. وهذا طبعًا كونه يلزم به القضاء والكفارة، أن يلزم به الأمران، هذا من مفردات الحنابلة كما ذكر في "الإنصاف".
ومن الأصحاب من قال: لا قضاء عليه هنا وكفارة إذا نزع مع طلوع الفجر، وهذا أحد الوجهين في المذهب، وهو اختيار أبي الحفص العكبري والشيخ تقي الدين رحمه الله وتلميذه صاحب "الفواكه". قالوا: لأن النزع ترك وليس فعلًا له، وتلذذه الحاصل بالإخراج حصل ضرورة، وضرورة مفارقة المحذور، فلا يأثم به ولا يعاقب عليه. قالوا هذا نظير من غصب أرضًا ثم تاب، فإنه يخرج من هذه الأرض، فخطواته التي يمشي بها على الأرض خارجًا منها هذه لا يعاقب عليها لأنها وسيلة تحقيق التوبة، وهذا مثله، هذا النزع وسيلة لتحقيق مفارقة المحظور في الصيام.
المرداوي رحمه الله في "الإنصاف" توسط بين قولين، فقال: إن تعمد قرب طلوع الفجر ما علمني بذلك فعليه القضاء والكفارة. أما إذا كان لا تعمد أن يكون قرب طلوع الفجر ونزع مع طلوع الفجر، فلا قضاء عليه ولا كفارة.
ابن رجب رحمه الله ذكر هذه المسألة في القاعدة الثامنة والخمسين، ونصها: «من تعلق به الامتناع من فعل، ومتلبس به فبادر إلى الإقلاع عنه، هل يكون إقلاعه فعلًا للممنوع منه أو تركًا له، فلا يترتب عليه شيء من أحكامه؟». المسألة إلى أربعة أنواع، قسم المسألة إلى أربعة أنواع يهمنا منها النوع الثاني: أن يمنعه الشارع من الفعل في وقت معين، ويعلم بالمنع، لكن لا يستقر بوقت المنع حتى يتلبس بالفعل فيقلع عنه في الحال. وذكر أن للأصحاب وجهين في هذا النوع من القاعدة، وذكر أن أمثلتها ما إذا جامع في ليل رمضان وأدرك الفجر وهو مجامع فنزع في الحال، فالمذهب أنه يفطر بذلك وفي الكفارة رواية، إلى آخر كلامه رحمه الله.
الموثق ابن قدامة رحمه الله ألمح إلى ملمح آخر، وهو أن هذه المسألة قريبة من المستحيلة. يقول رحمه الله في "المغني": «وهذه المسألة تقرب من الاستحالة، إذ لا يكاد يعلم أول طلوع الفجر على وجه يتعقبه النزع من غير أن يكون قبله شيء من الجماع، فلا حاجة إلى فرضها والكلام فيها». يعني يقول إن كونه يكون نزعه مع الطلوع، ما نتيقن أن هذا هو الوقت الذي بدأ فيه الفجر، الأذان أمارة على طلوع الفجر لكن هل تيقن أن الفجر لم يطلع إلا ذا الوقت؟ من طلع قبله بقليل أو سيطلع بعده بقليل يقول لن أتيقن بذلك، فهذه قريبة من المستحيلة. لكل الفقهاء رحمهم الله تعالى يضربون هذه المسائل النادرة أو المستحيلة أحيانًا لتمرين الذهن.
ثم ذكر المؤلف رحمه الله مسألة المرأة، وهل إذا جامعت فكالحكم على الرجل علينا قضاء وكفارة أولى؟ يقول: «امرأة طاوعت غير جاهلة أو ناسية كـرجل». ذكر أن المرأة في الجملة عندنا هل يفسد صومها؟ وعندنا هل عليها كفارة؟ أما في فساد صومها فإنها كالرجل يفسد صومها ولو كانت ناسية أو مكرهة. وهذا نص عليه الإمام أحمد رحمه الله، فساد صوم المكرهة، والقول بفساد جماع الناسي أيضًا هو قول الأئمة الأربعة كما ذكره الموفق كما ذكر أبو مفلح في "الفروع". وذكر الموفق أنه لا خلاف في فساد صوم المرأة بالجماع في المذهب؛ لأنه نوع من المفطرات فاستوى فيه الرجل والمرأة.
إذن فساد الصوم هذا هو قول الجمهور ولو كانت ناسية. لكن هل تجب عليها الكفارة أو لا؟ ذكر المؤلف أنها تجب عليها الكفارة إذا اجتمع فيها ثلاثة شروط: أن تكون مطاوعة غير مكرهة، والثاني أن تكون عالمة بالحكم غير جاهلة، الثالث أن تكون ذاكرة غير ناسية. كانت مطاوعة وعالمة وذاكرة فهنا عليها الكفارة، إذا أكرهت أو كانت جاهلة أو كانت ناسية فهنا لا كفارة عليها وإنما عليها قضاء فقط.
قالوا: فإذا اجتمع فيها الشروط الثلاثة فعليها الكفارة أيضًا كالرجل؛ لأنها هتكت حرمة الصوم بالجماع فأشبهت الرجل. قالوا: ولأن تمكينها له من الجماع لا يسقط حكم الكفارة عليها. يعني بعض الفقهاء قالوا لا، الكفارة واحدة تكون على الرجل لأن الفعل واحد، يقولون كونها تمكن هذا ويكون فعلهما واحدًا لا يسقط حكم الكفارة عليها. قالوا كالحد، الآن لو مكنتك من الزنا والعياذ بالله فإن الحد عليهما جميعًا، لا نقول الحد على الرجل فقط لأن الفعل واحد، بل نقول الحد عليهما جميعًا.
الكفارة أولى، لماذا؟ قال: الكفارة لا تسقط بها الشبهة، ويسقط بالشبهة. فإذا كانت ناسية أو جاهلة أو مكرهة فلا كفارة عليها بقول أكثر الأصحاب كما ذكره المرداوي. وقال: تدفعه بالأيسر فالأيسر، وإن أدى إلى قتلي، كما نقله أبو مفلح في "الفروع" عن ابن عقيل رحمه الله في "الفنون".
ثم ذكر المصنف رحمه الله تعالى مسألة تكرار الجماع، وهل تتكرر الكفارة بتكرار الجماع أو لا؟ قال: «ومن جامع في يوم ثم في آخر ولم يكفر لزمته ثانية، كمن أعاده في يومه بعده إن كفر». هذه المسألة لا تخلو من ثلاث حالات، ذكر المصنف منها حالتين صريحًا والثالثة تفهم من التقسيم.
الحالة الأولى: إذا كرر الجماع في يومين، يعني جامع في اليوم الأول ثم جامع في اليوم الثاني، فهل عليه كفارة أو كفارة واحدة؟ يقولون: لا، عليه كفارة لكل يوم، لماذا؟ قالوا: لأن كل يوم عبادة مفردة لا يقصد أحدهما بفساد الآخر. ولذلك الموفق بن قدامة رحمه الله أشار إلى أنه إن كفر عن اليوم الأول، فيلزمه كفارة عن اليوم الثاني بلا خلاف.
بلا خلاف، وأما إن لم يكفر فيه الخلاف. لكن المذهب كما قلنا لزوم الكفارة الثانية فيما ذكرنا من التعريف.
أما إذا جامع في يوم ثم أعاده فيه بعد أن كفر؛ مثلاً جامع في اليوم الأول في النهار، ثم أعتق رقبة أو أطعم ستين مسكيناً في الظهر، ثم جاء في العصر، فهل تلزمه كفارة ثانية؟ طبعاً إذا جامع بدون عذر نقول يلزمه الإمساك، فإذا أمسك وأخذ الكفارة في اليوم ذاته ثم جاء مرة ثانية في نفس اليوم، فهل نقول يلزمه كفارة ثانية أو تكفيه الكفارة الأولى؟ قالوا: لا، تلزمه كفارة ثانية. لماذا؟ لأنه يلزمه الإمساك هنا لحرمة الزمن، وقد تقدم أن الكفارة بالجماع تجب على من لزمه الإمساك إذا جامع، وهذا منصوص عليه عند الإمام أحمد رحمه الله، وهذا من مفردات المذهب كما في الإنصاف.
فإن قيل: إن الجماع الأول تضمن هتك حرمة الصوم فوجبت فيه الكفارة، يعني الجماع الأول هو الذي صادف صوماً صحيحاً فيجب أن لديه كفارة، لكن الجماع الثاني ما صادف صوماً صحيحاً، فلماذا ألزمنا الكفارة فيه؟ فالجواب أن عدم وجوب الكفارة لا يشترط أن تصادف صوماً صحيحاً؛ بدليل قالوا إن من طلع عليه الفجر وهو مجامع واستمر، قالوا هذا يلزمه القضاء والكفارة مع أنه لم يصادف صوماً صحيحاً، لأنه من أول النهار وهو مجامع، فلا يشترط في الكفارة أن تصادف صوماً صحيحاً.
المسألة الثالثة التي تفهم من التقسيم: إذا كرر الجماع في يوم واحد قبل أن يكفر، كالمثال السابق: جامع في اليوم الأول في النهار وفي العصر ولم يخرج الكفارة، فهل تلزمه كفارة واحدة أو كفارتان؟ قال: تلزمه كفارة واحدة؛ تتداخل الكفارتان لأن موجبهما واحد، قياساً على ما يذكره الفقهاء رحمهم الله تعالى فيما إذا تعدد موجب الحد واتحد فكفاه حد واحد. قال الموفق: «بغير اختلاف بين أهل العلم»، لكن ابن مفلح في الفروع قال: «على الأصح»، مما يوحي أن فيه خلافاً.
ثم ذكر المصنف رحمه الله تعالى أن الكفارة لا تسقط إن حاضت أو نفست أو مرض أو جن أو سافر بعده في يومه، يعني بعد الجماع في يومه؛ هذه أمور لا تسقط الكفارة. إذا جامع شخص في أول النهار ثم حصل له عذر عن إتمام الصيام، سواء كان إتمام الصيام بفعله أو بغير فعله، فإنها لا تسقط الكفارة. قالوا: لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يسأل الأعرابي هل طرأ له بعد وطئه مرض أو غيره، بل أمره بالكفارة، ولو اختلف الحكم لسأله عنه. وقالوا: لأنه أفسد صوماً واجباً من رمضان بجماع تام، فاستقرت كفارته كما لو لم يطرأ عذر.
ويوجد في مسألة المسافر، إذا وطئ ثم سافر، نقول نزيد أيضاً تعييناً آخر: وهو أننا لو قلنا بسقوط الكفارة عنه، لأفضى ذلك إلى أن يتحيل كل من أراد إسقاط الكفارة بالجماع أن يسقطها بالسفر بعده؛ يعني نجامع في أول النهار ثم نقول خلاص سأسافر ثم يرجع، وهذا غير جائز، كون الإنسان يتحيل على إسقاط الواجب يفتح أبواب الحيل.
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى أن الكفارة خاصة بالجماع، قال: «ولا كفارة بغير الجماع والإنزال بالمساحقة في نهار رمضان، ولا فيه سفر أو من صائم». يعني أن الكفارة خاصة بالجماع، فلا نجد في الفتاوى كلها إلا الجماع أو الإنزال بالمساحقة على ما تقدم فيه من الخلاف. قلنا إن هذا أحد القولين وهو ما ذكره الفتوح متابعاً فيه ابن مفلح في الفروع والمنقح في التنقيح، فهناك كفارة مثلاً بالمباشرة أو قبلة أو أكل ونحوه.
ولابد أيضاً أن يكون في نهار رمضان، فلا عبرة بالجماع ليلاً، ولا كفارة في قضاء أو نذر أو صوم تطوع. جمهور أهل العلم رحمهم الله تعالى يرون أن النص إنما ورد بالجماع في رمضان وليس غيره في معناه؛ لاحترامه وتعينه لهذه العبادة، فلا يقاس غيره عليه. وكذلك لابد أن يكون الصوم واجباً على الصائم، ولذلك يقول المؤلف: «ولا فيه سفراً ولو من صائم»، فلابد أن يكون واجباً على الصائم. فلو جامع وهو مسافر صائم فلا كفارة عليه وإنما يلزمه القضاء فقط؛ لأنه لم يهتك الحرمة لإباحة الفطر فيه، ولكون الفطر يحصل بمجرد العزم على الوطء فلم يفطر بالوطء وإنما بالنية السابقة.
وكلمة «ولو من صائم» هذه إشارة لخلاف؛ لأنه توجد رواية عن الإمام أحمد رحمه الله استظهرها في الفروع أن المسافر إذا صام فلا يجوز له الفطر بغير الأكل ابتداءً، وأنه إذا أفطر بالجماع فعليه الكفارة، والرواية الأخرى عن الإمام أحمد رحمه الله وهي المشهورة أنه لا كفارة عليه لما تقدم.
ثم ذكر المصنف رحمه الله تعالى مقدار الكفارة، قال: «وهي عتق رقبة، فإن لم يجد فصيام شهرين متتابعين، فإن لم يستطع فأطعم ستين مسكيناً» إلى آخر كلامه. هنا ذكر مقدار الكفارة الواجبة في جماع نهار رمضان، وأنها على الترتيب كما ورد في حديث المجامع في نهار رمضان، وهي عتق رقبة، فإن لم يجد فصيام شهرين متتابعين، فإن لم يستطع فأطعم ستين مسكيناً، كما جاءت في الحديث مرتبة.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: «فلو قدر عليها بعد شروع فيه لزمته». ما معنى هذا الكلام؟ نقول: إذا جاءنا رمضان نقول يلزمك عتق رقبة، فيقول: ما عندي ما أعتق به رقبة، نقول: خلاص تصوم شهرين متتابعين. لو مثلاً صام عشرة أيام ثم حصل له مال يستطيع به شراء رقبة يعتقها، فهل يلزمه الانتقال أو لا يلزمه؟ نقول لا يلزمه، وهذا يؤخذ من مفهوم كلام المصنف؛ قال: «فلو قدر عليها بعد الشروع فيها لزمته»، فمفهومه أنه إذا قدر على الرقبة بعد الشروع في الصوم فإنها لا تلزمه، لكن لو قدر عليها قبل الشروع في الصوم يقول المؤلف: تلزمه.
وهذا ذكره الموفق بن قدامة والشارح، وهو الظاهر من كلام ابن مفلح في الفروع واقتصر عليه في الإنصاف، وذكره في الإقناع؛ قالوا: بأن النبي صلى الله عليه وسلم سأل المواقع عما يقدر عليه حين أخبره بالجماع، ولم يسأله عما كان يقدر عليه حالة المواقعة وهي حالة الوجوب، على أنه يعني لو...
إنه كان حال الموقعة لا يستطيع أن في رقبة، ثم لما سأل النبي ﷺ كان يستطيع فإنه يلزمه الرقبة. قالوا: ولأنه وجد المبدل قبل التلبس بالبدن فلازمه، كما لو وجده حالة الوجوب. قالوا إنه هذا مبدل، عندنا البدل والمبدل، إذا وجد المبدل عند الشروع في البدن فإنه يلزم الانتقال إلى المبدل. مثلاً شخص جاز له التيمم، فطبعاً التيمم وجد الماء، فنقول هنا ينتقل إلى الماء، قالوا هذا مثله. والحقيقة أن هذا فيه إشكال.
ما الإشكال فيه؟ من كلام البغوي والخلوة، يقول شرح المنتهى؛ هكذا قالوا هنا. ويأتي في الظهار أن المعتبر في الكفارات وقت الوجوب، عليه لا تلزمه شرع فيه أو لا؟ يعني أن الفقهاء تكلموا في أفاضها أن المعتبر في الكفارات وقت الوجوب. وقت الوجوب هنا هو وقت الجماع؛ يقولون وقت الجماع أنت لا تستطيع الرقبة خلاص يلزمك صوم الشهرين، حتى لو قدرت على الرقبة قبل أن تبدأ بصوم الشهور فإنه لا يلزمك، لأن المعتبر في الكفارات وقت الوجوب كما نص عليه في الظهار.
وقال الخلوة: هذا مخالف لمن يأتي في إظهار أن المعتبر في الكفارات وقت الوجوب، فكان مقتضاه أنه إذا كان وقت الجماع غير قادر على الرقبة لا يلزمه إلا الصوم، ولو وجد الرقبة بعد ذلك وقبل الشروع فيه. وليناسب ما يأتي في باب من قوله: «ولا يلزم من قدر على هدي بعد وجوب صومه انتقال عنه، شرع فيه أو لا».
ابن رجب رحمه الله ذكر في القواعد مسألة شبيهة بهذه المسألة تحت القاعدة السادسة عشرة، ونصها: «إذا كان للواجب بدل فتعذر الوصول إلى الأصل حالة الوجوب، فهل يتعلق الوجوب بالبدل تعلقاً مستقراً بحيث لا يعود إلى الأصل عند وجوده؟». ذكر أن للمسألة صوراً عديدة، ثم ذكر من المسائل مسألة هدي المتعة، والمتعة هي التي قاس عليها الخلوة هنا من عدم هدي المتعة فوجب عليه الصيام، الذي ما يستطيع الهدي متمتعاً فيلزمه صيام ثلاثة أيام في الحج يسمى برجاء لأهله. ثم وجد الهدي بعد ذلك قبل الشروع في الصوم، فهل يلزم الهدي؟ ذكر أن هذا ينبني على الاعتبار في الكفارات، هل هو بحال الوجوب أو بحال الفعل؟
والحنابلة رحمهم الله صرحوا في كتاب الظهار أن المعتبر في الكفارات الوجوب، طبعاً هذا من كلامي. ثم ذكر مسألة أخرى وهي كفارة الظهار واليمين ونحوهما، قال: والحكم فيهما كهدي المتعة. وقوله «ونحوهما» هذا يدخل في وطء الجماع في نهار رمضان، فإذا نقول فلو كان قادراً عليها بعد الشروع فيه لزمته. هذا طبعاً وافق عليه الإقناع والمنتهى وأيضاً الإنصاف قبله والفروع والموفق والشارح، كلهم ذكروا هذا. لكن الإشكال فيه أنه مخالف لقواعد المقلب، وإن كانوا يحتمل أنهم ذكروا ذلك لوجود النص في ذلك الذي استندوا إليه، وأن النبي ﷺ لم يستفصل من هذا الأعرابي.
ذكر المصنف رحمه الله أنه إن لم يجد ستين مسكيناً، هذا واضح. ثم ذكر المؤلف رحمه الله أنه إن لم يجد سقط وجوب الكفارة عن ذمته لظاهر الخبر، لأن النبي ﷺ أمره أن يطعمه أهله ولم يأمره بكفارة أخرى. لما النبي ﷺ قال له: «تستطيع أن تعتق رقبة؟» قال: لا. ثم جلس عند النبي ﷺ فأوتي النبي ﷺ بعرق فيه تمر، فقال: «أنا أفقر مني يا رسول الله، فوالله ما بين لابتيها أهل بيت أحوج إليه منا». فضحك النبي ﷺ حتى بدأت لنا، ثم قال: «اذهب فأطعم أهلك». فلم يأمره النبي ﷺ بكفارة أخرى، ولا بين له بقائها في ذمته، ولا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة.
بخلاف كفارة حج وظهار ويمين ونحوها، فبقية الكفارات لا تسقط بالعجز. قالوا: لأن أدلتها تشمل حال الإعسار، واستثنيت كفارة الجماع في نهار رمضان فبقي ما عداها على الأصل. والمشهور من المذهب أن الكفارات كلها تسقط بالعجز عنها، نعم، أن الكفارات كلها لا تسقط بالعجز عنها ما عدا كفارة الوطء في نهار رمضان وكفارة الوقف للحي، فذكروا أنهما يسقطان بالعجز. وإنما استثنوا كفارة الوطء في نهار رمضان لعدم البدل فيها كما ذكره المرداوي في الإنصاف.
ثم ختم المصنف رحمه الله تعالى هذا الباب في قوله: «بأنه لا يلزم»، قال: يسقط الجميع بتكفير غيره عنه بإذنه. يعني لا يلزم أن يباشر من لزمته الكفارة إخراجها عن نفسه، بل تجزئ عنه لو أخرجها غيره عنه بشرط الإذن منه. يعني لا يلزم أن يخرجها لنفسه، غيره يخرجها عنه بإذن، فإنها تكفي عنك سواء كانت كفارة جماع أو غيرها.
وخاتم المصنف رحمه الله تعالى هذا الباب ببيان أن الواطئ لو كان معسراً، قالوا له إن ملكها إخراجها عن نفسه وأكلها إن كان أهلاً. يعني أن الواطئ لو كان معسراً، طبعاً هذه في الوطء وفي غيره، يعني في كفارة الجماع وفي غيره، من أهلك كفارة سواء كانت كفارة ظهار، كفارة يمين، كفارة وطء في نهار رمضان، كفارة قتل. فيقول: لو كان من عليه الكفارة معسراً فتصدق عليه بطعام يستطيع أن يخرج الكفارة منها، فإن له أن يخرج الكفارة عن نفسه لأنه ملكها، وله أن يأكل منها إن كان أهلاً لذلك؛ فإن في شرط الفقر والمسكنة لحديث الواطئ في نهار رمضان: «اذهب فأطعم أهلك».
وهذه العبارة إذا أردنا أن ننزلها على الكفارات كلها ما في إشكال، لكن إذا أردنا أن ننزلها على كفارة الجماعة في نهار رمضان، هل تستقيم مع كلام المصنف بأن الكفارة تسقط بالعجز؟ الظاهر أنها لا تستقيم. ولذلك الفتوح رحمه الله أخذ هذه العبارة من ابن مفلح، ذكر بناءً على القول الثاني الذي يرى أصحابه عدم سقوط الكفارة بالإعسار؛ كفارة الجماعة في نهار رمضان هل تسقط بالإعسار أو لا؟ ما دام أنها لا تسقط بالإعسار. هناك قول آخر للمذهب أنها نعم، المذهب أنها تسقط بالإعسار، كما في الفتوح. وهناك قول آخر في المذهب أنها لا تسقط بالإعسار وهو رواية في المذهب وهي التي رجحها ابن مفلح في الفروع. ابن مفلح يوم رجحها ذكر هذا، طبعاً قال: قال بعضهم، وهو يقصد ابن مفلح -يقصد في قوله "قال بعضهم" ابن حمدان في الرعاية كما صرح به المرداوي في الإنصاف- هو ذكر بناءً على القول الثاني الذي يرى أصحابه أن الكفارة، كفارة جماع في نهار رمضان، لا تسقط بالإعسار، فإذا لم تسقط بالإعسار...
ثم ملكا، فلا هلا. ونرجع لنفسها عن نفسه، هل له أن يأكل منها إن كان أهلاً، يعني يكون مصرفاً لزكاته؟ هذا وهو مبني على أنها لا تسقط عنه، لكن إذا قلنا تسقط عنه خلاص، هي غير واجبة عليه.
ولذلك قال شيخ الإسلام رحمه الله في شرح العمدة: «فإن قلنا تسقط فلا كلام، وإن قلنا لا تسقط تكفر عن المظاهر رجل بإذنه لفقره، أو كان عنده ما يكفر به، أو دفع عليه وهو محتاج إليه، أو هو أحوج إليه من غيره، فهل يجوز صرفه لنفسه على روايته؟» فجعل هذه المسألة مبنية على عدم سقوط الكفارة. يقول: لو أن غيره كفر عنه، فهل له أخذها وأكلها؟ يعني يصير مصرفاً لكفارته أو لا؟ أطلق مفلح فيها روايتين.
ثم قال: «ويتوجه احتمال أنه صلى الله عليه وسلم رخص للأعرابي فيه لحاجته ولم تكن كفارة»، يعني أن إذنه للأعرابي لكن الطعام لم يكن على أنه كفارة، بل على أنه صدقة مطلقة. وقد ذكر ابن رجب رحمه الله هذه المسألة تحت القاعدة السبعين: «وناسها الفعل المتعدي إلى مفعول أو المتعلق بظرف أو مجرور، إذا كان مفعوله أو متعلقه عاماً، فهل يدخل الفاعل الخاص في عمومه؟ أم يكون ذكر الفاعل قرينة مخرجة له من العموم؟ أو يختلف ذلك بحسب القرائن في خلاف المذهب، والمرجح فيه التخصيص إلا مع التصريح بالدخول أو قرائن تدل عليه». وذكر من أمثلتها أن يكون الرجل مصرفاً لكفارة نفسه؛ في المسألة روايتان، قال: «ثم من الأصحاب من يحكيها في غير كفارة الجماع في نهار رمضان لورود النص فيها، ومنهم من حكاها في الجميع»، وجعل ذلك خصوصاً للأعرابي وإسقاط الكفارة عنه بعجزه وكونها لا تفضل عنه.
نقف عند هذا. كملنا ساعة ونصف من بداية الدرس، فإذا كان في أسئلة، لو خمس دقائق.
السلام عليكم. هذا السائل نفسه يقول: أعذر المرأة في الجماع في حال النسيان أو الجهل، ولم يعذر الرجل وأوجبوا عليه الكفارة، يقول لماذا عذر المرأة يعني في عذر من الكفارة بالنسيان والجهل ولم يعذروا الرجل؟ هم يقولون بأن جنابة الرجل أقوى، فلا يعذرونه في المسائل هذه: الجهل والنسيان والإكراه، وإنما يعذرون المرأة لأن جانبها أضعف، هكذا عللوا.
أحسن الله إليكم. هذا يقول: أشكل علي الفرق بين «لا سليم دون فرج» وقوله رحمه الله: «مجبوب بمساحقة أو امرأة». أحسنت، قالوا: «لا سليم دون فرج»، يعني سليم غير مجبوه، فإذا جامع المجبوب دون الفرج، يعني أنه لم يدخل ذكره في فرج المرأة، وهنا هذا يعتبر جماعاً دون الفرج، فهذا لا يجب فيه ما يجب فيه، لا يجب فيه الكفارة وإنما يجب فيه القضاء؛ لأنه لم يتحقق فيه الجماع. أما المجبوب على كلام المؤلف المصنف الفتوحي، يجب فيه الكفارة إذا ساحق، لماذا؟ قالوا لأنه يجب فيه الغسل، فلما وجب فيه الغسل وجب فيه الكفارة والقضاء.
أحسن الله إليكم. هذا يقول: إن كان أكل ظاناً أن الفجر لم يطلع ثم بان له أنه طلع، فهل يقضي؟ وقد بنى على غلبة الظن؟ نعم، يقضي على ما ذكره الفقهاء رحمهم الله تعالى هنا، لأن ظنه هنا تبين له خطؤه، وهو وإن كان بنى على غلبة الظن، وغلبة الظن ملحقة باليقين في الشريعة، لكن هنا تبين له خطأ هذا الظن، والقاعدة أنه لا عبرة بالظن البين خطؤه.
هذا يقول في قول المصنف رحمه الله: «ويسقط الجميع بالتكفير غيره عنه بإذنه». يقول: هل يجوز أن يصوم عنه وهو حي أكثر من شخص حتى يتم الشهرين؟ أحسنت، لا، الكلام في التكفير بغير الصيام، كثير بغير الصيام، يعني بإخراج الرقبة أو الإطعام، الرقبة أو بالإطعام، أما الصيام فلا يصوم أحد عن أحد، يعني الحي لا يصام عنه مطلقاً، والميت يصام عنه على المذهب في النذر خاصة، والنذر تأتينا إن شاء الله في القضاء، وبارك الله فيك على هذا التنبيه.
نعم، أحسن الله إليكم. ولا يجوز أن يجامع -كما ذكرتم في المفطرات- أن يجامع الميتة. قل فما المقصود بالميتة؟ يعني المرأة الميتة. ذكرنا في المثال أنه لو أن رجلاً جامع زوجته وهي ميتة -والعياذ بالله- فإنه يجب عليه القضاء لا الكفارة.
أحسن الله إليكم. يقول: بعد طلوع الفجر تبخر قاصداً ذاكراً صومه، لكنه ناسياً كون البخور يعد من المفطرات مع عدم جهله بحكمه، ثم تذكر أنها من المفطرات فتجنبه، فماذا عليه؟ احتجت، تأمل فيها ما عندي جواب.
السلام عليكم. يقول: فهمنا من كلامهم أنه من كرر الجماع في نفس اليوم ولم يكفر للأولى، أن عليه كفارة للمرة الأولى لصومه، وللمرة الثانية لأنه مأمور بالإمساك وجامع في حال الإمساك، هل هذا الفهم صحيح؟
السؤال يقول: فهمنا من كلامهم رحمهم الله أنه من كرر الجماع في نفس اليوم، عليه كفارة للمرة الأولى، وجامع ثانية لصومه، فين جامع للمرة الثانية؟ فإن عليه كفارة لأنه مأمور بالإمساك وجامع في حال الإمساك. لا، إذا كان لم يكفر للأولى، وكان الجماعان في يوم واحد، فإنه يكتفي بكفارة واحدة. داخل الكفارات: إن ما تلزمه الكفارتان إذا كان الجماعان في يومين، أو كان الجماعان في يوم واحد وقد أخرج الكفارة بعد الجماع الأول، أما إذا كان لم يكفر عن الجماع الأول وكان الجماعان في يوم واحد، فإنه تكفيه كفارة واحدة.
نعم، آخر سؤال، أحسن الله إليكم. هذا يقول: ما الفرق بين من أكل معتقداً أنه ليل، بأنه لا يعذر، وبين الناس الذي يعذر حيث إنه في الصورتين لا يمكنه التحرز من الأكل، بخلاف من أكل ظاناً غروب الشمس لأنه يمكنه التحرز منه كما ذكر شيخ الإسلام؟ حتى من أكل يعتقد أنه ليل، فهنا قالوا لما تبين له، هو أكل بالقصد لكن تبين له الآن، خلاف يقيني، لا، في يقيني خلاف اعتقادي، وهنا قالوا لما تبين له خلاف اعتقاده فإنه لا يعذر بذلك حيث إنه لم يحصل منه الصوم التام، فيلزمه القضاء. بخلاف الناس من الأصل، يعني لم يقصد مخالفة، يعني من الأصل ما عنده قصد، المهم الصوم وورد فيه النص: ﴿إِنَّمَا أَطْعَمَكُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَكُمْ مِنْ خَوْفٍ﴾، هذا على أحد القولين وهو مشهور من مذهب الحنابلة رحمهم الله تعالى.
الله تعالى أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
الشيخ عبدالله بن عبدالرحمن الميمان