السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله ثم الحمد لله. الحمد لله حمدًا يوافي نعمه ويكافئ مزيده. لك الحمد ربنا كما ينبغي لجلال وجهك ولعظيم سلطانك. نحمدك ربنا لا نحصي ثناء عليك، أنت كما أثنيت على نفسك. اللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد.
أما بعد أيها الإخوة، فهذا مجلسنا السادس عشر من مجالسنا في شرح مداخل إعجاز القرآن للأستاذ محمود شاكر رحمه الله تعالى. كل من ألقى السلام وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، وكل من حيا حياك الله وبياك. مساء الأنوار أستاذة زينب، وعليكم السلام حبيبنا مصعب وحبيبنا معاذ أحمد، مرحبًا بكم.
أنتظر أيها الإخوة إرسال الرابط ريثما تجتمعون حتى أنشره إن شاء الله تعالى. وأذكر في هذه اللحظات بأننا دخلنا إلى ما قدم به لكتاب ابن نبي وهو كتاب الظاهرة القرآنية؛ فالمدخل الثاني في إعجاز القرآن هو مقدمة في الأصل، مقدمة كتبها محمود شاكر لهذا الكتاب، وطبعت بعد ذلك مدخلًا ثانيًا في مداخل إعجاز القرآن بدار الخنجي أو مكتبة الخنجي في مصر. ها هي، وأنا أقرأها من هنا، وأحيانًا إذا استشكل موضع أراجعه فيظهر كأنه هناك زيادة أو سقط ونحو ذلك، وأنبهكم إلى هذا في أثناء القراءة إن شاء الله. وهذا المدخل هو الذي جعل له محمود شاكر عنوان: تذوق راعني حتى تذوقت.
فقط أنتظر الرابط أيها الإخوة أن يرسل، لم يرسل إلي حتى الآن أيها الإخوة، لا بأس إلى أن تجتمعوا. شكرًا لأخي محمود علي أرسل الرابط. طيب قد أرسلنا الرابط والحمد لله إلى حيث أردنا إرساله، نتوكل على الله تعالى. الله يرضى عليك يا محمود علي، رضي الله عنك. نتوكل على الله، بسم الله.
الأستاذ محمود شاكر رحمه الله في آخر ما قرأنا انتهى إلى عدة أمور لا غنى لدارس الإعجاز عن معرفتها كما قال محمود شاكر رحمه الله:
الشيء الأول: أن قليل القرآن وكثيره سواء في شأن الإعجاز. الشيء الثاني: أن الإعجاز حاصل في رصف القرآن ونظمه وبيانه، فهو مباين لغيره من الكلام في الرصف والنظم، وليس في أصول المعاني. الشيء الثالث: أن الذين تحداهم القرآن كانوا قادرين على الفصل بمعرفتهم بين القرآن وغير القرآن أو بين الكلام المعجز وغير المعجز. الأمر الرابع: أن الذين تحداهم كانوا يدركون أن ما يطالبون به من الإتيان بمثله أو بعشر سور مفتريات مثله هو هذا النوع من البيان الذي يجدونه في أنفسهم بالأصل ويجدون أيضًا في أنفسهم أنه خارج عن طوقهم وقدرتهم.
الأمر الخامس: أن هذا التحدي لم يقصد به الإتيان بالمثل في المعاني، يعني لم يقصد به الإتيان بالمطابق في المعنى، وإنما أتاح القرآن لهم المعنى حين تحداهم. نعم، وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته أختنا الكريمة. أتاح لهم القرآن المعنى، يعني يا فلان ويا فلان، يا أيها الشعراء، يا أيها العرب، ائتوا بقصيدة أو بخطبة تفوق القرآن أو تماثله في أي موضوع تشاؤون.
السادس: أن هذا التحدي مستمر قائم إلى يوم الدين، موجود ومستمر لهذا التحدي للثقلين جميعًا، إنسهم وجنهم متظاهرين، يعني متعاونين، هو تحدٍ مستقر قائم إلى يوم الدين. الأمر السابع والأخير: أن ما في القرآن من مكنون الغيب ومن دقائق التشريع ومن عجائب آيات الله في الخلق، كل ذلك بمعزل عن هذا التحدي المفضي إلى الإعجاز، كل هذا ليس من الإعجاز. قضية الغيب تصلح دليلًا لكنه بعيد عن قضية الإعجاز.
وفي الحقيقة لو تأملت الأمر الخامس سترى أنه من لازم الأمر الثاني، ركز معي؛ لأن الثاني: أن الإعجاز كائن في رصف القرآن وبيانه ونظمه، ومباينة خصائصه للمعهود من خصائص كل نظم وبيان في لغة العرب، يعني لم نتطرق للمعنى. الأمر الخامس: أن هذا التحدي لم يقصد به الإتيان بمثله مطابقًا لمعانيه، بل أن يأتوا بما يستطيعون افتراءه واختلاقه من كل معنى أو غرض مما يعتلج في نفوس البشر. نعم، لأن التحدي كما عرفنا في الثاني قائم في البيان والنظم، إذا أهمل أمر المعنى، يعني لم يقل لهم القرآن ائتوا بمثله في البلاغة في نفس باب المعنى، لا، ائتوا بمثله في البلاغة يلزم منه إهمال أمر المعنى، يلزم منه الإغضاء أو التغاضي عن أمر المعنى، إذا يمكنه أن يأتي في أي معنى آخر، لكن محمود شاكر أراد التنبيه إلى ذلك.
شيء ثانٍ أقوله قبل أن ننتقل: ربما كان من الحسن أن يذكر محمود شاكر رحمه الله أمرًا ثامنًا، وهو أن القرآن تحداهم إلى أن يأتوا بجديد ينشئونه من أشعارهم أو من خطبهم، أو أن يستعملوا نصًا قديمًا في هذا الباب؛ لأن القرآن لم يتحدّهم في قدرهم هم فقط، إنما تحدى قدرهم وقدر من سبقهم. لأن البعض طرح هذه الشبهة، ذكر هذه الشبهة ورد عليهم الباقلاني في إعجاز القرآن. البعض قال: من أدراك؟ يعني إذا كان التحدي لمن نزل فيهم القرآن ولمن بعدهم، فمن أدراك أن الذين كانوا قبل نزول القرآن كان فيهم من يستطيع تحدي القرآن وأن يأتي بمثل القرآن؟ ما يدريك؟ يعني ما أدراك أن امرؤ القيس لو تحدي لأتى بمثله، ما أدراك أن النابغة لو تحدي لأتى بمثله، النابغة وامرؤ القيس وزهير كل هؤلاء ماتوا قبل نزول القرآن.
فيرد عليهم في ذلك أن القرآن أطلق الإتيان، لم يحدد أن يقولوا مثله، وإنما أطلق، وأشعار هؤلاء القدماء بين أيدينا، فأتوا بها كذلك، يلا، هات المعلقات وأرني كيف هي أعلى من القرآن! هل كانت العرب ستتردد إذا وجدت المعلقات أعلى من القرآن؟ هل كانت العرب ستتردد في أن تذكرها؟ ولماذا نأتي؟ قد أتينا بالفعل، هؤلاء آباؤنا أو أجدادنا قد أتوا بالفعل. يعني من الذي كان في عصر نزول القرآن؟ أبناء الشعراء المباشرون أو أبناء أبنائهم؛ كعب بن زهير وبجير بن زهير والحطيئة. هؤلاء أبناء زهير والحطيئة تلميذه. فـهذا الجيل، هذه الطبقة التي كانت موجودة، آباؤهم المباشرون أو أجدادهم المباشرون، كانوا سيقولون ها هي أشعار أبي، ها هي أشعار جدي وانتهينا، قد أتينا بالفعل. تتحدانا إلى ما عندهم ما هو فوقه، تتحدانا يا محمد صلى الله عليه وسلم إلى الإتيان بشيء قد أتينا به أصلاً موجود، يعني أنت جئت وأنت مثله أو أقل أصلاً. فما كانت العرب تتردد في هذا. وحسان بن ثابت بالضبط، الذي كان النابغة في سن والده لما كان في سوق عكاظ، فالأمر في ذلك يسير وقريب.
فبما أن محمود شاكر عدد هذه الأمور وفصل أمرين يدخلان في أمر واحد وهو الثاني والخامس، وإذا دخلنا إلى هذا التفصيل يعني أقول كان يحسن أن نقول وأنه تحداهم إلى أن يأتوا بجديد، أن ينشئوا جديدًا أو أن يأتوا بشيء مما هو بين أيديهم، حتى نغلق باب هذه الشبهة وانتهينا. نعم.
ثم قال محمود شاكر: فهذه أمور تستخرجها دراسة تاريخ نزول القرآن إلى آخره، قال: وكل لبس يقع في ضبط هذه الأمور المتعلقة بمعنى إعجاز القرآن وكل اختلال في تمييزها وتحديد ما تقتضيه في العقل والنظر، سبيل إلى انتشار أغمض اللبس وأبلغ الخلل في فهم معنى إعجاز القرآن من الوجه الذي صار به القرآن معجزة للعرب، من الوجه هذا هو المشكلة، من الوجه الذي صار به القرآن معجزة للعرب ثم لسائر البشر على اختلاف ألسنتهم ثم للثقلين جميعًا متظاهرين. نعم.
قال: هذا بعض ما أدى إليه النظر المجرد. سيتكلم الآن في صفة القوم الذين حصل لهم التحدي بنظم القرآن، سيتكلم في صفة القوم الذين وقع لهم التحدي بصفة القرآن، وسيتكلم كذلك في صفة لغتهم.
قال: هذا بعض ما أدى إليه النظر المجرد في استخراج المعنى الذي هو مناط التحدي ومفصل الإعجاز، وأرجو أن أكون قد بلغت في كشفه مقنعًا ورضا. ولكنه بقي ما لا بد منه؛ يقول محمود شاكر: ولكنَّه بقي ما لا بد منه أن نستنبط بهذا الأسلوب من النظر المجرد صفة القوم الذين تحداهم وصفة لغتهم. فإذا صح أن الإعجاز كائن في رصف القرآن ونظمه وبيانه بلسان عربي مبين، وأن خصائصه مباينة للمعهود من خصائص كل نظم وبيان تطيقه قوى البشر في بيانهم، لم يكن لتحديهم به معنى إلا أن تجتمع لهم ولغتهم صفات بعينها.
سيذكر الآن هذه الصفات، انتبهوا، لهم ولغتهم. ركز، يقول: إذا صح أن الإعجاز حاصل في نظم القرآن، وإذا صح أن خصائصه مباينة للمعهود من خصائص كل نظم تطيقه قدرتهم أو قدر البشر، يقول هذا يلزم منه أن تجتمع لهم ولغتهم صفات بعينها. أولها، الخلاصة، خلاصة الصفة الأولى: احتمال اللغة للتفاوت، تحمل اللغة للتفاوت. قال: أولها أن اللغة التي نزل بها القرآن معجزًا قادرة بطبيعتها هي أن تحتمل هذا القدر الهائل من المفارقة بين كلامين.
أولها أن اللغة التي نزل بها القرآن معجزًا قادرة بطبيعتها، هي بطبيعتها في خصائصها. تعرفون الفرق بين اللغة والكلام، أصحاب البنيوية والدراسات اللسانية يفرقون، هذا يقول لك عبقرية دي سوسير. أول ثنائية ثنائية اللغة والكلام، تدرس بقى تحس إنك كأنك هو ينتشلك من الضلال، والله. يعني لما درست هذه المذاهب بعد دراسة المتعمقة لعبد القاهر والنقد العربي وخصائص العربية، وجدت أنهم يفرحون بأشياء قليلة هكذا ينفشونها شديدًا. يقول لك المبادئ التي ألقاها دي سوسير في محاضراته وفرغت عنه، هي المبادئ التي قامت عليها الدراسات اللسانية الحديثة والبنيوية في منهج البنيوية في تحليل النصوص وفي تفسير اللغة. ومن هذه الأركان التي أرسى دعائمها دي سوسير الثنائيات، وعلى رأس هذه الثنائيات أول ما يعرض من الثنائيات ثنائية اللغة والكلام، وترى تفريقًا كبيرًا وبعيدًا وكأنه يفك شيئًا لأميين بدائيين لا يفهمون القضية، وأنا أقول معقول أنا يتكلم في هذا ما أنا فاهم خلاص صفحات ويشرح لك بنظرية الشطرنج؛ قوانين اللعبة وحركات اللعبة والعلاقة الخاصة في لعبة خاصة بين اثنين وهكذا.
فثنائية اللغة والكلام، يعني الخصائص اللغوية والكلام الحاصل بالفعل. الخصائص اللغوية هي مجموعة القوانين والضوابط والخصائص التي تتعلق بلغة معينة، يقال فيها اللغة، هذه اللغة، خلاص مجموعة القوانين، يشمل النحو في التركيب والصرف والاشتقاق في اللفظة، ويشمل الخصائص البيانية، ويشمل الخصائص المعنوية في الحروف وفي بعض الصور النحوية وكذا، هذه تسمى اللغة. القوانين والقواعد العامة والخصائص العامة. بعد ذلك، الكلام الذي يستعمل هذه الأشياء أو هذه الخصائص في لغة ما لأجل غرض معين.
نعم، هي لغة قومه ولكن اللوم على من أخذها وترجمها ذلك أنها ليست عندنا. بالضبط، هذا يتجلى عند محمود شاكر في هذا الأمر الأول، لما قال أن اللغة التي نزل بها القرآن معجزًا قادرة بطبيعتها هي، يعني اللغة في ذاتها العربية، يعني التفاوت الذي وقع بين نص ونص لا يرجع بالمقام الأول إلى المتكلم بل إلى أن لغته سمحت له بهذا.
فن الرسم لم يقبل التفاوت بين إنسان وإنسان إلا بعد أن كان استعمال الألوان والخطوط يسمح له أصلاً بهذا التفاوت. يضيق الأمر مثلاً في هندسة البناء، يضيق في هندسة البناء؛ يعني لما تقول طبعًا هذا تقريب، هندسة العمارة بناء عمارة مثلاً بيت كبير، هندسته محدودة يعني أن تكون الدعائم بسمك كذا وألا يزيد قطر كذا عن كذا، حتى كلها لها علل، حتى لا يكبر بحر الردهة أو بحر المساحة المسطحة فتضعف إلى آخره، وأن تكون الدعائم الأساسية كذا، وكلما ارتفعت أمكنك تخفيض السمك، قواعد لا تسمح بالتفاوت الشديد، لهذا لا نكاد نسمع عن مهندس معماري بارع وأعجز المهندسين الآخرين في أصل فكرة المعمار، لماذا؟ هي أصلاً بغرضها محدودة، لكن الديكور والنقش والرسم يقبل.
فحتى يتفاوت الفنانون في مجال عن مجال أو في عمل عن عمل، ينبغي أن يكون مجال هذا العمل يسمح بهذا التفاوت. يقول محمود شاكر: أولها أن اللغة التي نزل بها القرآن معجزًا قادرة بطبيعتها هي أن تحتمل هذا القدر الهائل من المفارقة بين كلامين؛ كلام هو في الغاية من البيان فيما تطيقه القوى، وكلام يقطع هذه القوى ببيان ظاهر المباينة له من كل الوجوه.
كلام هو في الغاية من البيان، فيما تطيقه القوى. امرؤ القيس والنابغة وزهير؛ كلامهم في القمة مما تطيقه القوى البشرية. وكلام الذي هو القرآن يقطع هذه القوى، يقطع قوتها. خلاص، يسير يضج العود منه، يمنه أخو الجهد لا يلوي على من تعذرا. لله در امرئ القيس، حاضر معنا في كل شيء.
وكلام يقطع هذه القوى ببيان ظاهر المباينة له من كل الوجوه. يعني القرآن مباين حتى للشعر من كل الوجوه. أقول لك شيئًا دونه من هذه الوجوه، أنه أنعم في التحدي، يعني أبعد شديدًا في التحدي، فجاء القرآن على هيئة النثر. محمود شاكر يقول: كلام يعني هو القرآن، يقطع هذه القوى، تنتهي عنده هذه القوى. يعني امرؤ القيس لا يستطيع مثل القرآن، النابغة لا يستطيع مثل القرآن، زهير لا يستطيع مثل القرآن. يقطع هذه القوى بماذا؟ ببيان ظاهر المباينة له من كل الوجوه.
من هذه الوجوه أن القرآن إمعان في التحدي؛ جاء على هيئة النثر، فأفاق الجنس الأعلى عندهم وهو الشعر. وأنا أقول هنا: لو عرفتم الخصائص التي يحدثها الوزن في الشعر، لعرفتم أن تفوق نثر أو نص نثري على الشعر الرفيع هو إعجاز. ممكن واحد يجيب لك نص شعري مهلهل ضعيف ويقول لك ها هو خطبة أجود منه، متماسكة عنه، أقول لا؛ الكلام عن القصيدة التي وظفت الوزن والقافية توظيفًا شعريًا عاليًا. القرآن تحدى العالي، مش النازل من كل جنس.
أقول: القصيدة العالية التي وظفت هذه الخصائص الإيقاعية العروضية، لو عرفتم ما تحدثه هذه الأوزان أو الإيقاعات العروضية من الوزن والقافية في الشعر العالي، لعلمتم الإعجاز في أن نصًا غير موزون، ولا تطرد فيه القوافي على حرف واحد، أو الفواصل على حرف واحد، يفوق نصًا شعريًا. هذا إعجاز. لو عرفتم أنه إعجاز فعلًا؛ أن يفوق نصًا نثريًا غير موزون، فقد الجزء الذي فيه خصائص الوزن، ولا يطرد في الفواصل، فخسر كذلك إيقاع الروي المتحد، وبعد ذلك يفوق القصيدة. هذا إعجاز.
فالقرآن جاء نثرًا، ليس لأن النثر أفضل كما ذهب بعض الكتاب ينتصرون لمذهبهم. وأنا بينت هذا بمناسبة في مقدمة كتابي «البيان»، هذا كتاب يؤلف الآن بحمد الله تعالى. «البيان» عن تهافت النقد المنسوب إلى أبي بكر الباقلاني على قصيدتي امرئ القيس والبحتري. بينت أن تفضيل النثر ليس مذهبًا معتبرًا، وأنا أجيب عن بعض ما قاله الباقلاني؛ أن الذين احتجوا في ذلك بالقرآن هذا كما قال ابن رشيق حجة عليهم لا لهم. فبينت أن الذين احتجوا بالقرآن على هذا أخطأوا خطأً مبينًا.
القرآن جاء منثورًا إمعانًا في الوجوه التي يختلف بها البيان المعجز عن غير المعجز. أقول مرة أخرى: القرآن جاء نثورًا كما قال العلماء المتخصصون الواعون لهذا الأمر، إمعانًا وإبعادًا في الوجوه التي يبين بها الكلام المعجز عن الكلام غير المعجز. يعني يا أيها الشعراء، التحدي لكم بالمقام الأول لأنكم ملوك البيان في العرب. التحدي لكم ابتداء؛ جئناكم بنص نثري. يعني أصلًا إذا كان لا يجرؤ خطيب أن يتحداكم بخطبته في قصيدتكم العالية مهما علت خطبته، لأن النثر جنس دون النظم، ها قد جئناكم على هيئة نظم، على هيئة الجنس النازل عندكم، وأعجزناكم. فالقرآن الجليل العظيم جاء على هيئة النثر إنعامًا وإمعانًا وإبعادًا في المفارقة والمباينة، وزيادة نكاية للشعراء الذين يعتبرون الجنس الأعلى هو الشعر، وهو كذلك في البشر بإجماع كما قال ابن رشيق. إياكم أن تصدقوا أحدًا يقول لكم مسألة خلافية بين الأدباء؛ بإجماع العلماء الشعر هو الجنس الأعلى بلا اختلاف.
ومن هنا جاء القرآن نثورًا. فيا أيها العرب، يا أيها الشعراء، تحديناكم بجنس أقل مما أجمعتم على أنه الأعلى، وهو كذلك أعلى عندكم، فهذا جاء من عند الله أعلى. ويبقى النثر البشري دون الشعر البشري، ويبقى النثر الإلهي القرآن فوق الشعر البشري. افهموا هذا جيدًا.
أولها أن اللغة التي نزل بها القرآن معجزًا قادرة بطبيعتها هي أن تحتمل هذا القدر الهائل من المفارقة بين كلامين. وهذا يلزم منه مسألة تفضيل العربية، وطبعًا هناك من يختلف معي في هذا. عندنا الحبيب أخي الكبير الدكتور فراس السوداني يناقشني في هذه المسألة، وناقشني فيها في كتابي «كشف الجهالات». اختلفت معه فيها، قلت له أنا أعتقد هذا. هو يرى لزامًا يرى شيئًا لا أراه، وهو أنه يلزم لمن يقول هذا أن يكون قد درس كل اللغات الأخرى، ولا أرى هذا أصلًا. بل يكفي فيها نقل طبيعتها وخصائصها، ونقل الكلام عنها، ويكفي فيها ما نراه من تفاوت أصحابها في النتيجة. طلبت منه مشكورًا أن يبين مذهبه في هذا في المقدمة التي يكتبها على الكتاب تفصيلًا، وهو الآن يكتب المقدمة. قلت له: لو تثبت هذا؛ وفي نيتي أنني في طبعة آتية أكون قرأت كلامه وأناقشه في مقدمة الطبعة الثانية إن شاء الله.
فكلام محمود شاكر وكلام الباقلاني ككلام عبد القاهر يلزم منه رفع العربية بخصائصها، وأرى أن هذا يكاد أن يكون إجماعًا من المتقدمين المتخصصين. ابن قتيبة ذكر هذا، الجاحظ لزم منه هذا في عبارته في كتاب الحيوان، عبد القاهر صرح بهذا، الباقلاني صرح بهذا؛ وجدت كل أهل الشأن يصرحون بهذا. نعم، وأنا أعتقد هذا في الحقيقة. لكن الآن بقطع النظر عن بعض الباحثين كالدكتور فراس، أحذركم من وجود شعوبية ترفض ذلك، وطبيعي الشعوبية تتعلق بهذا، لا من جهة كونها نقاشًا وبحثًا، بل من جهة ما تحمل في نفسها على العرب. وقد حذرت من مثل هذا كثيرًا، أنهم موجودون بيننا وبين أظهرنا الآن.
ثانيها: إذا الأولى احتمال اللغة للتفاوت، الثانية هي قدرة العربي على إدراك هذا التفاوت. قال ثانيها: أن أهلها قادرون على إدراك هذا الحاجز الفاصل بين الكلامين. وهذا إدراك دال على أنهم قد أوتوا من لطف تذوق البيان ومن العلم بأسراره ووجوهه قدرًا وافرًا يصح معه أن يتحداهم بهذا القرآن، وأن يطالبهم بالشهادة عند سماعه، أن تاليه يشهد بأن تاليه نعم.
القرآن الكريم أيضًا في كتابي هذا بينت أن القرآن الكريم نثر وليس بشعر، وليس بشيء وسط. القرآن الكريم البعض يقول هو ليس بنثر وليس بشعر هو شيء ثالث؛ لا، ما ليس بشعر فهو نثر، وأي كلام غير هذا تخرص، وهذا أظن ما قاله طه حسين رحمه الله. وهذه عاطفة؛ يعني طه حسين رحمه الله إما أن يتكلم بعاطفة دينية فيفسد، أو يتكلم بانحلال فيفسد أيضًا. عجيب طه حسين، يتكلم بانحلال فيفسد، ويتكلم بعاطفة دينية فيفسد.
تكلم بانحلال وتكلم بكلام من ظاهره تكذيب القرآن وتكذيب قصص القرآن ونفي الشعر الجاهلي وقال بكلام لا يقوم على قدم وساق، قال هو منحول، كلام يسقط بالبديهة، خلاص بالنظر الأول. ثم لما تكلم بعاطفة دينية أفسد أيضًا، وقال القرآن ليس بنثر وليس بشعر هو شيء ثالث؛ لا، علميًا منطقيًا ما ليس بشعر فهو نثر، لأن النثر يحتمل وجود الأوزان، ويحتمل وجود الفواصل أو الأسجاع، فما في القرآن نثر وسجع، ما فيه من الفواصل سجع، وهي قانون السجع. وبالطريقة وافقني على هذا الدكتور فراس السوداني وهو يناقشني في مادة كتابي، ناقشني فيها حرفًا حرفًا بالمناسبة، فكان من هذا أن قال لي: أنا أوافقك جدًا على أن القرآن نثر وعلى أن ما فيه أسجاع. طبعًا خلاف ذلك تخرص، يعني كلام عاطفي لا قيمة له. كل ما ليس بشعر يعني منتظم الوزن والقافية على هيئة كلام العرب فهو نثر، والنثر يحتمل.
الكلام قد يكون فيما يعرف بشعر التفعيلة الذي اطردت فيه التفعيلة ولم يخل منها سطر، ولكن انحلت في العدد وكذا، الكلام في هذا. هذا ما أقبل هنا أن يقال هو جنس ليس شعرًا ليس نثرًا، لكن لا أقبل أنه شعر. ويخالفني في هذا الدكتور فراس ويراني من الغلاة. أنا عنده له كتاب وقال لي هذا يعتبر فيك، فأنا يعتبرني من الغلاة في هذا الأمر، وشجعني على قراءة الكتاب. هذا ما أقبل فيه أن يكون جنسًا وزنيًا ليس شعرًا، لكن دون ذلك الاطراد في الوزن والتفعيلة، كل ما ليس شعر هو نثر؛ أسف أستغفر الله، كل ما ليس شعرًا هو نثر. يعني لو قلنا صفة الشعر كذا وكذا، فكل ما اختلط فيه الموزون مع غير الموزون هو نثر، لأن فن النثر يقبل هذا. يعني فن النثر يقبل وقوع الأوزان وقد وقعت في القرآن، ويقبل الأسجاع وقد وقعت في القرآن. فكل ما ليس بشعر هو نثر ومنه القرآن. لكن كما قلت، الدكتور فراس الحبيب رجل نبيل عالم ورجل فاضل جدًا، يرى -وطبعًا نستطيع أن نفهم لأنه عراقي ونشأت في العراق هذه التفعيلة وهو عراقي وطني جدًا- أنه يرى أن شعر التفعيلة شعر، أنا لا أراه شعرًا، أراه بالكاد جنسًا وزنيًا ولا أبعد أن يكون نثرًا.
وهو الذي ترى فيه سطرًا مثلًا يمتد إلى متر على تفعيلة واحدة، ثم السطر الثاني فيه اثنتان أو ثلاث وهكذا، وفي الحقيقة أنا مستعد تمامًا للنقاش حول هذه المسألة في عدم اعتباري ما يعرف بقصيدة التفعيلة أو شعر التفعيلة شعرًا. عندي بحمد الله تعالى قدرة على التنظير على هذه الفكرة بكلام وتدقيق لم يقل من قبله بحمد الله تعالى في هذه المسألة، لأنه ثمرة عن هذا الكلام وفرع عن تأصيل لحقيقة الشعر ولحقيقة ما آل إليه أمر القصيدة على هيئتها كما هي عند العرب، ولماذا التزمتها العرب على هيئتها ولم تغيرها، الكلام في هذا أدق وأشد وأخطر مما تظنون.
العرب منذ الجاهلية إلى سبحان الله العصر الحديث الستينيات فجأة اكتشفنا الحاجة إلى التطور، وبعد كل اللي فات ده أقرع؛ مثلًا كل اللي فات ده هفك تافه ما لوش لازمة، يخسأ، كل ده ما فيه تطور. العرب لماذا التزمت القصيدة بهذه الهيئة منذ الجاهلية إلى ستينيات القرن العشرين إلى الحداثة الفجائية التي جاءتنا ونحن محتلون، ونحن مغزون في رؤوسنا وعظامنا وعسكرنا وبلادنا وفي كلماتنا، فجأة اكتشفنا الحداثة! وسبحان الله الصورة التي وقع فيها لعب في الأوزان والقوافي وهي ما يسمى بالموشح، سبحان الله على الصدف، اعتبرها الوشاحون أنفسهم فنًا شعبيًا غنائيًا وليس شعرًا، وسبحان الله صدف أيضًا أن ابن رشيق يقول في المصمط وهو الذي يحمل أصول الوشاح أو الموشحات، يقول وما فيه من تغيير القوافي وكذا، ويقول هذا من أفعال اللاعبين وضيق العطن وقليل القوافي. يعني سبحان الله، التاريخ يلتزم من الجاهلية إلى ستينيات القرن العشرين هيئة واحدة، وأي تحول حصل قبل ذلك اعتبره لعبًا واعتبره ضعفًا وفنًا شعبيًا غنائيًا كالموشحات. وفي الآخر سبحان الله دلوقتي في الزمن ده اكتشفنا الحاجة للتطور، فكل اللي فات ده مش تطور، لأن هيئة القصيدة التي هي عليها الآن أيها الإخوة ترتبط باللغة وخصائصها وكثافتها الدلالية ارتباطًا قدسيًا.
ولهذا رفضت ما يعرف بقصيدة النثر، ليس لأنني أرتبط شكليًا بهيئة الكلام عند العرب وأتعصب لهم ومن الغلاة، تمام، ولكن لأنني أؤمن أن السطر إذا طال عن أطول بحر عروضي عند العرب، فقد الكثافة التي عرفها العرب، فقد الكثافة. ولهذا تنبأت نازك الملائكة بعدم إحسان الشعراء في الشعر الحر -الحر هو طبعًا الحر عندها يعني الذي هو موزون لكن حر في عدد التفعيلة في السطر، يسمونه شعر السطر- لكنها أرجعت هذا إلى الشعراء وعدم قدر الشعراء على هذا، لا، الحقيقة أن العرب عرفوا من خصائص العربية أنه إذا خرج عن أوزانهم وعن أحجام وأطوال كأطوال أوزانهم انفرط الكلام وطال وسهل وخف. ولهذا من هذا الباب لا يبعد أن يكون هذا نثرًا.
فهمتم من أي باب أقول هو نثر عدد التفعيلات له ارتباط بالخصائص، نجده في أنفسنا ونحن نقرأ أشعار القدماء، كيف تتحقق الكثافة في هذا القدر من الطول؟ ولهذا نص فلاسفة العروض -كالدكتور عبد الله الطيب السوداني- نص على أن بحر الطويل فاضح. بحر الطويل فاضح لأنه طويل، يسمح بكلام، ولكن إذا لم تملأه وتتدارك، إذا هو أعطاك طولًا وحدًا، والحر لم يعطك حدًا فتركك دون ضابط للكثافة، بخلاف الآخر وضع لك معالم على طريق الكثافة.
وبمثل هذا قال من قبله القرطجني. قال: الشاعر الفحل أو المجيد ربما يضعف في الطويل ويجيد في الوافر. وقال: إذا وازنت بين شاعرين، فأنشد أحدهما على الطويل فأحسن نصف إحسان، وأنشد الثاني على الوافر فأحسن جدًا، لا تتعجل بأن تقول الذي أحسن في الوافر أشعر من الذي أحسن في الطويل؛ لأن الطويل استنزف قدرة الشاعر، وأما الوافر فلملم له قدرته، فربما من أحسن نصف إحسان في الطويل يكون أشعر ممن أحسن إحسانًا تامًا في الوافر. هذا كلام القرطجني ليس كلامي. أنا أعرف أن الكلام متخصص بعض الشيء، لكن الحديث انفرط لأنه نثري، فمعذرة على الخوض في بعض التفصيل، هذا له موضع آخر في مناظرة أو مناقشة.
هذا يدلكم على أن مساحات البحور لها تعلق مباشر بقدر الشعراء، فإذا تركت الحبل ومساحات كل سطر للشاعر اختل الأمر. هذا ما لم تدركه نازك الملائكة وهي تخترع القصيدة الحرة أو الشعر الحر، وتؤلف قصيدتها الكوليرا، ولم يدركه طبعًا بدر شاكر السياب ولا أضرابه ممن تأثروا بها بعد ذلك، كلهم طبعًا يعتبر تلاميذ لكلام نازك الملائكة. هؤلاء الشباب بدر شاكر السياب وعبد الوهاب البياتي العراقيون، هؤلاء تلاميذ نازك الملائكة رحمها الله. نازك الملائكة رحمها الله فيلسوفة مفكرة، وتقرأ كلامها في قضية الشعر الحديث، مفكرة وثقيلة، لكنها لم تكن كغيرها من الرومانتيكية، لم تكن مؤصلة من كلام القدماء. وللأسف لا نكاد نجد أحدًا من هذا الجيل غير محمود شاكر، وهو مؤصل في كلام القدماء؛ لا نكاد نجد أحدًا مؤصلًا في كلام القدماء. وعليكم السلام دكتور هاشم العامري ورحمة الله وبركاته، يا مرحبا. هذه كانت استطرادة.
ثانيها أن أهلها قادرون على إدراك هذا الحجاز الفاصل بين الكلامين، وهذا إدراك دال على أنهم قد أوتوا من لطف تذوق البيان ومن العلم بأسراره ووجوهه قدرًا وافرًا يصح معه أن يتحداهم بهذا القرآن، وأن يطالبهم بالشهادة عند سماعه أن تاليه عليهم نبي من عند الله مرسل.
ثالثها، ثالث الصفات: أن البيان خلاصته -هذه الصفة- أن البيان يا إخوة جليل جدًا في نفوسهم، فلا يكابرون فيه ولا يقولون غير الحقيقة. ثالثها أن البيان كان في أنفسهم أجل من أن يخونوا الأمانة فيه، أو يجوروا عن الإنصاف في الحكم عليه. فقد قرعهم وعيرهم وسفه أحلامهم وأديانهم، حتى استخرج أقصى الضرورة في عداوتهم له، وظل مع ذلك يتحداهم، فنهتهم أمانتهم على البيان عن معارضته ومناقضته. وكان أبلغ ما قالوه: قد سمعنا، لو نشاء لقلنا مثل هذا. ولكنهم كفوا ألسنتهم فلم يقولوا شيئًا، هذه واحدة. وأخرى أنه لم ينصب لهم حكمًا، بل خلى بينهم وبين الحكم على ما يأتون به معارضين له، ثقة بإنصافهم في الحكم على البيان، فهذه التخلية مرتبة من الإنصاف لا تدانيها مرتبة.
فهاتوا من استطعتم من الحكام، إيتوا بالنابغة الذبياني وبالمحكمين تحت القبة الحمراء، إيتوا بهؤلاء جميعًا، الله ترك لهم الإتيان به بالحكام أو بالمحكمين. يقول محمود شاكر: هذه التخلية بينهم وبين أمر التحكيم مرتبة من الإنصاف لا تدانيها مرتبة، الله تعالى يعلم أنهم لا يخونون في البيان، خاطبهم على هذا الأساس؛ كشفت لما تقول لشخص يا أخي: هات أباك يشهد في الموضوع، أنا واثق من شهادة أبيك، شهد أباك على هذا الأمر، شهد أخاك على هذا الأمر، حكم أخاك في هذا الأمر. الله يقول لهم: ﴿وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [يونس: 38]، ادعوا من استطعتم، إيتوا بالشهداء جميعًا بمن تشاؤون، لأن الله يعلم أنهم لا يخونون في البيان ولا يكذبون فيه، شرفهم، وهذا يا إخوة فرع عن مكانة البيان فيهم.
ولهذا يندر جدًا أن ترى قصائد جاهلية ليست جيدة، ركزوا: يندر جدًا أن ترى قصائد جاهلية ليست جيدة، لكن إسلامية ممكن، وعباسية كثير، جاهلي قليل نادر ولأحوال خاصة جدًا جدًا، بعض أشياء هكذا لعادي بن زيد ولمن خالطوا الحيرة، أو خالطوا البلاد المتأخمة لغير العرب وتعلموا لغات أخرى، هكذا أشياء استثنائية جدًا في الجاهلية، غير ذلك العرب الأصل فيها لا تقول قصيدة إلا والإجادة مقصودة.
العرب عندهم كما قلت الغاية مزدوجة في القصيدة؛ غرض القصيدة وعلو البيان كلاهما غرض في القصيدة. والأصل أن القصيدة إذا لم تكن جيدة لا يخرجها، لا يقولها. ولهذا قدسوا امرأ القيس وهو يكلمهم عن خدر عنيزة، وصيد الظباء، وعن اللهو مع الفتيات في يوم النحر، ويوم العقر، وبيضة الخدر، تكلمهم في أشياء لو فصلت من قيمتها الشعرية ليست بشيء أن يحكى، ورفعوه على جميعهم، ولم يجعلوا شخصًا كزهير يقترب من غباره؛ يعني حتى قال أبو عمرو بن العلاء: لا يبلغ زهير أن يكون عند النابغة، ويرفعون امرأ القيس على النابغة، يقدمونه على الجميع. وتعلمون معاني النابغة وتعلمون معاني زهير في أصلها أفخم وأشرف في أصل المعاني المجردة، أصول المعاني أشرف وأفخم، النابغة، امرؤ القيس، خدر عنيزة، ويوم العقر، وبيضة الخدر، والصيد بالغزلان، ومع ذلك سلموا له الملك في الشعر. لماذا؟ تقديسهم البيان. وعلى هذا الأساس نزل القرآن، نزل القرآن وهو يقول لهؤلاء: إيتوا بأي معنى، وادعوا من استطعتم من الشهداء، من المحكمين، إيتوا بمن تريدون أنتم أن يأتي ويحكم، لأنهم لن يكذبوا في البيان، لن يكذبوا في البيان. ونحن وجدنا كيف اعترفوا فيما بينهم فيما تناثر أو توارد من جاء من آثار إذا صحت، خلاص، فالقضية عند العرب في هذا خطيرة. فلما يقول محمود شاكر هذا الكلام ويقول: هذه التخلية مرتبة، أنا أعرف هذا، يعني أنا أعيش مع الجاهليين وأعرف حالهم مع الشعر، لا يكابرون.
من تصديقات ذلك ومن تجليات ذلك حسان بن ثابت لما حكم النابغة الذبياني للخنساء، وقال لها: لولا أن أبا بصير الأعشى قد أنشدني للتو لقلت أنك أشعر الناس -يعني الأعشى أشعر منها- لقلت أنك أشعر الناس. فقام حسان بن ثابت وكان شابًا مندفعًا، وقال له: والله إني لأشعر منك ومن أبيك! فقال له: يا بني، إنك لا تحسن أن تقول: فإنك كالليل الذي هو مدركي، وإن خلت أن المنتأى عنك واسع، خطاطيف حجن في حبال متينة، تمد بها أيد إليك نوازع. قال الرواة: فطأطأ حسان رأسه، ورجع القهقرى، وجلس في مكانه. تخيل المنظر، يا بني إنك لا تحسن أن تقول! وتلى البيت أو البيتين هكذا، يا أخي أنا جسمي أشعر، إيه البيان ده؟ ما هذا الاعتراف؟ ما هذا التسليم؟ ما هذا الاستسلام للبيان؟ يا بني إنك لا تحسن أن تقول! تخيلوا هؤلاء جاء فيهم القرآن وتحداهم جميعًا، ما فيش، يعني حسان بن ثابت طأطأ الرأس ورجع القهقرى وجلس في مكانه لبيتين، قيل له بمنتهى المصارحة والوضوح: إنك لا تحسن أن تقول هذا. طأطأ، رجع، جلس؛ ما بالكم بكتاب الله الذي نزل، بالقرآن المعجز لجميعهم؟ وللنابغة ولألف النابغة إذا صح أن يكون في العقل ألف النابغة إذا صح. كيف؟ كيف؟ فهكذا يقول: فهذه التخلية مرتبة من الإنصاف لا تدانيها مرتبة.
رابعها، الخلاصة في الصفة الرابعة: أن البيان بلغ منهم مبلغًا عظيمًا، بلغوا من البيان مبلغًا عظيمًا. رابعها: أن الذين اقتدروا على مثل هذه اللغة، وأوتوا هذا القدر من تذوق البيان، ومن العلم بأسراره، ومن الأمانة عليه، ومن ترك الجور في الحكم عليه، يوجب العقل أن يكونوا قد بلغوا في الإعراب عن أنفسهم بألسنتهم المبينة عنهم مبلغًا لا يدانيه؛ وهذا تفضيل العرب في البيان.
يوجب العقل أن يكونوا قد بلغوا في الإعراب عن أنفسهم بألسنتهم المبينة عنهم مبلغًا لا يدانى، وهذه الصفات تفضي بنا إلى التماس ما ينبغي أن تكون عليه صفة كلامهم، إن كان بقي من كلامهم شيء. فالنظر المجرد أيضًا يوجب أمرين في نعت ما خلفوه، يعني هذه الصفات الأربعة التي مرت صفات المتكلمين. أول صفة احتمال اللغة للتفاوت، الصفة الثانية قدرتهم على إدراك التفاوت، الصفة الثالثة جلالة البيان في أنفسهم فلا يكابرون فيه ولا يقولون غير الحقيقة، الصفة الرابعة بلوغهم في البيان مبلغًا عظيمًا.
الآن سيذكر شيئًا عن صفات بيانهم هم، طبعًا الصفة الأولى في اللغة نفسها، بعد ذلك تكلموا عن صفات. الأولى أن البيان بلغ الغاية في التمام والاستواء، اللي يقول لك في فوق الجاهليين هو جاهل، أهو ده جناس حلو، من قال لك هناك من فاق الجاهليين فهو جاهل، أن يبلغ الغاية في التمام والاستواء. الصفة الثانية اتساع ضروب البيان فيه حتى تلينا لكل بيان تطيقه ألسنة البشر. وهذه الصفات تفضي بنا إلى التماس ما ينبغي أن تكون عليه صفة كلامهم، إن كان بقي من كلامهم شيء، فالنظر المجرد أيضًا يوجب أمرين في نعت ما خلفوه: الأول أن يكون ما بقي من كلامهم شاهدًا على بلوغ لغتهم غاية من التمام والكمال والاستواء، حتى لا تعجزهم الإبانة عن شيء مما يعتلج في صدر كل مبين منهم. الثاني أن تجتمع فيه ضروب مختلفة من البيان لا يجزئ أن تكون دالة على سعة لغتهم وتمامها، بل على سجاحتها أيضًا، يعني على اتساعها وليونتها، حتى تلينا لكل بيان تطيقه ألسنة البشر على اختلاف ألسنتهم، يعني حتى من دخل العربية من غير أهلها وجد له فيها مرتعًا.
فهل بقي من كلامهم شيء يستحق أن يكون شاهدًا على هذا ودليلًا؟ هو كل هذا كلام في المجمل، كل ما سبق كلام في المجمل. فيقول: فهل بقي من كلامهم الذي يدل على كل ما قلناه شيء يستحق أن يكون شاهدًا على هذا ودليلًا؟ نعم، بقي الشعر الجاهلي. رضي الله عنكم.
فهل بقي من كلامهم شيء يستحق أن يكون شاهدًا على هذا ودليلًا؟ نعم، بقي الشعر الجاهلي. وإذًا ينبغي أن نعيد تصور المشكلة وتصويرها، فإن النظر المجرد والمنطق المتساوق والتمحيص المتتابع كل ذلك قد أفضى بنا إلى تجريد معنى إعجاز القرآن مما شابه وعلق به، حتى خلص لنا أنه من قبل النظم والبيان. ثم ساقنا الاستدلال إلى تحديد صفة القوم الذين تحداهم وصفة لغتهم، ثم خرج بنا إلى طلب نعت كلامهم، ثم التمسنا الشاهد والدليل على الذي أدانا إليه النظر، فإذا هو الشعر الجاهلي؛ يعني تخلص القضية في الشعر الجاهلي. نعم، فهو يلخص لك ما فات، القضية انتهت في إعجاز القرآن، أخلصناه في قضية اللغة، ومنها ولدنا كل هذه المعارف وانتهينا إلى الشعر الجاهلي، يعني بدأ الكلام من معنى إعجاز القرآن، وأنه تحداهم بشيء في الأمور السبعة التي أضفت إليها ثامنًا -لو تذكرون- في المحاضرة الماضية، وأعدتها في أول هذه المحاضرة.
انتهينا إلى صفات معينة حول هذا النص، ثم إلى صفات حول أهل هذا البيان ولغة هذا البيان وحول بيانهم، وانتهينا من كل هذا من هذا التسلسل البحثي إلى أن الشيء الذي بقي لنا حتى نبحث قضية إعجاز القرآن شيئان: القرآن والشعر الجاهلي. خلاص، هذه القضية الآن، لو محصت ودققت في كل ما فات، قضيتنا الآن ما تقوليش بقى إعجاز علمي والدكتور زغلول النجار حفظه الله، ومش عارف إيه والكلام وهذا الكلام وتفسيرات علمية وتفسيرات كونية على الرأس، وموضوع كتاب إيه على الرأس، لكن كل.
هذا يخرج عن قضية إعجاز القرآن، بل كل هذا يخرج عن قضية إعجاز القرآن بالمعنى الذي ندرسه، وبالمعنى الذي تحداهم به العرب. صار أمامنا شيئان: المصحف والشعر الجاهلي. قد تتساءل: لماذا عشت مع امرئ القيس؟ فمحمود شاكر هو الذي أدخلنا في هذا الموضوع؛ فالنابغة وامرؤ القيس، من أين وصلت إليهما؟ من هذا الطريق.
ثم التمسنا الشاهد والدليل على الذي أدانا إليه النظر، فإذا هو الشعر الجاهلي. إذًا فالشعر الجاهلي هو أساس مشكلة إعجاز القرآن، كما ينبغي أن يواجهها العقل الحديث. وليس أساس هذه المشكلة تفسير القرآن على المنهج القديم كما ظن أخي مالك، وكما يذهب إليه أكثر من بحث أمر إعجاز القرآن على وجه من الوجوه. ليس هذا، بل الشعر الجاهلي.
ولكن الشعر الجاهلي قد صب عليه بلاء كثير، آخرها وأبلغها فسادًا وإفسادًا ذلك المنهج الذي ابتدعه مرجليوث لينسف الثقة به؛ فيزعم أنه شعر مشكوك في روايته، وأنه موضوع بعد الإسلام. وهذا المكر الخفي الذي مكره مرجليوث وشيعته وكهنته، والذين ارتكبوا له من السفسطة والغش والكذب ما ارتكبوا، كما شهد بذلك رجل من جنسه هو أربوري؛ كان يطوي تحت أدلته ومناهجه وحججه إدراكًا لمنزلة الشعر الجاهلي في شأن إعجاز القرآن.
محمود شاكر يتهم مرجليوث بأنه ما قال ما قال في الشعر الجاهلي إلا وهو يعلم أثره في قضية إعجاز القرآن، وأنه بذلك يريد أن يقطع السبل التي تؤدي إلى إدراك إعجاز القرآن، لأنه عدو للقرآن؛ هكذا يرى محمود شاكر. كان يطوي تحت أدلته ومناهجه وحججه إدراكًا خفيًّا مبهمًا، لأنه أعجمي، تخالطه ضغينة مستكينة للعرب وللإسلام.
وهذا المستشرق وشيعته وكهنته كانوا أهون شأنا من أن يحوزوا كبيرًا بمنهجهم الذي سلكوه، وأدلتهم التي احتطبوها لما في تشكيكهم من الزيف والخداع. ولكنهم بلغوا ما بلغوا من استفاضة مكرهم وتغلغله في جامعاتنا وفي العقل الحديث في العالم الإسلامي بوسائل أعانت على نفاذهم، ليست من العلم ولا من النظر الصحيح في شيء.
وبالمناسبة، محمود شاكر يرى أن الفساد في جامعاتنا الآن جاء أصلًا من مرجليوث وأصحابه. شفت ما تراه الآن من تعيين غير الكفاءات؛ تلاقي دكتور الأدب أو التفسير أو البلاغة لا يستطيع أن يرتجل الحديث بالعربية في مجلسه، بل يتكلم بالعامية في مصر وفي البلاد العربية. إذا كان موضوعكم في الشريعة والأدب العربي ولا يتحدثون العربية، فهذه كارثة. محمود شاكر يرجع كل الفساد في جامعاتنا العربية إلى الرعيل الأول من المستشرقين.
إنكم ترون دكاترة الجامعات، شيوخ الشريعة وأصول الفقه، ضعفهم شديد جدًا، ولا يستطيعون أن يتحدثوا بالعربية؛ الحديث ثقيل عليهم ولا يرتجلونه، وهذه مصيبة. والله لو علموا العيب في ذلك لكان أكرم لهم أن يستقيلوا؛ فهم ليسوا أكفاء لهذا المقام. لقد بقيت ثلاثين أو أربعين سنة تدرس، ولم يلن لسانك على ارتجال الفصحى في قاعة الدرس؛ إذا كان الأمر كذلك فأنت مشكلتك في نفسك.
والأسف أنك ترى من يحرص على العمامة والجبة الصوف المكوي، ويحدثك عن حجم العمامة، ولا يحسن عبارة بالعربية من لسانه، ويتظاهر كأنه يعلم الجهلة في الأرياف. لا يا حبيبي، الناس تعرف العربية وتحتاج إلى سماعها، وينبغي أن تأخذهم بالعزيمة وأن تعلمهم؛ لا تكذب على نفسك وتداري ضعفك في العربية.
ثم يقول لك: شوف الجمال، الشاعر القديم عنترة يقول: ولقد ذكرتك والرماح نواهل، وممكن يضبط البيت بالكاد ويبطئ حتى لا يخطئ. لو عنيت بالعربية بلسانك ربع عنايتك بجبّتك وعمامتك ومظهرك، لكنت الآن طليق اللسان. إلى متى سنظل نخادع أنفسنا ونكذب على أنفسنا ونقول غير الحقائق ونحرج ونجامل؟ الشيخ الذي لا يتحدث بالعربية ولا يرتجلها في الحديث لا يستحق أن يكون شيخًا، والذي يشرح الأدب بالعامية أكرم له أن يقدم استقالته.
وقد استطاع رجال من أهل العلم أن يسلكوا إلى إثبات صحة الشعر الجاهلي مناهج لا شك في صدقها وسلامتها، بلا غش في الاستدلال وبلا خداع في التطبيق، وبلا مراء في الذي يسلم به صريح العقل والنقل؛ إلا أنهم لم يملكوا بعد من الوسائل ما يتيح لهم أن يبلغوا بحقهم ما بلغ أولئك بباطلهم. وهكذا ترى الآن الأكاديمية الضعيفة جدًا، ويتسنم الكراسي من تعلم حاله، وترى بعض أهل العلم بحق مقصون عن مثل هذا.
ثم نتكلم الآن عن القضية العظيمة الكبيرة، عن أن الشعر الجاهلي يدل بخصائص أسلوبه على صحته، ولكن نبدأ في هذا في الحصة القادمة إن شاء الله. ربما نعمل الحصة القادمة بعد قليل الليلة إن شاء الله، فأنا أريد إنهاء هذه المقدمة وأريد اتصالها. شكرا لكم وجزاكم الله خيرا، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
الأستاذ أبو قيس محمد رشيد