السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أهلًا وسهلًا ومرحبًا بالكرام. أهلًا وسهلًا ومرحبًا. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله ثم الحمد لله، الحمد لله حمدًا يوافي نعمه ويكافئ مزيده، لك الحمد ربنا كما ينبغي لجلال وجهك ولعظيم سلطانك، نحمدك ربنا لا نحصي ثناءً عليك أنت كما أثنيت على نفسك. اللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد.
أما بعد، أيها الإخوة، هذا هو مجلسنا الثالث عشر من سلسلة شرح مداخل إعجاز القرآن للأستاذ محمود شاكر رحمه الله. هذا المجلس هو المجلس الثالث عشر من سلسلة شرح مداخل إعجاز القرآن للأستاذ محمود شاكر رحمه الله. والمداخل كما تعلمون ثلاثة مداخل، هذا المدخل الثاني. وإذا هذا المجلس هو الأول على طول السلسلة، وهو المجلس الأول في المدخل الثاني الذي هو بعنوان: تذوق راعني حتى تذوقت. اسمحوا لي فقط يا إخوة بنشر الرابط، يرسل الآن إن شاء الله تعالى. تعلمون هذه المداخل للأستاذ محمود شاكر رحمه الله تمثل، كما ذكر هو نفسه في مقدمة مداخل إعجاز القرآن، تمثل تجربته الفكرية في هذا الأمر وتجربته العلمية الخاصة في هذا الأمر ما يتعلق بإعجاز القرآن والعربية والشعر الجاهلي. نعم، وكانت كما يسميها، وكرر ذلك كثيرًا، كان يسميها ومحنة الشعر الجاهلي، وكانت محنة في الشعر الجاهلي وفي إعجاز القرآن.
أستسمحكم دقائق ريثما تجتمعون، أنشر الرابط إن شاء الله. فقط طمئنوني أيها الإخوة إلى سلامة البث صوتًا وصورة، يبدو لي هنا كالعادة ليس جيدًا، نشر الرابط والحمد لله تعالى.
شرحنا المدخل الأول أيها الإخوة من هذه الرسالة التي طبعت بعنوان مداخل في إعجاز القرآن أو مداخل إعجاز القرآن، وأذكركم بالقضية والترتيب. محمود شاكر رحمه الله كتب ثلاثة مقالات في هذا المجموع، ثلاثة مداخل. أما المدخل الأول فكان بعنوان: تاريخ حيرني ثم اهتديت، وهو الأخير الجديد وجعله الأول لاقتضاء الترتيب له. المدخل الثاني بعنوان: تذوق راعني حتى تذوقت. المدخل الثالث: ثرثرة أضجرتني حتى مللت. المدخل الأول كتبه محمود شاكر قصدًا أخيرًا، هكذا الذي هو تاريخ حيرني ثم اهتديت الذي انتهينا منه في رمضان هذا في ثلاثة عشر مجلسًا.
المدخل الثاني هو مقدمة للكتاب الذي نبدأ فيه اليوم إن شاء الله. كل من ألقى السلام وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، وكل من حيا، حياك الله وبياك. المدخل الثاني هو مقدمة لهذا الكتاب، هو كتاب مالك بن نبي الظاهرة القرآنية، المفكر الإسلامي الكبير مالك بن نبي. كتاب الظاهرة القرآنية كتب له مقدمة محمود شاكر، سأتكلم عنها اليوم وأرسم لكم إن شاء الله خطتها الكبيرة ومعالمها العامة. المدخل الثالث: ثرثرة أضجرتني حتى مللت، وهذا المدخل هو كتاب قضية الشعر الجاهلي لمحمد بن سلام، وهذا في كتاب وحده عندي هنا في المكتبة كتاب صغير وحده، وهي مقدمة طويلة مدخل طويل أو كتاب طويل قضية الشعر الجاهلي.
إذا المدخل الأول تاريخ حيرني ثم اهتديت انتهينا منه وهو كتب قصدًا واستقلالًا. المدخل الثاني تذوق راعني حتى تذوقت وهو المقدمة التي كتبها على كتاب مالك بن نبي هذا الكتاب. نعم، المدخل الثالث ثرثرة أضجرتني حتى مللت وهو كتاب قضية الشعر الجاهلي. يقول محمود شاكر: أما المدخل الثالث فقد كتبته في شهر ربيع الأول سنة 1378، منذ سنوات بعيدة، أداءً لحق الصحبة في الغربة بيني وبين صديقي مالك بن نبي رحمه الله. ثم مضى زمان طويل، هذا قرأناه لكن أعيد هنا للاستحضار والربط، ثم مضى زمان طويل فاضطررت يومًا إلى أمر فكتبت المدخل الثاني، فكتبت المدخل الثاني. يقول: أما المدخل الثالث فقد كتبته في شهر ربيع الأول سنة 1378 منذ سنوات بعيدة، هذا المدخل الثالث أداءً لحق الصحبة في الغربة بيني وبين صديقي مالك بن نبي رحمه الله. ثم مضى زمان طويل فاضطررت يومًا إلى أمر فكتبت المدخل الثاني في مدينة الرياض في شهر ربيع الآخر سنة 1396، ثم كتبت المدخل الأول فيما بين شهر شعبان وشهر رمضان سنة 1396، فكان أحدث كتابةً أحق بالتقديم، وكان أقدمه كتابةً أحق بالتأخير.
يقول محمود شاكر: وبهذا الترتيب تستطيع أن تتبين أن المدخل الثالث الذي كتبته منذ سنوات قد جاء تفسيره والكشف عنه في المدخل الأول ثم في المدخل الثاني. يعني قضية الشعر الجاهلي لماذا تكلم فيها، يكشف عن ذلك ما قاله في المدخل الأول ثم في المدخل الثاني. المدخل الأول عرفتموه تسلسل قضية الإعجاز والبلاغة وكيف وصلت إلى ما وصلت إليه. هذا أيها الإخوة هو المدخل الثاني، والمدخل الثاني ضُم في هذا الكتاب يعني ضمه الأستاذ فهر محمود شاكر ابن الأستاذ محمود شاكر في هذا الكتاب. وأما المدخل الثالث ففصل لأنه في كتاب وحده أصلًا ظل مفصولًا، لكن المدخل الثاني الذي هو مقدمة لكتاب مالك بن نبي أخذه الأستاذ فهر ووضعه هنا لتتم الفائدة، ثم المدخل الثالث في الكتاب المستقل أقدم ما كتب شاكر في هذه السلسلة.
ولما رأيت في المدخل الأول ما رأيته من الأخطاء الكتابية وأخطاء الضبط كثيرة جدًا وسقوط كلام واستشكال ألفاظ كتبت خطأً، ووجدت إهمالًا للأسف الشديد وجدت إهمالًا شديدًا في هذا الصف لا أدري كيف صُف ولم يراجع أصلًا، لما وجدت إهمالًا شديدًا في هذا قررت أن أدرس معكم المدخل الثاني من هذه النسخة وهي نسخة مضبوطة جميلة. أنا درسته مرة منه هنا ومرة من هنا، وأختار أن أدرسه معكم من الكتاب الأصلي وهو كتاب مالك بن نبي، وأقرأ لكم من هنا إن شاء الله. هذا أيها الإخوة هو المدخل الثاني، وهو ينتقل بكم من المدخل الأول إلى ما انتهى إليه مما تكشف به قضية الإعجاز والطريق إلى الإعجاز وهو الشعر الجاهلي.
تذكرون ما كان في المدخل الأول؟ تذكرون ما كان في المدخل الأول؟ أهلاً يا مصعب وعليكم السلام يا ولدي ورحمة الله وبركاته، مرحبا بالحبيب يا مرحبا، تفضلوا القهوة يا إخوة. المدخل الأول لخص فيه شاكر تاريخ قضية البلاغة، تسلمين يا أم الحسن، لخص فيه شاكر رحمه الله تاريخ قضية البلاغة، وكيف بدأت بخطأ لغوي تاريخي قام به الصاحبان الجاحظ والنظام، أو وقع فيه الصاحبان الجاحظ والنظام، وألت الأمور إلى القول بالصرفة، ثم آلت حال النظام، أبي إسحاق النظام، آلت حال النظام إلى أن يقول صراحة التزامًا بمبدأ الصرفة أن العرب إذا خُلي بينهم وبين القرآن لاستطاعوا أن يأتوا بمثله، فهاجت هنا هائجة الجاحظ وأحفظت حفيظته وكتب حول أن القرآن لا يمكن لأحد أن يأتي به أو أن يأتي بمثله في بلاغته وفصاحته، وأن أفصح العرب لو خُلي بينه وبين القرآن ما استطاع أن يأتي بمثله في بلاغته وبيانه، وكتب في ذلك الكتابات المعروفة التي تعرضنا لها، واستعمل مصطلحات النظم والترتيب والتأليف والتركيب والطبع.
جاء بعده أبو عبد الله محمد بن يزيد الواسطي، فألف كتابه إعجاز القرآن، فرسخ المصطلح وتكلم على إعجاز القرآن ومعجزات الأنبياء، فصارت مفرداته المستعملة إلى الآن، وجرى على طريقة الجاحظ في إثبات هذا أو في إقراره بذلك، وأن البلاغة هي المعجزة في القرآن، وكذا. ثم جاء بعده الرماني، وحاول أن يقطع خطوة في البلاغة وإن كان كلام الرماني لم ينف الصرفة كذلك. ثم جاء بعده الخطابي وصرح بقضية الإبهام في البلاغة، وتكلم في أمور تتعلق بالبلاغة والنظم، وكل هذا كان في سبيل الإنضاج للفكرة. ثم جاء بعده أبو بكر الباقلاني الذي بنى على كلامه وإن لم يصرح، لكن شعر بإبهام البلاغة وحار في ذلك نوعًا. محمود شاكر قال لماذا لم يصرح به؟ ولم يصرح بإبهام البلاغة ولكن يظهر من كتابه أنه شعر بإبهام البلاغة وأخذ يدير القضية حولها، وذكر احتمالين لسكوته عن الجاحظ مع قطعه لسكوته عن الخطابي مع قطعه أنه قطعًا اطلع على كلامه، فيما يذكر من كلامه واعتمد على الجاحظ وأخذ قطع شوطًا جديدًا.
ثم جاء فحل المعتزلة وهو القاضي عبد الجبار الهمذاني، وقال مقولته في قضية اللفظ وأنها هيئة الكلام وكذا. فجاء عبد القاهر بعد ذلك إمام البلاغيين، وأوعب كل ما سبقه، وقضم جعة قضية إبهام البلاغة التي ذكرها الخطابي، وأخذ وقوده من كلام الجاحظ، أخذ أساس علمه من كلام الجاحظ، وكان من المتكلمين وكان مشاركًا في معركة البيان ومعركة البراهين وإعجاز القرآن الكلامية، ولكنه امتاز عن الجميع بقدر عظيم من التذوق والأدب والبلاغة، وكان نحويًا عظيمًا كبيرًا، فاستطاع أن يؤسس علم البلاغة. وانتهينا إلى هذه القضية التي هي الإعجاز وأنه في التركيب وفي ترتيب محمود شاكر لهذه الرسائل ترتيبًا جديدًا، كأنه سأل هنا: ثم ماذا؟ يعني نحن خلاص انتهينا إلى عبد القاهر، القضية في النظم، القضية في التركيب، ولهذا كان الشعر الطريق إلى البلاغة، إلى معرفة الإعجاز، فكيف نسلك هذا؟
جاءت هذه المقالة الثانية أو هذا المدخل الثاني في التذوق الذي راعه، فبدأ يتكلم هنا عن أمور تتعلق بالشعر القديم أو الشعر الجاهلي، فبين في هذه المقدمة أمورًا أذكرها لكم لتكون معالم نسير عليها، لتكون معالم نسير عليها في الكتاب، ولتعلموا مراحلنا والطريق الذي نسير فيه. في هذه المقدمة أو في هذا المدخل نتعامل الآن على أنه مدخل ليس على أنه مقدمة، فبين أولًا في هذه المقدمة القيمة الحقيقية، ركزوا معي الكتاب محاور، كتاب يدور حول القيمة الحقيقية للشعر الجاهلي، خلاص، وفنّد فيها الخلط الذي وقع فيه كثير من الناس منهم مالك بن نبي نفسه، وهو ربطهم الشعر الجاهلي بالتفسير، ويقول: لا، ليست قضية تفسير، الموضوع أخطر من هذا وأبعد وأكبر. فأول شيء بين القيمة الحقيقية لدراسة الشعر الجاهلي.
في مشكلة في الصوت يا إخوة؟ الأخت الكريمة تقول الصوت هناك مشكلة في الصوت، طبيعي ليس شيء طيب، هل توجد مشكلة في الصوت؟ لا الحمد لله من عندك يا أختي الكريمة، اضبطي إن شاء الله يضبط عندك، ممكن يكون يعني عطل مؤقت في الإنترنت. طب الحمد لله. نعم، بين القيمة الحقيقية للشعر الجاهلي ولماذا ندرسه، وبين أن هناك خطأً وقع فيه مؤلف الكتاب نفسه مالك بن نبي، وبين في هذه المقدمة الشيء الذي ينبغي أن نبحثه في الشعر الجاهلي، هذا قضية كبيرة؛ لما ندرس الشعر الجاهلي ما الذي ندرسه فيه؟ بين الشيء الذي ينبغي أن ندرسه في الشعر الجاهلي وأنه ليس المعاني وليس الصور وليس حتى الألفاظ الفصيحة، الحلاوة والسيولة، قال: لا شكل ولا شيء من هذا. وإنما هو الخصائص وضروب التعبير ورتبة البيان، إنما هو الخصائص وضروب التعبير، أنواع التعبير والأساليب ورتبة البيان، هذا هو ما نأخذه من الشعر الجاهلي.
أما موضوع بقى المقدمات الطللية، أنت ممكن تحييها الآن أن تقول فيها مقدمة طللية، لا، هو لماذا المقدمة الطللية؟ وكيف عبر عن معناه في المقدمة الطللية؟ هذا هو الذي تفعله الخصائص التعبيرية وضروب والأساليب ورتب البيان. هذا كذلك بينه هنا بالاستدلال وبالنظر، وأجاب في هذه المقدمة أو في هذا المدخل عن السؤال: لماذا لم يتجاوز القدماء بالشعر الجاهلي إلى قضية إعجاز القرآن؟ العلماء القدماء جميعًا لماذا لم يتقدموا؟ ولماذا لم يضعوا خطوة كافية كاملة؟ ولماذا لم يؤسسوا علمًا حول إعجاز القرآن؟ ولماذا لم يتجاوزوا القرآن القدماء بالشعر الجاهلي وكان بين أيديهم إلى أن يضعوا أصول إعجاز القرآن؟ ما الذي حصل؟ فذكر في سبيل ذلك والوصول إلى هذا، وهو يستعرض التاريخ على طريقته في المقدمة الأولى، يعني هو يستعرض التاريخ بحكاية ومهما طال وفصل يرجع إليك في الأخير. ذكر تاريخًا لذلك، انتهى إلى الباقلاني، وبين أن الباقلاني زل زلة تاريخية انتهت إلى أن أقلع الناس عن تطوير هذا العلم. قال إن الباقلاني زل زلة تاريخية، يقول إن الباقلاني لما راجع معلقة امرئ القيس ولامية البحتري يقول إنه زل زلة تاريخية ضرت تاريخ إعجاز القرآن، الإعجاز وليس الشعر، لا الإعجاز. يقول زل هو هذا تصريح محمود شاكر، يقول زل.
بين كذلك في هذه المقدمة أن ما قام به الباقلاني وعبد القاهر من بعده هو شيء دون المطلوب في الشعر الجاهلي والإعجاز. بين أن ما قام به الباقلاني في كتابه «إعجاز القرآن» وما قام به عبد القاهر في «دلائل الإعجاز» و«أسرار البلاغة» قال إن كل ذلك هو دون المطلوب في الشعر الجاهلي والإعجاز. هناك مراحل لم تقطع، واعتبر أن ترجمة القرآن في هذه المقدمة فتنة، ستسقط إذا أقيم مشروع الشعر الجاهلي. محمود شاكر اعتبر ما يعرف بترجمة القرآن هي ترجمة المعاني، يقول: هذه فتنة. سماها فتنة ترجمة القرآن. لا تقل لي لكن ترجمة القرآن تكون للمعاني؛ ما نحن عارفين، محمود شاكر يعلم هذا، ونعلم أنك تترجم معاني القرآن، لكن هذه مصيبة أصلاً، أنت الآن لا تقرأ القرآن.
أنت لما تأخذ ترجمة معلقة امرئ القيس، أسألكم سؤالاً: لو قرأتم الآن ترجمة معلقة امرئ القيس في الإنجليزية هل تكونون قرأتم معلقة امرئ القيس؟ لا وألف لا، ثم لا وألف لا، وخمسة آلاف لا، قطعاً لا، يقيناً لا. أنت إذا ترجمت، مش ترجمت أنت إذا نثرت معلقة امرئ القيس، تكون قد تكلمت في أصول المعاني وليس في الشعر، بمجرد أن خرجت من نظم إلى نظم، أنت لو نظمتها بالوزن نظماً آخر لا تكون معلقة امرئ القيس الفنية، وإذا أخرجتها إلى النثر تكون ترجمت أصول المعاني محضاً، وإذا بالنثر العادي، فإذا نقلتها إلى الإنجليزية نقلتها إلى شيء آخر أصلاً، نقلتها إلى شيء آخر.
فمحمود شاكر يعتبر ترجمة القرآن فتنة، يقول إنها ستنتهي إذا ما انتفض مشروع الشعر الجاهلي. ومن قديم في ذهني هذا التعبير؛ مشروع إحياء الشعر الجاهلي. ولهذا ترون قناتي على التليجرام قديمة جداً، عشر سنوات تقريباً، اسمها هكذا؛ قناة مشروع إحياء الشعر الجاهلي. وبسبب هذا المشروع أيضاً أقمت هذه القناة التي تشاهدونني عليها الآن، هذه القناة قديمة جداً من عام 2012 تقريباً على ما أذكر. فالآن ما شاء الله روادها كثر وتجاوزت 104 آلاف من المتابعين، كانت عشرات ومئات في الأول في سنيها الأولى، وكانت لأجل هذا المشروع؛ إحياء الشعر الجاهلي. لأجل ذلك لقبت بعمرو بن لحي، نعم أحدهم علق لي مرة قال: أنت عمرو بن لحي هذا العصر في إحيائك هذا، طبعاً يقوله مسيئاً ناقداً، فالمهم الحمد لله وفقنا الله تعالى لهذا الإحياء، وها أنتم الآن تجلسون وتشاهدون بالعشرات، وبعد قليل يكون بالمئات، يشاهدون بالآلاف، وكلكم يستفيد من الشعر ويحفظه، وقمنا بمشاريع أخرى تحت هذا المشروع الكبير من حفظ الشعر وشرحه والتأليف فيه وهكذا، والحمد لله رب العالمين.
وأخيراً ختم محمود شاكر مدخله بكلمة شديدة التأثير في نفسي، رضي الله عنكم خالد الدبيخي أستاذنا الكريم. ختم محمود شاكر المدخل بكلمة شديدة التأثير في نفسي، والله من قديم ودائماً ما تجري على قلبي وأعمل بها، يقول: «وإن امرأً يقتل لغته وبيانها، وآخر يقتل نفسه لمثل، والثاني أعقل الرجلين». يقول ورحم الله مالك بن أنس إذ يقول: «لا يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها». فإذا كان أولها لم يصلح إلا بالبيان، فآخرها كذلك لن يصلح إلا به. وإن امرأً يقتل لغته وبيانها، وآخر يقتل نفسه لمثل، والثاني أعقل الرجلين.
ما قلته لكم الآن هو المنهاج الذي سار محمود شاكر على بيان تفصيله ووجوهه وأدلته، ونشرع الآن في الشرح أو في القراءة والتعليق كما فعلنا في المدخل الأول، والحمد لله رب العالمين. حتى تعلموا الصفحة كيف تسيرون معي؛ أنا عندي طبعة دار الفكر، أظنها الدمشقية. دار الفكر بدمشق، طبعة دار الفكر هذه هيئتها لكتاب «الظاهرة القرآنية» لمالك بن نبي، وهي المقدمة عندي من الصفحة 17 إلى الصفحة 50. ونتوكل على الله تعالى.
تقديم فصل في إعجاز القرآن، الأستاذ محمود محمد شاكر رحمه الله، قال: الحمد لله وحده لا شريك له، حمداً يقربنا إلى رضوانه، وصلاة الله وسلامه على نبيه المصطفى من أبناء الرسولين الكريمين إبراهيم وإسماعيل، صلاة تزلف إلى جنته. هذا كتاب «الظاهرة القرآنية» وكفى. يمدح الكتاب شديداً يقول: هذا كتاب «الظاهرة القرآنية» وكفى، فليس عدلاً أن أقدم كتاباً هو يقدم نفسه إلى قارئه، وبحسب أخي مالك بن نبي وبحسب كتابه أن يشار إليه. وإنه لعسير أن أقدم كتاباً هو نهج مستقل، أحسبه لم يسبقه كتاب مثله من قبل، وهو منهج متكامل يفسره تطبيق أصوله كما يفسره حرص قارئه على تأمل مناحيه. ولا أقول هذا ثناءً، فأنا أعلم أن رجلاً أثنى على رجل عند النبي صلى الله عليه وسلم فقال له: «ويلك، قطعت عنق صاحبك» قالها ثلاثاً، ومالك أعز علي من أن أقطع عنقه بثناءي أو أهلكه بإطراء، ولكن أحسبني من أعرف الناس بخطر هذا الكتاب؛ فإن صاحبه قد كتبه لغاية بينها ولأسباب فصلها، وقد سهرتني المحن دهراً طويلاً، فأطلت بالأسباب التي دعته إلى اتخاذ منهجه في تأليف هذا الكتاب، ثم أفضيت إلى الغاية التي أرادها بعد أن سلكت إليها طرقاً موحشة مخوفة.
وقد قرأت الكتاب وصاحبته، فكنت كلما قرأت منه فصلاً وجدت نفسي كالسائر في دروب قد طال عهدي بها، وخيل إلي أن مالكاً لم يؤلف هذا الكتاب إلا بعد أن سقط في مثل الفتن التي سقطت فيها من قبل، ثم أقال الله عثرته بالهداية، فكان طريقه إلى المذهب الصحيح هو ما ضمنه كتابه من بعض دلائل إثبات إعجاز القرآن، وأنه كتاب منزل أنزله الذي يعلم الخبأ في السماوات والأرض، وأن مبلغه إلى الناس صلى الله عليه وسلم رسول صادق قد بلغ عن ربه ما أمره بتبليغه، وأن بين هذا الرسول الصادق وبين الكلام الذي بلغه حجازٌ فاصلاً، وأن هذا الحجاز الفاصل بين القرآن وبين مبلغه حقيقة ظاهرة لا يخطئها من درس سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم فاحصاً متأملاً، ثم درس كتاب الله بعقل يقظ غير غافل.
هذا المنهج الذي سلكه مالك منهج يستمد أصوله من تأمل طويل في طبيعة النفس الإنسانية وفي غريزة التدين في فطرة البشر، وفي تاريخ المذاهب والعقائد التي توسم بالتناقض أحياناً، ولكنها تكشف عن مستور التدين في كل إنسان. ثم هو يستمد أصوله من الفحص الدائب في تاريخ النبوة وخصائصها، ثم في سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم بأبي هو وأمي منذ نشأته إلى أن لحق بالرفيق الأعلى، ثم في هذا البلاغ الذي جاء ليكون بنفسه دليلاً على صدق نفسه أنه كلام الله المفارق لكلام البشر من جميع نواحيه.
وخلال هذا المنهج تستعلن لك المحنة التي عاناها مالك كما عانيتها أنا، وكما عاناها جيل من المسلمين في هذا القرن، ثم إنك لتجد المحنة ماثلة في مدخل الدراسة، وهو الفصل الذي استفتح به كتابه، فقد صور لك مشكلة الشباب المسلم المتعلم في هذا العصر، وما كان قاساه وما زال يقاسيه من العنة في إدراك إعجاز القرآن إدراكاً يرضاه ويطمئن إليه. وهذا العقل الحديث الذي يفكر به شباب العالم الإسلامي، والذي يريد أن يدرك ما يرضيه ويطمئن إليه من دلائل إعجاز القرآن، هو لب المشكلة. فإن العقل هبة الله لكل حي، ولكن أساليب تفكيره كسب يكتسبه من معالجة النظر، ومن التربية، ومن التعليم، ومن الثقافة، ومن آلاف التجارب التي يحياها المرء في هذه الحياة.
فينبغي قبل كل شيء أن نتدبر أمر هذا العقل الحديث في العالم الإسلامي، ومن هنا أيها الإخوة ترونني أعذر كثيراً من أختلف معه، ولا أبني معه ولاء وبراء على مذهبه، وهذا ما تمنيت أن يفهمه كثير من الناس، أن هناك من تأتلف معه، وهناك من تمس روحك روحه، وهناك من تحبه وتصاحبه وتختلف في المذهب أو في السياسة أو كذا، هذه اختلافات سببها أنواع النظر والأشياء والمدخلات التي وضعت أمامك والتجارب والتربية أو التعليم والقطر الذي نشأت فيه والبيئة التي نشأت فيها، كلها هذا ليس بيدك وليس بيده. يتناحرون ويتباغضون، وكل منهما يرى أنه يرفع راية الدين وأنه يفعل كذا وكذا، وكل منهما قد يكون مخلصاً وقد يكابر نفسه إلى أن يدخل في الضلال ويعبد هواه. أسأل الله سبحانه وتعالى أن يوحد كلمة العرب والمسلمين وأن لا تسفك دماؤهم بأيدي بعضهم، فهي فتنة عمياء قبيحة يشاهدنا فيها العدو ونحن نجهز أنفسنا له، وتذكروا أنه في الأخير مهما طال الوقت ومهما طالت الفتنة ومهما طالت الصراعات، ليس لنا إلا بعضنا. العرب ليس لهم إلا بعضهم، مشتركون في أرض وفي دين وفي لغة وفي كتاب وفي أدب وفي كل شيء وفي عرق، ليس لهم إلا بعضهم، ستجبر المقدمات إجباراً على أن يكونوا شيئاً واحداً، فمن الآن تجبرهم، ستجبر الأحوال والمقدمات والمجريات والرئيسي إجباراً على أن يكونوا شيئاً واحداً، فإذا كانوا سيكونون كذلك ولو بعد حين لماذا لا يكون ذلك من هذا الحين؟
العقل يفكر لكن يختلف من جهة المدخلات ومن جهة التجارب ومن جهة البيئة والنشأة. الله تعالى أجاز الزواج من نصرانية ويهودية، الله أباح الكتابية من يهودية ومن نصرانية، تذهب إلى الكنيسة وتشرك بالله ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ﴾ [المائدة: 73]. ومن يهودية، وتعرفون اليهود، أباح الله تعالى الزواج من يهودية، وكان هذا الزواج داخلاً في أن جعل الله تعالى بيننا وبين أزواجنا مودة ورحمة، فحتى اختلاف الدين لم يكن سبباً في منع الرجل والمرأة من وجود المودة والرحمة؛ لأنه يتعلق بالغريزة والجنس، نعم يمكنك أن يكون بينك وبين زوجك اليهودية أو النصرانية مودة ورحمة، مع كرهك ما هي عليه، مع بغضك ما هي عليه، مع تمنيك أن تؤمن وتوحد الله تعالى، ومع ذلك جعل الله تعالى بينكم مودة ورحمة. الله تعالى أثبت للوالدين كامل الفضل إذا كانا كافرين، فقط لا تطعه في الشرك بالله.
الشرك بالله وقال: ﴿وَإِن جَاهَدَاكَ عَلَىٰ أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا﴾ [لقمان: 15]، لم يقل اضربهم. فالعلاقات البشرية والإنسانية موجودة بينك وبين أبيك وأمك، ويوجد البر الكامل لأبيك الكافر؛ لا تقل أنا أخضع لكافر، أنت تروح تجيب له الشبشب يلبسه، أبوك مش الكافر، أنت تروح تحط له الشبشب يلبسه، تغسل له رجله، تشيله على راسك، أبوك مش الكافر، هذا أبوك. لكن بعض الناس يخوض يحكم بالشريعة على النبي صلى الله عليه وسلم، يقولون لو بعث النبي صلى الله عليه وسلم الآن ما وسعه إلا أن يتبعنا؛ هذا ماذا تقول له؟ هذا ماذا تقول له؟
الله تعالى أثبت المودة والرحمة بينك وبين زوجك النصرانية أو اليهودية، ﴿وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾ [الروم: 21]، وأثبت البر للأب والأم، وأن لا تطعهما في الكفر فقط، وقال عدم الطاعة، ولكن أثبت لهما البر، انظر ما البر! يعني تحمل أباك الكافر، تحضر له نعله، تغسل قدميه، تغسله، تطعمه، تحمله على كتفك، أبوك ولو كان الكافر، أنت هنا لا تطيع الكافر، تطيع أباك. ولكن سبحان الله نحن لسنا كذلك، فأنا أقول أستطيع أن أتخيل المودة والرحمة والبر بيني وبين من يخالفني وأنا أحبه وأحسن الظن به، مرة أخرى أستطيع أن تكون بيني وبين إنسان أن يكون بيني وبينه كامل البر والمودة والرحمة والحب والصحبة مع كوني أخالفه؛ لأنني أحسن الظن به.
العقول والنشأة، إذا كنت نشأت في بيئة ذات لون معين فترى أنك الصواب وأن هذه السنة وأن كذا، غيرك نشأ في بيئة أخرى ويرى أن هذا الدين وأنك أنت من خالف، حاول أن تستحضر أنه يرى رؤيتك، حاول أن تستحضر أنه يرى رؤيتك، فهمتم هذا أيها الإخوة؟ فالعقل موجود لكن تختلف المدخلات، تختلف المدخلات، للأسف كثير من الناس الآن كالخويص الذي يقول للنبي صلى الله عليه وسلم اعدل يا محمد، وكما قالها بعضهم قال: لو قيلت على المنابر في عصرنا لو بعث النبي صلى الله عليه وسلم الآن ما وسعه إلا أن يتبعنا أو يصحح ما نحن عليه، هؤلاء خويص، لا يا إخوة، لا تطرد عقلك السقيم، حاول أن تنظر في الشريعة على ما هي عليه، لا بما نشأت أنت عليه ولا بسياسة ولا بغيره، احفظوا دماءكم، ستقتل بعضكم مقتلة عظيمة، ثم ستجتمع رغما عنكم، فلماذا؟
ونصيحتي للناس من الأطراف جميعاً أن يتذكروا حرمة الدماء، وأن دم المسلم الواحد أعظم عند الله من حرمة الكعبة. وتذكروا أن البعض قال إن قاتل المؤمن ليس له توبة، وليتذكروا وهم ينشرون ويذيعون أنهم قد يؤججون ويؤدون إلى سفك دماء يتفاجؤون بها في أعناقهم يوم القيامة، وعليكم بقول أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه سلام الله لما قال: كن في الفتنة، وهذه أول حكمة في القسم الثالث له مما دون في نهج البلاغة: «كن في الفتنة كابن اللبون، لا ظهر فيركب ولا ضرع فيحلب». تعالوا أمام الله وليس في أعناقكم دماء؛ النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «ما يزال المرء في فسحة من دينه ما لم يصب دما حراما». لا خلط بين الشريعة وبين الغل والحقد، هذا شيء وهذا شيء، ستسأل أمام الله على كل شيء، ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: 7-8]، فكيف بتحريض وكيف بتأجيج، وفي الأخير كله هدر، ليس لكم إلا بعضكم، ستجتمعون ستجتمعون، ستساقون إلى الاجتماع سوقا.
نعم، فإن العقل هبة الله لكل حي، ولكن أساليب تفكيره كسب يكتسبه من معالجة النظر، ومن التربية، ومن التعليم، ومن الثقافة، ومن آلاف التجارب التي يحياها المرء في هذه الحياة. فينبغي قبل كل شيء أن نتدبر أمر هذا العقل الحديث في العالم الإسلامي، لأن فهم هذا العقل هو الذي يحدد لنا طريقا ومنهجا في كل دراسة صحيحة نحب أن نقدمها إليه حتى يطمئن ويرضى. هذا العقل الذي كتب فيه محمود شاكر هذه المقدمة، ما يسمى بالعقل الحديث الذي ارتبط بالغرب ارتباطا شديدا، ينبغي أن ندرسه، وأن نعرف منهجه، وأن نعرف أمراضه كذلك، هو مليء بالأمراض، مليء بالمشكلات، مليء بالتشتت، هذا العقل يختلف عن عقل القدماء، القدماء كانوا ينشؤون من صغرهم على دراسات منطقية ودراسات للعلوم ممهدة وقواعد تبنى عليها فروع، عقل الشخصية العلمية القديمة لا يمكنك أن تهزه، لا تسمع فيهم تفاهات الإلحاد، ما ترى عند ابن الراوندي أو كذا، سترى في سير من ألحد منهم يقينا مشكلات جاءت من ذهنه هو وتشتت جاءت من عنده هو.
لكن الآن ملحد يتشكك هكذا، لا، هذه مشكلة العقل الحديث، هذه موجودة عنده، هذا التشتت وهذا الضياع وهذه الهشاشة. مثلاً في الأحداث التي مرت بها مصر منذ أكثر من عشر سنوات كثر الإلحاد حتى صار ظاهرة في مصر، كثر جداً، ومع أنني كنت ممن اكتوى بأحداث مصر وكنت ممن أرقت وأقضت مضجعي ونالت من تفكيري، كل هذا وما حصل من موجات التشكيك في الدين والاعتداء عليه والاستخفاف به، كل هذا لم يهز عندي مقام الدين سمك شعرة، لماذا؟ عندي قدرة للفصل بين بحث الأشياء في ذاتها وبحث الحقائق في ذاتها وبين بحث ما يتعلق بها من عوارض وأشياء تتعلق بالمنتسبين إليها لا بها.
ولهذا مثلاً كنت في مرة كان لي صديق بريطاني، حدثته حول الإسلام، وكنا نتكلم كثيراً، فقلت له أريد أن أسألك، وكان يحبني جداً، هو بريطاني، ليس بريطاني من أصول باكستانية، لا، هو بريطاني رومي، إنجليزي إنجليزي، فقلت له أريد أن أحدثك في أمر العقيدة، فقال لي فجأة: أرايت كيف ضاقت صدورنا من الموضوع؟ قلت له أنا لم يضق صدري، أنا أكلمك عادي، نحن صديقان في الأخير، قال لي لا، هكذا نحن، أمر الدين يوغر القلوب والصدور. فقلت له لا عادي نتناقش، لكن أنت أخبرني منطقياً: كيف تعبد ثلاثة؟ كيف تتوجه في صدرك وفي نفسك نحو إله واحد؟ كيف تعتبر ثلاث إرادات مختلفة إرادة واحدة، أو ثلاث جهات للتصرف جهة واحدة؟ فقال لي: أنا عقيدتي صحيحة وأنت عقيدتك صحيحة، قلت له: كيف؟ أنا أقول واحد وأنت تقول ثلاثة كيف عقيدتي صحيحة وعقيدتك صحيحة؟ فقال: نعم طالما عقيدتك تريحك وتؤمن بها وتطمئن إلى صحتها فهي صحيحة، وأنا إذا كانت عقيدتي تريحني وتطمئن نفسي لصحتها فهي صحيحة.
فقلت له هنا شعرت بمدى تقدمي أنا بوصفي مصرياً درس في الأزهر، درست المنطق، درست العلوم، قلت له: لا، أنت هكذا تسمى معتقداً، لكن كون العقيدة صحيحة أو غير صحيحة هذا يتعلق بذاتها لا بك. مثلاً إذا ضاع هذا القلم، فهذا القلم قد يكون وراء هذا الدولاب، قد يكون تحت هذا الكرسي، قد أعتقد أنه تحت كرسي، أخي يعتقد أنه تحت الدولاب، قيس ابني يعتقد أنه تحت السرير، هو في واحد من هذه الأماكن، لو كل واحد فينا اعتقد شيئاً فنحن معتقدون، لكن القلم من حيث نفسه في مكان واحد من هذه الأماكن، نحن معتقدون اعتقادات مختلفة، وهذا ممكن، أما الوجود في نفسه والحق في نفسه فهذا يعرف عن طريق الكشف عنه في نفسه. فقلت له: الإله إما واحد على ما أعتقد، وإما على ما تعتقد، إذا كان ثلاثة فمستحيل يكون واحداً، إذا كان واحداً فمستحيل يكون ثلاثة، فطبعاً ذهب ولم يرجع، لم يكلمني بعدها، خلاص، بعد فترة طويلة من الصحبة.
فالحق يا إخوة يطلب في ذاته، والقول بتعدد الحق والنسبية وما إلى ذلك هذا نوع من الهروب الهش. فكانت في نفسي في أيام الزوبعة في مصر والقلاقل وانتشار الإلحاد، حتى انتشر الإلحاد بين مشايخ كانوا يعرفون بالتشدد والراديكالية، كنت أشغل نفسي بانشغالات مفيدة، ذهبت وحفظت دواوين، لما كنت أجد العصف السياسي والديني والفتن والمشكلات كنت أنشغل بالدواوين، قرأت كتاب الأغاني، وكنت أعمل مجالس شعرية أخفف بها عن الناس، لكن الدين عندي لم يمس مثقال ذرة، لم يمس. كنت أستغرب ممن يمس عنده، لماذا؟ لأنني وطنت نفسي منذ صغري ودراستي بوصف شخصية علمية أن الحق حق في ذاته.
أعجبتني كلمة قالها شخص فاضل، قال: أنا قلت لبعضهم أبو قيس قوي العقيدة جداً، لأن الذي جرى معه ممن يعتقدون عقيدته كان كفيلاً بأن يعلن تبرؤه منهم ومن عقيدتهم ولو بالزور، لكن أبا قيس متمسك بعقيدته جداً. هكذا والله قال لي وجهاً لوجه، قال: أنا قلت لفلان وفلان أبو قيس هذا قوي العقيدة جداً؛ لأن الذي رأيته جرى له ممن يحملون نفس عقيدته كان كفيلاً كما حصل في غيره كثير بأن يكيدهم ويغيظهم بأن يتخلى عن هذه العقيدة ولو علناً، لكنه متين العقيدة جداً. فأنا حتى استغربت من هذه الكلمة؛ لأن قضية العقيدة عندي في ذاتها هي صح وخطأ وانتهت، هؤلاء يذهبون ويجيئون، عقيدة عمرها 15 قرناً وضاربة في جذور الأنبياء منذ خلق الله البشر تهزني لأجل خسيس فعل شيئاً؟ لا، يروح ويجيء، هو أصلاً ذهب قبل أن يجيء، نعم فالحمد لله رب العالمين.
هذه قضية العقل الحديث، يقول: لأن فهم هذا العقل هو الذي يحدد لنا طريقنا ومنهجنا في كل دراسة صحيحة نحب أن نقدمها إليه حتى يطمئن ويرضى. فمنذ أول الإسلام خاضت الجيوش الإسلامية معارك الحرب في جميع أنحاء الدنيا، وخاض معها العقل الإسلامي معارك أشد هولاً، حيث نزل الإنسان المسلم وتقوضت أركان الدول تحت وطأة الجند المظفر، وتقوضت معها أركان الثقافات المتباينة تحت نور العقل المسلم المنصور، وظلت الملاحم دائرة الرحى قروناً متطاولة في ميادين الحرب وميادين الثقافة، حتى كان هذا العصر الأخير. يتكلم عن انبعاث الحضارة الأوروبية الآن وخوضها الحرب ضد العالم الإسلامي؛ حتى كان هذا العصر الأخير انبعثت الحضارة الأوروبية، ثم انطلقت بكل سلاحها لتخوض في قلب العالم الإسلامي أكبر معركة في تاريخنا وتاريخهم، وهي معركة لم يحط بأساليبها وميادينها أحد بعد في هذا العالم الإسلامي.
محمود شاكر يقول: ما زلتم أيها المسلمون لم تعرفوا حجم هذه المعارك، يقول انبعثت الحضارة الأوروبية ثم انطلقت بكل سلاحها لتخوض في قلب العالم الإسلامي أكبر معركة في تاريخنا وتاريخها، وهي معركة لم يحط بأساليبها وميادينها أحد بعد في هذا العالم الإسلامي، ولم يتقص أحد آثارها فينا، ولم يتكفل بدراستها من جميع نواحيها، من يطيق أن يدرس؟ ولست أزعم أني سأدرس في هذا الموضع، ولكن سأدل على طرف منها ينفع قارئ هذا الكتاب، كتاب الظاهرة القرآنية. نعم بالضبط يا خان الحسن الزبيدي رضي الله عنك، ولكن سأدل على طرف منها ينفع قارئ هذا الكتاب إذا صح عزمه على معاناة دراسته، دراسة الحريص المتغلغل، ما هو هناك واحد يدرس دراسة عادية يقرأ الكتاب، وواحد يدرسه دراسة الحريص المتغلغل.
لم تكن المعركة الجديدة بين العالم الأوروبي المسيحي وبين العالم الإسلامي معركة في ميدان واحد، بل كانت معركة في ميدانين: ميدان الحرب وميدان الثقافة. ولم يلبث العالم الإسلامي أن ألقى السلاح في ميدان الحرب لأسباب معروفة، أما ميدان الثقافة فقد بقيت المعارك فيه متتابعة جيلاً بعد جيل، بل عاماً بعد عام. السلام عليك من الأدارسة، وعليك وعليهم السلام ورحمة الله.
بل عامًا بعد عام، بل يومًا بعد يوم، وكانت هذه المعركة أخطر المعركتين وأبعدهما أثرًا، وأشدهما تقويضًا للحياة الإسلامية والعقل الإسلامي. وكان عدونا يعلم ما لا نعلم؛ كان يعلم أن هذه هي معركته الفاصلة بيننا وبينه، وكان يعلم من خباياها ما لا نعلم، ويدرك من أسرارها ووسائلها ما لا ندرك، ويعرف من ميادينها ما لا نعرف، ويصطنع لها من الأسلحة ما لا نصطنع، ويتحرى لها من الأسباب المفضية إلى هلاكنا ما لا نتحرى أو نلقي إليه بالًا.
أعانه وأيده أن سقطت الدول الإسلامية جميعًا هزيمة في ميدان الحرب، فسقطت في يده مقاليد أمورها في كل ميدان من ميادين الحياة، وصار مهيمنًا على سياستها واقتصادها وصحافتها؛ أي سقطت في يده مقاليد التوجيه الكامل للحياة الإسلامية والعقل الإسلامي. وميادين معركة الثقافة والعقل ميادين لا تُعد، بل تشمل المجتمع كله في حياته، وفي تربيته، وفي معايشه، وفي تفكيره، وفي عقائده، وفي آدابه، وفي فنونه، وفي سياسته، بل كل ما تصبح به الحياة حياة إنسانية كما عرفها الإنسان منذ كان على الأرض.
والأساليب التي يتخذها العدو للقتال في معركة الثقافة أساليب لا تُعد ولا تُحصى؛ لأنها تتغير وتتبدل وتتجدد على اختلاف الميادين وتراحمها وكثرتها، وأسلحة القتال فيها أخفى الأسلحة؛ لأن هذه الكلمة خطيرة يا إخوة، هذه العبارة الطويلة الآتية الآن خطيرة جدًا؛ لأن عقل المثقف يتكون يومًا بعد يوم، بل ساعة بعد ساعة، وهو يتقبل بالتربية والتعليم والاجتماع أشياء يسلمها بالإلف الطويل، وبالعرض المتواصل، وبالمؤثرات المتلونة، وبالهوى المتغلب، وبضروب مختلفة من الكيد الذي يعمل في تحطيم البناء القائم؛ لكي يقيم العدو على أنقاضه بناءً كالذي يريد ويرجوه.
هذا الكلام حتى تقوم به تحتاج إلى نفس طويل؛ فالعدو عنده نفس طويل وتخطيط، وحتى تحسن جهة ما هذا التخطيط لا بد من أن يفكر قادتها على منهج التخطيط المرحلي، وليس على المكاسب السريعة. والغرب وقادة الغرب أحسنوا هذا، لهم قرارات قوية مرحلية لا يفرطون فيها، ثم يعطونك أنت مساحات تتحرك فيها دون أن تخرج عن أعينهم وعن هذه القرارات الكبيرة، وفي كل عدة سنوات ترى قرارات تزحف شيئًا فشيئًا، فتقبلها وما كنت في القديم تقبلها.
طيب أيها الكرام، نكتفي هنا، ونلتقي غدًا إن شاء الله تعالى، ربما غدًا إذا لم أكن مدعوًا إلى الإفطار خارج البيت؛ غالبًا نعم غدًا مدعو أنا إلى الإفطار، فربما غدًا لا يكون هناك مجلس، إذا كان هناك مجلس سأخبركم إن شاء الله. شكرًا لكم وجزاكم الله خيرًا، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته، كل عام وأنتم بخير.
الأستاذ أبو قيس محمد رشيد