دخولتسجيل الدخول

الدرس 10 - المَدخَل الأوّل: تاريخٌ حَيّرَني ثُمّ اهتدَيْت

أبو قيس محمد رشيدالأستاذ أبو قيس محمد رشيد
  • مدة الدرس:
  • قراءة

الكرام، أهلاً وسهلاً ومرحباً. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله ثم الحمد لله، الحمد لله حمداً يوافي نعمه ويكافئ مزيده. لك الحمد ربنا كما ينبغي لجلال وجهك ولعظيم سلطانك، نحمدك ربنا لا نحصي ثناءً عليك، أنت كما أثنيت على نفسك. اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين إنك حميدٌ مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين إنك حميدٌ مجيد.

أما بعد أيها الإخوة، فهذا هو مجلسنا العاشر من مداخل إعجاز القرآن، وما زلنا في المجلس الأول وهو بعنوان تاريخٌ حيرني ثم اهتديت، للأستاذ محمود شاكر رحمه الله. كالعادة أيها الإخوة أستسمحكم لدقائق لأنشر الرابط، جزى الله تعالى خيراً من أرسله، وإن شاء الله يرسله عدد من الإخوة في وقت واحد وهذا حسن، وأرجو ألا يعتمد على هذا وفجأة أراه لم يرسل. تفضلوا الشاي يا إخوة، بسم الله. أرجو أيها الإخوة الكرام طمأنتي إلى سلامة البث من حيث الصوت والصورة. جميل، الحمد لله، أنت الجميل يا محمد علي. نشرت الرابط أيها الكرام، ونتوكل على الله تعالى فيما نحن بصدده.

توقفنا أيها الإخوة في الصفحة السابعة بعد المئة، وأعيد الفقرة التي قرأناها وعلقنا عليها في المرة الماضية. قال: كانت هذه الدقة المذهلة في الحصر والاستيعاب والتقسيم والتبويب، والتي قام بعبئها أكبر إمامي النحو الخليل بن أحمد وسيبويه، ثم ما جاء على آثارهما من تفصيل واستدراك وتمحيص إلى عهد عبد القاهر، كان ذلك كله يحمل في ثناياه خبئًا مستورًا دفينا لمن يبحث عنه ويخرجه، كما أشار إلى ذلك عبد القاهر نفسه. إلا أن الذي حرك عبد القاهر لم يكن هذا الخبء الدفين نفسه، بل كان شيئًا آخر جعله ينكشف له بغتة أن هاهنا خبئًا دفينا وجوهرًا نفيسا مغمورا، ولكنه يلمع لمعانًا خاطفًا من وراء حجب النحو التي أسدلتها عليه طرائقه ومصطلحاته ومناهجه. طبيعي كل علم له أصوله، له قواعده، له أحواله، ولهذا الانتقال من النحو إلى غيره يحتاج إلى تجاوز حجب النحو، إلى الدخول في علم نص العلماء على أنه مستقل هو علم البيان.

أهلاً بكل من ألقى السلام، وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، وكل من حيا، حياك الله وبياك أهلاً يا أم الحسن، أهلاً يا الحسن الزبيدي، أهلاً خالد الشيباني، خالد الدبيخي، كتب الله أجركم جميعاً وجزاكم الله تعالى خيراً.

يقول الأستاذ محمود شاكر: كان عبد القاهر كما قلت فقيهاً شافعياً، ثم متكلماً أشعرياً مغموثاً في قضايا الكلام، ولكنه كان قبل ذلك كله نفساً ملهوفة بالبيان وبتذوق البيان، جبلة فطر عليها. تعرفون دائماً أقول لكم النقد نفسه موهبة يا إخوة، الناقد موهبة كذلك، ليس كل أحد يشعر بالشعر كما أنه ليس كل أحد يقول الشعر. ليس كل أحد يتذوق الشعر ويفهمه ويستطيع نقده واستنباطه كما أنه ليس كل أحد يقول الشعر، هذه موهبة وهذه موهبة نعم. كانت هذه الدقة المذهلة، يقول جبلة فطر عليها واكتساباً صقلته صحبة فحول الشعر والأدب والنقد في زمانه، ومشاركته في الصراع الدائر بين أهل الأدب في تفضيل شعر على شعر وبيان على بيان. إذن يقول هناك جبلة وهناك اكتساب، يقول جبلة فطر عليها واكتسابًا صقلته صحبة فحول الشعر والأدب والنقد في زمانه. يعني إذن الذي يصاحب المتردية والنطيحة لا يكون إلا مثلهم، إنما عبد القاهر كان يمتلك موهبة التذوق والنقد، وبعد ذلك اكتسب علماً ودراية شديدة وزادت قريحته ونمت. وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، أهلاً وسهلاً ومرحبًا. عن طريق ماذا؟ صحبة فحول الشعر والأدب والنقد في زمانه ومشاركته في الصراع الدائر بين أهل الأدب في تفضيل شعر على شعر وبيان على بيان. يعني تريد أن تكون عالماً في الشعر بحق؟ ادخل في عمل الشعراء الكبار، ادخل في عمل النقاد وأهل العلم. أما تتعصب لي لفلان وعلان والذي يقول كلاماً جميلاً يترقرق في عصافير مقلوبة دون كراسي مبلولة، فأنت ستظل كرسياً مبلولاً، نعم.

وكان جهده الذي بذله في كشط غاشية الإبهام عن وجه البلاغة كما عرفها من قبله في الاستعارة والتشبيه وما إليهما مما يتعلق باللفظ كما أشرت إليه آنفًا، كان هذا الجهد غير مقنع ولا كافٍ في أمر إعجاز القرآن. وأدرك ذلك عبد القاهر إدراكًا واضحًا لا ريبة فيه، وبقي إبهام آخر هو الذي أشار إليه أبو سليمان الخطابي أيضاً في كلامه قائماً، حيث يقول: قالوا: وقد يخفى سببه عند البحث ويظهر أثره في النفس حتى لا يلتبس على ذوي العلم والمعرفة به، قالوا: وقد توجد لبعض الكلام عذوبة في السمع وهشاشة في النفس لا يوجد مثلها لغيره منه، والكلامان معًا فصيحان لا يوقف لشيء من ذلك على علة. ركزوا في الكلام، ما معنى أن تجد للكلام هشاشة في النفس وعذوبة في السمع؟ أحد الإخوة اليوم نشر بيتاً، بيتاً موزوناً فقط في جمال القرآن، يعني أنا ربما أقرأ لكم البيت حتى تفهموا القضية، لاحظوا، أريد أن أقفكم على مسألة دقيقة جداً أيها الإخوة، وهي أن المعنى الجميل مهما كان جميلاً في نفسه ينبغي أن يظل في معدنه.

الجاحظ يقول لا تعرب المولد، ما معنى لا تعرب المولد؟ يعني ما تكلمت الناس به مولداً فأبقيه على حاله مولداً، لا تحاول أن تعربه فتظن أنك بذلك تأتي بالفصاحة. يعني مثلاً المصريون يتظرفون في الكلام بنكات قديمة، حتى لا يقال لي أنت قديم، أنا قديم خلاص. مثلاً يقول لك مرة واحد جاء يقعد على القهوة، القهوة عندنا أهوة يعني المقهى الكوفي، مرة واحد جاء يقعد على القهوة فقعد على الشاي، ويقولون سقطت قنبلة، يقول لك قنبلة وقعت من طيارة على قهوة قالت بن، فهذا الكلام. فإذا أردت أن تعربه، يعني لا تقل شخص أراد أن يجلس على القهوة فجلس على الشاي قنبلة وقعت على قهوة فقالت بن، أو فعملت صوت بن، هنا ستكون أنت النكتة لأن المحتوى له ارتباط بالوسيلة خلاص. فكذلك الحكمة، جميلة أن تقع نثرية في نسق جميل في عبارة نثرية جميلة، لا تعقد بوجوه الفن ولا تطول، وإنما تكون مختصرة جميلة الكلام فيها على قدر المعنى وانتهينا، وإذا نظمتها شعراً لا بد أن تضيف شيئاً فوق المعنى.

فاليوم قرأت هذا البيت: "قرآنكم فيه السعادة كلها، والعز كل العز تحت ظلاله". فهذا مر علي أمامي اليوم في صفحات الإنترنت، طبعاً لا أهتم لا أعرف قائله ولا أهتم، إنما مر علي فنسخته وناقشت فيه بعض الأصحاب أرسلته قلت له انظر: "قرآنكم فيه السعادة كلها، والعز كل العز تحت ظلاله". فأنا قلت للصديق الذي أرسلته إليه إي والله معنىً صحيح ونظم عادي. ما الخطأ الذي يقع فيه من يصنع مثل هذا؟ المعنى صحيح جداً ولكنه وجميل في ذاته، ولكن مهما جمل في ذاته ينبغي أن يظل في معدنه، هذا المعنى ليس وراءه شيء من الفن، ونظمه بهذه الصورة على بحر الكامل هذا بحر الكامل صح؟ "قرآنكم فيه السعادة كلها، والعز كل العز تحت ظلاله" نظمه هكذا أساء للمعنى، تعرفون لماذا أساء للمعنى؟ لأنه أوهم بأنه شعر، فلما وجدناه نظماً صرفاً انقبضت النفس منه ونفرت، فظلمت المعنى الذي فيه. يعني أن يكون القرآن فيه السعادة كلها وأن يكون العز كل العز تحت ظلال القرآن، صحيح كان يمكن أن أسمعها بدون نظم فأسعد بذلك، لكن لما جئت بنظم جعلتني أنتظر الشعر فلما لم أجده انقبضت، فظلمت المعنى لما أردته شعراً وهو ليس بشعر. فلذلك اتركه في معدنه، بالضبط قبحه أولى من تجميله، اتركه في معدنه، مثل هذا تقول هكذا: والله القرآن كل السعادة فيه، وكل العز تحت ظلاله، خلاص هكذا بدون نظم بدون وزن. فلذلك لما تسمع الكلام وتهش له النفس عن طريق الفن البياني، لذلك تكون علة، تكون لذلك علة، ولكنها الهشاشة والعذوبة المتعلقة بالألفاظ، أما أصول المعاني التي تحبها النفوس فهذا شيء آخر، نعم.

قال ونقل كلام الخطابي، قالوا وقد يخفى سببه عند البحث ويظهر أثره في النفس حتى لا يلتبس على ذوي العلم والمعرفة به، قالوا وقد توجد لبعض الكلام عذوبة في السمع وهشاشة في النفس لا يوجد مثلها لغيره منه والكلامان معًا فصيحان، ثم لا يوقف لشيء من ذلك على علة. هذا النقل عن الخطابي، يقول محمود شاكر: فلما استحر جدال المتكلمين، جاء المعتزلي، يا سلام، جاء المعتزلي قاضي القضاة عبد الجبار، هذا مرعب، عبد الجبار هذا مرعب نعم، فلما استحر جدال المتكلمين جاء المعتزلي قاضي القضاة عبد الجبار يحاول كشف الإبهام عن البلاغة من وجه آخر غير الذي قال فيه الناس من قبله. نعم يحاول كشف الإبهام عن البلاغة من وجه آخر غير الذي قال فيه الناس من قبله، فقال هذا القاضي عبد الجبار، لاحظوا كلمة عبد الجبار في تعريف البلاغة هي التي قلبت شأن البلاغة وكانت سبباً لوضع البلاغة، كلمة عبد الجبار التي أثارت عبد القاهر وتسببت في وضع نظرية النظم كلها قامت على كلمة عبد الجبار.

فقال في كتابه المغني صفحة كذا جزء كذا وما بعدها الجزء السادس عشر صفحة 199 وما بعدها: اعلم أن الفصاحة لا تظهر في أفراد الكلام، يقول عبد الجبار اعلم أن الفصاحة لا تظهر في أفراد الكلام يعني في الكلمات المفردة، وإنما تظهر في الكلام بالضم على طريقة مخصوصة، يا سلام صح. وإنما تظهر في الكلام بالضم على طريقة مخصوصة، ولا بد مع الضم من أن يكون لكل كلمة صفة، وقد يجوز في هذه الصفة أن تكون بالمواضعة التي تتناول الضم، وقد تكون بالإعراب الذي له مدخل فيه، وقد تكون بالموقع لأنه ليس لهذه الأقسام الثلاثة رابع. فإن قال: فقد قلتم في أن جملة ما يدخل في الفصاحة حسن المعنى، فهل اعتبرتموه؟ قيل له: إن المعاني وإن كان لا بد منها فلا تظهر فيها المزية. هذا كلام من؟ هذا كلام القاضي عبد الجبار.

يقول: قيل له: إن المعاني وإن كان لا بد منها فلا تظهر فيها وإن كانت تظهر في الكلام لأجلها، على أن نعلم أن المعاني لا يقع فيها تزايد. على أن نعلم، آه، اسمع، ركز في الكلام الذي انتبه إليه عبد القاهر فوضع نظرية النظم وأبان كل الإبانة، قال: على أن نعلم أن المعاني لا يقع فيها تزايد، فإذا يجب أن يكون الذي يعتبر التزايد عند الألفاظ. خلاص، لك أن تقول يجب أن يكون الذي يعتبر التزايد عند الألفاظ، أو يجب أن يكون الذي يعتبر التزايد عند الألفاظ، لك أن تقول التزايد والتزايد، لو قلت فإذا يجب أن يكون الذي يعتبر التزايد، يبقى إذا أنت قدمت الخبر. نعم، يعني أن يكون التزايد عند الألفاظ هو الذي يعتبر، وإذا قلت يجب أن يكون الذي يعتبر التزايد عند الألفاظ، فلم تقدم ولم تؤخر، يعني أن يكون الذي يعتبر الذي هنا اسم يكون، والتزايد هذا خبره، نعم. فإذا يجب أن يكون الذي يعتبر التزايد عند الألفاظ التي يعبر بها عنها، هذا هو التزايد عند الألفاظ، أما المعاني لا تزايد فيها.

هذه العبارة مشكلة أصلًا؛ لأنها قد تشكل عليك مع كلام عبد القاهر نفسه. قال: فإذا يجب أن يكون الذي يعتبر التزايد عند الألفاظ التي يعبر بها عنها على ما ذكرناه. فإذا صحت هذه الجملة، فالذي به تظهر المزية ليس إلا الإبدال الذي تختص به الكلمات، أو التقدم أو التأخر الذي يختص الموقع، أو الحركات التي تختص الإعراب؛ فبذلك تقع المباينة.

يقول محمود شاكر: وكان في أكثر كلام القاضي المعتزلي بعد ذلك غثاثة وصدأ وتيبس، مردها جميعًا إلى طبيعة التكلم نفسه أولًا وأخيرًا. طبعًا محمود شاكر أخذ موقفًا شديدًا سلبيًا من علم الكلام، ويرى أنه عدو للبيان، والواقع ربما يشهد بهذا؛ إذ ترى المتكلمين المشتغلين بعلم البيان عندهم غثاثة في التعبير.

أريد أن أقرأ لكم كلمة القاضي مرة أخرى: اعلم أن الفصاحة لا تظهر في أفراد الكلام، يعني ليس كل كلمة تظهر فيها فصاحة، وإنما فقرة من الكلام، عبارة طويلة مثلًا، وإنما تظهر في الكلام بالضم على طريقة مخصوصة، ولا بد مع الضم من أن يكون لكل كلمة صفة. وقد يجوز في هذه الصفة أن تكون بالمواضعة التي تتناول الضم، وقد تكون بالإعراب الذي له مدخل فيه، وقد تكون بالموقع؛ لأنه ليس لهذه الأقسام الثلاثة رابع.

فإن قال: فقد قلتم في أن جملة ما يدخل في الفصاحة حسن المعنى، فهل اعتبرتموه؟ قيل له: إن المعاني وإن كان لا بد منها فلا تظهر فيها المزية، وإن كانت تظهر في الكلام لأجلها على أن نعلم أن المعاني لا يقع فيها تزايد. هذه العبارة التي جن منها عبد القاهر؛ فهو لا يرى فضلًا لكلام على كلام بعد حصول البيان. يعني المشكلة كلها في أنه لم يفسر الحسنى بزيادة في المعاني، وعبد القاهر أقام علمه كله ونظريته في النظم على أن المعنى الشعري فيه زيادة على المعنى المجرد، يعني يمكنك أن تستخرج منه فوائد زائدة.

كما بينت لكم هذا من قبل في ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ جِنَّةً﴾؛ زاد المعنى بتغيير المواقع بالتقديم والتأخير مع أن الإعراب لم يتغير، فهو يقال هنا: تقديم على نية التأخير، زاد المعنى على: وجعلوا الجنة شركاء لله. لما قلبت كل المواقع وقلت: وجعلوا لله شركاء الجنة، اتفقت العبارتان في أصل المعنى واختلفتا في الغرض بالزيادة التي حدثت في الصيغة القرآنية. فهمتم؟ حتى لا تقول: ما هو كلام عبد القاهر هو كلام عبد الجبار؛ ما المشكلة؟ لا، مختلف. سيتبين لك إن شاء الله.

فإن قال: فقد قلتم في أن جملة ما يدخل في الفصاحة حسن المعنى فهل اعتبرتموه؟ قيل له: إن المعاني وإن كان لا بد منها فلا تظهر فيها المزية، وإن كانت تظهر في الكلام لأجلها. يعني المزية تظهر في الكلام لأجل المعاني، يعني أصلًا الكلام تقيمه وتأتي فيه بمزية وحسن لأجل المعاني، على أن نعلم أن المعاني لا يقع فيها تزايد. آه، هذه المشكلة، المعاني لا يقع فيها تزايد. فإذا يجب أن يكون الذي يعتبر التزايد عند الألفاظ التي يعبر بها عنها؛ إذاً التزايد في الألفاظ لا في المعاني. هذا هو على ما ذكرناه. فإذا صحت هذه الجملة، فالذي به تظهر المزية ليس إلا الإبدال الذي تختص به الكلمات، أو التقدم أو التأخر الذي يختص الموقع، أو الحركات التي تختص الإعراب، فبذلك تقع المباينة.

وكان في أكثر كلام القاضي المعتزلي بعد ذلك غثاثة وصدأ وتيبس، مردها جميعًا إلى طبيعة التكلم نفسه أولًا وأخيرًا. وقد أتى القاضي المعتزلي على جميع الوجوه التي تؤدي إلى ما يريده من محاولته كشف الإبهام عن البلاغة، ولكن الذي أطال فيه لا يكاد يغني شيئًا، بل جاء فيه بآفات كثيرة البلايا؛ لأنه كان يتحرك في ميدان علم الكلام المحدود بحدود مذهب الاعتزال الذي ينتمي إليه. ومع ذلك، فأنا أظن أن عبد القاهر قد استفاد من تخليط قاضي القضاة فائدة لا تقدر. احفظ هذه في التاريخ.

يقول محمود شاكر: ومع ذلك فأنا أظن أن عبد القاهر قد استفاد من تخليط قاضي القضاة فائدة لا تقدر؛ لأنه بتذوقه للبيان وبتمكنه من النحو الذي وقف على خفاياه قد استطاع أن يكتشف زيف أكثر كلام قاضي القضاة. وفي خلال ذلك انتبه بغتة إلى ما افتتحه أبو عثمان الجاحظ من نعت تذوق القرآن العظيم. إذًا محمود شاكر يرسم لك الأحداث التاريخية؛ يقول لك كان في معمعة الكلام وكان مشاركًا في الحرب الكلامية، وفي أثناء ذلك ولكونه نحويًا دقيقًا وعنده ذوق في البيان، وسلط ذوقه على علم النحو، لم يرضه كلام القاضي وأخذ يكتشف زيفه، وفي خلال ذلك انتبه إلى كلام الجاحظ.

إذًا القاضي عبد الجبار كان الفتيل، والجاحظ كان الوقود. قال: وفي خلال ذلك انتبه بغتة إلى ما افتتحه أبو عثمان الجاحظ من نعت تذوق القرآن العظيم في مواضع كثيرة من كتبه، ولا سيما كتاب الاحتجاج لنظم القرآن، وإلى ما تبعه فيه القاضي الباقلاني في كتابه إعجاز القرآن، كما بينت ذلك آنفًا. وذلك نحو قول أبي عثمان؛ لأن رجلًا من العرب لو قرأ على رجل من خطبائهم وبلغائهم سورة واحدة طويلة أو قصيرة، لتبين له في نظامها ومخرجها، وفي لفظها وطبعها أنه عاجز عن مثلها. ولو أراد أنطق الناس أن يؤلف من هذا الضرب سورة واحدة طويلة أو قصيرة على نظم القرآن وطبعه وتأليفه ومخرجه، لما قدر عليه. ثم تسميته كتابه الاحتجاج لنظم القرآن وغريب تأليفه وبديع تركيبه، ثم ما أتمه القاضي الباقلاني فيما سلف. وهذا التنبؤ المفاجئ للألفاظ التي نعت بها تذوق القرآن العظيم أوقف عبد القاهر على أربعة ألفاظ منها.

إذًا هو يحكي كيف أثر أبو عثمان في القاضي، فقال: انتبه بغتة إلى ما افتتحه أبو عثمان وإلى ما تبعه فيه القاضي الباقلاني في كتابه، وذلك نحو قول أبي عثمان: لأن رجلًا من العرب إلى آخره. ثم تسميته كتابه الاحتجاج لنظم القرآن، ثم ما أتمه القاضي الباقلاني فيما سلف. يعني ما أتى به أبو عثمان في عنوان كتابه وفي مادة كتابه ما قاله فيه، ثم ما أتى به القاضي الباقلاني، كل هذا انتبه إليه عبد القاهر وهو يفند كلام القاضي عبد الجبار الهمذاني ويكشف عن بطلانه.

قال: وهذا التنبؤ المفاجئ للألفاظ التي نعت بها تذوق القرآن العظيم -هو جعله تنبؤًا مفاجئًا- أوقف عبد القاهر على أربعة ألفاظ منها، وهي: النظم والترتيب والتأليف والتركيب. فرآها جميعًا تدل على إحساس المتذوق ببناء الجمل في القرآن العظيم وتركيبها، انظر صفحة 94، يقول لك محمود شاكر: انظر ما سلف صفحة 94، فرآها جميعًا تدل على إحساس المتذوق ببناء الجمل في القرآن العظيم وتركيبها، أي بوجوه النحو، بناء الجمل والتركيب.

فسأل نفسه هذا السؤال الحاسم الواضح المفصل الذي أثبته في مدخل كتابه دلائل الإعجاز في الصفحة السادسة، قال: ما جوابنا لخصم يقول لنا: إذا كانت هذه الأمور وهذه الوجوه من التعلق، يعني التركيب النحوي للغة التي هي محصول النظم، موجودة على حقائقها وعلى الصحة وكما ينبغي في منثور كلام العرب ومنظومه، فما هذا الذي تجدد بالقرآن من عظيم المزية؟ لو تتابعون معي شرح الدلائل قلت هذا في الأول: كتاب عبد القاهر كله جواب عن هذا السؤال. يعني إذا كنتم تقولون إن العلاقات النحوية هي التي أقامت هذا النص أو ذاك النص، وهي التي جعلت المعلقات رائعة، فما الفرق بين المعلقات التي تدعون أنها قامت جودتها على العلاقات النحوية وبين الكلام العادي الذي قامت صحته على العلاقات النحوية أيضًا؟ هذه القضية الأساس يا إخوة، هذه قضية النظم الأساس.

يقول: الخصم يسأل: إذا كانت هذه الأمور وهذه الوجوه من التعلق، يعني التراكيب النحوية أو التركيب النحوي للغة التي هي محصول النظم، موجودة على حقائقها وعلى الصحة وكما ينبغي في منثور كلام العرب ومنظومه، فما هذا الذي تجدد بالقرآن من عظيم المزية؟ يعني تقول يا عبد القاهر إن العلاقات النحوية هي التي أحدثت إعجاز القرآن، طيب وهذا موجود في العرب، بل موجود في كلام سخيف صحيح من حيث الدلالة، فأنت مش ممكن تعمل محرر لغوي في جريدة فاشلة، بل جريدة ناجحة، محرر لغوي، كل ما تفعله إقامة الإعراب الصحيح وراء الكتاب والصحفيين، صح؟ بس خلاص، وأن تنتبه إلى صحة الأخبار من جهة النحو، بس خلاص. فما هذا الذي تجدد بالقرآن من عظيم المزية وباهر الفضل والعجيب من الرصف حتى أعجز الخلق قاطبة؟ يعني ما الذي جعل الخلق يعجزون عنه إذا كانت القضية صحة النحو؟

هنا عبد القاهر يقول: لا، إنها كيفيات في الصحة النحوية وفي العمل النحوي، كيفيات فوقها، موضوعها النحو أيضًا ولكنها أعطت الكلام معاني فوق المعاني. قال: أيلزمنا أن نجيب؟ عبد القاهر يقول: إذا سأل سائل هذا السؤال أيلزمنا أن نجيب هذا الخصم عن سؤاله ونرده عن ضلاله وأن نطب لداءه؟ فإن كان ذلك يلزمنا، فينبغي لكل ذي دين وعقل أن ينظر في الكتاب الذي وضعناه، يعني كتاب دلائل الإعجاز، ويستقصي التأمل لما أودعناه.

ثم ختم كتابه بقوله: ما أظن بك أيها القارئ لكتابنا، إن كنت وفيته حقه من النظر وتدبرته حق التدبر، إلا أنك قد علمت علمًا أبى أن يكون للشك فيه نصيب وللتوقف عنه مذهب: أليس النظم شيئًا إلا توخي معاني النحو وأحكامه ووجوهه وفروقه فيما بين معاني الكلم؟ فإذا ثبت الآن ألا شك ولا مرية في أن النظم ليس شيئًا غير توخي معاني النحو وأحكامه فيما بين معاني الكلم، ثبت من ذلك أن طالب دليل الإعجاز من نظم القرآن إذا هو لم يطلبه في معاني النحو وأحكامه ووجوهه وفروقه، ولم يعلم أنها معدنه ومعانه -أي مباءته وموطنه- ولم يعلم أنها معدنه ومعانه وموضعه ومكانه، وأنه لا مستنبط له سواها، وألا وجه لطلبه فيما عداها، غار لنفسه بالكاذب من الطمع ومسلم لها إلى الخدع، وأنه إن أبى أن يكون فيها كان قد أبى أن يكون القرآن معجزًا بنظمه، يعني أن يكون في معاني النحو وفي توخي معاني النحو، أبى أن يكون القرآن معجزًا بنظمه ولزمه أن يثبت شيئًا آخر يكون معجزًا به وأن يلتحق بأصحاب الصرفة فيدفع الإعجاز من أصله.

طبعًا محمود شاكر يرى أن القائل بالصرفة يدفع قضية الإعجاز من الأصل، هذا موجود في رسالته الشافية، وإن شاء الله أنشره، شرحها إن شاء الله أنشر شرحها بعد الانتهاء من نشر شرح دلائل الإعجاز، إن شاء الله، الرسالة الشافية في إعجاز القرآن. قال: وقد بلغ عبد القاهر أعلى الذرى في القدرة على كشف إبهام البلاغة. طمنوني يا إخوة إلى سلامة البث؛ أنه يعمل، تمام. طيب. وقد بلغ عبد القاهر أعلى الذرى في القدرة على كشف إبهام البلاغة من هذا الوجه. يا إخوة لما تتم هذه المقالة شرحها، هذه تكون ثمينة جدًا، أنصحكم بمعاودتها وسماعها وتحصيلها وكتابة التعليقات المهمة عليها، كتابة ما أقوله من التعليقات المهمة عليها. لما تتم هذه الرسالة، المقالة الأولى بعنوان "تاريخ حيرني ثم اهتديت"، هذه مفيدة جدًا جدًا جدًا، وإن شاء الله عن قريب ندخل في الرسالة الثانية.

ندخل في الرسالة الثانية إن شاء الله تعالى، التي هي مقدمة مالك بن نبي، التي كتبها لكتاب مالك بن نبي، نعم. طيب، ثم في الكتاب الثالث أو الرسالة الثالثة وهي قضية الشعر الجاهلي. نعم. طيب، بسم الله، نحن قاربنا على الانتهاء إن شاء الله. نحن الآن في الرسالة الأولى التي هي تاريخ حيرني ثم اهتديت. بعدها ندخل في المقدمة الثانية أو المدخل الثاني، وهو الذي كتبه مقدمة على كتاب مالك بن نبي الظاهرة القرآنية، وعنوانه "تذوق راعني حتى تذوقت".

أما المقالة الثالثة التي صارت قضية الشعر الجاهلي في كتاب مستقل اسمه قضية الشعر الجاهلي، فهذه جعلها بعنوان: ثرثرة أضجرتني حتى مللت. ومحمود شاكر أديب، وقلمه قلم أديب. فنحن أمام تاريخ حيرني ثم اهتديت، وتذوق روعني حتى تذوقت، وثرثرة أضجرتني حتى مللت.

الكتاب الأول: تاريخ حيرني ثم اهتديت. المدخل الثاني: مقدمة لكتاب مالك بن نبي الذي هو الظاهرة القرآنية. المدخل الثالث: الذي صار كتاباً بعنوان قضية الشعر الجاهلي، وهو ثرثرة أضجرتني حتى مللت. أما الثاني فتذوق روعني حتى تذوقت.

قال: وقد بلغ عبد القاهر أعلى الذرى في القدرة على كشف إبهام البلاغة من هذا الوجه، الذي كان أول من تنبه إلى حقيقته بفضل طول تأمله في كلمات أبي سليمان الخطابي، الذي أحسن في المصارحة بأن أمر البلاغة أمر مبهم، ثم بطول تأني عبد القاهر في استكناه نعوت تذوق القرآن العظيم التي نعت بها أبو عثمان الجاحظ خاصة والباقلاني من بعده ما وجدا من هذا التذوق. وكانت كلمات الجاحظ أشدهن تأثيراً وأوقعهن على حقيقة التذوق وأروعهن استثارة وإيحاء.

والذي فعله عبد القاهر في كتابه دلائل الإعجاز هو أول تحليل للغة من حيث هي تركيب يحتمل ألوفاً من وجوه الأوضاع، ودلالة هذه الأوضاع على المعاني المستورة التي يحملها كل تركيب، ومزية كل تركيب في اشتماله على وجوه البيان القائمة في نفس المبين عنها.

والذي فعله عبد القاهر في كتابه دلائل الإعجاز هو أول تحليل للغة من حيث هي تركيب يحتمل ألوفاً من وجوه الأوضاع ودلالة هذه الأوضاع على المعاني المستورة تحتها، ومزية كل تركيب في اشتماله على وجوه البيان القائمة في نفس المبين عنها.

والذي فعله عبد القاهر في كتابه دلائل الإعجاز هو أول تحليل للغة من حيث هي تركيب يحتمل ألوفاً من وجوه الأوضاع ودلالة هذه الأوضاع على المعاني المستورة التي يحملها كل تركيب، ومزية كل تركيب في اشتماله على وجوه البيان القائمة في نفس المبين عنها. وبهذا الكتاب وصنوه كتاب أسرار البلاغة، أسس عبد القاهر علم تحليل البيان الإنساني كله، لا في اللسان العربي وحده بل في جميع ألسنة البشر. ووضع عبد القاهر هذا الأساس فلم يسبقه إليه سابق ولا لحقه من بعده لاحق في لسان العرب ولا غير لسان العرب.

وهنا يتكلم عن إبهام جديد، يعني هل معنى هذا أن عبد القاهر قد أنجز القضية؟ على كلام محمود شاكر أنجزها في البلاغة، أزال عنها الإبهام وعرّفها ووضع أصولها، ونسل من بعده من كتبه علم البلاغة التقريرية وعرّفوا البلاغة تماماً. طيب ما الذي لم يرفع إبهامه على رأي محمود شاكر؟ لأني قد بيّنته في شرح دلائل الإعجاز، أقف فيه موقف المتحير الناظر المرتاب في كلام محمود شاكر، إذ يرى محمود شاكر أن عبد القاهر لم يبيّن الحد أو الطبقة التي يحصل عندها الإعجاز، متى نقول هنا انتهت القدرة البشرية وسنبدأ في مرحلة الإعجاز؟

أميل إلى أن هذا غير ممكن أصلاً، لا يمكن أن نضع كما وضعنا تعريفاً للبلاغة عامة أن نضع تعريفاً للحد الذي ينتهي إليه البيان البشري وندخل بعده في البيان الإلهي المعجز. هذا يوقف عليه بالحس، لا يمكن تقييده؛ لأن هذا ليس في حد التعريف، لأن التعريف الذي وضعه عبد القاهر الجرجاني للبلاغة يشمل البلاغة القرآنية وغير القرآنية. أما أن تريدني أن أضع حداً أو أعرف وأن أبين عن الحد الذي تنتهي إليه البلاغة البشرية، فهذا يتعلق بالتطبيق وبالسجايا والقرائح، لا يتعلق بتعريف.

ولهذا أنا من قديم جداً، وما زلت حتى الآن مع أنني كلما درست غيرت المواقف ورجعت عن مواقف، من المواقف الثابتة عندي من قديم جداً هذا الموقف من كلام محمود شاكر. هل بالفعل كان على عبد القاهر أن يضع حداً وأن يبين إبهاماً في الحد الذي نبدأ فيه الحديث عن البلاغة القرآنية أو البلاغة المعجزة؟ هل هذا مقدور عليه؟ عبد القاهر عرف البلاغة كلها، البشرية والقرآنية. بعد ذلك تمييز هذه الطبقة المعجزة من غير المعجزة هذا يكون بالقريحة والسليقة والمعاملة والمعالجة، لا يكون بوضع حد نقول: ها تمام، بعد ذلك هذا معجز، تمام. فهذا عندي مشكل من قديم في كلام محمود شاكر.

البعض قد يعترض علي قديماً، قال: هو ليس سهلاً أن تعترض على محمود شاكر في هذا. قلت: وليس سهلاً أن يعترض شاكر على عبد القاهر ويقول نقص. فكذلك لا أرى إلى الآن أن عبد القاهر قصر في وضع هذا التعريف لأنه لا يوضع. تعالوا نقرأ كلام محمود شاكر في هذا، وكما قلت هذا كلام أعترض عليه من قديم. أنت أيها المتلقي، أيها الدارس، يا طالب العلم الآن ليس لك أن تأخذ كلامي، أنا لا أملي عليك كلامي، أنا أقول لك ما أراه.

يقول: وإذا كان عبد القاهر في تدفقه وفي تدافع المعاني في صدره قد اطمأن اطمئناناً ظاهراً إلى أنه قد كشف الإبهام كشفاً عن معنى البلاغة ثم عن وجه إعجاز القرآن بما وضع من هذا العلم الجليل، فإنني أراه -محمود شاكر يقول عن عبد القاهر- قد نصب لنا إبهاماً آخر سأحدثك عنه بعد قليل. ذكر عبد القاهر في صدر كتابه ما حمله على إدامة النظر في معنى الفصاحة والبلاغة والبيان، فنزع إلى بيان إشكال ما أشكل وإلى حل ما انعقد وإلى الكشف عما خفي من صفاتها ورام أن يضع القاعدة التي يبني عليها هذا العلم، فقال: ووجدت المعول على أن هاهنا نظماً وترتيباً وتأليفاً وتركيباً وصياغة وتصويراً ونسجاً وتحبيراً، وأن سبيل هذه المعاني في الكلام الذي هي مجاز فيه سبيلها في الأشياء التي هي حقيقة فيها، وأنه كما يفضل هناك النظم على النظم والتأليف على التأليف والنسج على النسج والصياغة على الصياغة، ثم يعظم الفضل وتكثر المزية حتى يفوق الشيء نظيره المجانس له، وحتى تتفاوت القيم التفاوت الشديد، كذلك يفضل بعض الكلام بعضاً، ويتقدم منه الشيء الشيء، ثم يزداد من فضله ذلك، ويترقى منزلة فوق منزلة، ويعلو مرقباً بعد مرقب، ويستأنف له غاية بعد غاية، حتى ينتهي إلى حيث تنقطع الأطماع وتحصر الظنون وتسقط القوى وتستوي الأقدام في العجز.

يقول محمود شاكر: وكل ما قاله عبد القاهر هنا حق، قد أجادت تدليلاً عليه في كتابيه بتحليل بالغ الروعة والقوة والصدق، معرق في القدرة على تذوق البيان وعلى البيان عن هذا التذوق. إلا أنه ختم هذه المقالة بدعوى لا هو استطاع البرهان عليها ولا أحد غيره ممن جاء بعده، وذلك قوله حتى ينتهي إلى حيث تنقطع الأطماع وتحصر الظنون وتسقط القوى وتستوي الأقدام في العجز، وهو بهذا يشير إلى إعجاز القرآن. لم يحد لنا عبد القاهر هذا الحد، ولا من أين يبدأ هذا الافتراق بين الكلام المتفاوت درجة بعد درجة وبين الكلام الذي تنقطع دونه الأطماع.

يعني محمود شاكر رحمه الله يريد أن نذكر الحد الفاصل بين الكلام الذي تنتهي إليه القدرة البشرية والكلام الذي يدخل في حد المعجز. هذا مما يلابس ويحس، لا يوضع له حد؛ لأن الحد في البلاغة واحد. أنت لا يمكنك في أكثر الشعراء أن تقول: ليس هناك أروع منه فوقه، قد تقوله في شطر، في جملة محصورة خلاص لا مزيد عليها، إنما في نصوص هذا صعب جداً. فأنت تريد أن يضع عبد القاهر حداً يقول: هنا تنتهي القدرة البشرية، هذا خارج عن القدرة البشرية. يعني ليس من قدرة عبد القاهر ولا غير عبد القاهر أن يقول هنا انتهت القدرة البشرية.

أختنا أم عامر عبرت تعبيراً جميلاً، قالت: القدرة البشرية نفسها في التعبير لا نعرف لها حدا. هذا هو، نحن نستطيع أن يعرف البليغ العالي أن هذا خرج عن الحد، لكن قبل هذا ما الحد الذي قبله؟ لا نعرف. يعني المعجز يشبه اللانهائي، طيب من أين تبدأ نقطة اللانهائي؟ فهمتم؟ لهذا أختنا أم عامر جميلة في التعبير جداً، تعبيرها رائع، قالت: القدرة البشرية.

نفسها في التعبير لا نعرف لها حدًا، كأنك تقول: اللانهائي، والمعجزة القرآنية لانهائية. هل أنت تتصور تفاوتًا بين درجات المعجز؟ أنا أسألكم الآن، دخلنا في الفلسفة، هل تتصور تفاوتًا بين درجات المعجز؟ هل تتصورها؟ هل تتصور تفاوتًا بين درجات المعجز؟ أنت تجاوزت إلى المعجز فوجدت تفاوتًا بين المعجز، فالمعجز يشبه اللانهائي.

طيب، ما الذي يسبق اللانهائي؟ صعب تحديده، صعب تحديده، أنت أن تقول: ما الذي يسبق اللانهائي؟ كيف تعرفه؟ بل ربما يصعب لو قلت إن هؤلاء الشعراء، هذا الجمع، هم النهاية البشرية. يعني تعال مثلًا، ائتِ بعشرة من الفحول الجاهليين وقل: هؤلاء نهاية القدرة البشرية في البيان، ضع التعريف إذًا. ادرس أشعارهم وضع التعريف لنهاية القدرة، والله لو وقفت على شعر رأسك وأنت أصلع، لو وقفت على شعر رأسك الأصلع، ائتِ بعشرة شعراء جاهليين عظام، ائتِ بأعظم شعراء في التاريخ، استخرج منهم حدًا يكون نهاية القدرة البشرية، كيف تضعه؟ أنت سترى ذلك، تشعر به، لكن كيف تضعه وهم شعرهم محدود؟ ستقول: إلى أي هو استعماله فقط، مثلًا ستقول من البيان المعجز قول النابغة الذبياني -طبعًا تعلمون احتفائي شديدًا بهذه الأبيات وهذه القصيدة وبالشاعر-: تراود خلف القوم خزرًا عيونها جلوس الشيوخ في ثياب المرانب ضع حدًا تأخذه من هذه النصوص، كيف؟ كيف تقول؟ فلذلك يبدو لي والله أعلم أن عبد القاهر لم يقصر، ولكن هذا ممتنع أصلًا، هذا ممتنع أصلًا، والله تعالى أعلم.

ما زلنا ندرس، قال: لم يحد لنا عبد القاهر هذا الحد، ولا من أين يبدأ هذا الافتراق بين الكلام المتفاوت درجة بعد درجة، وبين الكلام الذي تنقطع دونه الأطماع وتحسر الظنون وتسقط القوى وتستوي الأقدام في العجز. فإنما هذه صفات ونعوت لما في نفسه من التذوق لهذا القرآن العظيم، لا تبعد كثيرًا عن نعوت تذوق الإمامين الجليلين أبي عثمان الجاحظ وأبي بكر الباقلاني في حالة إبهام معنى البلاغة، قبل أن يبدأ هو في إماطة اللثام عن هذا الإبهام بكتابيه الجليلين: أسرار البلاغة، ودلائل الإعجاز. وظني أن إمامنا عبد القاهر كان يحس إحساسًا غامضًا بعد الجهد المضني الذي بذله في كشف إبهام البلاغة من جميع أطرافها بأنه قد بقي شيء غامض مبهم، هو عليه مشرف بتذوقه لهذا القرآن العظيم.

لم يجد عبد القاهر حينئذ مناصًا من اللجوء إلى ما لجأ إليه أبو عثمان الجاحظ في تذوقه لهذا القرآن حين لم يجد الصرفة مغنية غناءً مقنعًا، وأن نظم القرآن وبيانه وطبعه ومخرجه أجل من أن يتردد متردد في شأنه، فنعت أبو عثمان تذوقه نعتًا مثيرًا موحيًا بألفاظ تعب في استخراجها من أعماق اللغة، فكذلك فعل عبد القاهر حين خامره هذا الإحساس الغامض المبهم بعد أن استقصى جهده في كشف إبهام البلاغة، فاستحدث هو أيضًا هذه النعوت الموحية المثيرة. ثم ينقل كلام عبد القاهر حيث تنقطع الأطماع وتحسر الظنون وتسقط القوى وتستوي الأقدام في العجز، فهي أيضًا نعوت متذوق لشيء مبهم لم يبلغ الغاية في تفسير ما يحيط به من الإبهام.

يقول محمود شاكر: وأنا أتوهم أيضًا أن هذا الأفق القصي المغلف بالإبهام كان يلوح لعبد القاهر من وراء نعوت الجاحظ المثيرة الموحية التي يقرأها في كتابه الاحتجاج لنظم القرآن وغريب تأليفه وبديع تركيبه وسلامته من الزيادة والنقصان، ثم في غيره من كتب أبي عثمان، وذلك أني لاحظت آنفًا أن إمامنا عبد القاهر حين وضع كتابه دلائل الإعجاز كان قد فرغ من تأمل ألفاظ كثيرة مثيرة موحية في نعت القرآن العظيم نعت بها أبو عثمان تذوقه لهذا القرآن، فاستخرج منها أربعة ألفاظ أدار عليها قوله في دلائل الإعجاز، وهذه الألفاظ هي: النظم، والتأليف، والتركيب، والترتيب، ولكنه أغفل من ألفاظ أبي عثمان لفظين شديدي الغموض الداعي إلى الاستثارة، ولكنهما حافلان بالإيحاء أيضًا، وهما: نظم القرآن وطبعه، وتأليفه ومخرجه.

لذلك لا نجد في كتاب عبد القاهر ذكرًا أو تفسيرًا لطبع القرآن ومخرجه، يقول محمود شاكر: الطبع والمخرج تفسيرهما هو الذي سيضع لنا الحد الفارق بين المعجز وغير المعجز. هذا رأي محمود شاكر، هو يرى هذا، يقول: عبد القاهر أخذ من كلام الجاحظ ما استطاع أن يفسره ويفسر به البلاغة وسر البلاغة والإعجاز، ووضع علم البلاغة على أساسها: التركيب والنظم والتأليف والترتيب. وترك عبد القاهر من كلام الجاحظ لفظين هما الطبع والمخرج، يرى محمود شاكر أن تفسير هذين كان هو الذي سيضع الفارق بين المعجز وغير المعجز، هذه فلسفة محمود شاكر، نوافقه أو نخالفه لا بأس في هذا، قد تراه مبالغًا في الأمر، قد تراه مصيبًا ومقاربًا، قد تتوقف، لا بأس.

قال: ولذلك لا نجد في كتاب عبد القاهر ذكرًا أو تفسيرًا لطبع القرآن ومخرجه، ولا نجده مس ما يثيرانه أو يوحيان به من قريب أو بعيد، وبقي لفظان مبهمان حائران في غمرة النور الساطع الذي انبثق عنه فكره، فكشف الإبهام المحيط بالألفاظ الثمانية: النظم والتأليف والتركيب والصياغة والتصوير والنسج والتحبير، كما أسلفت بيانه. وقع منه لفظ الترتيب يا إخوة، لو رجعت إلى صفحة ٩٤ ستراه ذكر الترتيب وهو أحال إلى صفحة ٩٤ وما بعدها.

يقول محمود شاكر: وأنا أحس إحساسًا غامرًا وأنا أقرأ كتب عبد القاهر أن هذين اللفظين، الطبع والمخرج، كان يجولان في أقصى حسه وهو منطلق بأقصى جهده لا يتوقف ولا يتلفت، يفسر ألفاظ أبي عثمان الثمانية في كتابيه أسرار البلاغة ودلائل الإعجاز، ويعد ما تثيره وتوحي به إعدادًا بالغ الروعة لاستخدام هذا العلم الجديد الذي استهدف به تحليل اللغة وتحليل البيان تحليلًا أفرده في تاريخ اللغات كلها بالسبق والتفوق. وبقي هذان اللفظان حائرين مبهمين غامضين يترددان في بهرة النور الساطع، وهو دائب يتذوق القرآن شاخصًا بجميع نفسه إلى الأفق الأعلى الذي عنده القرآن العظيم، فلما عجز عن أن يستخرج منهما شيئًا يعول عليه، لم يملك حيال هذا الإبهام إلا أن يلجأ إلى ما لجأ إليه أبو عثمان، فقال ينعت ما يحسه من التذوق المتعلق بطبع القرآن ومخرجه ومخرج آياته: تنقطع دونه الأطماع، وتحسر الظنون، وتسقط القوى، وتستوي الأقدام في العجز.

فهذه هي المرتبة المنقطعة وحدها بعد البلاغة التي كشف إبهامها بكتابيه، مرتبة مستورة بالإبهام، لعلها كانت قائمة في نفسه، ولكنه لم يطق الإبانة عنها، كما قال الشافعي رحمه الله حين سئل عن مسألة فقال: أجد بيانها في قلبي ولكن لا ينطلق به لساني. ولكن حسب عبد القاهر ما أدرك من كشف غمة الإبهام عن البلاغة بكتابيه الجليلين الفائقين.

وحسبي أنا فيما أظن ما قلته آنفًا، فإن الأمر أوسع سعة وأعمق عمقًا وأبعد منالًا من قدرة هذا الجهد الذي بذلته، وهو محتاج إلى تفصيل لا يتحمله مثل هذا المدخل الذي أردت به تاريخ بعض ما وجدته وأنا مغموس في قضية الشعر الجاهلي وفي شأن إعجاز القرآن، وقد جاءت الأئمة بعد عبد القاهر وبلغوا غاية البراعة والحذق في البيان عن البلاغة وفي الزيادة على ما قاله شيخ البلاغة من وجوه مختلفات، ولكن لم يكن لأحد منهم مثل سجايا عبد القاهر في تذوق البيان، ولا في الإبانة عن وجه هذا التذوق؛ ظل عبد القاهر فريدًا، ولجميعهم فضل باهر، ولكنه بان منهم بفضل لا يدانيه فيه أحد، وبمزية لم يؤت مثلها منهم أحد.

ونفثة مصدور أختم بها هذا التاريخ: أن طائفة من متهوري أهل زماننا، وهو زمن التهور والثرثرة، قد أوغلوا إيغالًا شنيعًا يلحق بالعبث في التهوين من شأن النحو الذي بنى عليه عبد القاهر نظره في الكشف عن إبهام البلاغة، فوضع أساس علم تحليل التركيب اللغوي؛ تحليلًا يبين عن درجات البيان الإنساني في جميع لغات البشر، وعن سر تأثير الكلام المركب بالألفاظ في نفس الإنسان المتذوق لهذا الكلام، فيهتز لبعضه اهتزاز الأريحية، ويجد له من العذوبة والبشاشة ما يحمله على حفظه وترديده وتأمل جماله وروعة. وجهلة الدعاة إلى تبسيط النحو، المهونين من شأنه، إنما يريدونه علمًا فارغًا لا يزيد على أن يكون مجرد عاصم من الخطأ في ضبط أواخر الكلمات رفعًا ونصبًا وجرًا وجزمًا لا غير.

وطائفة أخرى من الأدباء والشعراء الذين هبطوا إلى أرض الأدب والشعر وهي خواء مقفرة، هم أشد إيغالًا في الطعن على علم البلاغة بفرعيه علم المعاني وعلم البيان وتابعيهما علم البديع، وهم أيضًا أشد تهوينًا لشأن البلاغة، وأبلغ فسقًا وخروجًا عن منازلها ومراتعها ورياضها. ثم لا يدري هؤلاء الطاعنون من جهلة زماننا أنهم بجهلهم يقتلون البيان في أنفسهم وفي أنفس البشر من بني جلدتهم، والبيان هو النعمة التي من الله بها على الإنسان ليخرجه من حيز البهائم والعجماوات، فهم أحرى أن يدركوا أنهم بجهلهم وتهورهم يقتلون لغة يسر الله نزول القرآن بلسان أهلها وهم نحن العرب، والله سبحانه يقول لنا في كتابه العزيز: ﴿لَقَدْ أَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ [الأنبياء: 10].

وأسأل الله ألا يتم علينا وعليهم قوله سبحانه: ﴿وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ بَلْ أَتَيْنَاهُم بِذِكْرِهِمْ فَهُمْ عَن ذِكْرِهِم مُّعْرِضُونَ﴾ [المؤمنون: 71]. وذلك برجوع هؤلاء الطاعنين إن شاء الله عما هم اليوم في شأنه مسرفون، فإذا فعلوا فعسى أن يأتي يوم يأذن الله فيه بأن ينشأ منا ومن أعقابنا من يتمم عمل عبد القاهر، ويكشف ما عجز عن بيانه وتفسيره في شأن طبع القرآن ومخرجه ومخرج آياته، ويومئذ يتغير القول في مسألة إعجاز القرآن تغيرًا يخرجنا من هذه البلبلة التي استمر إبهامها قرونًا طويلة، كما سترى.

نقف إلى هنا أيها الإخوة، لنبدأ إن شاء الله تعالى في الفصل التاسع عشر في الغد إن شاء الله. شكرًا لكم وجزاكم الله خيرًا، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وكل عام وأنتم بخير.