دخولتسجيل الدخول

الدرس 17 - المَدخَل الثاني: تذوقٌ راعَنِي حتى تذوّقت

أبو قيس محمد رشيدالأستاذ أبو قيس محمد رشيد
  • مدة الدرس:
  • قراءة

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. الحمد لله، ثم الحمد لله، الحمد لله حمدًا يوافي نعمه ويكافئ مزيده. لك الحمد ربنا كما ينبغي لجلال وجهك ولعظيم سلطانك، نحمدك ربنا لا نحصي ثناءً عليك أنت كما أثنيت على نفسك. اللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد.

أما بعد، أيها الإخوة، هذا مجلسنا السابع عشر من مجالسنا في شرح مداخل إعجاز القرآن للأستاذ محمود شاكر رحمه الله، وما زلنا خلال المدخل الثاني، الذي هو مقدمة لكتاب الظاهرة القرآنية، وجعله بعد ذلك محمود شاكر رحمه الله تحت عنوان تذوق، حتى تذوقت.

إلى أن تجتمعوا أيها الإخوة، أستأذنكم في إرسال الرابط. وطمئنوني بالمرة يا إخوة إلى سلامة البث صوتًا وصورة، يبدو أمامي هنا جيدًا. وكل من ألقى السلام أقول له: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، وكل من حيانا أقول له: حياك الله وبياك، وجعلكم جميعًا من أهل القرآن.

نشرع مباشرة في الرسالة من حيث توقفنا. قلنا سيبدأ شاكر رحمه الله في الكلام على الشعر الجاهلي، وأنه يدل بخصائصه على صحته. يقول محمود شاكر رحمه الله في الصفحة الخامسة والثلاثين من هذه الطبعة: وقد ابتليت أنا بمحنة الشعر الجاهلي. يسميها محمود شاكر محنة الشعر الجاهلي، والبعض قد يظن أن الأمر فيه مبالغة وليس كذلك أيها الإخوة. وقد ابتليت أنا بمحنة الشعر الجاهلي عندما ذر قرن الفتنة أيام كنت طالبًا في الجامعة، ودارت بي الأيام حتى انتهيت إلى ضرب آخر من الاستدلال على صحة الشعر الجاهلي، لا عن طريق روايته وحسب، بل عن طريق أخرى هي ألصق بأمر إعجاز القرآن.

مهمة هذه، شدوا تحتها خطًا: بل عن طريق أخرى هي ألصق بأمر إعجاز القرآن. فإني محصت -يا أخي كلمة خطيرة لا تمر أحيانًا في كلام أهل العلم، تمر عليك كلمة فيها الموضوع كله ولا تنتبه- هي ألصق بأمر الإعجاز، لماذا؟ لأنها طريق تتعلق بمادة الشعر نفسه.

خلاصة هذه الطريق، تخيلوا -قلت لكم في المحاضرة السادسة عشرة- قلت لكم طه حسين جاء يقول: هذا شعر منتحل، وقلت لكم هذا قول سخيف لا يعبأ به، وأنه تحت قدمي لا أنبل للكتابة فيه. لماذا يا إخوة؟ تخيلوا كل هذه الدواوين -أنا أضع الدواوين الجاهلية هنا في هذا المكان- تخيلوا أن كل هذه الدواوين التي دلت على عظمة الشعراء وعظمة البيان وكذا، ودلت على فحول غير متناهية، وضعها راويان أو ثلاثة رواة في العهد الإسلامي أو العباسي، كده يلا بينا نؤلف تاريخ من الشعر الفحل. هذا كلام سفيه، أنا آسف للتعبير لكن هذه قيمته. كلام سفيه، ما رأيكم لو قلت لكم تخيلوا معي الآن، لو قلت لكم كل الروايات جئنا مثلًا بعد عدد من القرون، فقال شخص: كل الروايات التي كتبت في القرن العشرين ونصف القرن الحادي والعشرين في الـ 150 سنة، ألفها رجلان ليوهموا بوجود روائيين، ما رأيكم؟ كل الروايات التي ألفت في القرن العشرين كله 100 سنة، ونصف القرن الأول بعد العشرين، يعني 150 سنة، ألفها رجلان، واحد اسمه حماد وواحد اسمه خلف، حماد وخلف ألفوا كل هذه الروايات ونسبوها إلى قرن ونصف، هذا كلام سفيه. هذا ما قاله طه حسين، ولذلك أنا لا أخفيكم، ستقولون: نرجسية أو تكبر زائد، قولوا ما تشاؤون، أنا أشعر بنوع من الجرح أو الإهانة لما يأتي شخص يقول لي: ألا تكتب فيما قاله طه حسين؟ هم كتبوا في زمانهم أو في زمان طه حسين للحاجة إلى هذا، أما الآن ما حاجتنا إلى الكلام في كلام سفيه كهذا؟ ولا أحسب أن طه حسين أصلا وعاه ولا انتبه له رحمه الله وغفر له، أزعجنا بهذا الخرف الذي قيل، أزعجنا به بعد ذلك، والخرف هنا الكلام في ذاته، يعني أزعجنا بهذه الخزعبلات التي قالها وصارت الناس تزعجنا بها، ولا أحسب أنه قصد إلى هذا، ولو علم أنه سيكون أحسب أنه كان سيمتنع عن مثل هذا.

قال: بل عن طريق أخرى هي ألصق بأمر إعجاز القرآن، فإني محصت ما محصت من الشعر الجاهلي، حتى وجدته يحمل هو نفسه في نفسه أدلة صحته وثبوته، إذ تبينت فيه قدرة خارقة على البيان. إذا محمود شاكر وصف الشعر الجاهلي بقدرة خارقة، البعض لما تقول له قدرة خارقة أو معجزة يقول لك: لا تقول هذا في الشعر، قدرة بشرية، قدرة خارقة أهو يعني خارقة لعادات أكثر الناس وليست أنها فوق طوق البشر، لأن أصحابها بشر، لكن قوة خارقة لما أقول امرؤ القيس يقول كلامًا معجزًا يعني يعجز غيره وليس أنه ما هو بشر أهو قاله.

فإني محصت ما محصت من الشعر الجاهلي، حتى وجدته يحمل هو في نفسه أدلة صحته وثبوته، إذ تبينت فيه قدرة خارقة على البيان، وتكشف لي عن روائع كثيرة لا تحد، وإذا هو علم فريد منصوب لا في أدب العربية وحدها، بل في آداب الأمم قبل الإسلام وبعد الإسلام. وهذا، شوف بل في آداب الأمم قبل الإسلام وبعد الإسلام، هذا الشعر الجاهلي، شعر الكفار، شعر الوثنيين. كان لما البعض يقول لي: أنت مع من؟ مع الرافعيون أو مع العقادي؟ كان هناك المعركة التافهة هذه، ما زال البعض إلى الآن يتبناها، يقول: نحن رافعي، وهؤلاء نحن عقادي. فكان البعض يسألني، أشعر بإهانة بهذا السؤال: أنت مع الرافعين أم من العقادي؟ فأقول له: أنا من الكفار، أنا مع الكفار. لست مع العقادي ولست مع الرافعي، بالضبط يا أم عمر، أنا مع الكفار، وطبعًا أعني الشعر الجاهلي أو الجاهليين.

وإذا هو علم فريد منصوب لا في أدب العربية وحدها، بل في آداب الأمم قبل الإسلام وبعد الإسلام، وهذا الانفراد المطلق، ولا سيما انفراده بخصائصه عن كل شعر بعده من شعر العرب أنفسهم، هو وحده دليل كافٍ على صحته وثبوته. وكما قلت يا إخوة، من هنا لم أهتم ولم أقف كثيرًا عند كلام طه حسين في الشعر الجاهلي، الذي هو كلام مرجليوث بالأصل كما تعرفون، وهذا لأن هذا ليس بشيء، وأنا أعجب من رواجه. ولهذا أقول كما كان رواجه في زمان خاص لأحوال خاصة، كذلك الردود عليه ينبغي أن تنحصر في زمان خاص وفي أحوال خاصة، نعم فالردود عليه وتفنيده كانت ربما مفيدة في زمان آخر لهذه الأحوال ولهذه، في هذا الزمن الخاص الذي قيل فيه وهذه الأحوال الخاصة في هذا الزمان، نعم وأرى الآن من الفراغ الاشتغال بتلك التفاهة.

يقول: ولقد شغلني هذا رأيي أنا في نفسي، يعني أنا لا أظنني يومًا سأكتب في رد على طه حسين في هذا، كلام فارغ يعني. ولقد شغلني إعجاز القرآن كما شغل العقل الحديث، ولكن شغلني أيضًا هذا الشعر الجاهلي وشغلني أصحابه، فأدى بي طول الاختبار والامتحان والمدارس إلى هذا المذهب الذي ذهبت إليه، وهو أنه يدل بخصائصه على صحته، حتى صار عندي دليلاً كافيًا على صحته وثبوته.

فأصحاب الشعراء الجاهليون، فأصحاب الذين ذهبوا ودرجوا وتبددت في الثرى أعيانهم، رأيتهم -محمود شاكر يقول رأيتهم، وهو صادق، ليس ممن يكتب مبالغة، الرجل هذا جد جدًا- رأيتهم في هذا الشعر أحيانًا يغدون ويروحون، رأيت شابهم ينزو به جهله، وشيخهم تدلف به حكمته، ورأيت راضيهم يستنير وجهه حتى يشرق، وغاضبهم تربد سحنته حتى تظلم، ورأيت الرجل وصديقه، والرجل وصاحبته، والرجل الطريد ليس معه أحد، ورأيت الفارس على جواده، والعادي على رجليه، ورأيت الجماعات في مبدأهم ومحضرهم، فسمعت غزل عشاقهم، ودلال فتياتهم، ولاحت لي نيرانهم وهم يصطلون، وسمعت أنين باكيهم وهم للفراق مزمعون، كل ذلك رأيته وسمعته من خلال ألفاظ هذا الشعر، حتى سمعت في لفظ الشعر همس الهامس، وبحة المستكين، وزفرة الواجد، وصرخة الفزع، وحتى مثلوا بشعرهم نصب عيني، كأني لم أفقده طرفة عين، ولم أفقد منازلهم ومعاهدهم، ولم تغب عني مذاهبهم في الأرض، ولا مما أحسوا ووجدوا، ولا مما سمعوا وأدركوا، ولا مما قاسوا وعانوا، ولا خفي عني شيء مما يكون به الحي حيًا في هذه الأرض التي بقيت في التاريخ معروفة باسم جزيرة العرب.

كيف حال الصوت يا إخوة؟ اختنا تقول الصوت كان فيه مشكلة، فيه وش صوت فيه مشكلة. طيب، الآن مستقر، أنا هززت الأشياء وتأكدت عليها، يعني الآن مستقر. ربي يخبط في السلك، كيف الآن يا إخوة؟ كيف؟ ما زال متقطع؟ غريب لماذا؟ طيب، لحظة، الآن مستقر، الآن تمام، الآن طيب. تمام، سمعتم ما قاله شاكر أم أعيده مرة أخرى؟ يقول حتى مثلوا... كله، طيب حاضر. يقول حتى صار عندي دليلاً كافيًا، طيب الآن الصوت مستقر يا إخوة؟ الآن الصوت مستقر، تمام، تمام.

يقول حتى صار عندي دليلاً كافيًا، رضي الله عنكم، شكرًا يا أم عامر شكرًا. حتى صار عندي دليل كافيًا على صحته وثبوته، فأصحاب الذين ذهبوا ودرجوا وتبددت في الثرى أعيانهم، رأيتهم في هذا الشعر أحيانًا يغدون ويروحون، رأيتهم، رأيت شابهم ينزو به جهله، وشيخهم تدلف به حكمته، ورأيت راضيهم يستنير وجهه حتى يشرق، وغاضبهم تربد سحنته حتى تظلم، ورأيت الرجل وصديقه، والرجل وصاحبته، والرجل الطريد ليس معه أحد، ورأيت الفارس على جواده، والعادي على رجليه، ورأيت الجماعات في مبدأهم ومحضرهم، فسمعت غزل عشاقهم ودلال فتياتهم، ولاحت لي نيرانهم وهم يصطلون، وسمعت أنين باكيهم وهم للفراق مزمعون، كل ذلك رأيته وسمعته من خلال ألفاظ هذا الشعر، حتى سمعت في لفظ الشعر همس الهامس، وبحة المستكين، وزفرة الواجد، وصرخة الفزع، وحتى مثلوا بشعرهم نصب عيني، كأني لم أفقده طرفة عين، ولم أفقد منازلهم ومعاهدهم، ولم تغب عني مذاهبهم في الأرض، ولا مما أحسوا ووجدوا، ولا مما سمعوا وأدركوا، ولا مما قاسوا وعانوا، ولا خفي عني شيء مما يكون به الحي حيًا في هذه الأرض التي بقيت في التاريخ معروفة باسم جزيرة العرب.

وهذا الذي أفضيت إليه -يتكلم هنا عن الطريق إلى دراسة الشعر الجاهلي- وهذا الذي أفضيت إليه من صفة الشعر الجاهلي كما عرفته، أمر ممكن لمن اتخذ لهذه المعرفة أسبابها، وهذا الذي أفضيت إليه من صفة الشعر الجاهلي كما عرفته، أمر ممكن لمن اتخذ لهذه المعرفة أسبابها، بلا خلط ولا لبس ولا تهاون ولا ملل، وهذه المعرفة هي أول الطريق، وهذه المعرفة هي أول الطريق، وهذه المعرفة هي أول الطريق إلى دراسة شعر أهل الجاهلية من الوجه الذي يتيح لنا أن نستخلص منه دلالته على أنه شعر انفرد -هذه الجملة مهمة احفظوها أو ضعوها بين قوسين، أنا كما أفعل يا إخوة، انظروا أضيء الكلام بالقلم الذي تسمونه الهايلايتر، هذا القلم الفسفوري المضيء، أنا أضيء به العبارات المهمة- نعم، قال على أنه، ها هذه العبارة المهمة القديمة التي سأقولها الآن، شعر قد انفرد بخصائصه عن كل شعر جاء بعده من شعر أهل الإسلام. شعر قد انفرد بخصائص -قلم التحديد- شعر قد انفرد بخصائصه عن كل شعر جاء بعده من شعر أهل الإسلام، وطبعًا واضح هنا أن المراد بأهل الإسلام كل الشعراء من بعد الجاهلية، وليس شعراء الطبقة الثانية الإسلاميين لا كلهم، يعني العباسي إلى يومنا هذا، شعر أهل الإسلام، شعر قد انفرد بخصائصه عن كل شعر جاء بعده من شعر أهل الإسلام، فإذا صح ذلك، وهو عندي صحيح لا أشك فيه -لأنه يكلم الآخر الذي سيدرس فيقول لك عندي أنا خلاص تجاوزت مرحلة الشك، لا أشك فيه- فإذا صح ذلك، وهو عندي صحيح لا أشك فيه، وجب أن ندرس هذا الشعر دراسة متعمقة، وجب أن ندرس هذا الشعر دراسة متعمقة، ملتمسين فيه هذه القدرة البيانية.

التي يمتاز بها أهل الجاهلية عمن جاء بعدهم، ومستنبط من ضروب البيان المختلفة التي أطاقها قوى لغتهم وألسنتهم. فإذا تم لنا ذلك، فمن الممكن القريب يومئذ أن نتلمس في القرآن الذي أعجزهم بيانه خصائص هذا البيان المفارق لبيان البشر. هذا الكلام واقعي أكثر؛ لأنه يتناول الدراسة أكثر من قول: أنا أعلم أنه يريد من هذا ما قاله في المدخل الأول، لما قال عن تقصير القاضي وعن تقصير عبد القاهر عن وضع حد لخصائص البيان المعجز. لكن يبقى أن هذا الكلام أقرب ولو على وجه غير ما يريده؛ يعني أن تدرس خصائص البيان المعجز، وأن تتصور تصوراً، وأن تدرس التراكيب القرآنية كما تدرس التراكيب الجاهلية. جميل، لكن هل يمكن أن تعرف الخصائص؟ ممكن، الكلام هذا قريب، وإن كنت أعلم ما وراءه عند محمود شاكر، لكن هل يمكن أن أضع من هذا حداً لتعريف المعجز عن طريق خصائصه؟ قد أدرك الخصائص، لكن هل أستطيع أن أضع تعريفاً؟ هذا ما يبدو لي بعيداً على الأقل، طبعاً كلامي لم أقطع فيه، لكن هذا ما يبدو لي بعيداً على الأقل.

نعم، ثم يبين محمود شاكر على التفصيل الآن ما الذي ينبغي أن نبحثه في الشعر الجاهلي، ركزوا في الكلام، ما الذي ينبغي أن نبحثه في الشعر الجاهلي؟ قال: وها هنا أمر له خطر عظيم، فلا تظنن أن الشأن في دراسة الشعر الجاهلي هو شأن المعاني التي تناولها، والأغراض التي قيل فيها، والصور التي انطوى عليها، واللغة التي استخدمها من حيث الفصاحة والعذوبة وما يجري مجراهما. يجيء واحد يقول لك: أنا أحب الشعر الجاهلي؛ لأنه يصور الأطلال ولما يصور كذا، ودائماً يعمل لك فيها دكتور، البعض يقول لك دائماً إنه خبير في الشعر، ودائماً لما يذكروا الناقة لأجل كذا أو لما يذكر كذا لأجل كذا، هذا هو لا. طيب، أنا ممكن أؤلف أو أصنع قصيدة معاصرة وأذكر فيها هذه الأغراض بنفس هذه الطرائق أو المسالك المعنوية، صح بنفس هذه المسالك المعنوية، أذكرها في الشعر وأحبها حينئذ وسمها على طريقة الجاهلية، صفها بأنها على الطريقة الجاهلية، ليس هذا. ليست المعاني، ليست الصور، ليست الأغراض، بل ليست حتى الألفاظ والعذوبة، والألفاظ الفصيحة، الألفاظ المفردة التي لا نستعملها الآن، ليست حتى هذه.

شفت الكلام؟ أنت صاحبي مفزوع، أنا ما زلت في بعض هذه، صح تقول أنا ما زلت في بعض هذه، كل هذا ليس هو، ليس هو الذي ميز الشعر الجاهلي عن غيره، ليس هو. دائماً يقول لك أبو قيس يريد لنا أن نأتي بألفاظ الجاهليين وصور الجاهليين، لا والله قد تقترب من الجاهليين بغير صورهم. إيه ده؟ قد تقترب من الجاهليين بغير صورهم. في مرة أنشدت إنساناً أبياتاً فذكرت فيها أسماء معاصرة بدلاً من، نعم هو النسج، كلمة بالضبط مما يعبر به عن هذا، أسمعت أحدهم أبياتاً معاصرة فيها ذكر أسماء للنساء معاصرة أيضاً؛ يعني ليست سلمى ولبنى وكذا، فقال: هذه أبيات حديثة. قلت له: هذه أبيات حديثة في معناها، ليست جاهلية، فعلمت أن الناس تخلط. يعني إذا كان هذا الشخص وقد كان نوعاً قريباً مني يظن أن ذكر الأسماء مثلاً: أمل، وسوسن، ومنى، ولو قلت: العنود، ونورة، بدلاً من سلمى ولبنى وليلى وفاطمة، فإذا ظن ذلك حداثة فكيف بالبعيد؟

كيف بشخص بعيد إذا كان هذا شخصاً كان قريباً مني أصلاً ويسمع مني مباشرة ويتحدث معي مباشرة وظن أنني أقصد أن هذه الحداثة، فكيف بالبعيد؟ فصرت لو تلاحظون قبل سنوات عملت بعض محاضرات: ما هي الحداثة؟ وأكدت على أنها طريقة في نسج الكلام، وليست في معاني الكلام والألفاظ، وليست حتى في عيون الألفاظ. فها هو محمود شاكر يقول لك: ليس حتى في اللغة، ليس في الألفاظ الفصيحة. قد تقول شعراً الآن تمدح به منى وشيماء وأمل وآمال، لو كنت مصرياً وتمدح به العنود وصالحة ونورة وكذا لو كنت مثلاً من دول الخليج العربي، وتمدح به أسماء الجزائر، وأسماء المغرب، لها أسماء مشهورة هكذا أيضاً، هناك أسماء مكررة أظن عائشة، صح عائشة في المغرب والجزائر كثير، تمدح به عائشة وسهام، المهم تمدح أسماء معاصرة بحسب البلاد، ويكون شعراً قريباً من الجاهلية.

وقد تمدح سلمى ولبنى أو تتغزل بسلمى والمدح غزل، أو الغزل مدح، وقد تتغزل بسلمى ولبنى وليلى ويكون شعراً معاصراً حديثاً ضعيفاً ركيكاً حداثياً. فليست قضية نفس اللغة أي المفردات، يقول محمود شاكر ركز معي، يقول: وها هنا أمر له خطر عظيم، محمود شاكر يحذرك، ها هنا أمر له خطر عظيم، فلا تظنن أن الشأن في دراسة الشعر الجاهلي هو شأن المعاني التي تناولها والأغراض التي قيل فيها والصور البيانية. صور امرئ القيس والنابغة وزهير، يقول لك: أول ما ألاقي كده الأطلال أو أجد الظعائن ووصف الظعائن، شعر جاهلي. اه هو جاهلي ومعان جاهلية، صح، لكن ليست ما ميزه، ويمكنك أنت أن تستعملها الآن، ممكن يستعملها الشعراء المعاصرون، أخذ بعضها. بدر في «مطالعه» أخذ بعضها، باقر الجدي أخذ صفة الناقة وتجنبها بدر، أخبرني أنه لم يستسغ لأن الجمهور لن يتلقاها، والشاعر يريد للجمهور أن يتلقى عنها، باقر الجدي أتى بها خلاص، فأنت يمكنك أن تأخذ معاني الجاهليين وأن تستعملها الآن، ممكن جداً لا شيء يمنعك، فليس هذا الذي صار به الشعر الجاهلي جاهلياً، فماذا؟ تعالوا قال: والصور التي انطوى عليها، بل قال واللغة التي استخدمها من حيث الفصاحة والعذوبة وما يجري مجراهما، ليس شيئاً من هذا، بل الشأن في ذلك أسمع أسمع: بل الشأن في ذلك أبعد وأعمق وأوعى، يا الله! يا الله! بل الشأن في ذلك أبعد وأعمق وأوعى، إنه تمييز القدرة على البيان وتجريد دروب هذا البيان على اختلافها واستخلاص الخصائص.

أسمع، بل الشأن في ذلك أبعد وأعمق وأوعى، إنه تمييز القدرة على البيان وتجريد دروب هذا البيان على اختلافها، الدروب يعني الأنواع، تعال بقى طلع أنواع البيان في النظم والتركيب واستخلاص الخصائص، طلع لي خصائص الشعر الجاهلي التي يمتاز بها على خصائص التعبير في كل الشعر الآخر، هو ده الشغل، مش تقول لي الناقة والطل والظعائن وأوه كلام مائع، كلام سهل، كلام تملأ به المجالس والناس تقول لك: الله، حلقت بنا في سماء الفضاء في فضاء العلم والمعرفة. تعال حدثني عن تركيبه، حدثني عن امرئ القيس لما قال: «وبَيْضَةِ خِدْرٍ» ولما قال: «قَيْدِ الأَوَابِدِ»، ولما قال شاعر آخر من مخضرم الدولتين العباسية والأموية وهو ابن الدمينة: «أُمَامَةَ، لَوْ أَنَّ القَلْبَ»، «قِفِي يا أُمَامَةَ، لَوْ أَنَّ القَلْبَ»، اشرح لي خصائص التركيب التي لا تجدها في غيره، اشرح لي طريقة النابغة الذبياني لما شرح وميز بعد أبيات بعيدة جداً: «فَتِلْكَ تُبَلِّغُنِي النُّعْمَانَ، أَنَّ لَهُ فَضْلاً عَلَى النَّاسِ فِي الأَدْنَى وَفِي البَعَدِ، وَلا أَرَى فَاعِلاً فِي النَّاسِ يُشْبِهُهُ، وَلا أُحَاشِي مِنَ الأَقْوَامِ مِنْ أَحَدِ».

اسمع ركز في هذا البيت، سياتي صلة له بعد أبيات كثيرة. اسمع، أنا أضرب لك مثالاً على موضوع الخصائص ودروب البيان والقدرة، هذا الذي أقوله لك الآن وقد شرحت هذا قبل رمضانين في حلقات ما اسمها «حلقات رمضان» التي سجلتها مع إحدى الشركات شركة «رواق»، وبينت شيئاً من خصائص الشعر الجاهلي التي يلتقي فيها مع القرآن، أنتم جمعت عندي أنا بعض هذه الخصائص، لكن طبعاً هذا ليس مما يطرح مع العامة أو في الحديث العام، هناك في خلال غوصي طويلاً لسنين في الشعر الجاهلي، عندي دفتر عن خصائص الشعر الجاهلي وما يلتقي فيه مع القرآن، قد يظهر في مؤلف وقد لا يظهر، الله أعلم، أنا في الأصل وضعته لنفسي، وحتى يستعمل بعد ذلك في الشعر شعري وشعر غيري مستقبلاً، وطبعاً قصدت هنا طلابي وقد أبقيه قيد النظر والدراسة.

المهم من ذلك من هذه الخصائص تباعد المضيفات حتى ينقطع الذهن. هتقول لي: إيه اللي يميز الجاهلي عن غيره؟ تعال أديك مثال، النابغة الذبياني يقول في مدح النعمان بن المنذر: «وَلا أَرَى فَاعِلاً» قال: «فَتِلْكَ تُبَلِّغُنِي النُّعْمَانَ، أَنَّ لَهُ فَضْلاً عَلَى النَّاسِ فِي الأَدْنَى وَفِي البَعَدِ، وَلا أَرَى فَاعِلاً فِي النَّاسِ يُشْبِهُهُ، وَلا أُحَاشِي مِنَ الأَقْوَامِ مِنْ أَحَدِ، إِلا سُلَيْمَانَ، إِذْ قَالَ الإِلَهُ لَهُ: قُمْ فِي البَرِيَّةِ فَاحْدُدْ عَنِ الفَنَدِ، وَخَيِّسِ الجِنَّ إِنِّي قَدْ أَذِنْتُ لَهُمْ، يَبْنُونَ تَدْمُرَ بِالسِّفَاحِ وَالعَمَدِ، فَمَنْ أَطَاعَكَ فَانْفَعْ بِطَاعَتِهِ، كَمَا أَطَاعَكَ، وَادْلُلْهُ عَلَى الرَّشَدِ، وَمَنْ عَصَاكَ فَعَاقِبْهُ مُعَاقَبَةً، تَنْهَى الظَّلُومَ، وَلا تَقْعُدْ عَلَى ضَمَدِ، إِلا لِمِثْلِكَ أَوْ مَنْ أَنْتَ سَابِقُهُ، سَبْقَ الجَوَادِ إِذَا اسْتَوْلَى عَلَى الأَمَدِ، أَعْطَى لِفَارِهَةٍ».

قال: «أَعْطَى لِفَارِهَةٍ» يشرح بها قوله «وَلا أَرَى فَاعِلاً فِي النَّاسِ يُشْبِهُهُ»، ثم اعترض بجملة كأنها جملة اعتراضية بكل هذه الأبيات، يعني أصل الكلام -أهلاً يا أم عبد الله وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته- أصل الكلام: «وَلا أَرَى فَاعِلاً فِي النَّاسِ يُشْبِهُهُ أَعْطَى لِفَارِهَةٍ»، فاعترض بجملة فقال: «وَلا أَرَى فَاعِلاً فِي النَّاسِ يُشْبِهُهُ، وَلا أُحَاشِي مِنَ الأَقْوَامِ مِنْ أَحَدِ، إِلا سُلَيْمَانَ، إِذْ قَالَ الإِلَهُ لَهُ: قُمْ فِي البَرِيَّةِ فَاحْدُدْ عَنِ الفَنَدِ، وَخَيِّسِ الجِنَّ إِنِّي قَدْ أَذِنْتُ لَهُمْ، يَبْنُونَ تَدْمُرَ بِالسِّفَاحِ وَالعَمَدِ، فَمَنْ أَطَاعَكَ فَانْفَعْ بِطَاعَتِهِ، كَمَا أَطَاعَكَ، وَادْلُلْهُ عَلَى الرَّشَدِ، وَمَنْ عَصَاكَ فَعَاقِبْهُ مُعَاقَبَةً، تَنْهَى الظَّلُومَ، وَلا تَقْعُدْ عَلَى ضَمَدِ، إِلا لِمِثْلِكَ أَوْ مَنْ أَنْتَ سَابِقُهُ، سَبْقَ الجَوَادِ إِذَا اسْتَوْلَى عَلَى الأَمَدِ، أَعْطَى لِفَارِهَةٍ».

العقل الجاهلي لما تقول «أَعْطَى لِفَارِهَةٍ» يربطها بـ«وَلا أَرَى فَاعِلاً فِي النَّاسِ يُشْبِهُهُ»، وأما المستثنى «إِلا سُلَيْمَانَ، إِذْ قَالَ الإِلَهُ لَهُ» إلى آخر هذه الأبيات في سليمان والجن وكذا هي جملة اعتراضية. إيه ده؟ الجاهلي يربط هذا؟ اه المعاصر أو المتأخر عقله ينقطع، الجاهلي عنده حساسية، لأن عقله أعرابي، يعني عقل الأعراب عنده حاضر بالمعنى، أول ما يسمع «أَعْطَى لِفَارِهَةٍ» يعرف أنها شرح شيء، شرح ماذا؟ لا يصلح شيء إلا ما قاله في الأول، عقله بسرعة الذاكرة تربطه في الأول، عقله يربطه في الأول. أول ما يقول «أَعْطَى لِفَارِهَةٍ» إحنا بقى بنقرأ الآن، أول ما قرأت طبعاً «أَعْطَى لِفَارِهَةٍ» إيه الموضوع؟ يعني إيه «أَعْطَى لِفَارِهَةٍ»؟ الجاهلي يعمل «سيرش»، «أَعْطَى لِفَارِهَةٍ»، اه حاضر، «وَلا أَرَى فَاعِلاً فِي... أَعْطَى لِفَارِهَةٍ» ليه؟ لأن صيغة «أَعْطَى لِفَارِهَةٍ» التي يميز بها ويشرح بها سترتبط بسرعة بالأول.

هو عنده هذا عادي، هذه من خصائص العقل الجاهلي، ولهذا لما اعترض البعض علي لما كنت أشرح منهج دراسة القصيدة وأنها تتمثل أولاً، لما ألفت «أُعِمُّ صَبَاحاً» تمثلت القصيدة، والآن أؤلف شرح «سُمِّ لَكَ شَوْقٌ» تمثلت القصيدة، ومحمود شاكر قال: يجب تمثل القصيدة، صح، محمود شاكر قال: يجب تمثل القصيدة. فالبعض قال لي: يا قيس، كلامك وكلام شاكر يخالفه حال القدماء، قلت كيف؟ قال: النابغة الذبياني كان يجلس ويسمع من حسان ومن الأعشى ومن الخنساء وغيرهم ويحكم في الآخر، الكلام لا يتمثل، لا يقول له اقرأها مرة ثم اقرأها الثانية والثالثة كما تفعل، فقلت له: احتجنا إلى أن ننظر في جملتها ونشد إلى بعضها؛ لأنه يصعب علينا أن نكون كل ذلك من أول سماع. النابغة الذبياني يظل وهو يسمع القصيدة، يظل عقله مرتبطاً في القصيدة، فإذا شيء في آخرها خالف أولها سيشعر بالنشاز والخطأ. هتقول لي: يعني القصيدة تتمثل أمامه وهو يسمع وإذا حصلت أي مخالفة سينتبه، هتقول لي طيب، هو العقل بهذه الطريقة؟ طيب ما هي قصيدته اهي، والنابغة الذبياني معلقته اهي، قال لك «أَعْطَى لِفَارِهَةٍ»، هو جابها شعوذة يعني سحر وشعبة؟ لا، ما هو قال لك «أَعْطَى لِفَارِهَةٍ»، الشراح قالوا لك متعلق بقوله: «وَلا أَرَى فَاعِلاً فِي النَّاسِ يُشْبِهُهُ»، يعني أعطى لفارهة في الكرم وكذا، ثم استثنى بجملة اعتراضية «إِلا سُلَيْمَانَ» بقى في ملكه وقدرته وإتاحته وإكرامه وكذا.

شفت الكلام؟ «أَعْطَى لِفَارِهَةٍ، حُلْوٍ تَوَابِعُهَا، مِنَ المَوَاهِبِ لا تُعْطَى عَلَى نَكَدِ، الوَاهِبِ المِائَةَ المِعْكَازِ...». المهم، قال: «بَلِ الشَّأْنُ»، وهذا أيضاً لا بد أن.

الشان في ذلك أبعد وأعمق، وأعني أنه تمييز القدرة على البيان وتجريد ضروب هذا البيان على اختلافها واستخلاص الخصائص. وهذا يا إخوة، حتى تفهموا عني، لماذا حذفت قولك أحب هذه القصيدة؟ ما المشكلة؟ وهذا يا إخوة من هذا الباب؛ كان تقديسي لبيان امرئ القيس؛ وجدت عنده بياناً لم أجده عند مخلوق، لا عند نابغة ولا زهير ولا غيرهما، وجدته عنده قدرة على البيان عجيبة، كيف صنعها؟ وصلت حالي -تعرفون أنا على تواصل مع حبيبي وصديقي الدكتور عبد القدوس وأطلعه على بعض شؤوني مع الأدب- وصلت في مرة حالي إلى أن لما ذكرت له ما أنا فيه قال لي: لا لا، الآن وجب أن تتركه قليلاً.

كنت وصلت لمراحل دايخ مخنوق تعبت، هو إيه الموضوع؟ هو لماذا يعجزك هكذا؟ كيف أتيت بهذا البيان أصلاً؟ كيف صنعته؟ الطرق إليه أشبه أن تكون مسدودة. كيف فعلت هذا؟ هذا امرؤ القيس ليس من فراغ يا إخوة. قلت ما قلت فيه من هذا الباب من دراسة خصائص اللغة. وكما قلت لكم عندي، بعيداً عن كل ما أطرحه بين أيديكم وأتكلم فيه، عندي جانب آخر من حياتي العلمية مع هذا الشعر، أستخلص منها أموراً، بُعد آخر تماماً، جو آخر، حياة أخرى، عمق آخر، لكن ليس من الحكمة أن نتعب الناس بالكلام في هذه الأمور.

فكان من ذلك أن بان لي في هذا الرجل شيء، وبمناسبة هذا ما جعلني أقدر جداً ابن رشيق، لأنه تقريباً وقف على بعض ما وقفت عليه، أو شيء مما وقفت عليه من جنس هذا، من كلمة قالها في امرئ القيس، أسمعكم إياها لحظة، عندي عدة نسخ.

الله يرضى عليك يا النمر بن تولب، تعرفون النمر بن تولب له بيت يقول فيه: «دعتني العذارى عمهن وخلتني لسمان، فلا أدعى به وهو أول». فهذا ممن قال في تقدم السن، وأشهر من قال في تقدم السن بالمناسبة، النمر بن تولب أحسن جداً في الكلام في تقدم السن. المهم، ابن رشيق له كلمة قالها في كتاب قرادة الذهب في نقد أشعار العرب في صفحة 20 و21 يقول عن امرئ القيس: المقدم لا محالة، وإن وقع في ذلك بعض الخلاف، هو يقول هو المقدم يعني عند الجميع تقريباً، البعض خالف فيه.

انظر ماذا سيقول في الخلاف، قال ابن رشيق في امرئ القيس: المقدم لا محالة وإن وقع في ذلك بعض الخلاف، فالمتأمل لطرق البلاغة يجد لكلامه من الفضيلة في نفسه ما لا يجده لغيره من كلام الشعراء، والبحث والتفتيش يزيدان جلالة، ويوجبان له على ما سواه مزية، ويشهد الطبع وذوق الفطرة لذلك شهادة بينة واضحة لا تدركها شبهة إذا قرأ الإنسان العدل وترك التعصب؛ يعني يقول لك يا أيتها القلة التي خالفت في امرئ القيس، لو اتبعتم طريق الحذق وفتشت في طرق البلاغة وكذا، بان لكم في كلام امرئ القيس؛ يعني إذا هناك ظاهر يخدعك عند امرئ القيس، ثم عند التفتيش ترى أنه لا يوازيه أحد، له مزية على كل الكلام، هذا امرؤ القيس.

ما يبحث؟ ما يطلب شاكر؟ بحث الخصائص، ومن هنا فضلت امرأ القيس وقدمته، يقول: بل الشأن في ذلك أبعد وأعمق، وأعني أنه تمييز القدرة على البيان وتجريد ضروب هذا البيان على اختلافها، واستخلاص الخصائص التي أتاح للغتهم أن تكون معدناً للسمو بالبيان عن جوهر إحساسهم، سمواً يجعل للكلام حياة كنف الروح في الجسد القائم، وكقوة المسماة باللسان.

يقول: فإذا اتخذنا لهذه الدراسة أهبتها، وأعددنا لها من الصبر والجد والحذر ما ينبغي لها، واللسان لساننا، والقوم أسلافنا، والسلائق مغروز في أعماق طباعنا. خذ بالك محمود شاكر، انتبه، محمود شاكر حتى مع حال ضعف العرب الآن يفرق بين العرب وبين غيرهم؛ يقول العرب أقرب إلى تذوق البيان من غيرهم، العرب أقرب إلى رجوع السليقة إليهم من غيرهم، العرب بجينات العربية، والسلائق المغروسة في أعماق طباعهم، هم أقرب من غيرهم إلى تحصيل العربية الفصيحة والبيان الرفيع.

ولهذا مثلاً لما يأتي شخص من الوافدين من غير دارسي العربية، أو من دارسي العربية وهم ناطقون بالأصل بغيرها، ولا تكون العربية لغة أساساً له، لا تكون اللغة الأم، لا تكون العربية لغة أماً له، وأراه لا يكاد يفهم الفصيح إلا بترجمة سقيمة جداً، ولكنه كما نقول شاطر يذاكر، نبيه في المذاكرة، أقول له ركز في النحو، يعني كان عندي أحد الطلاب العربية ثقيلة على لسانه، يعني هو بالكاد كما نقول عندنا في مصر في العامية يفك الخط، هذا لما كنت أشرح له كيف فعل الشاعر ينبهر، كيف فعل هذا؟ لكن هو لا يصل إلى هذا بذوقه.

لأن العربية ليس كسيبويه وابن جني أصولهم رومية وفارسية، لكن نشؤوا في العرب وآباؤهم كانوا من الموالي، ونشؤوا في بلاد العرب، وخرجوا علماء عرب وكذا، فكانوا عرب اللسان. لكن هذا جاء إلى مصر إلى الأزهر مثلاً وهو ليس عربي اللسان، والعربية لغة ثانية أو ثالثة عنده، فأقول له: أنت هكذا ستضيع وقتك، لا، هم يدرسون النحو، يدرسونه جيداً، ويبرعون فيه، ربما بعضهم يبرع فيه لأنه قواعد، هو النحو قواعد وأصول مدونة. فدراستهم إلى حد كبير، أو أن تكون إلى حد كبير عربياً، وأن تكون كذلك، يساعد في ذلك أن تكون أصولك عربية، نعم هذا أساس فيه وركن، ويعوض هذا الركن أن يكون نشأ في بلاد العرب عربياً، فيتساوى معه، وإن كان العربي إذا تساوى معه في هذه الصفة عنده مزية السنخ أو الطبيعة الميراث الغريزة الداخلية في النفس.

نعم، فمحمود شاكر يفرق بين العربي وغير العربي، لما أجد الشخص كذلك أقول له: ادرس النحو، لا تضيع وقتك، نعم، وأما الشعر فاسمع الشرح لتفهم وتتذوق بعد الشرح فقط. فإذا اتخذنا لهذه الدراسة أهبتها، وأعددنا لها من الصبر والجد والحذر ما ينبغي لها، واللسان لساننا، والقوم أسلافنا، والسلائق مغروز في أعماق طباعنا، ثم أصلنا للدراسة مناهج تعين عليها، واستحدثنا لها أسلوباً يلائمها. يعني محمود شاكر هنا يقر بأننا لو استمررنا في الدراسة سنحتاج إلى اختراع وسائل كاللسانيات الحديثة عند الغرب، سنحتاج نحن إلى وسائل جديدة نثمر بها ونشرح بها نظرية النظم عند عبد القاهر والعلماء القدماء.

نعم، ثم أصلنا للدراسة مناهج تعين عليها، واستحدثنا لها أسلوباً يلائمها، فعندئذ يدنو الذي راه بعيداً، ويتجلى لنا ما كان غامضاً، ويكشف لنا الشعر الجاهلي عن أروع روائعه، ويبذل لنا ما استكن فيه واستتر من أصول البيان الإنساني بغير تخصيص للغة العرب، فنراها ماثلة على أدق وجوهه وأغمضها وفي أتم صورة وأكملها. وهذا الذي أفضت فيه من ذكر الشعر الجاهلي وما وجدته فيه في نفسي باب عظيم، أسأل الله أن يعينني بحوله وقوته حتى أكشف عنه وأجليه، وحتى أؤيده بكل برهان قاطع على تميزه عن كل شعر العرب بعده. على تميزه، أضيء هذه الكلمة، تميزه عن كل شعر العرب بعده، وبذلك يكون نفسه دليلاً حاسماً على صحة روايته، وعلى أن الرواة لم ينحلوا الشعراء افتراء عليهم.

وغير خافٍ أن الذي وصلنا إلى هذا اليوم من شعر الجاهلية قليل مما روته الرواة منه، والرواة القدماء أنفسهم لم يصلهم من شعرها إلا الذي قال أبو عمرو بن العلاء في أوائل القرن الثاني من الهجرة: ما انتهى إليكم مما قالت العرب إلا أقله، ولو جاءكم وافراً لجاءهم علم وشعر كثير، ومع ذلك فهذا القليل مجزئ إن شاء الله في الدلالة على ما نريد من الإبانة عن تميز شعرهم عن شعر من جاء بعدهم، وفيه جم وافٍ من خصائص البيان التي امتاز بها أهل الجاهلية.

ولكن كيف بقي هذا الشعر إلى يومنا هذا؟ بقي مادة للغة العرب، وشاهداً على حرف من العربية، وبقي ذخراً للرواة، وركيزة يستمد منه شعراء الإسلام الأساليب والبيان، ومنبعاً لتاريخ العرب في الجاهلية، بل بقي كنزاً لعلوم العرب جميعاً، لكل علم منه نصيب على قدره. ولكن غاب عنا أعظم ما بقي له هذا الشعر، أن يكون مادة لدراسة البيان المفطور في طبائع البشر مقارناً بهذا البيان الذي فاق طاقة بلغاء الجاهلية، وكانت له خصائص ظاهرة تجعل كل مقتدر بليغ مبين، وكل متذوق للبلاغة والبيان، لا يملك إلا الإقرار له بأنه من غير جنس ما يعهده سمعه وذوقه، وأن مبلغه إلى الناس نبي مرسل، وأنه لا يطيق أن يختلق أو يفتريه؛ لأنه بشر صلى الله عليه وسلم، لا يدخل في طوقه إلا ما يدخل مثله في طوق البشر، وأنه إن تقول غير ما أمر بتبليغه وتلاوته، بان للبشر كذبه وحق عليه قول منزله من السماء سبحانه: ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ * لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ * ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ * فَمَا مِنكُم مِّنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ﴾ [الحاقة: 44-47].

ولسائل أن يسأل، ويتكلم هنا عن قضية لماذا لم يتجاوز القدماء بالشعر الجاهلي إلى قضية الإعجاز؟ يعني يا محمود شاكر لو كان كلامك صحيحاً لماذا غاب هذا الذي تذكر أنه غاب؟ لماذا ترك القدماء هذه القضية؟ ولسائل أن يسأل: فحدثني إذاً، لما بقي شعر الجاهلية بهذه المنزلة، لم يتجاوزها، وكيف غاب هذا الذي زعمت عن أئمة العلم من قبلك، وكيف أخطأه علماء البلاغة وهم الذين قصدوا بعلمهم قصد الإبانة عن إعجاز القرآن، وهم أقرب بالتنزيل عهداً منا ومنك؟ وما الذي صد العقول البليغة عن سلوك هذا المنهج، وما نهضت إلا للمراء دون إعجاز القرآن في القديم والحديث؟

قال شاكر: وحق عليّ أن أجيب، ولكن يقتضيني جواب هذه المسألة أن أقص قصة أخرى لا أستوعب القول في حكايتها تفصيلاً، بل أوجز المقال فيها إيجازاً مدفوعاً عنه الخلل ما أطقت، وعلى سامعها أن يدفع عن نفسه الغفلة ما أطاق. هنا محمود شاكر سيقدم بتلخيص لما درستم هناك في المدخل الأول، خلاص، سيذكر النظام والجاحظ والباقلاني، ليصل إلى الباقلاني الذي كانت المشكلة من بعده؛ لأنه سيذكر أن الباقلاني زل زلة أثرت في تاريخ إعجاز القرآن كله، وهذا ما نشرع فيه تفصيلاً إن شاء الله تعالى غداً في موعدنا مع هذا الكتاب.

وشكراً لكم وجزاكم الله خيراً، عودوا إلى تلاوتكم وإلى صلاتكم بعد هذه الرحلة مع إعجاز كتاب الله تعالى ومع هذا العلم الشريف، وبعدما أكرمتمونا بحضوركم، والجو بدأ يدخل في الدفء، رضي الله عنكم جميعاً، أكرمكم الله. غداً إن شاء الله تعالى نكمل بإذن الله، يعني مجلسان أو ثلاثة إن شاء الله وننتهي من المدخل الثاني. كما قلت المدخل الثالث طويل، وهو كتاب كامل كبير في حوالي 120 صفحة تقريباً، وربما الصفحة ملانة أكثر من هذا الخط أصغر، هو كتاب قضية الشعر الجاهلي عند محمد بن سلام، وهذا إن شاء الله ما يكون بعد العيد إن شاء الله تعالى بإذن الله، أو بعد مدة أكون قد نظرت في الكتاب نظرة أخرى عامة، مسحته مسحاً هكذا، هذه عادتي قبل أن أشرح كتاباً أو شيئاً، أمسحه مسحة جديدة لأحضره بتمامه في ذهني إذا كان عهدي به بعيداً بعض الشيء.

نعم، نعم يا محمود علي، هذا ينتهي خلاص، هذا قريب، فشكراً لكم وجزاكم الله خيراً وتصبحون على خير.

على خير، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

جزانا وإياكم جميعاً، رضي الله عنكم.