وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، وأهلاً وسهلاً ومرحباً بالكرام. بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله، ثم الحمد لله، الحمد لله حمداً يوافي نعمه ويكافئ مزيده. لك الحمد ربنا كما ينبغي لجلال وجهك ولعظيم سلطانك، نحمدك ربنا لا نحصي ثناءً عليك، أنت كما أثنيت على نفسك. اللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد.
أما بعد، أيها الإخوة، هذا هو مجلسنا الرابع عشر من سلسلة شرح مداخل إعجاز القرآن للأستاذ محمود شاكر -رحمه الله-، وهي ثلاثة مداخل. هذا هو المجلس الثاني من المدخل الثاني، وهو تذوق (راعني) حتى تذوقت، وهي المقدمة التي كتبها على كتاب (الظاهرة القرآنية)، كما عرفتم. وأتوكل على الله تعالى مستعيناً به. وقفت بكم، أيها الإخوة، عند هذه القضية الخطيرة، وهي التخطيط المرحلي.
التخطيط المرحلي كلمة خطيرة جداً، يقول محمود شاكر: لأن عقل المثقف يتكون يوماً بعد يوم، بل ساعة بعد ساعة، وهو يتقبل بالتربية والتعليم والاجتماع أشياء يسلمها بالعرض المتواصل، وبالمكر الخفي، وبالجدل المضلل، وبالمراد المتلون، وبالهوى المتغلب، وبضروب مختلفة من الكيد الذي يعمل في تحطيم البناء القائم، لكي يقيم العدو على أنقاضه بناءً كالذي يريد ويرجو. وتكلمت عن أن هذا يحتاج إلى قادة من أصحاب التخطيط المرحلي. وقد كان ما أراد الله أن يكون، وتتابعت هزائم العالم الإسلامي في ميدان الثقافة جيلاً بعد جيل.
وكما بقيت معارك الحرب متتابعة سراً مكتوماً لا يتدارسه قادة الجيوش الإسلامية وجندها حتى اليوم، بقيت أيضاً معارك الثقافة على تطاولها سراً خفياً لا يتدارسه قادة الثقافة الإسلامية وجندها. بل أكبر من ذلك، فقد أصبح أكثر قادة الثقافة في العالم الإسلامي، وأصبح جنودها أيضاً، تبعاً يأتمرون بأمر القادة من أعدائهم، عارفين أو جاهلين أنهم هم أنفسهم قد انقلبوا عدواً للعقل الإسلامي الذي ينتسبون إليه، بل يدافعون عنه أحياناً دفاع غيرة وإخلاص. تجد من يغار على الشعر العربي والأدب العربي يتهم الجاهليين في قصائدهم، ويقول: القصيدة عربية ساذجة صريحة ليس فيها فلسفات -كأن الشعر موضوع الفلسفة-، وأنها مفككة، وأن الجاهليين يقطعون أعناقهم بشمائلهم.
لم يكن غرض العدو أن يقارع ثقافة بثقافة، أو أن ينازل ضلالاً بهدى، أو أن يصارع باطلاً بحق، أو أن يمحو أسباب ضعف بأسباب قوة، بل كان غرضه الأول والأخير أن يترك في ميدان الثقافة في العالم الإسلامي جرحاً وصرعى لا تقوم لهم قائمة، وينصب في أرجائها عقولاً لا تدرك إلا ما يريد لها هو أن تعرف. فكانت جرائمه في تحطيم أعظم ثقافة إنسانية عرفت إلى هذا اليوم كجرائمه في تحطيم الدول وإعجازها، مثلاً بمثل. وقد كان ما أراد الله أن يكون، وظفر العدو فينا بما كان يبغي ويريد.
وقد فصل مالك بن نبي في مدخل الدراسة (محنة العقل) الحديث في العالم الإسلامي على يد أمضى أسلحة العدو في تهديم بعض جوانب الثقافة، بل أهم جوانبها، وهو سلاح الاستشراق. سلاح لم يدرسه المسلمون بعد، ولم يتتبعوا تاريخه، ولم يكشفوا عن مكايده وأضاليله، ولم يقفوا على الخفي من أسرار مكره، ولم يستقصوا أثره في نواحي حياتهم الثقافية، بل في أكثر نواحي حياتهم الإنسانية. بل كان الأمر عكس ما كان ينبغي أن يكون؛ فهم يتدارسون ما يلقيه إليهم على أنه علم يتزوده المتعلم، وثقافة تتشربها النفوس، ونظر تقتفيه العقول. حتى كان كما قال مالك: إن الأعمال الأدبية لهؤلاء المستشرقين قد بلغت درجة خطيرة من الإشعاع لا نكاد نتصورها.
وتفصيل أثر هذا الإشعاع في تاريخنا الحديث، وفي سياستنا، وفي عقائدنا، وفي كتبنا، وفي ديننا، وفي أخلاقنا، وفي مدارسنا، وفي صحافتنا، وفي كل أقوالنا وأعمالنا، شيء لا يكاد يحيط به أحد. يقول لك: المستشرقون أثروا فيك بصورة لا تتخيلها أنت. ثم بدأ يتكلم عن أثر الاستشراق في تعطيل قضية إعجاز القرآن. قال: وهذا الإشعاع -كما سماه مالك- كان من أعظم الأسباب وأبعدها خطراً في العقل الحديث الذي يريد أن يدرك دلائل إعجاز القرآن إدراكاً يرضى عنه ويطمئن إليه، وهو الذي أوقع الشك في الأصول القديمة التي قامت عليها أدلة إعجاز القرآن.
بل أكبر من ذلك، فإنه قد أتى أساليب غاية في الدهاء والخفاء أفضت إلى تدمير الوسائل الصحيحة التي ينبغي أن يتذرع بها كل من درس نصاً أدبياً حتى يتاح له أن يحكم على جودته أو رداءته، فضلاً عن بلاغته أو إعجازه. إذاً، فالأستاذ محمود شاكر يرى أن ما نحن فيه الآن من اضطراب الوسائل في الحكم على النص الأدبي بعد فهمه فهماً صحيحاً هو شيء مقصود ومخطط له من قبل المستشرقين أو من استعملوا المستشرقين.
وتلاحظون هنا شيئاً، كان البعض قبل سنوات أنكر علي أنني أقول: القرآن نص أدبي؛ فقلت: لا، طبعاً القرآن نص تشريعي، هو تشريع وأدبي لأن لغته أدبية. فالقرآن نص أدبي، فحتى البعض نقل لي غضبه وقال: لا، وهو المشكلة أنه أستاذ لغة وعضو مجمع، يعني ليس شيئاً هيناً! ها هو الأستاذ محمود شاكر يعتبر القرآن نصاً أدبياً؛ لأنه يقول: تدمير الوسائل الصحيحة التي ينبغي أن يتذرع بها كل من درس نصاً أدبياً حتى يتاح له أن يحكم على جودته أو رداءته، فضلاً عن بلاغته أو إعجازه. الذي هو ماذا؟ الضمير يعود على النص الأدبي؛ فالقرآن نص أدبي، إذا كان النص الأدبي معجزاً فهو القرآن، إذا لم يكن معجزاً فليس القرآن، لكن كلاهما نص أدبي.
وقد ذكر مالك في مدخل الدراسة تلك القضية الغريبة التي عرفت بقضية الشعر الجاهلي، والتي أثارها المستشرق مرجوليوث في مجلات المستشرقين، ثم تولى كبرها طه حسين في كتابه (في الشعر الجاهلي) يوم كان أستاذاً للأدب العربي بالجامعة المصرية. ولن أذكر هنا تلك المعارك التي أثارها كتاب (في الشعر الجاهلي)، ولكني أذكر -كما ذكر مالك- أن هذه القضية بأدلتها ومناهجها قد تركت في العقل الحديث في العالم الإسلامي أثراً لا يمحى إلا بعد جهد جهيد. هذه قضية الشعر الجاهلي التي أثارها مرجوليوث، والعجب أن مرجوليوث قد أتى في بحثه بزيف كثير كان هو الأساس الذي بني عليه هذا العقل. وقد حاول مئات من رجال الفكر أن يزيفوا الأدلة والمناهج، ولكن هذا الزيف بقي بعد ذلك طابعاً مميزاً لأكثر ما ينشره الطلبة والأساتذة إلى يومنا هذا.
يقول: ولا تحاكم مرجوليوث وأشياعه إلى رأيك ونظرك، بل دع محاكمته إلى مستشرق مثله هو (أربيري)؛ يقول في خاتمة كتابه (المعلقات السبع)، وقد ذكر أقوال مرجوليوث وفندها: إن السفسطة -وأخشى أن أقول الغش- في بعض الأدلة التي ساقها الأستاذ مرجوليوث أمر بين جداً، ولا تليق البتة برجل كان ولا ريب من أعظم أئمة العلم في عصره. قال محمود شاكر: وهذا حكم شنيع، لا على مرجوليوث وحده، بل على كل أشياعه وكهنته، وعلى ما جاءوا به من حطام الفكر.
ولكن العجب عندي -هنا سيستدرك محمود شاكر على المؤلف أنه ربط في أنه ربط التفسير بأساليب الشعر الجاهلي، وسينبه إلى أن الذي يربط بالشعر الجاهلي وغير الجاهلي هو قضية الإعجاز وعلم البلاغة، وليس قضية التفسير- يقول: ولكن العجب عندي بعد ذلك أن مالكاً ارتكز على ذكر هذه القضية وعلى أثرها في العقل الحديث، ثم انطلق منها إلى نتيجة أخرى، فقال: وعلى هذا فالمشكلة بوضعها الراهن تتجاوز في مداها نطاق الأدب والتاريخ، وتهم مباشرة منهج التفسير القديم كله، ذلك التفسير القائم على الموازنة الأسلوبية، معتمداً على الشعر الجاهلي بوصفه حقيقة لا تقبل الجدل. وعلى أية حال، فقد كان من الممكن أن تثور هذه المشكلة تبعاً للتطور.
الجديد في الفكر الإسلامي، وإنما بصورة أقل ثورية؛ فمنهج التفسير القديم يجب أن يتعدل في حكمه ورويه لكي يتفق مع مقتضيات الفكر الحديث.
يقول محمود شاكر: ثم قال مرة أخرى: لقد قام إعجاز القرآن حتى الآن على البرهان الظاهر على سمو كلام الله فوق البشر، وكان لجوء التفسير إلى الدراسة الأسلوبية لكي يضع لإعجاز القرآن أساساً عقلياً. فلو أننا طبقنا نتائج فرض مارجوليوث لانهار ذلك الأساس، ومن هنا توضع مشكلة التفسير على أساس هام بالنسبة لعقيدة المسلم، أعني برهان إعجاز القرآن في نظره.
نعم يقول شاكر: ثم أفضى إلى هذا الحكم، والحق أنه لا يوجد مسلم، وخاصة في البلاد غير العربية، يمكنه أن يوازن موضوعياً بين آية قرآنية وفقرة موزونة أو مقفاة من أدب العصر الجاهلي؛ فمنذ وقت طويل لم نعد نملك في أذواقنا عبقرية اللغة العربية لنتمكن أن نستنبط من موازنة أدبية نتيجة عادلة.
قال محمود شاكر: وأنا أحب أن أناقش هذه المقالة حتى أعين القارئ على أن يضع كتاب «الظاهرة القرآنية» في مكانه الذي ينبغي له، وحتى تتبين له معالم الطريق الذي يسير فيه وهو يقرأ هذا الكتاب، وحتى يستفيد من أدلته وبراهينه قوة تعينه على أن يضع أساساً يقيم عليه عقيدته وإيمانه. قال متعجباً: ولا أدري ما الذي ألجأ أخي مالكاً إلى ذكر تفسير القرآن ومنهجه القديم في هذا الموضع؛ إنه إقحام لباب من علوم الإسلام قائم برأسه لا يمسه فرض مارجوليوث من قريب أو بعيد. مشكلة كلام مارجوليوث ليس في هو الشعر القديم يفسر به أو بمفرداته القرآن، لكن أيضاً ما هو موجود في اللغة ومرتبط بالشواهد الإسلامية والشواهد اللغوية الأخرى والجاهلية؛ فالأمر ليس بقضية التفسير بهذه الصورة التي تصورها صاحب كتاب الظاهرة القرآنية.
نعم، يقول محمود شاكر: وعلم تفسير القرآن كما أسسه القدماء لا يقوم على موازنة الأساليب اعتماداً على شعر الجاهلية أو شعر غير الجاهلية. وإذا اقتضتنا الحاجة أن ندخل تعديلاً على منهج التفسير القديم، فإنه عندئذ تعديل لا علاقة له البتة بالشعر الجاهلي لا من قبل الشك في صحته ولا من قبل موازنة الأساليب الجاهلية بأسلوب القرآن. وكل ما عند القدماء من ذكر الشعر الجاهلي في تفسيره فهو أنهم يستدلون به على معنى حرف في القرآن، أو بيان خاصة من خصائص التعبير العربي كالتقديم والتأخير والحذف وما إلى ذلك، وهذا أمر يصلح له شعر الجاهلية كما يصلح له شعر الإسلام.
وغاية علم تفسير القرآن كما ينبغي أن يعلم إنما هي بيان معاني ألفاظه؛ مفردة وجملة مجتمعة، ودلالة هذه الألفاظ والجمل على المباني؛ سواء في ذلك آيات الخبر والقصص وآيات الأدب وآيات الأحكام وسائر ما اشتملت عليه معاني القرآن، وهو أمر عن إعجاز القرآن بمعزل. ما معنى هذا الكلام يا إخوة؟ أنت لما تفسر القرآن ينبغي أن تعلم أن تفسير القرآن شيء، وأن معرفة بيانه وإعجازه شيء آخر. الذي تحتاج فيه إلى معرفة الأساليب والخصائص هو دراسة البيان والإعجاز والبلاغة، أما تفسير القرآن فيكون عن طريق اللغة. تذكرون الكلمة التي قالها في حق القرآن ونقلها ابن الأثير في «المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر» لما قال: خير الكلام ما فهم العامة معناه، وعرف الخاصة فضله.
خلاص، ما معنى هذا؟ أن تعرف معناه، هذا هو التفسير. أن تعرف بلاغته وإعجازه هذا شيء ليس هو التفسير؛ فكتب التفسير واجبها أن تفسر المعاني فقط وأن تدلك على المعنى، أما البلاغة والبيان وتلمس أدلة الإعجاز هذا شيء بعيد عن قضية التفسير.
والشعر الجاهلي والإسلامي جميعاً يصلح للاستشهاد، ما القضية في الشعر الجاهلي؟ يعني اللغوي والنحوي، معاني الحرف والتراكيب النحوية. ما الذي يخص الشعر الجاهلي من حيث كونه شعر الجاهليين؟ هو إعجاز القرآن وبلاغته لأنه جاء يتحدى هؤلاء. خلونا نتفق على شيء: القرآن لما نزل معجزاً في بيانه، كان يتحدى امرأ القيس والنابغة وزهيراً والمتلمس الضبعي، لم يتحدى ابتداءً جرير والفرزدق والأخطل. ولهذا يؤكد العلماء، منهم عبد القاهر في القديم ومنهم الباقلاني كذلك، ويؤكد أهل العلم على أنه لا يجوز أن تقول إن أحداً أشعر من طبقة الجاهليين. ركزوا في الكلام، لأن الكلام عن الطبقة شيء وعن الأفراد شيء؛ يعني لا يجوز لأحد أن يقول طبقة العباسيين أشعر من طبقة الجاهليين، لأن شعرها يعجبني، هذا لا يقال أصلاً؛ لأنه يتعلق بقضية الإعجاز أساساً، لأنهم نصوا على أن عجز طبقة الجاهليين يدل على عجز طبقة من دونهم.
فأقول: انتبهوا، هذه الطبقة الأولى، طبقة الجاهليين، هي أشعر طبقات الشعراء، فلا يجوز أن تقول إن طبقة العباسيين أو طبقة الإسلاميين أشعر من طبقة الجاهليين. لا يا مولانا، الذي يقول المتنبي أشعر من امرئ القيس هذا يسقطه غباؤه، هذا لا يحتاج إلى هذا الدليل، هذا يسقطه عقله. أقول لا يمكن أن ترفع طبقة على طبقة؛ طبقة الجاهليين فوق طبقة الإسلاميين، ولكن يمكنك أن ترفع شاعراً على شاعر؛ يعني لا يمتنع أن يكون بعض أفذاذ طبقة الإسلاميين أشعر من بعض ضعاف طبقة الجاهليين، لكن هل طبقة الإسلاميين أشعر من طبقة الجاهلية؟ هذا لا يقال.
نعم، أنا أستطيع أن أقول مطمئناً إن جريراً أشعر من أمية بن أبي الصلت، لأن شعر أمية بن أبي الصلت فيه ضعف ظاهر وقرب ظاهر، الشعر الذي حتى كان يقوله في الإيمانيات والنبوات وأحوال الآخرة، وكان يرجو أن يكون هو النبي. لا شك عندي في أن جريراً وفحول الإسلاميين أشعر من أمية بن أبي الصلت، لا أشك في هذا، لكن طبقة الجاهليين فوق طبقة الإسلاميين؛ لأن التحدي جاء، اختيرت هذه الطبقة لتكون حجة من حيث كونها طبقة على ما يليها. هل يمتنع عقلاً أو عادة أن يكون بعض شعراء هذا العصر ممن أجاد واشتد في الشعر أن يكون أشعر من بعض أفراد الجاهليين؟ لا يمتنع، لكن هل تكون طبقتنا أشعر من طبقتهم؟ يمتنع، يمتنع. ولهذا الذي يعرض لكم الأمر على أنه تفضيل ذوقي، وأن من يفضل الجاهليين هذا مذهب ومن يفضل العباسيين هذا مذهب، هذا لا يفهم شيئاً وإن نمق كلامه وشكله؛ هذا جاهل في حكم العمالة في هذا العلم.
إذاً، الذي يتعلق بقضية الشعر الجاهلي من حيث كونه شعراً للجاهليين الذين نزل فيهم القرآن هو قضية أخرى ليست التفسير؛ لأن التفسير يدخل فيه أيضاً شعر الإسلاميين، وقد يتمثل فيه بشعر المتأخرين عادي، لكن قضية الشعر الجاهلي خاصة من حيث كونه شعراً جاهلياً، شعراً لطبقة الجاهليين الذين فيهم نزل القرآن، هذه قضية أخرى ليست التفسير، وإنما هي بيان القرآن وإعجازه.
تعالوا يقول: وغاية علم تفسير القرآن كما ينبغي أن يعلم، شوف افهموا يا إخوة هذا؛ هذه الفروقات العامة تخلط. يقول لك الشعر الجاهلي لو ضاع ضاع تفسير القرآن، الشعر هو طبعاً شواهد، لكن ليست قضيته، هو الإسلام كذلك أيضاً صحيح، الشعر الإسلامي أيضاً كذلك. وغاية علم تفسير القرآن كما ينبغي أن يعلم إنما هي بيان معاني ألفاظه؛ مفردة وجملة مجتمعة، ودلالة هذه الألفاظ والجمل على المباني؛ سواء في ذلك آيات الخبر والقصص وآيات الأدب وآيات الأحكام وسائر ما اشتملت عليه معاني القرآن، وهو أمر عن إعجاز القرآن بمعزل.
أما الأمر المرتبط بالشعر الجاهلي أو بقضايا الشعر جميعاً، والمتصل بأساليب الجاهلية وغير الجاهلية، وأساليب العربية وغير العربية، وموازنتها بأسلوب القرآن، فهو علم إعجاز القرآن، ثم علم البلاغة؛ يعني ليس التفسير. أما أن تربط التفسير بالشعر الجاهلي، لا؛ لأن الارتباط من جهة ما ذكره من غاية علم التفسير بيان الحرف وبيان المعنى التركيبي، أما البلاغة فقضية أخرى؛ البيان الزائد واللطائف والخصائص قضية أخرى ليست في علم التفسير وإنما في علم البلاغة وعلم إعجاز القرآن.
قال: ولا مناص لمتكلم في إعجاز القرآن من أن يتبين حقيقتين عظيمتين قبل النظر في هذه المسألة، وأن يفصل بينهما فصلاً ظاهراً لا يلتبس، وأن يميز أوضح التمييز بين الوجوه المشتركة التي تكون بينهما. أولاهما: أن إعجاز القرآن كما يدل عليه لفظه وتاريخه، وهو دليل النبي صلى الله عليه وسلم على صدق نبوته وعلى أنه رسول الله يوحى إليه، هذا القرآن، وأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعرف إعجاز القرآن من الوجه الذي عرفه منه سائر من آمن به من قومه العرب. وأن التحدي الذي تضمنته آيات التحدي من نحو قوله تعالى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ ۖ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِّثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُم مِّن دُونِ اللَّهِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ * فَإِن لَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا أُنزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ وَأَن لَّا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ۖ فَهَلْ أَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾ [هود: 13-14]، وقوله: ﴿قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَىٰ أَن يَأْتُوا بِمِثْلِ هَٰذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ [الإسراء: 88]، إنما هو تحد بلفظ القرآن ونظمه وبيانه، لا بشيء خارج عن ذلك.
إذاً، أول حقيقة تعرفها وأنت تدرس إعجاز القرآن أنه دليل صدق النبوة حاصل بنظم القرآن وبيانه، لا بأخبار الغيب أو عن الغيب ونحو ذلك. نعم، طبعاً ليس اللفظ المفرد، اللفظ يعني النظم، يعني الصيغة. إنما هو تحد بلفظ القرآن ونظمه وبيانه لا بشيء خارج عن ذلك؛ فما هو بتحد بالأخبار بالغيب المكنون، ولا بالغيب الذي يأتي تصديقه بعد دهر من تنزيله، ولا بعلم ما لا يدركه علم المخاطبين به من العرب. "الإعجاز العلمي"؛ يتصعد في السماء أكسجين يقل ومش عارف إيه، كلام فارغ، كلام فارغ، كلام فارغ، لا يتحدى العرب بما لا يدركون؛ لأن ما أدركوه يدركه غيرهم، وأما ما يكتشف بعد ذلك فلا يدركونه، فكيف لا يكونون مخاطبين به؟
ومن هنا أرفض جداً، أنا أقولها صراحة وأنا أعرف أنه يخالفني في هذا عدد كبير من الشيوخ والفضلاء، ويأخذونه تفسيراً مسلماً، وأعجب من التسليم بهذا التفسير ومن انتشاره، وهو أن يفسروا كون الجبال أوتاداً أنها تتزن بها الأرض وأنها لولاها لمادت الأرض، هذا تفسير لا يؤخذ به ولا يعتد به؛ لأن العرب لا يدركون هذا الذي تقوله في الكوكب وفي كذا. ثم سمعت أن الجبال هي في القشرة الأرضية؛ يعني لا علاقة لها باتزان الأرض، يعني هي في شيء قشري خفيف جداً، الكتلة الأعظم في الداخل. فبقطع النظر عن هذا، لا يمكن أن يكون التفسير؛ العرب كانوا يتخذون هذه الجبال التي هي أوتاد ثابتة، كان عند العرب جبال ورمال.
تتحرك الرمال وتذهب مع المواسم ومع الرياح، وأما الجبال فثوابت. ولهذا إخواننا في السعودية وفي الدول العربية دول شبه الجزيرة يعلمون أن العرب إلى الآن يحددون المناطق والمنازل بالجبال، هذا من القديم، هذا في الشعر الجاهلي وفي السيرة الجاهلية يحددون الأماكن بالجبال، ينزلون بالجبال ويرسمون الطرق بالجبال وبالصوى؛ لأن الجبال رواسي، لأن الجبال أوتاد. ولولا الجبال ما تعامل الناس مع المعرض ولا غرقوا في بحر من الرمال.
فهمتم؟ شبه الجزيرة العربية عبارة عن رمال والجبال ثابتة، ولذلك كانوا يميلون إلى الحزن من الأرض وحظيرة الغنم عند الجبال. كانوا ينزلون بها يا إخوة، وكانوا يتخذونها دياراً؛ وديار بني طيئ بين جبلي أجا وسلمى، لماذا الجبال؟ أولاً لأنهم ينزلون في بطون الجبال فتكون الجبال كالحصون، ويدل على ذلك ما ورد في الشعر كثيراً من بناء المرقبة فوق رأس الجبل، ويتغنى فرسان العرب وشبانها بالجلوس في المرقبة فوق. ثم تصد عنهم الرياح؛ هي أولاً حصون وتصد عنهم الرياح وتسترهم، ثم إذا نزلت الأمطار سالت على الجبال إليهم. هو في واحد عايز المطر يروح في وسط الصحراء وسط الرمال ويقعد؟ أول ما ينزل الماء ستبتلعه الأرض.
فالجبال تعرف بها الديار؛ يقول جبال بني هذه جبال كذا هي ديار بني فلان، وجبل كذا ديار بني فلان، وجبال كذا ديار بني فلان. هكذا جعل الله تعالى الجبال أوتاداً وألقاها رواسي في الأرض حتى لا تميد بنا، حتى لا تميد بنا. ما معنى أن تميد بكم؟ يعني أن تميل، وهذه البلاغة هذا مجاز، يعني تدور بكم الأرض، تميل وتذهب؛ يعني أنت لولا الجبال لمادت بك الأرض. طيب ما هذا القلب موجود؟ هذا النوع من المجاز الحكمي موجود، «فلما أجزنا ساحة الحي وانتحى بنا بطن حقف» هو امرؤ القيس؛ انتحى هو وهي في بطن الحقف ولا انتحى بهما بطن حقف؟ مين اللي انتحى؟ اللي ماشي ولا الثابت؟ من الذي انتحى الماشي ولا الثابت؟ نحن في كلامنا العام لما نقول والله دارت بي الأرض؛ هي الأرض دارت بك؟ دارت بي الأرض لم أعرف مسيري، دارت بي الأرض. أن تميد بكم أن تميل بكم وتنعطف بكم، فسروها بأنه لولا الجبال لمالت بنا، السخف وإن قال به فضلاء على الرأس؛ طبعاً على الرأس، أنا لا أقصد قد يقول الإنسان قولاً لا ينتبه إليه من حكم العادة، لكن هذا القول في ذاته سخف.
هذا هو أيها الإخوة، فقضية أن الجبال جعلها الله أوتاداً حتى تثبت الأرض، وأنه جعلها رواسي موازين للأرض، وإلا فلا كلام لا دليل عليه ولا تخاطب به العرب، وإنما جعلها الله تعالى منارات للعرب. ويمكن لغيرهم ممن يعيش في المدن لا يحتاج إلى الجبال، إن صح هذا أن يتعظ بها، فالقرآن كتاب للعظة. أن يتعظ بها يعني نحن الآن لا نتعظ بالإبل في القاهرة؛ هناك من لم ير الجمل بعينه، عندنا في القاهرة الآن في هذه المدينة المدنية جداً هناك من لم ير الإبل بعينه، ويقرأ ﴿أَفَلَا يَنظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ﴾ [الغاشية: 17]، فالأمر يسري عليه. وكذلك يسري عليه أن الله تعالى منّ على العرب الذين نزل فيهم القرآن، منّ عليهم بأن هداهم في الأرض وجعل لهم الجبال يهتدون بها وبسط لهم الأرض. هذا هو، وتأملوا السياقات التي وصفت فيها الجبال يتأكد لكم أنها جاءت في المعاش وأمره في الأرض، ﴿وَأَلْقَىٰ فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَن تَمِيدَ بِكُمْ وَسُبُلًا وَعَلَامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ﴾ [النحل: 15-16]، فالجبال علامات وعندك السبل وعندك النجم، كل هذا ما على الإنسان ليس بثبات الأرض الذي لا يدركه هو، إنما بمعاشه الذي يخاطب به.
نعم بالضبط، أنا ذكرت السبل والعلامات والنجم لأنها في معنى الجبال في الاهتداء. ومحمود شاكر يقول: إنما هو تحد بلفظ القرآن ونظمه وبيانه، لا بشيء خارج عن ذلك، فما هو بتحد بالأخبار بالمكنون بالغيب، ولا هو بالغيب الذي يأتي تصديقه بعد من تنزيله، ولا بعلم ما لا يدركه علم المخاطبين به من العرب، ولا بشيء من المعاني مما لا يتصل بالنظم والبيان. إذاً يجب الحذر من قضية المعاني ومن قضية التفسير العلمي وهذه الأشياء، لأنها مما أغري به البعض ومال إليه للأسف.
طيب يا أحباب رضي الله عنكم، أنا عندي الآن بعد دقائق مجلسي في رواد القصيد، فمعذرة لم تطل المحاضرة وأستأذنكم الآن؛ بدأت متأخراً للأسف. شكراً لكم وجزاكم الله خيراً، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
الأستاذ أبو قيس محمد رشيد