دخولتسجيل الدخول

الدرس 18 - المَدخَل الثاني: تذوقٌ راعَنِي حتى تذوّقت

أبو قيس محمد رشيدالأستاذ أبو قيس محمد رشيد
  • مدة الدرس:
  • قراءة

أهلاً وسهلاً ومرحباً بالأخوة الكرام. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله ثم الحمد لله، الحمد لله حمداً يوافي نعمه ويكافئ مزيده، لك الحمد ربنا كما ينبغي لجلال وجهك ولعظيم سلطانك، نحمدك ربنا لا نحصي ثناءً عليك أنت كما أثنيت على نفسك. اللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد.

أما بعد، أيها الأخوة، هذا هو مجلسنا الثامن عشر من مجالسنا في شرح مداخل إعجاز القرآن للأستاذ محمود شاكر رحمه الله. وهذه المداخل تتمثل في المدخل الأول تحت عنوان: تاريخ حيرني ثم اهتديت، والمدخل الثاني تحت عنوان: تذوق راعني حتى تذوقت، والمدخل الثالث تحت عنوان: ثرثرة أجرتني حتى مللت. ونحن الآن والحمد لله تعالى في المدخل الثاني، وهو الذي جعله بالأصالة مقدمة لكتاب مالك بن نبي: الظاهرة القرآنية، وهو كتاب عظيم معروف. ويليه إن شاء الله تعالى الكتاب الثالث أو المدخل الثالث، وأكرر هذا حتى ينطبع في ذاكرتكم: قضية الشعر الجاهلي في كتاب ابن سلام.

وأذكركم كذلك بأن هذه المداخل كتبها محمود شاكر تاريخياً بالعكس؛ يعني هو كتب أولاً كتاب قضية الشعر الجاهلي، ثم كتب مقدمة كتاب مالك الذي هو الظاهرة القرآنية، ثم كتب المدخل الأول الذي بدأنا به أولاً. ولكن تتبع قضية الإعجاز تتبعاً منطقياً تاريخياً يأتي أولاً من المقالة التي كتبها أخيراً وهي المدخل الأول، ثم تأتي المقالة الثانية تذوق راعني حتى تذوقت، ثم المقالة الثالثة وهي الأقدم بالإطلاق: قضية الشعر الجاهلي عند ابن سلام، وجعل المدخل بعنوان: ثرثرة أجرتني حتى مللت.

وقفنا مع محمود شاكر بالأمس وهو يجيب عن السؤال: لماذا لم يتجاوز القدماء بالشعر الجاهلي إلى قضية الإعجاز؟ فقال إن الذي استعرضناه من المبادئ والأصول والشروط حول قضايا إعجاز القرآن في كل ما سبق يثير تساؤلاً عند البعض: إذا كان الأمر كذلك، لماذا لم يقم به بعض من العلماء القدماء؟ لماذا لم يتناولوا الشعر الجاهلي من هذه الناحية؟ فقال محمود شاكر: نحتاج هنا إلى تتبع تاريخي، وألخص لك تلخيصاً لينتهي بك إلى جواب السؤال.

يقول في الصفحة الثامنة والعشرين: أهل الجاهلية هم من وصفت لك منزلتهم من البيان وقدرتهم على تصريفه بألسنتهم، وتمكنهم من تذوقه بأدق حاسة في قلوبهم ونفوسهم، وعلمهم بأسراره وتغلغلهم في إدراك الحجاز الفاصل بين ما هو من نحو بيان البشر وما ليس من بيانهم. أهل الجاهلية هؤلاء هم الذين جاءهم كتاب من السماء بلسانهم، هو في آيات الله بمنزلة ﴿عَصَا مُوسَى﴾ وإبراء الأكمه والأبرص في آيات أنبيائه؛ لتكون تلاوته على أسماعهم برهاناً قاهراً يلزمهم بالإقرار له بصحة تنزيله من السماء على قلب رجل منهم، وأن هذا الرجل نبي مرسل عليهم أن يتبعوه وأن يستجيبوا لما دعاهم إليه.

فلما كذبوه وأنكروا نبوته تحداهم أن يأتوا بمثل هذا الذي يسمعون في نظمه وبيانه، وألح عليهم في آيات منه كثيرة. ولكنهم وجدوا في أنفسهم مفارقته لبيان البشر؛ وجداناً ألجأهم إلى ترك المعارضة إنصافاً للبيان أن يُجار على حقه، وتنزيهاً له أن يزري به جورهم عن هذا الحق. وكما قال محمود شاكر، إن خطاب الله تعالى خلى لهم قضية التحكيم، قال تعالى: ﴿وَإِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَىٰ عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُم مِّن دُونِ اللَّهِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ * فَإِن لَّمْ تَفْعَلُوا وَلَن تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ ۖ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: 23-24].

الله يقول لهم: ﴿وَلَن تَفْعَلُوا﴾، يعني لن تأتوا بشيء ولن يشهد شهداؤكم بشيء. هذه التخلية التي ينبني عليها تهديد لن يفعلوه. يقول محمود شاكر: ولكنهم وجدوا في أنفسهم مفارقته لبيان البشر؛ أي أول شيء وجدوا في أنفسهم أن القرآن مفارق لبيان البشر. ثم ماذا؟ هل نتحدى ونلعب؟ لا، العرب ليس عندهم في البيان "حارة حبايب"، ولكنهم وجدوا في أنفسهم مفارقته لبيان البشر؛ لأن العربي موضوعي في البيان، وجداناً ألجأهم إلى ترك المعارضة إنصافاً للبيان أن يُجار على حقه، وتنزيهاً له أن يزري به جورهم عن هذا الحق.

لا مجال عند العرب، بعد قوله لحسان بن ثابت: «إني والله لأشعر منك ومن أبيك، يا بني إنك لا تحسن أن تقول إنك كالليل الذي هو مدركه، وإن خلت أن المنتأى عنك واسع، خطاطيف حجن في حبال متينة، تمد بها أيد إليك نوازعه»، طأطأ رأسه ورجع القهقرى وجلس في مكانه. وهذا هو الجواب عن السؤال: أين نصوص المعارضات التي يفترض أن العرب قاموا بها في محاولة تحديهم للقرآن؟ لأنهم دائماً يسألون: أين نصوص المعارضات التي يفترض أن العرب قاموا بها وسقطت أمام القرآن؟

في الحقيقة، قبل سنوات كنت أتوقف في هذه المسألة، كان لي فيها نظر آخر، وكنت أقول إن باب البيان باب تتفاوت فيه الأنظار، وأن القول بأنهم لم يقولوا أمام القرآن شيئاً البتة ممتنع في نظري؛ قلت هذا عام 2016 وأظن في عام 2017. ثم وجدت تأكيد كلام الجاحظ ومحمود شاكر وربما غيرهما على أن العرب لم تحاول البتة إطلاقاً. كنت أقول: بل ربما هناك محاولات ولكنها ولدت ميتة لأنها لم تؤدِ وظيفتها، وكنت أقول ربما كان بعض شعر المخضرمين من المحاولات التي خرجت بنية تحدي القرآن، ولكن لما فشلت أمام القرآن أُلغيت المحاولة وكانها لم تكن، وبقي الشعر في ديوان الشاعر يروى عنه على أنه شعر بقطع النظر عن عارض وهو محاولتهم أن يتحدوا القرآن بذلك.

ظللت في هذا متردداً فترة؛ هل بالفعل لم يحاولوا؟ الجاحظ يقول لو حاولوا لنُقل ذلك واشتهر وتواتر بحجم التحدي الذي جاءهم في القرآن النازل. فكنت أتأمل ذلك وأقول: الذي هو حقيق بكلام الجاحظ أن تأتي محاولات عظيمة كبيرة، أي أن تأتي محاولات تثير الشبهة، أما أن تأتي محاولات تسقط بسرعة أمام القرآن فهذا لا يلزم منه النقل، بل هذا مخزٍ، وليس الذي يُنقل تواتر غير تواتر محاولات حاولوها حتى لو قصائد جيدة وسقطت أمام القرآن.

ثم رجعت وأعدت النظر في نظري بعد سنوات، فقلت: طيب ما هو تفاوت القدر الذي جعلهم يقدمون على بعض المحاولات؟ تفاوت القدر في الإدراك؛ فسيرى البعض أن هذه المحاولات غلبت القرآن، كما أنه ظن من نفسه أنه يقدر على مجابهة القرآن. فكذلك سيظن بعض المتلقين، لا سيما إن لم يكونوا شعراء أصلاً وليسوا من أهل النقد والذوق، أن يشيعوا هذه القصائد على أنها تحدٍ غلب القرآن. فصار نظري محل نظر، وإبراءً لذمتي صرت بعد ذلك أسير مع قول الجمهور والعلماء في ما أراهم مستقراً في كلامهم من أنه لا، ليس هناك شيء، وإن كانت نفسي من داخلي تقول بأنه كانت هناك ربما محاولات، وربما هذه المحاولات موجودة بيننا الآن من أشعار المخضرمين؛ لأن المخضرمين هم الذين نزل فيهم القرآن وتحداهم، والله تعالى أعلم.

طبعاً الجاحظ قال هذا ليس هروباً من الصرفة، وإنما يفسر ما قد يفسر بالصرفة فقط، وهو أنهم أبلسوا لم يجدوا شيئاً إطلاقاً؛ أي لم يقع منهم عجز، لم تقع محاولات من الأصل، فقالوا بالصرفة تفريعاً على هذا التاريخ الخطأ، كما عرفت في المدخل الأول. ولكنه لم يرَ أنهم لو خُلي بينهم وبينه سيأتون به؛ هو الجاحظ كلامه كما قال محمود شاكر فيه تناقض وفيه مشكلات، فهو يقول: صُرِفوا فلم تُبدَ محاولات، ويقول: ولكن لو خُلي لم يأتوا.

والعجيب أن معتزلة بعده كالرماني يقولون: معجز بالصرفة، وعبد القاهر يقول: ما هي صرفة؟ يا بلاغة القول بالصرفة يقتضي نفي البلاغة، والقول بالبلاغة يقتضي نفي الصرفة؛ لأن الإعجاز واحد وحاصل بواحد منهما. فالجاحظ وهو يرد على النظام صاحبه، أثبت أنهم لو خُلي بينهم وبين القرآن لم يستطيعوا أن يأتوا بمثله، لكنه أيضاً أثبت الصرفة وظل يقول بها في آخر حياته؛ لأنه ذكرها في كتاب الحيوان وهو من آخر مصنفاته أو آخرها.

ولذلك محمود شاكر اعتبر هذا عيباً وتناقضاً ونوعاً من عدم الاتزان في الأقوال. وأن كل هذا خرج من كلمة العجز؛ العجز يقتضي المحاولة، ولكنهم لم يروا محاولة فقالوا بالصرفة. إذاً كلام الجاحظ قد يقتضي أنه لولا الصرفة لحصلت المحاولة وسقطوا. محمود شاكر لا يقول بالصرفة، ويقول لم يحاولوا أصلاً، لكن الجاحظ يقول لولا الصرفة، أو أنهم لم يفعلوا شيئاً لأنهم صُرِفوا. هو والنظام يتفقان على أنه لو خُلي بينهم وبين القرآن لم يقدروا، لم يقل: لم يفعلوا، لم يحاولوا؛ قال: لو خُلي بينهم وبين القرآن دون الصرفة، لو خُلي لم يأتوا بمثل القرآن، لا يقدر الرجل أن يفعل مهما كان فصيحاً.

لكن الجاحظ لم يقل "لم يحاولوا"، ستقول لي: بس الجاحظ نص على نفي المحاولة وأنه لو حصل لكانوا كذا؟ أيوه، ما هو الجاحظ يقول بالصرفة! ركز، لا تنسَ أن الجاحظ يقول بالصرفة، وأن ما يتخيله في حال ما لو خُلي بينهم وبين القرآن هو افتراض. الجاحظ يقول: لو خُلي بينهم وبين القرآن، لكن لم يُخَلَّ بينهم وبين القرآن. طيب ما الحال يا أبا عثمان؟ لو خُلي بينهم وبين القرآن؟ أبو عثمان قال: لن يأتوا بمثل القرآن، لكن لم يقل: لم يحاولوا. وهذا الفرق بين كلام الجاحظ وكلام محمود شاكر؛ فما زلت منذ سنين في حيرة من هذه المسألة، ولا أدري أيُرفع فيها عني الحيرة أو لا؟ وهي: هل وقعت أية محاولات من العرب؟ طبعاً وقوع المحاولات لا يعني النجاح، يعني الفشل. طيب إذا وقعت هذه المحاولات، هل يعني اشتهارها وتواترها؟ الجاحظ قال لم تحصل، ولو حصلت سيكون.

تتواتر، لكن لا تنسوا الجاحظ يقول لم يخلُ؛ أصلًا لم يخلُ، لأن ما حصل لو خُلي، لكن الجاحظ يقول لو حاولوا سينتشر الخبر. الجاحظ يقول لو حاولوا سينتشر الخبر. طيب هل فعلاً لو حاولوا سينتشر الخبر أم سيقتل الخبر؟ هل لو حاولوا سينتشر الخبر أم سيقتل الخبر؟ هذا ما أفكر فيه. الجاحظ يقول لو حاولوا، كنت أقول لو حاولوا ستموت القضية لأنه سيخرج نص موقود ميت في السباق. ثم أرجع وأقول: هل نأمن وجود أناس ضعاف العقول ينشرون هذا كما كان الشخص الذي أخرج هذا الكلام وهذه القصيدة يظن أنه قادر عليها؟ ظلت المسألة عندي مشوشة، ما زالت مشوشة منذ سنين.

نعم ما زالت مشوشة منذ سنين؛ حاولوا أو هم يحاولون ولا تؤثر في قضية إعجاز القرآن، لأنه على كل حال حاولوا أو لم يحاولوا لم يحصل التحدي، يعني حتى لو قلنا حاولوا ماتت القضية. الخلاف ينحصر أين؟ أو المسألة هنا؛ أقصى إذا صح لي أنهم حاولوا، أقصاه أنهم حاولوا وماتت الفكرة. إذا صح لي صح أنهم حاولوا وماتت الفكرة. محمود شاكر يقول لن يحاولوا أصلاً احتراماً لآدابهم. فأقول هذه قضية كبيرة والناس متفاوتون؛ هل كلهم سيحرمون أدبهم؟ هل هم جميعاً سيحرمون أدبهم؟ هل جميعاً سيختفون؟ هل جميعاً سيجمعون على أن جميعاً هكذا سيجمعون؟ يعني آحاد، استغراق، هل جميعاً واحداً واحداً سيدركون أن القرآن أعلى مما أثبته في هذا؟

قلت لو كان هذا صحيحاً لصان بيانهم كذلك عن أن يقولوا عن القرآن إنه شعر. والحاصل أن هناك آثاراً وردت بأن هناك من قال هذا شعر، ليس فقط أن النبي صلى الله عليه وسلم شاعر، فهو قال هذا النثر العالي، بعضهم قال هذا شعر على ما ورد. فلو صح أن بعضهم قال هذا شعر؛ إذاً يمكن لبعضهم أن يظن وأن يغتر بأن يتحدى القرآن. خلاص، فالله أعلم، عندي في قلبي في هذه المسألة نزاع طفيف في النفس من قديم جداً. نعم، أردت أن أثبته لكم لكن على كلام محمود شاكر الذي تدرسون لم يحاول أحد منهم، ونفسي في حرج من هذا أن يصورهم جميعاً أدركوا، واحداً واحداً أدركوا علو بيان القرآن فلم يحاولوا مع القرآن شيئاً، لم تخرج محاولة واحدة، كلهم أدركوا.

فجميعاً سلموا كأنهم جماعة صغيرة، كأنهم على درجة واحدة، لا؛ هناك من قال كما ورد إنه شعر، قال في القرآن شعر. لا يضر هذا، ولكنهم وجدوا في أنفسهم مفارقته لبيان البشر، وجداناً ألجأهم إلى ترك المعارضة إنصافاً للبيان أن يجار على حقه، وتنزيهاً له أن يزري به جورهم عن هذا الحق، وعلى الذي تلقوه به من اللدد في الخصومة والعناد لم يلبث أن استجاب له النفر بعد النفر، إقراراً وتسليماً بأن الكتاب كلام الله وأن الرجل نبي الله، ثم تتابع إيمان المؤمنين منهم حتى لم تبق دار من دور أهل الجاهلية إلا دخلها الإسلام أو عمها. وألقوا إليه المقاد على أنه لا يتم إيمان أحدهم حتى يكون هذا الرجل لأبي هو وأمي أحب إليه من أهله وولده، وهذه أعمالهم تصدق ذلك كله.

فاقبل كل بليغ منهم مبين، وكل متذوق للبيان ناقد يتحفظ ما نزل من القرآن ويتلوه ويتعبد به، ويتتبع تنزيله تتبع الحريص المتلهف، وينصت له ويصنت حتى يتلى في الصلوات وعلى المنابر يوماً بعد يوم، وشهراً بعد شهر، وعاماً بعد عام، وكلهم مخبت خاشع لذكر الله وما نزل من الحق، يصدق إخبات وخشوعهم ما قال الله سبحانه: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُّتَشَابِهًا مَّثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَىٰ ذِكْرِ اللَّهِ ۚ ذَٰلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَن يَشَاءُ ۚ وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾ [الزمر: 23]. ثم صار للقرآن في جزيرة العرب دوي كدوي النحل، وخشعت أسماع للجاهلية كانت بالآمس للذي يتلى عليهم من كلام الله الذي خلقهم، وجعل لهم السمع والأبصار والأفئدة، وأخبتت ألسنة للجاهلية لغتهم لكلامه سبحانه بالعبودية، وماجت بهم جزيرة العرب مهللين مكبرين مسبحين كلما علوا شرفاً أو هبطوا وادياً.

وأقاموا تالين للقرآن بالغدو والآصال وبالليل والأسحار، وانطلقوا يتتبعون سنن نبيهم، وخلعوا عن قلوبهم ونفوسهم وعقولهم وألسنتهم ظلمة الجاهلية، ودخلوا بألسنتهم وعقولهم ونفوسهم وقلوبهم في نور الإسلام، ثم طار بهم هذا القرآن في كل وجه يدعون الناس؛ أسوده وأحماره إلى شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، ويحملون إليهم هذا الكتاب المعجز بيانه لبيان البشر والذي نزل بلسانهم حجة على الخلق، وهدى يخرجهم من الظلمات إلى النور.

فكان من أمرهم يومئذ ما وصفه ابن سلام في كتاب طبقات فحول الشعراء حين ذكر مقالة عمر بن الخطاب في أهل الجاهلية، كان الشعر علم قوم لم يكن لهم علم أصح منه. فقال ابن سلام تعليقاً على ذلك: فجاء الإسلام فتشاغل عنه العرب، وتشاغلوا بالجهاد وغزو فارس والروم، ولهوا عن الشعر وروايته، فلما كثر الإسلام وجاءت الفتوح واطمأن العرب في الأمصار، راجعوا رواية الشعر، فلم يجدوا إلا ديواناً مدوناً ولا كتاباً مكتوباً، وألفوا ذلك وقد هلك من العرب من هلك بالموت والقتل، فحفظ أقل ذلك وذهب عليهم منه كثير.

نعم، ابن سلام يقر بأنهم شغلوا عن القرآن بالجهاد وبكذا وكذا. ولا يغتر كما قاله ابن سلام، ولا يغتر كما قال ابن سلام فتحسب أن أهل الجاهلية الذين هداهم الله للإسلام طرحوا شعر جاهليتهم دبر آذانهم، فانصرفوا عنه صماً وبكماً وخلعوه عن عقولهم وألسنتهم كما خلعوا جاهليتهم؛ فهذا باطل تكذبه أخبارهم وينقضه منطق طبائع البشر وتاريخ حياتهم. الشعر لا يترك، انتهى؛ انسى انسى هذا مستحيل. بل كان أكبر ما لحقه من الضيم أن نازعه القرآن فصرف همهم إليه، فكان نصيبه من إنشاده وتقصده القصائد أقل مما كان في الجاهلية، هذا هو فقط، هذه نقطة مهمة تشد تحتها خط. بل كان أكبر ما لحقه من الضيم أن نازعه القرآن فصرف همهم إليه، فكان نصيبه من إنشاده وتقصده القصائد أقل مما كان في الجاهلية، ولكنه بقي مع ذلك هو الذي يؤوب إليه إذا شق عليهم طول مدارسة القرآن، وهو الذي يستريحون إليه إذا فرغوا مما فرض عليهم ربهم وسن لهم نبيهم صلى الله عليه وسلم.

وظل ذلك دأبه في أول إسلامهم، ونشأ أبناؤهم يسمعون منهم شعر جاهليتهم ويستمعون إلى مكنوز بيانهم في ألسنتهم، فيخرجون أيضاً مركوز ذلك البيان في طباعهم، وينتقل ذلك بما يشبه العدوى إلى مسلمة الأعاجم وأبنائهم. وحيث نزل أهل الجاهلية الذين أسلموا نزل معهم الذكر الحكيم، ونزل شعر الجاهلية وتدارسوه وتناشدوه، وقوموا به لسان الذين أسلموا من غير العرب، وأصبح زاد المتفقه في معرفة معاني كتاب ربه هو مدارسة الشعر الجاهلي؛ لأنه لا يستقل أحد بفهم القرآن حتى يستقل بفهمه. وحسبك أن تعرف مصداق ذلك قول الشافعي فيما بعده في القرن الثاني من الهجرة: شوف هذا نص كلام الشافعي ينقله محمود شاكر: لا يحل لأحد أن يفتي في دين الله، لا يحل لأحد أن يفتي في دين الله، يعني أن يستنبط وأن يعمل كذا وليس أن ينقل الفتاوى.

أكثر من ترونهم من المعممين ومن يسمون المشايخ ينقلون، هم ناقلون سواء نقلوا عن معاصرين لهم أو نقلوا عن المذاهب، كل هؤلاء ناقلون يا إخوة، ليس في زماننا هذا فقيه، ما أكاد أقابل إلى الآن لم أقابل من قيل فيه فقيه، وأناقشه أجده يفهم أكثر مما قيل له في شرح أدلة مذهبه؛ أما أن يستطيع هو أن يستنبط وأن يناقش، ليس عنده هذا بمجرد. والله يا إخوة قابلت ما لا أحصي ممن يقال فيه شيخ وفقيه، أول ما أبدأ أناقشه في نصوصه التي يسمع لي ما أعرفه؛ يعني هو يقول لي وجوه الدلالة التي أعرفها من الكتب؛ يعني الذي يراجع مثلاً كتاباً في مذهب الحنفية كـ بدائع الصنائع للكاساني، وكذلك مثلاً في فتح القدير للسيواسي، حينما تراجع مثل هذه الكتب التي فيها المناقشات وفيها كذا فيها وجوه الدلالة، يعني حتى كتب المبتدئين في مذهبنا الحنفي فيها عرض وجوه الدلالة.

لماذا أنا أحب جداً مذهب الحنفية؟ لماذا تمسكت بمذهب الحنفي مع أنه في مصر كان يفتح لك دراسة المذهب الشافعي والمذهب الحنبلي وأن تكون فقه الدليل؟ كل هذا الكلام لماذا أنا شغفت بمذهب الحنفي؟ لأنني من أول دراسة تراثية درستها كانت اللباب والمختار للفتوى، والذي له حضور في نفسي قوي وحاضر لوعي حينها في الدراسة وكذا هو كتاب المختار للفتوى للموصلي، وفيه أعمال الأدلة وشرح الأدلة ووجوه الدلالة مثلاً أحياناً وعمل العقل. ولما دخلت إلى كلية الشريعة، انتسبت في كلية الشريعة بالجامعة الأزهرية في أول سنة أحضرت كتاب الهداية للمرغيناني وقرأته، وقرأت شرح فتح القدير للسيواسي، ثم أخذت أخوض في حاشية ابن عابدين، وبعد ذلك الآن صرت في هذه السنين صرت أعوم وأحلق في بدائع الصنائع للكاساني ذهاباً وإياباً عليه، فأنا أعرف وجوه الدلالة التي يذكرونها؛ فأول ما أبدأ في الخروج عنها ومناقشة من يدعي أنه فقيه يتوه، لا يعرف، لا يعرف، لا يعرف.

نعم، للأسف الشديد لا يمكنه حتى أن يناقشك؛ هو يحفظ وجه الدلالة في مذهبه، فإذا ناقشته في الدلالة نفسها وربط اللغة بالمدلول بالمعنى لا يعرف شيئاً، هو حافظ مش فاهم؛ هو حفظ ما استنبطه غيره لكن هو ليس بشيء في هذا، فهؤلاء ناقلون يا إخوة، هؤلاء ناقلون لا يغرنكم أنهم يستعلون على أصحاب فقه الدليل أو ما يعرف بالسلفية أو كذا، أنهم لا يفهمون، هم أيضاً لا يفهمون؛ هو الفرق أنهم حافظوا وجوه الدلالة وأصحاب فقه الدليل حافظوا الأحكام، وهؤلاء حافظوا وجوه الدلالة والفضل ليس كبيراً بينهم، كلاهما لم يفهم، هو يأتي فقط ويقول.

أنا حنفي، أنا مالكي، أنا شافعي، أنا حنبلي، ويذهب ويستعلي على المسكين صاحب فقه الدليل؛ لأنه أجرد، صاحب فقه الدليل هذا التوجه، فقه الدليل ويقول: ارمِ بأقوال مش عارف إيه وعرضه، الآية هذه أجرد من أي شيء، فيستعلون عليه بما يحفظون من وجوه الدلالة، فيتعامل مع الفقه على أنه مُحدث نعمة. لأنه لما كان كأصحابهم كان أغلبهم من أرباب فقه الدليل، فلما انتقل من فقه الدليل الذي هو الأحكام المباشرة على طريقة من الظاهرية معروفة، لما انتقل من هذا إلى دراسة فقه أبي حنيفة أو الشافعي أو مالك أو أحمد، وجد شيئًا آخر، فبعد أن كان يحفظ الأحكام فقط، صار يحفظ الأحكام مع وجوه الدلالة. أنت أصبحت تحفظ وجوه الدلالة أيضًا، أنت لم تفعل شيئًا، أنت زدت في المحفوظ ليس أكثر، فتذهب وتستعلي بذلك على من؟ على المسكين بتاع فقه الدليل، فطبعًا يتخض، يتبرجل بتاع فقه الدليل ده، يتبرجل ما يعرفش يعمل حاجة، يتبرجل ماذا تقول؟ ماذا تقول؟

يعني مثلًا لما تقول له الاستثناء بالجمل، مثلًا ما الحكم في من قذف المحصنات ثم تاب؟ ما الحكم في من قذف المحصنات ثم تاب؟ فطبعًا هذا حكمه في القرآن موجود، ولكن المسألة تعود إلى قضية لغوية: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ * إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا﴾ [النور: 4-5]. فأنت عندك أحكام: فاجلدوهم ثمانين جلدة، عندك أحكام، فاجلدوهم ثمانين جلدة، ولا تقبلوا لهم شهادة أبدًا، وأولئك هم الفاسقون، إلا الذين تابوا.

خلاص، الحكم الأول فاجلدوهم ثمانين جلدة، قالوا هذا بالإجماع يطبق إذا ثبتت التهمة وأنه وقع في عرض المحصنة ورماها، طيب بقي ماذا؟ ولا تقبلوا لهم شهادة أبدًا وأولئك هم الفاسقون، المسألة في الفقه: هل تقبل شهادة التائب من قذف المحصنة؟ هل تقبل شهادة التائب من قذف المحصنة؟ عندنا نحن الحنفية لا تقبل، عند الشافعية تقبل. ما الدليل؟ نفس الدليل للمذهبين، نحن الحنفية نقول لا تقبل، الشافعية يقولون تقبل، يقولون تقبل، خلاص.

لماذا الحنفية؟ نحن قلنا الاستثناء بـ (إلا) بعد الجمل المتعاطفة بالواو يعود على الجملة الأخيرة فقط، يعني: ولا تقبلوا لهم شهادة أبدًا، وأولئك هم الفاسقون إلا الذين تابوا، ليسوا فاسقين، فقط، ولا يدخل معنا ولا تقبل لهم شهادة أبدًا، حكم أبدي قاطع، انتهى حكم قاطع. الشافعي قال: الاستثناء بـ (إلا) بعد الجمل المتعاطفة بالواو يعود على كل الجمل، إلا ما خرج بالإجماع، خلاص.

فيأتي دارس شافعي أو دارس حنفي ويذهب إلى صاحب فقه الدليل الذي لا يستطيع أن يستنبط هذا، الذي لا يستطيع أن يستنبط هذا، يذهب إليه ويقول: والله يا سيدي الاستثناء بـ (إلا) بعد الجمل المتعاطفة بالواو يعود على الجملة الكذا، الجملة الأخيرة، أو على كل الجمل، فطبعًا الآخر يرتبك. طيب تعال أنت، قل للشافعي والحنفي: ما رأيكم أن ندرس المسألة من جهة اللغة والتركيب والدلالة، ومن جهة الاستشهاد بكلام العرب والشعر والكلام البليغ؟ الاستثناء يعود على الأخير أم على كل الجمل؟ تعالوا نرى في الشعر كيف هي، وتعالوا ننظر في المعاني القديمة هنا، خلاص ما فيش ما فيش ما فيش.

خلاص، عندنا مثلًا في مذهبنا الحنفي في خلف الإمام لا نقرأ حتى في الصلاة السرية، لا نقرأ حتى في الصلاة السرية، خلاص. لماذا؟ ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا﴾ [الأعراف: 204]، قال فقهاء المذهب: استمعوا له في الجهرية، وأنصتوا في السرية، استمعوا له في الجهرية وأنصتوا في السرية. طبعًا طالب المذهب يتلقى هذا وهو غير مطالب بأكثر من هذا أصلًا، يحفظ هذا الوجه، فربما يجلس معي بعض أصحابنا الحنفية من مرحلة الدراسية القديمة، كنت حنفيًا أزهريًا، فأقول له: طيب يا سيدي هل الإنصات يعارض الاستماع؟ هل الإنصات يعارض الاستماع؟ يعني هل يتعارض أن أقول في حالة واحدة استمع له وأنصت؟ هل يتعارض؟ لا، فلماذا حملتها على؟ وأيهما أبلغ أن توزع العبارة توزيعًا، أن تقسم العبارة تقسيمًا فقهيًا، وأن تقول فاستمعوا له على تقدير القراءة الجهرية، وأنصتوا على تقدير القراءة السرية، أم أن توقعها على موضع واحد وعلى مرحلتين وعلى طاقتين من المعنى؟ فاستمع له وأنصت إليه، هذه ثانية وثالثة.

الضابط عندنا في المذهب الحنفي الذي نفرق به بين الجهر والسر أن الجهر أن تسمع من بجوارك، والسر أن تسمع نفسك، فإذا قلت وأنصتوا يعني في السرية، لا يوجد مجال للإنصات، لا يوجد موضوع للإنصات، أنصت إلى ماذا؟ قرأ القرآن فانصت إلى ماذا؟ إلا إذا أردت بذلك الإنصات بمعنى السكوت، ولكنك علقت ذلك بقراءة القرآن، علقت ذلك بقراءة القرآن، فما الإنصات هذا الذي ينفصل عن قراءة القرآن؟ إذا كان الإمام في السرية في الظهر والعصر لن يسمع إلا نفسه لأنه لو جهر خالف، وضابط الجهر والإسرار عندنا أن الجهر تسمع من بجوارك والإسرار تسمع نفسك، وهذا ذكره ابن عابدين في الحاشية (رد المحتار على الدر المختار)، خلاص.

فأرى تشوشًا شديدًا، فلما أعرض هذا لا أجد جوابًا، ولكن ها أنا مثلًا، هذا قول، أنا مثلًا في صلاتي مأمومًا في الصلاة السرية كالعصر والظهر، أقرأ، ظللت مدة أتبع المذهب في السكوت لكن ما قنعت بأن ذلك، طبعًا هناك أدلة أخرى ذكروها لكن ما قنعت بأن ذلك من باب الإنصات إلى القرآن، ولكن لما خلفت في هذا ليس من باب طريقة فقه الدليل، بل بعد سنين في العمل في النص وتذوقه ونقده والنظر في الدلالة وكذا، لم أقنع بما استدل به فقهاء الحنفية بأن ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا﴾ يعني استمعوا في الجهرية وأنصتوا في السرية، لم أقنع بهذا، ولم أرَ ذلك يصح، وعندي من الآلة ما أفهم بها أن هذا الدليل غير صحيح. عندي من الآلة اللغوية بعد إغراقي في الشعر والبيان هذه القطعة من العمر ما أحكم به بأن هذا الاستدلال غير صحيح، هذا الاستدلال غير صحيح.

لكن الشاهد أنني ناقشت فيه، هل يستطيع الطالب الحنفي أن يناقش في هذا معاصرًا الآن؟ لا يوجد، معاصرًا الآن لا يوجد، لا يوجد، فدعوا من كل هؤلاء المشايخ الذين قد تظن أنهم مفتون مجتهدون، هؤلاء ناقلون لهم فضل النقل، "ولا يجوز بالضعيف العمل، ولا به يجاب من جاء يسأل، ولا يجوز..." هذه منظومة عقود رسم المفتي لابن عابدين الحنفي: ولا يجوز بالضعيف العمل، ولا به يجاب من جاء يسأل، إلا لسائل له ضرورة أو من... إلى آخره، يعني استثناءات، هذا في آخر منظومة عقود رسم المفتي.

خلاص نعم، فهؤلاء كالقضاة يقضون بمذهب وضع لهم، أما مفتٍ، مفتٍ يجتهد ويأخذ الأحكام، تعالوا نرى الآن ماذا قال الشافعي في صفة المفتي عشان تعرفوا أن كل دول مش مفتين، كل هؤلاء الذين على الفيسبوك وآسك وحتى في دور الإفتاء ليس أحد منهم مفتيًا. احنا هنخش في الحيطة، هنضحك، هنخش في المنطق، هنرزع رأسنا في الحيطة في الجبل، واحد زائد واحد يساوي خمسة، واحد زائد واحد يساوي اثنين، خمسة ما تنفعش. كل هؤلاء لا أحد فيهم يفتي، كلهم ناقلون بلا استثناء، بلا استثناء بلا استثناء.

طيب، اقرأوا كلام الإمام الشافعي لتعلموا أن كل هؤلاء ناقلون ليسوا مفتين. يقول: "لا يحل لأحد أن يفتي في دين الله إلا رجلًا عارفًا بكتاب الله بناسخه ومنسوخه، ومحكمه ومتشابهه، وتأويله وتنزيله، ومكيه ومدنيه، وما أريد به، ويكون بعد ذلك بصيرًا بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبالناسخ والمنسوخ، ويعرف من الحديث مثل ما عرف من القرآن، كل ما ذكر في القرآن من السنة أيضًا، ويكون بصيرًا باللغة، بصيرًا بالشعر".

إذاً هؤلاء لا يفتون، لو طبقنا هذه الشروط لن يفتي واحد من الموجودين، صح؟ لو طبقنا هذه الشروط لا واحد من الموجودين، هؤلاء ناقلون عن علماء بس. لما واحد يقول لك سيدنا الإمام أبو حنيفة قال لك مش عارف إيه، وسيدنا الشافعي قال لك إيه، أصل سيدنا الشافعي لما نظر إلى مسألة، وسيدنا الإمام أبي حنيفة لما قال مش عارف إيه، اه ناقل ناقل ناقل، ليس هذا هو الفقه، هذا نقل الفقه نعم. يقول: اسمع ويع، ويكون بصيرًا باللغة، بصيرًا بالشعر، وما يحتاج إليه للسنة والقرآن. قال محمود شاكر انتهى هنا كلام الشافعي، قال محمود شاكر: فليس يكفي أن يكون عارفًا بالشعر، احنا ما عندناش عارفين بالشعر أصلًا، والله يا إخوة أنا كنت أعرف أحد الفضلاء شيخًا يعني يتكلم ويفتي ويناقش في الجدليات والمسائل، شيخ أزهري وكان لا يفرق بين قيس بن الملوح قيس بني عامر وامرئ القيس، يحسبهما واحدًا، لا يفرق بين امرئ القيس الجاهلي وقيس بني عامر الإسلامي.

قال: فليس يكفي أن يكون -محمود شاكر يقول- فليس يكفي أن يكون عارفًا بالشعر بل بصيرًا به أشد البصر، كما قال الشافعي رحمه الله، والذي قاله الشافعي بعد قرن هو الذي جرى عليه العمل أو جرى العمل عليه في أول الإسلام، واستفاضت بالمسلمين الفتوح، واستفاض معهم شعر جاهليتهم، وأسلمت الأمم ودخلت في العربية كما دخلت في الإسلام، هذه هي بقى بدأ الخطر، وأسلمت الأمم ودخلت في العربية كما دخلت في الإسلام، ونزل بيان القرآن كالغيث على فطرة جديدة، فطرة أهل الألسنة غير العربية، بعد أن رويت من بيان الجاهلية في الشعر الجاهلي، وامتزجت العرب من الصحابة والتابعين وأبنائهم بأهل هذه الألسنة التي دخلت في العربية، فنشأ من امتزاج ذلك كله بيان جديد ظل ينتقل ويتغير ويتبدل جيلًا بعد جيل، ولكن بقي أهله بعد ذلك كله محتفظين بقدرة عتيدة حاضرة، هي تذوق البيان تذوقًا عليمًا، فنشأ من امتزاج ذلك كله بيان جديد ظل ينتقل ويتغير ويتبدل جيلًا بعد جيل -يعني الشعر العباسي غير الشعر الجاهلي طبيعي- ولكن بقي أهله بعد ذلك كله محتفظين بقدرة عتيدة حاضرة، هي تذوق البيان تذوقًا عليمًا، يعينهم على تمييز بيان البشر كما تعهده سلائف وفطر، وبيان القرآن الذي يفارق خصائص بيانهم من كل وجه.

يعينهم على تمييز بيان البشر كما تعهده سلائف وفطر، وبيان القرآن الذي يفارق خصائص بيانهم من كل وجه، إذاً محمود شاكر هنا أيها الإخوة ينبه إلى أن الاختلاط الأول مع غير العرب لم يؤثر في قوة العربية في أول الأمر، الاختلاط الأول مع غير العرب لم يؤثر في قوة العربية، بل غلبت العربية الصحيحة على الجميع نعم، وذلك في جيل الجاهليين الذين أسلموا وجيل أبنائهم ومن بعدهم. ثم فارت الأرض بالإسلام، فتحت بقى، ثم فارت الأرض بالإسلام من حد الصين شرقًا إلى حد الأندلس غربًا، ومن حد بلاد الروم شمالًا إلى حد الهند جنوبًا، وسمع دوي القرآن العربي في أرجاء الأرض المعمورة، وقامت المساجد في كل قرية ومدينة، وازدحمت في ساحاتها صفوف عباد الرحمن، وعلى منابرها الدعاة إلى الحق، وتحلقت الحلق في كل مسجد، وتداعى إليها طلاب العلم، فطائفة... وكلهم يتنقل من مجلس شيخ إلى مجلس شيخ آخر، فكل ذلك علم لا يستغني عنه مسلم تال للقرآن، لا بل حتى أسواقهم قام فيها الشعراء ينشدون شعرهم أو يتنافرون ويتهاجون، والرواة تحفظ والناس يقبلون ينسون وينقلبون يتجادلون، وعجت نواحي الأرض بالقرآن وباللسان العربي، لا فرق بين ديار العجم كانت وديار العرب نعم، لا فرق بين ديار العجم كانت وديار العرب.

ما الشأن يا مصعب؟ ما الذي أحضره إليك؟ أتوق بالتاء يا ولدي، وظهر الجعد بن درهم، وظهر الجعد بن درهم في كل هذا، وبعد دهر نبتت نابتة الشيطان في أهل كل دين، يقول محمود شاكر: وبعد دهر نبتت نابتة الشيطان في أهل كل دين، وجاؤوا بالمراء وشققوا الكلام بالرأي والهوى، نشأت بوادر من النظر في كل علم، وعندئذ نشأت بوادر من النظر في كل علم، رضي الله عنكم، أنت تجلس مع... الآن ما شاء الله مع صاحبك وتشاهد ما شاء الله، أسأل الله أن أوفق إلى زيارتكم هذا الصيف في الأردن في عمان إن شاء الله ونطوف الأردن إن شاء الله.

فنشأت بوادر من النظر في كل علم، وعندئذ نجم الخلاف، وعندئذ نجم الخلاف، وانتهى الخلاف إلى الجرأة، أنتم المستقر يا الحسن إن شاء الله، وانتهى الخلاف إلى الجرأة، وأفضت الجرأة يومًا إلى رجل في أواخر دولة بني أمية يقال له الجعد بن درهم، وأفضت الجرأة يومًا إلى رجل في أواخر دولة بني أمية يقال له الجعد بن درهم، وكان شيطانًا خبيث المذهب، تلقى مذهبه عن رجل من أبناء اليهود، والجزائر، والجزائر إن شاء الله، والله النية حاضرة يعني بإذن الله. وأفضت الجرأة يومًا إلى رجل في أواخر دولة بني أمية يقال له الجعد بن درهم، وكان شيطانًا خبيث المذهب، تلقى مذهبه عن رجل من أبناء اليهود، هم اليهود في كل يخرب بيوتهم في كل في كل مصيبة اليهود يعني خارقون مش ممكن، هم اليهود سبحان الله هم اليهود، تلقى مذهبه عن رجل من أبناء اليهود يقال له طالوت، تلقى مذهبه، لا وكمان طالوت، يعني ليأخذ يعني وسم القصة، تلقى طبعًا عن هذا النبيل تلقى مذهبه عن رجل من أبناء اليهود يقال له طالوت، فكذب القرآن في اتخاذ إبراهيم خليلًا.

وفي تكليم موسى إلى هذا وشبهه. وكان من قوله أن فصاحة القرآن غير معجزة، وأن الناس قادرون على مثلها وأحسن منها؛ فضحى به خالد بن عبد الله القسري في عيد الأضحى في نحو سنة 124 من الهجرة. وكلام الجعد كما ترى استطالة رجل جريء اللسان، خبيث المنبت، بلا حجة من تاريخ أو عقل.

ولم تكد دولة بني العباس ترسي قواعدها حتى دخلت بعض العقول إلى فحص إعجاز القرآن، من باب غير باب السفه والاستطالة. فقام بالأمر كهف المعتزلة ولسانها أبو إسحاق إبراهيم بن سيار النظام، فأتاه من قبل الرأي والنظر حتى زعم أن الله قد صرف العرب عن معارضة القرآن مع قدرتهم عليها، فكانت هذه الصرفة هي المعجزة فقط. أما معجزة القرآن فهي في إخباره بكل غيب مضى وكل غيب سيأتي. وهذه مقالة لا أصل لها إلا الحيرة والابتهال من هذا الذي أعجز أهل الجاهلية وأسكت.

وهبَّ قوم يعارضونه ويجادلون، منهم صاحبه أبو عثمان الجاحظ، فألف كتابه في نظم القرآن وأنه غاية في البلاغة. وقال الجاحظ وغيره ومن يليهم، ولكن ظل الأمر محصوراً في إثبات الصرفة وإبطالها، وفي طرف من الاستدلال على بلاغة القرآن وسلامته مما يشين لفظه وخلوه من التناقض، واشتماله على المعاني الدقيقة، وما فيه من نبأ الغيب إلى آخر ما تجده مبسوطاً في كتب القوم، والذي عرفت قولنا فيه فيما مضى من كلامنا؛ إذ ليس هو الذي يحصل به الإعجاز المعروف الذي تحدي به العرب.

ثم كثرت اللجاجة بين هذه الفئات ممن عرفوا باسم المتكلمين، وكان أمرهم أمر جدال وبسطة لسان وغلبه حجة ومناهضة دليل بدليل، حتى صارت مسألة إعجاز القرآن مسألة تستوجب أن ينبري لها رجل صادق؛ فانبرى لهؤلاء المتكلمين أبو بكر الباقلاني المتوفى سنة 403 من الهجرة. والناس يومئذ بين رجلين كما قال هو نفسه: ذاهب عن الحق ذاهل عن الرشد، وآخر مصدود عن نصرته مكدود في صنعته. فقد أدى ذلك إلى خوض الملحدين في أصول الدين وتشكيك أهل الضعف في كل يقين.

يقول الباقلاني: وذكر لي عن بعض جهالهم أنه جعل يعدله ببعض الأشعار، ويوازن بينه وبين غيره من الكلام، ولا يرضى بذلك حتى يفضله عليه، وليس هذا ببدع من ملحدة هذا العصر؛ فقد سبقهم إلى أعظم ما يقولون إخوانهم من ملحدة قريش وغيرهم. وكتب الباقلاني كتابه وأهل اللسان العربي يومئذ هم الناس، ولم يزل تذوقهم للبيان ما وصفت لك؛ تذوق ملتبس بالطباع، مردود إلى السلائف، مشحوذ بمدارسة الشعر وسماعه وروايته.

ولكن لم يضر جمهور هذه الطباع شيئاً إلا أن استفاض الجدل وظهر سلطانه، وإن صارت كل فرقة تمضغ كلاماً تناضل به عن رأيها وتقطع به حجة خصمها طلباً للغلبة لا تمحيصاً للرأي وفحصاً عن الحق. وهنا محمود شاكر صريح في أن جمهور المتكلمين ما كانوا يريدون الحق في مسألة إعجاز القرآن، وإنما كانوا ينتصرون لمذاهبهم.

هذا، ونكمل إن شاء الله تعالى في الحصة التالية أعقدها بعد قليل. استريحوا قليلاً وأرجع إليكم بإذن الله، وجزاكم الله خيراً، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وكل عام وأنتم بخير.