السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أهلاً وسهلاً ومرحباً بالكرام. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله ثم الحمد لله، الحمد لله حمداً يوافي نعمه ويكافئ مزيده. لك الحمد ربنا كما ينبغي لجلال وجهك ولعظيم سلطانك، نحمدك ربنا لا نحصي ثناءً عليك، أنت كما أثنيت على نفسك. اللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد.
أما بعد، أيها الإخوة، فهذا هو مجلسنا التاسع من مجالس شرح مداخل الإعجاز للأستاذ محمود شاكر -رحمه الله-، وما زلنا في المدخل الأول بعنوان: تاريخ حيرني ثم اهتديت، وهذا مدخل مهم جداً وأساس لكل ما يأتي بعده. أرسل إليَّ الفضلاء -ما شاء الله عدد كبير من الفضلاء- الرابط، فاستمهلوني للحظات ريثما تجتمعون، أكون قد نشرت الرابط إن شاء الله تعالى؛ هذا هو النشر بالفيسبوك وهذا بقناة التليجرام. نشر والحمد لله رب العالمين، كل من ألقى السلام أقول له: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، وكل من حيا: حياك الله وبياك وعمت صباحاً ومساءً.
وقفنا في المرة الماضية -طبعاً ما زلنا مع عبد القاهر- ووقفنا عند المقالة أو عند الفصل الثامن عشر، ونبه الأستاذ محمود شاكر -أو انتهى- إلى أن عبد القاهر يؤسس علم البلاغة من تأمل نعوت الجاحظ لما يجده في نفسه تجاه نظم القرآن، وأنه استفاد من كل الذين سبقوه، وأسس علماً لم يسبق إلى وضعه على هذه الهيئة وهذه الصورة. ونبهت كثيراً إلى أن الجذر الأول لعلوم البلاغة وإعجاز القرآن هو الجاحظ ومن بعده من علماء المعتزلة، وأن هذا العلم تعاوره عقول العلماء بين معتزلة وسنة، ونشأ في الأساس على يد المعتزلة، وهناك أيها الإخوة من المصنفات ما يتناول أثر علماء الاعتزال في هذا العلم في أول نشأته.
يقول الأستاذ محمود شاكر في صفحة سبع وتسعين: لما نشر الأستاذ محمد عبد الله الصديق الغماري -هذا من علماء المغرب- كتاب بيان إعجاز القرآن للإمام أبي سليمان الخطابي، وذلك في السنة الثانية والسبعين بعد الثلاثمئة والألف من الهجرة، الموافقة للسنة الثالثة بعد التسعين وتسعمئة وألف من الميلاد، كان أمراً غريباً جداً عندي. تنبه هذا الإمام الجليل لتعذر معرفة وجه إعجاز القرآن ومعرفة الأمر في الوقوف على كيفيته، قال: وهذه كلمة لا يقولها بهذا الوضوح عالم متمكن، قد فحص أقوال من سبق فحصاً دقيقاً فلم يجد في شيء منها مقنعاً ولا رضاً. ولكن كان أغرب منه عندي أنه حين ذكر إسناده وجه الإعجاز إلى البلاغة -وهو الوجه الذي اعتمد عليه أكثر علماء أهل النظر في زمانه وبعد زمانه إلى اليوم- صرح تصريحاً لا غموض فيه بحيرته في مفهوم لفظ البلاغة فقال: وفي كيفيتها يعرض لهم الإشكال ويصعب عليهم منه الانفصال.
قال: فدل بهذا أيضاً على أن أمر البلاغة عنده قد نال قسطاً وافراً من التأمل فلم ينتهِ فيه إلى رأي يجلب الطمأنينة إليه، بل وجده أمراً مشكلاً يصعب إزالة إشكاله. ثم زاد الأمر بياناً ودلَّنا على أنه كان يسائل أصحاب هذا القول في البلاغة فقال هذه المقالة الصريحة الواضحة الغريبة: ووجدت عامة أهل هذه المقالة -أي القائلين بإعجاز القرآن من جهة البلاغة- قد جروا في تسليم هذه الصفة للقرآن على نوع من التقليد وضرب من غلبة الظن دون التحقيق له وإحاطة العلم به. ولذلك صاروا إذا سئلوا عن تحديد هذه البلاغة التي اختص بها القرآن الكريم الفائقة وصفها سائر البلاغات، وعن المعنى الذي يتميز به عن سائر أنواع الكلام الموصوف بالبلاغة؛ قالوا: إنه لا يمكننا تصويره ولا تحديده بأمر ظاهر نعلم به مباينة القرآن غيره من الكلام، وإنما يعرفه العالمون به عند سماعه ضرباً من المعرفة لا يمكن تحديده، وإحالة على سائر أجناس الكلام التي يقع فيها التفاضل، فتقع في نفوس العلماء به عند سماعه معرفة ذلك، ويتميز في أفهام قبيل الفاضل من المفضول.
فبين بهذه الكلمات عن أن مفهوم البلاغة لعهده كان غامضاً كل الغموض، مبهماً كل الإبهام، وأن سحر لفظ البلاغة بهذا الإبهام كان يطغى عليهم طغياناً مستفيضاً. وسبب ذلك كما قلت آنفاً هو حضور التذوق في النفس حضوراً واحداً حياً في تذوق نظم القرآن وتأليفه، وفي تذوق نظم الشعر، وكان لهذا الإبهام سحر يربط هذا التذوق بلفظ له في نفسه دلالة مغرية توهم المرء بأن معناه بين، والحقيقة أن معناه ليس ببين ولا محدود. وإذا فالأمر كله مردود إلى التذوق لا غير، وقد كشف الخطابي هذا المعنى كشفاً كاملاً في تمام كلامه حيث قال: قالوا وقد يخفى سببه عند البحث ويظهر أثره في النفس حتى لا يلتبس على ذوي العلم والمعرفة به، قالوا وقد توجد لبعض الكلام عذوبة في السمع وهشاشة في النفس لا يوجد مثلها لغيره، والكلام معاً فصيح ثم لا يوقف لشيء من ذلك على علة.
قال أبو سليمان الخطابي: قلت وهذا لا يقنع في مثل هذا العلم ولا يشفي من داء الجهل، وإنما هو إشكال أحيل إلى إبهام. وهذا واضح جداً، ودال على أن الأمر كله مفوض إلى التذوق لا غير، وأن نسبة الأمر في الإعجاز إلى البلاغة إشكال أحيل إلى إبهام. كان مشكلاً فلما حللته أحلت إلى إبهام، ما معنى البلاغة أصلاً؟ هي مشكلة في البلاغة. ومعنى ذلك طبعاً من الذي رفع هذا؟ عبد القاهر، ظل إشكال البلاغة إلى أن جاء عبد القاهر. يعني إذا سألك أحد ما الذي فعله عبد القاهر؟ فلم تحسن أن تشرح له وضع نظرية النظم، ولم تحسن أن تشرح له تنظير عبد القاهر؛ أرح نفسك وقل له: عبد القاهر كشف معنى البلاغة وأنها مطابقة الكلام لمقتضى الحال، يعني توخي معاني النحو بحسب ما يؤم من الأغراض، يعني توخي علاقات التراكيب الجزئية بحسب ما يؤم من الغرض الكلي.
ودعوني هنا في الأخير في آخر المجلس أنبهكم إلى أمر متعلق بقضية مطابقة الكلام لمقتضى الحال؛ أريد أن أنبه إليه أيها الإخوة، يمكن اقتطاعه مفيداً وحده؛ لأن الكلام في ذلك خطير، خطأ شائع في الناس جداً. ومعنى ذلك أن كل ما كان يقال على عهده في شأن الإعجاز وأن مرده إلى البلاغة المبهمة الغامضة شيء لا يستقيم، وهو غير مقنع، وأنه لا يستطيع هو ولا غيره من أهل زمانه أن يطمئن إلى هذا الوجه من الإعجاز اطمئناناً يعين على الاقتناع ويشفي من داء الجهل بالوجه الذي كان به القرآن العظيم معجزاً، على مذهب المتكلمين الذين وضعوا لفظ الإعجاز ولفظ المعجز والمعجزة في نطاق لفظ التحدي وما زعموه من أن المشركين من العرب قد عجزوا عن مثل القرآن العظيم.
وإذا كنت أنا بعد عشرة قرون قد وقفت على كلام أبي سليمان موقف المستغرب المتأمل، فلا أشك أن عبد القاهر المتوفى سنة إحدى وسبعين وأربعمئة حين قرأ هذا الكلام الواضح الدال على إبهام لفظ البلاغة وإسناد إعجاز القرآن إليها، كان يومئذ أشد استغراباً وتأملاً، وإن هذه المقالة التي قالها أبو سليمان الخطابي كانت تمشي معه إذا مشى وتبيت معه إذا نام، وأنه كان صادقاً كل الصدق حين قال: ولم أزل منذ خدمت العلم أنظر فيما قاله العلماء في معنى الفصاحة والبلاغة والبيان والبراعة، وفي بيان المغزى من هذه العبارات وفي تفسير المراد بها، فأجد بعض ذلك كالرميم والإشارة في خفاء، وبعضه كالتنظيف ليبحث عنه فيخرج. ووجدت المعول على أنها هنا نظماً وترتيباً وتأليفاً وتركيباً وصياغة وتصويراً.
فهذه الألفاظ الثمانية التي ذكرها تحكي قصة عبد القاهر كلها وهو يراوغ هذا الإبهام المحيط بلفظ البلاغة، وما ذكره من تقدمه من وجوه البلاغة التي يعهدونها كالذي مر آنفاً من أقسام البلاغة العشرة عند الرماني وهي: الإيجاز والاستعارة والتشبيه والتلائم والفواصل والتجانس والتصريف والتضمين والمبالغة وحسن البيان. وما كان من استقصار الباقلاني هذه الغاية، وأن من قدر البلاغة في هذه الأوجه العشرة لا يعرف في البلاغة إلا القليل -هذا نص الباقلاني- ولا يفطن منها إلا لليسير، ثم جاء في كتابه إعجاز القرآن من وجوه البلاغة التي سماها البديع، ثم ختمها بقوله: وقد قدر مقدرون أنه يمكن استفادة إعجاز القرآن من هذه الأبواب التي نقلناها، وأن ذلك مما يمكن الاستدلال به عليه، وليس ذلك كذلك عندنا؛ لأن هذه الوجوه إذا وقع التنبيه عليها أمكن التوصل إليها بالتدريب والتعود والتصنع لها، وذلك كالشعر الذي إذا عرف الإنسان طريقته صح منه التكلف وأمكن نظمه، والوجوه التي تقول إعجاز القرآن يمكن أن يمثلها، فليس مما يقدر البشر على التصنع له والتوصل إليه بحال.
ولكنه يقول محمود شاكر: ولكنه لم يخرج من جميع نقده لأقوال من تقدمه ولا من محاولته كشف الإبهام عن معنى البلاغة إلا بأقوال محصلها أنها إشكال أحيل إلى إبهام كما قال الخطابي. فإنه لما فرغ من ذكر وجوه البلاغة كما هي عندهم يومئذ قال: وإنما ننكر أن يقول قائل إن بعض هذه الوجوه بانفرادها قد حصل فيها الإعجاز، من غير أن يقارنه ما يتصل به من الكلام ويفضي إليه. يعني تقول التشبيه معجز، الاستعارة معجزة، الفاصلة معجزة، المجاز معجز، غلط؛ الفاصلة بنفسها ليست معجزة، وإنما النص الذي وقعت الفاصله فيه مكوناً من مكوناته.
يقول: وإنما ننكر أن يقول قائل إن بعض هذه الوجوه بانفرادها قد حصل فيها الإعجاز من غير أن يقارنه ما يتصل به من الكلام ويفضي إليه، مثل ما يقول إن ما أقسم به وحده معجز، وإن التشبيه معجز، وإن التجنيس معجز. يعني القسم في كتاب الله معجز؟ التشبيه معجز؟ التجنيس معجز؟ يعني هل ﴿وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا﴾ [مريم: 4] المعجز هنا الاستعارة؟ لا. ﴿فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ﴾ [البقرة: 264] التشبيه معجز هو المعجز؟ لا، نفس التشبيه معجز؟ لا. ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ مِّنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ﴾ [البقرة: 19] هذا المعجز؟ لا. قال: مثل ما يقول إن ما أقسم به وحده معجز، وإن التشبيه معجز، وإن التجنيس معجز.
الآية التي فيها ذكر التشبيه، فإن ادعى إعجازها لألفاظها ونظمها وتأليفها فإني لا أدفع ذلك، بل أصحح، ولكن لا أدعي إعجازها لموضع التشبيه، يعني لعين التشبيه، ولا أدعي إعجازها لموضع التشبيه، يعني لمكان التشبيه وعظم التشبيه. ثم قال بعقب ذلك: لأن التشبيه الذي في الآية ما أنت ممكن تأخذه وتستعمله؛ ليس هناك معجزة في نفس التشبيه، وقد يرد على عقل إنسان قبل وروده في القرآن عادي، والقرآن استعمل وجوها من التشبيه ربما كانت موجودة عند العرب، ليس هذا الذي يكون به القرآن معجزا.
ثم قال بعقب ذلك عن الباقلاني: ومن تلك الوجوه ما قد بينا، ومن تلك الوجوه ما قد بينا أن الإعجاز يتعلق به كالبيان، فالقرآن أعلى منازل البيان، وأعلى مراتبه ما جمع وجوه الحسن وأسبابه وطرقه وأبوابه من تعديل النظم وسلامته وحسنه وبهجته وحسن موقعه في السمع وسهولته على اللسان ووقوعه في النفس موقع القبول، وتصوره تصور المشاهد وتشكله على جهته حتى يحل محل البرهان، ودلالة التأليف مما لا ينحصر حسنا وبهجة وثناء ورفعة.
تلاحظون البدايات الأولى لتبلور نظرية النظم، الباقلاني يحاول أن يقترب، وعبد القاهر أصاب، خلاص قال هي النظم، هو هذا التركيب، وكل ما تدور فيه يا أبا بكر الباقلاني، كل ما تدور فيه يا أبا بكر هو صفات لهذا النظم. شوف يقول لك: فالقرآن أعلى منازل البيان، ها يقول لك: ومن تلك الوجوه ما قد بينا أن الإعجاز يتعلق به كالبيان، فالقرآن أعلى منازل البيان وأعلى مراتبه ما جمع وجوه الحسن وأسبابه وطرقه وأبوابه من تعديل النظم وسلامته وحسنه وبهجته وحسن موقعه في السمع وسهولته على اللسان ووقوعه في النفس موقع القبول، وشوف كل هذه الصور صفة للنظم المجيد وتصوره تصور المشاهد وتشكله على جهته حتى يحل محل البرهان، ودلالة التأليف مما لا ينحصر حسنا وبهجة وثناء ورفعة.
وإذا عاين الكلام في نفسه كان له من الوقع في القلوب والتمكن في النفوس ما يذهل ويبهج ويقلق ويؤنس ويطمع ويؤيد ويبكي ويحزن ويفرح ويسكن ويزعج ويشجب ويهز الأعطاف ويستميل نحوه الأسماع، ويورث الأريحية والعزة، وقد يبعث على بذل المهج والأموال شجاعة وجودا، ويرمي السامع من وراء رايه مرمى بعيدا، وله مسالك في النفوس لطيفة ومداخل إلى القلوب دقيقة، وبحسب ما يترتب في نظمه ويتنزل في موقعه ويجري على سمت مطلعه ومقطعه يكون عجيب تأثيراته وبديع مقتضياته، وكذلك على حسب مصادره يتصور وجوه موارده. وقد ينبئ الكلام عن محل صاحبه ويدل على مكان متكلمه وينبه على عظيم شأن أهله وعلى علو محله.
يقول محمود شاكر: وهذا الذي نقلته لك هو الذي أشرت إليه آنفا من أن القاضي كان متكلما ولكنه كان ذواقة، وبصنع الكلام كان يمارس إزالة الإبهام أو يحاوله، ولكنه كان يفضي إلى سد منيع فيفر إلى التذوق وإلى نعت ما يجده في نفسه من تذوق القرآن العظيم، متبعا سنة الشيخ أبي عثمان الجاحظ التي أشرت إليها مرارا. فالذي لا ريب فيه عندي -محمود شاكر يقول- فالذي لا ريب فيه عندي أن عبد القاهر قد أحس بهذا كله واضحا جليا، فضمن أربعة ألفاظ من هذه الثمانية التي ذكرتها آنفا في الفقرة الأولى من كلامه، وهذه الألفاظ هي: الصياغة والتصوير والنسج والتحبير، ضمنها تاريخ تأمله لهذا الخليط من الألفاظ كالاستعارة، فحاول محاولته الأولى في كشف الإبهام عن هذه الأربعة.
الآن عبد القاهر، محمود شاكر يقرأ تاريخيا عقل الباقلاني وعقل عبد القاهر. عبد القاهر.. المايك لا يعمل يا إخوة، الأخ المايك لا يعمل، غالبا أختنا تقول كيف يا إخوة عندكم يعمل؟ طيب عندك المشكلة يا أختي الكريمة، كان الصوت جيدا يا إخوة؟ الصوت جيد، طيب. بمناسبة تحضر معنا أختنا علا قسيس، وهي مسيحية فلسطينية لكن هي تعنى شديدا بعلوم العربية واللغة والبلاغة، فهي تحضر بها، فأهلا بها في مجلسنا وأهلا بها بين أحبابها وأهلها وجيرانها، نعم نرحب بك يا جارتنا الجليلة وبلديتنا، نعم أكرمكم الله ورضي عنكم. يقول صاحبه مجلس، أختنا الكريمة صاحبة مجلس وعلى الرأس أخت كريمة.
يقول: يعني إذا محمود شاكر يحاول هنا قراءة عقل عبد القاهر، يقول: فالذي لا ريب فيه عندي أن عبد القاهر قد أحس بهذا كله واضحا جليا، فضمن أربعة ألفاظ من هذه الثمانية التي ذكرتها آنفا في الفقرة الأولى من كلامه، وهذه الألفاظ هي: الصياغة والتصوير والنسج والتحبير، ضمنها تاريخ تأمله لهذا الخليط من الألفاظ كالاستعارة التي سماها الباقلاني البديع، فحاول محاولته الأولى في كشف الإبهام عن هذه الأربعة الدالة على الأبواب التي تناولها في كتابه وهي التشبيه والتمثيل والاستعارة والحقيقة والمجاز، وهي أبواب علم البيان كما سماه البلاغيون من بعده، والتي جاء ذكرها في كتب من تقدمه من أهل العلم.
أكرمكم الله، أخي ميزان الذهب، طيب أكرمك الله يا سيدي، كما سماه البلاغيون علم البيان كما سماه البلاغيون من بعده والتي جاء ذكرها في كتب من تقدمه من أهل العلم، ومدار هذه الفصول جميعا على الألفاظ التي هي عنده خدم المعاني والمتصرف في حكمها كما قال في الدلائل، يعني تشبيه، مجاز، تمثيل، استعارة، حقيقة، كل هذا تنظيم ألفاظ؟ إيه ده وأنت تقول لي الآن الاستعارة ألفاظ؟ آه نعم، الاستعارة معنى، هو كله معنى أصلا لكن عن طريق الألفاظ، يعني هذه الاستعارة إذا وضعتها هي هي في موضع آخر في كلام آخر قبحت، فإذا لم يحسن الكلام بها وإنما اقتضى الكلام الاستعارة هنا اقتضى الكلام الاستعارة هنا.
يقول: ومدار هذه الفصول جميعا على الألفاظ التي هي عنده خدم -بين قوسين هذا تعبيره، تعبير عبد القاهر- خدم المعاني والمتصرف في حكمها. يقول محمود شاكر: ولست هنا بصدد شرح ما أراده عبد القاهر أو ذكر أقواله، يعني لا أشرح نظرية النظم وكلامه، يقول: ولست هنا بصدد شرح ما أراده عبد القاهر أو ذكر أقواله، ولكني أردت الدلالة على أن هذا الإبهام، ها ركزوا معي الآن، ولكني أردت الدلالة على أن هذا الإبهام الذي كان يحيط بأبواب البلاغة عند من تقدم عبد القاهر قد ألقى عليه ضوءا كاشفا لأكثر مبهمات، قد ألقى عليه عبد القاهر ضوءا كاشفا لأكثر مبهمات، وجعل الأمر في هذه الأشياء المعتمدة على اللفظ مصروفا كله إلى المعاني التي تحكمها في باب التشبيه أو الاستعارة أو المجاز.
وقد كشف عن ذلك بعض الكشف في أول كتابه أسرار البلاغة حيث يقول: وأما التشبيه والاستعارة وسائر أقسام البديع فلا شبهة أن الحسن والقبح لا يعترض الكلام بهما إلا من جهة المعاني خاصة، لا يعترض الكلام بهما إلا من جهة المعاني خاصة، من غير أن يكون للألفاظ في ذلك نصيب، الألفاظ يعني الأصوات الصرفة. واحد يقول لك الجناس والطباق لعبة ألفاظ، الجناس والطباق الذي لا يؤدي إلى معنى هو الذي يكون لعبة ألفاظ ويكون رديئا ولا يعجب إلا الجهلة من العامة، ليس فقط العام لا، جهلة العامة.
وعبد القاهر يصرح بفلسفة الجناس الحسن، يقول: لا يقع الحسن في الجناس إلا بمواقع ألفاظ المجانسة، لا يقع الحسن في الجناس إلا بمواقع ألفاظ المجانسة، فيضرب مثالا على ذلك بقول الإمام الشافعي: في شيء أجمع أهل الحرمين على تحريمه، فوقعت مجانسة بين الحرمين والتحريم: أجمع أهل الحرمين على تحريمه، ترى الجناس هنا مفيدا. لماذا الجناس هنا مفيد؟ لماذا؟ لأن مادة الكلمتين قد ارتبطت بموقعه في الجملة في المعنى، لأنه قال: أجمع أهل الحرمين على تحريمه، يعني يقول لك الذي جعل تحريمه أهل الحرمين، فما الحرمة في الحرمين هي نفس الجذر في مادة الحرمة في التحريم، يعني هذان حرمان، الحرم المكي والحرم النبوي، هذان حرمان، أهل الحرمين المحرمين أجمعوا على تحريمه، فهنا العلاقة مشدودة إلى بعضها، مشدودة إلى بعضها.
كذلك من الجناس الحسن أبيات جرير، ها: ومن هاب أسباب المنية يلقها، ولو رام أسباب السماء بسلم، وقع جناس الترديد بين أسباب وأسباب، هذا نوع من الجناس اسمه الترديد، وقع جناس الترديد بين أسباب وأسباب، صح؟ لكن لو نظرت في العلاقة تجد أسباب المنية أسباب الموت، وهناك أسباب السماء، خلاص هو زهير، هل قلت غير زهير؟ أنا قلت شيء غير زهير يا إخوة؟ أنا قلت غير زهير يا إخوة؟ المعلقة يقول و.. جرير لا، لا زهير، آسف. يقول: ومن هاب أسباب المنية يلقها، ولو رام أسباب السماء بسلم، فبينهما مناقضة، أنت خفت من أسباب المنية أسباب الموت فهرعت إلى أسباب السماء، هرعت إلى أسباب السماء فهذا الترديد مفيد. نعم هذا الترديد مفيد، وهو نوع من الجناس.
طبعا قال: وقد كشف عن ذلك بعض الكشف في أول كتابه أسرار البلاغة، طبعا يا إخوة أنبه إلى هذا، لأن أحيانا يأتيني اتصالات من بعض أحباب الشعراء في بعض الدول العربية ويقول: يعني يا أبا قيس أنت ترجع كل شيء إلى النظم، انظر هذا جناس حلو، وانظر هذه فكرة كذا، وانظر يا أخي أنت كل هذا في النظم أصلا، يعني يا إخوة إلى متى ننتهي عن الكلام دون حتى قاعدة قراءه؟ يعني أنا لا أقول دون تدقيق وتحقيق وتحرير وفهم حتى تكون محققا مدققا محررا، لا توقفوا فقط عن الكلام دون قاعدة، لأن هذا الكلام قاله عبد القاهر في صدر أسرار البلاغة، حتى نقد في طريقه أبا تمام وقال إنه يؤثر الإتيان بالبديع وبذلك على حساب صحة النظم فيفسد، ويشعر أنه إذا لم يجانس من الأسماء أسماء الجبال أو الأمراء أو الأماكن كأنه ارتكب إثما عظيما، هذا قاله عبد القاهر في أبي تمام في صدر أسرار البلاغة.
هذه رواية أخرى يا أخي الكريم: ومن هاب أسباب المنايا ينلنه، هذه رواية أخرى، لم تغب عني لكن أنا أحفظ وأعتمد الرواية التي قلتها. أقول يعني نكف عن الكلام دون قاعدة من المعرفة والعلم يا إخوة، قاعدة قاعدة قاعدة. قال: وقد كشف ذلك بعض الكشف في أول كتابه أسرار البلاغة، حيث يقول عبد القاهر، النص من الأسرار صفحة 20 حيث يقول: وأما التشبيه والاستعارة وسائر أقسام البديع فلا شبهة أن الحسن والقبح لا يعترض الكلام بهما إلا من جهة المعاني خاصة، من غير أن يكون للألفاظ في ذلك نصيب، أو يكون لها في تحسين أو خلاف التحسين تصعيد وتصويب، يعني نظر في الأعلى وفي الأسفل.
وقد كان عمل عبد القاهر في هذا الكتاب أسرار البلاغة هو تحليل الألفاظ المتصرفة بأمر المعاني التي تحكمها، والبيان عن وجه حسنها وقبحها أو خطئها وصوابها ومراتبها من العلو والنزول غير مقطوعة عن أصلها الذي تنتمي إليه. لا، استنوا، تعرفون ما معنى هذا؟ يعني عبد القاهر ألف كتابه أسرار البلاغة وهو يثبت لك به أن التشبيه والاستعارة والمجاز والكناية كل ذلك يرجع إلى النظم، وأنه ليس بعينه! شوف العجب بقى، والعلماء يرجحون أنه صنف الأسرار قبل الدلائل، يعني كان انطلاقه من الأسرار في بيان رجوعها إلى النظم، أوحى إليه بتصنيف كتاب في النظم. شوف العجب، شوف العجب!
أخي الكريم احترم المجلس، لا تدخل في نقاشات وكما نقول سوالف جانبية، احترم المجلس ولا تصر.. يعني هو حذف كلامك أو كذا فلا تصر وتأتي وتقطع، احترم سلسلة المجلس وسبيكة المجلس وموضوعه. قال: غير مقطوعة عن أصلها الذي تنتمي إليه، وهو أنها واقعة في خلال كلام ذي نظم وتأليف وتركيب. آه يعني عبد القاهر أيها الإخوة، ركزوا في هذا، هذا الخطر.. عبد القاهر أيها الإخوة صنف أولا كتاب أسرار البلاغة وأثبت لك فيه الوجوه التي يحسن منها التشبيه والمجاز والكناية، هذه الوجوه البيانية، هذا كتاب أصلها، خلاص، أثبت لك في هذا الكتاب أن هذه جميعا إنما ترجع إلى ترتيبها وتركيبها ونظمها، إلى ترتيبها وتركيبها ونظمها، وكأنه من هذا الكتاب خرج إلى بلورة النظرية في دلائل الإعجاز، ثم يأتي الآن من يفصل لك القضية، يقول لك لا التشبيه وهذه أشياء حلوة معنوية بذاتها جميلة، والأن يكون الكلام نظما حسنا هذا شيء آخر.
أوه كل هذا لم يحسن إلا من جهة ترتيبه، وإنما خص عبد القاهر هذه الأبواب في كتب أو في كتاب أسرار البلاغة، وفي أبواب هذا الكتاب لأجل أن يقول لك أن القضية فيها ترجع إلى نظمها، وهذا اسمع اسمع اسمع اسمع الكلام.
وهذا له أثر في طريقة تقسيمه لهذه العلوم، لأنه جعل التمثيل خارجاً عن الاستعارة، والتشبيه يتكلم عن التشبيه وعن الاستعارة وعن التمثيل، والتمثيل الذي أتى به مستقلاً سيدخل فيه التشبيه والاستعارة التمثيلية كما نعرفها الآن. عبد القاهر جعل التمثيل وحده، البلاغيون الذين أتوا بعده في البلاغة التقريرية أدخلوا تحت التشبيه ما عرف بالتشبيه التمثيلي، وتحت الاستعارة ما عرف بالاستعارات، يعني ألغيت فيه المشبه وأداة التشبيه، وتعاملت مباشرة مع المشبه به؛ فلو ركب صار تمثيلاً سموه باستعارة تمثيلية، وما بقي من التمثيل الذي ذكره عبد القاهر على طريقة التشبيه سموه بالتشبيه التمثيلي.
أنا أقول هنا ينبغي ألا ننظر إلى تقسيم عبد القاهر هذا، فثمة شيء مما يجعلني أقف عند عبد القاهر على أنه منهج قائم بنفسه لا يُلغى. البعض يعامل عبد القاهر على أنه صورة أولية بدائية قعدت في علوم البلاغة، يا أخي عليك وعلى دماغك، استفد من التقسيم في علوم البلاغة تقسيماً علمياً كما تشاء، لكن أنا أنظر إلى عبد القاهر على أنه يظل مدرسة قائمة بنفسها؛ لأنه لما نظر إلى التمثيل وسماه تمثيلاً، ولم يقل تشبيهاً تمثيلياً واستعارة تمثيلية على طريقة تقسيم العلوم، كان ينظر إلى شيء مشترك لا يؤثر فيه كونه تشبيهاً أو استعارة، كان ينظر إلى فكرة التركيب وصياغة الأحداث، سواء سميتها استعارة تمثيلية أو تشبيهاً تمثيلياً، ليس هذا ما يشغله، يشغله هذا التمثيل الذي يشرح به قضية النظم؛ ولهذا أنا من المتعصبين بشدة لطريقة عبد القاهر، المتعصبين لبقائها، ينبغي أن تبقى طريقة عبد القاهر.
وطريقة البلاغيين؟ لا، طريقة علمية، هذا باب، وهذه طريقة تقسيم علمية، والدكتور محمد أبو موسى اجتهد كثيراً في أن يبين الفرق بين طريقة عبد القاهر وطريقة البلاغيين من بعده، وأن طريقة البلاغيين من بعده هي طريقة من يقعدون علوم غيرهم ويقسمون لتيسير التحصيل؛ فسمِّ لي هذا تشبيه تمثيلي وأدخله في التشبيه، وسمِّ هذا استعارة تمثيلية وأدخلها في الاستعارة، لكن عبد القاهر كان يكشف عن الشيء على غير مثال سابق من حيث نفسه، يكشف عن الشيء من حيث نفسه على غير مثال سابق، ولهذا قال تشبيه وقال استعارة وقال تمثيل، والتمثيل يشمل ما عرف بعد ذلك بالتشبيه التمثيلي والاستعارة التمثيلية.
وأرى ضرورة الإبقاء على طريقة عبد القاهر، بل أقول إن طريقة عبد القاهر هي الطريقة الوحيدة، لأن غيرها مشكل، هي الطريقة الوحيدة التي ستفهم بها أن علوم البديع تدخل في النظم؛ هي الطريقة الأولى الواضحة قبل التقعيد والتقسيم الذي أهمل هذه الفكرة، أهمل شرح البديع من حيث دخوله في النظم، بل لو اكتفيت بطريقة البلاغة التقريرية ستضيع أصلاً؛ لأنهم يقولون لك إن أشياء تأتي بعد تمام كذا وكذا، هذا الكلام مشكل، ليست تأتي بعد، هي نفسها دالة، وإن كان هذا الكلام أنا أقول مشكل لأن له وجهاً في الصحة، أنهم يشترطون الصحة، لكن في ناس تظن أن خلاص ممكن آتي بلفظة كذا خلاص هذه جيدة، هات بقى لفظة جناسية؛ لا، هم يقولون لك تأتي فوق الصحة، يعني دلالة فوق الدلالة، لكن من حيث الواقع من حيث الأمر في نفسه اللفظة الجناسية هي من صلب التركيب، هي عين التركيب والدلالة، ﴿أَجْمَعَ أَهْلُ الْحَرَمَيْنِ عَلَى تَحْرِيمِهِ * وَمَنْ هَابَ أَسْبَابَ الْمَنِيَّةِ يَلْقَهَا * وَإِنْ رَامَ أَسْبَابَ السَّمَاءِ بِسُلَّمِ﴾.
شوف الكلام، أسباب المنية وأسباب السماء هي تكونت في النص أصلاً، دلالة تكونت في النص دلالة؛ فالذي يشرح لك هذا عبد القاهر، لو اكتفيت بظاهر ما يوحيه علم البلاغة التقريرية وعلم البديع مشكل، ومن يشرح لك في هذا الزمان وهو يشرح لك البلاغة التقريرية من يشرح لك أن أصل الفلسفة عند عبد القاهر؟ ما فيش أساتذة بلاغة، ما احنا عارفين عاملين ازاي أساتذة بلاغة، "هاه والاستعارة يا ابني"؟ أه، بيأكل عيش! فلذلك أرى ضرورة بقاء طريقة عبد القاهر منهجاً علمياً يدرس، ولهذا محمود شاكر أشار إلى هذا، قال: "ظل منهجاً وحده، وظل نسيج وحده"، وظل منهجاً قائماً بنفسه لا يستغنى عنه، وهذا صواب، لا يستغنى عن منهج عبد القاهر.
نعم، قال: "غير مقطوعة عن أصلها الذي تنتمي إليه، وهو أنها واقعة في خلال كلام ذي نظم وتأليف وتركيب، وبذلك وضع لهذه الأمة العربية أول كتاب في تحليل اللغة لم يكن له شبيه من قبل في لسان من الألسنة، وكل من جاء من بعده فهو عالة عليه فيه". وبذلك وضع لهذه الأمة العربية أول كتاب في تحليل اللغة، هو كتاب أسرار البلاغة، لم يكن له شبيه من قبل في لسان من الألسنة، وكل من جاء من بعده، يا أخي شوف يجي يقول لك علوم اللسانيات أوروبية ومش عارف إيه، والله وضع لهذه الأمة العربية أول كتاب في تحليل اللغة، تحليل اللغة المعاصرة بقى بالطريقة الألسنية المعاصرة، لم يكن له شبيه من قبل في لسان من الألسنة.
يقول لك الحضارات ونحن أخذنا من حضارات اليونان، ونحن والله بيقولوا أخذنا البلاغة من اليونان، يخرب بيت كده! لم يكن له شبيه من قبل في لسان من الألسنة، وكل من جاء من بعده فهو عالة عليه فيه؛ نعوم تشومسكي صاحب النحو التحويلي يقتات طوال عمره على عبارات لابن خلدون، على أن ابن خلدون المؤرخ الفيلسوف يعني ليس ممن يعد عندنا شديداً في فلسفة اللغة والنقد والشعر، لكن نعوم تشومسكي صاحب النحو التحويلي وصاحب كتاب "آفاق جديدة في دراسة اللغة والذهن"، هذا الكتاب لنوم تشومسكي معروف عالم صاحب نظرية النحو التحويلي، كتاب كبير، وأنا أستقرئ كتب الغربيين بالمناسبة، أقرؤها كلها على قدر ما أستطيع، يقتات على نظرات لابن خلدون، يقتات على نظرات في أفكار هكذا، وبعضها بالمناسبة أنبه إليه في حديث مع صديق كذا أنبه إليه.
أه، صح النحو التحويلي مش أه صح ده كلمة فلان، أكون أقرأ هذا الكتاب مثلاً أو غيره وأكون قرأت ابن خلدون، ثم يأتي حوار مع أحد يربط لي بينه، أيوه صحيح! الآن يعودون إلى مصنفات عبد القاهر وطريقته وكذا؛ لاستلهام بعض الأفكار الأسلوبية أو أفكار النظم وتكوين وتثبيت الإجراءات العلمية والتحليلية في مذاهب النص، يعني في المذاهب المتعلقة بالانطلاق من النص، بعد فكرة الانطلاق من الشخص أو المجتمع فكرة رومانتيكية أو كذا؛ الآن في الاتجاهات الحديثة في اللسانيات المعاصرة يتجهون، ونحن سعداء بهذا، أول من تأسس عنده هذا هو عبد القاهر.
وبذلك وضع لهذه الأمة العربية أول كتاب في تحليل اللغة، لم يكن له شبيه من قبل في لسان من الألسنة، وكل من جاء من بعده فهو عالة عليه فيه، والحديث عن كتاب أسرار البلاغة يحتاج إلى فصل قائم بذاته لا محل له هنا، وإنما هي الإشارة إليه لا غير. وأما الألفاظ الأربعة الأخرى وهي النظم والترتيب والتأليف والتركيب، فهي كلها متعلقة بالجمل، ومعنى الجمل أنها الكلام المركب من الأسماء والأفعال والحروف للدلالة على المعاني التي يريدها المتكلم، ولا بد لهذا التركيب أن يكون بعض أجزائه متعلقاً ببعض، وقد تكفل بدراسة وجوه هذا التركيب ما نسميه علم النحو، والغرض منه هو ضبط صحة تعلق الكلم بعضها ببعض.
بيد أن علم النحو يقف عند حصر هذا التعلق للدلالة على معاني التركيب من حيث هو فاعل أو مفعول أو مبتدأ أو خبر أو حال أو نعت أو عطف أو تمييز أو استثناء، ثم النفي والاستفهام والجزاء والشرط وما يوجبه ذلك التعلق من الأحكام؛ وكان علم النحو على عهد عبد القاهر قد بلغ غاية من الدقة والوضوح والاستيعاب، منذ كان الخليل وسيبويه إلى أن احتفل به الأئمة من علمائه في عهده وقبيل عهده -يعني عهد عبد القاهر- كأبي علي الفارسي وأبي الفتح بن جني. كان عبد القاهر نفسه ممن أعطى النحو نصيبه من التمحيص والتأمل حين ألف كتابه الكبير "المغني" الذي شرح به كتاب "الإيضاح" لأبي علي الفارسي في ثلاثين مجلداً، فاكتسب بفنون تركيب الجمل خبرة مرهفة.
ولكنها -اسمع هذا من إمام، دلوقت ممكن واحد يشرح لك الآجرومية يجي يقول لك أنا أشرح لك شعر- تنيل، حين ألف كتابه الكبير المغني الذي شرح به كتاب الإيضاح لأبي علي الفارسي في ثلاثين مجلداً فاكتسب بفنون تركيب الجمل خبرة مرهفة، ولكنها لا تزيد على أن تكون دقة في الحصر، ولكنها -من حيث كونه نحوياً- ولكنها لا تزيد على أن تكون دقة في الحصر ومهارة فائقة في التناظر والتشابه ومعاودة لثقل النحو ثقلاً يزيل عنه الصدأ حتى يتلألأ، وهذا أمر شاركه فيه غيره من أئمة هذا العلم الجليل الذي لا نظير له في جميع ألسنة البشر؛ علم النحو عند العرب ليس مثله في كل الأمم الأخرى، انسى، مهما جئت هات الجرامر بتاع الأمم كلها ما فيش!
قال وهذا أمر شاركه فيه غيره من أئمة هذا العلم الجليل الذي لا نظير له في جميع ألسنة البشر منذ كانوا إلى يوم الناس هذا، وإن شارك كل لسان في بعض معناه، لأن لكل لسان من الألسنة نحواً من جنسه؛ ولكن أين الثرى من الثريا كما يقولون! وإن جهل هذا أدعياء أهل زماننا جهلاً يكتب به عليهم التقصير في الفهم، لا البصر بالحقائق، وإن ادعوا ذلك بألسنتهم، فإنها دعوة كاذبة لا أكثر ولا أقل. بعض الناس الآن يقول العربية من المعاصرين ومن مدرسي النحو: العربية فضلت فقط بنزول القرآن، وغير ذلك كانت ستفوق غيرها وكذا، هكذا يصفه محمود شاكر، يقول: "وإن جهل هذا أدعياء أهل زماننا جهلاً يكتب به عليهم التقصير في الفهم"، الطبعه كما قلت في الأول مليئة بالأخطاء.
البعض أرسل إلي أقول لكل إنسان أنت معكم نسخة أخرى غير نسختي ولا إيه؟ لحظة نفتح، الأخ الكريم الذي راسلني عندك نسخة غير نسختي، يعني غير هذه النسخة غير الخنجي أو المدني؟ "لسان من الألسنة"، آه وقعت مني كلمة من الألسنة يعني في القراءة، صح لا ليس صحيح، يعني أحد الكرام يقول لي "لكل لسان"، لا، "لأن لكل لسان من الألسنة نحواً من جنسه"، نعم أنا أفهم، ينقصها التنوين، "لأن لكل لسان من الألسنة نحواً"، وإنما وقع الخطأ ليس هناك ألف، وقع خطأ هنا في جعلها منونة من أعلى فقط.
قال: "لأن لكل لسان من الألسنة نحواً من جنسه"، ولكن أين الثرى من الثريا كما يقولون، وإن جهل هذا أدعياء أهل زماننا جهلاً يكتب به عليهم التقصير في الفهم، لا البصر بالحقائق، وإن ادعوا ذلك بألسنتهم؛ كما قلت أحد مدرسي النحو الآن يدعي أن العربية لم تحسن أو لم تفضل إلا بنزول القرآن بها، ويقول لي قديماً: "لو لولا نزول القرآن بالعربي على العربية وأنه فضلها وكذا لا تفوقت اللغات الأخرى العربية"، عادي، هكذا يصف محمود شاكر بأنهم أدعياء أهل زماننا، "وإن جهل هذا أدعياء أهل زماننا جهلاً يكتب به عليهم التقصير في الفهم لا البصر بالحقائق، وإن ادعوا ذلك بألسنتهم فإنها دعوة كاذبة لا أكثر ولا أقل".
نعم، كانت هذه الدقة المذهلة في الحصر والاستيعاب والتقسيم والتبويب، والتي قام بعبئها الأكبر إماما النحو الخليل بن أحمد وسيبويه، ثم جاء على أثارهما من تفصيل واستدراك وتمحيص إلى عهد عبد القاهر، كان ذلك كله يحمل في ثناياه خبئاً مستوراً دفيناً لمن يبحث عنه ويخرجه؛ كما أشار إلى ذلك عبد القاهر نفسه، إلا أن الذي حرك عبد القاهر لم يكن هذا الخبء الدفين نفسه.
إلا أن الذي حرك عبد القاهر لم يكن هذا الخلد الدفين نفسه، بل كان شيئاً آخر جعله ينكشف له بغتة. يقول عبد القاهر على إمامته في النحو وعلمه وإحاطته وحسه المرهف بهذه التراكيب النحوية، لم يحركه هذا، لم يكن هذا الذي حركه وإنما شيء آخر.
بل كان شيئاً آخر جعله ينكشف له بغتة، إنها هنا خبيئة دفينة وجوهراً نفيساً مغموراً، ولكنه يلمع لمعاناً خاطفاً من وراء حجب النحو التي أسدلت عليه طرائقه ومصطلحاته ومناهجه. مرة أخرى، بل كان شيئاً آخر جعله ينكشف له بغتة، إنها هنا خبيئة دفينة وجوهراً نفيساً مغموراً، ولكنه يلمع لمعاناً خاطفاً من وراء حجب النحو، المصطلحات العلمية والقواعد التي أسدلت عليه طرائقه ومصطلحاته ومناهجه.
كان عبد القاهر كما قلت فقيهاً شافعياً ثم متكلماً أشعرياً، مغموساً في قضايا الكلام، ولكنه كان قبل ذلك كله نفساً ملهوفة بالبيان.
أرى أن نقف هنا لأننا سندخل في كلام جديد، وأريد أن أنشط له نشاطاً جديداً إن شاء الله. شكراً لكم وجزاكم الله خيراً، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
الأستاذ أبو قيس محمد رشيد