الحمد لله، ثم الحمد لله، الحمد لله حمدًا يوافي نعمه ويكافئ مزيده، لك الحمد ربنا كما ينبغي لجلال وجهك ولعظيم سلطانك، أحمدك ربنا لا نحصي ثناءً عليك، أنت كما أثنيت على نفسك. اللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد.
كل عام وأنتم بخير أيها الإخوة، وتقبل الله تعالى منا ومنكم العبادات. وهذا هو مجلسنا الثاني في شهر رمضان المعظم، وقلت من هذا المجلس إن شاء الله تعالى نستكمل سلسلة مداخل إعجاز القرآن لمحمود شاكر، في المدخل الأول، نلزم هذه المجالس حتى ننتهي من المجلس الأول، وهذا مناسب لشهر رمضان المعظم، وفيه كذلك مزية إنهاء عمل بتمامه. فهذا مجلسنا الثامن أيها الإخوة، وكل من ألقى السلام أقول له: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، وكل من حيا: حياك الله وبياك وعمت صباحًا ومساءً.
أخص من هنا أهل غزة بالمعايدة والمباركة بشهر رمضان المعظم، وأقول لهم: كل عام وأنتم أعزة، كل عام وأنتم في نصر، قد قضى الله تعالى أن تكونوا شرف هذه الأمة، ورأس حربتها، ورافعي أنفها. والحمد لله رب العالمين، قضى الله تعالى أن تكونوا رافعي أنف هذه الأمة الكريمة، فبكم حفظ الله تعالى الكرامة.
نتوكل على الله تعالى؛ في المرة الماضية -المجلس السابع- كنا قد ولجنا إلى الحديث عن الرجل السابع الذي قال محمود شاكر إنه جاء أمة وحده، وهو عبد القاهر الجرجاني رحمه الله تعالى. توقفنا في أثناء الفقرة السابعة، ولكن حتى نستعيد هذه الأجواء مرة أخرى وحتى نربط السياق، أرى أن نبدأ من الفقرة السابعة مرة أخرى، وهي في الصفحة التاسعة بعد الثلاثين.
قال: ثم جاء الرجل السابع. من كان الرجل السادس؟ من يذكر من كان الرجل السادس؟ تذكروا: السكاكي، خالص، القاضي عبد الجبار، أحسنت يا أحمد حنفي. طيب، من كان الخامس في سلسلة تكوين البلاغة وعلوم الإعجاز؟ الباقلاني، أحسنت يا أحمد حنفي. من كان الرابع؟ الرماني. من كان الثالث؟ الرماني، والواسطي أبو عبد الله محمد بن يزيد الواسطي هو الثاني، والجاحظ هو الأول.
الجاحظ هو الرجل الأول في تأسيس هذه العلوم، هو الذي ألف يرد على النظام في أنه لو خُلِّي بين العربي وبين القرآن ما أتوا بمثله في بلاغته، وتعلمون ما وقع فيه الجاحظ من تناقض وإشكال. ثم جاء بعده أبو عبد الله محمد بن يزيد الواسطي، والجاحظ معتزلي والواسطي معتزلي كذلك، وصنف في إعجاز القرآن، وهو الذي نشر هذه المصطلحات: مصطلح إعجاز القرآن والمعجزة إلى آخره. كل ما نستعمله من مصطلحات الإعجاز والمعجزة البيانية كل هذا منه، وكون القرآن معجزًا كل هذا منه. ثم جاء الرماني، خطا خطوة ضئيلة نوعًا في البلاغة، ثم جاء الخطابي وبدأ يتحدث عن البلاغة وأثار حولها النظر والريبة: ما هي البلاغة؟ وتكلم بكلام رضي محمود شاكر بعضه ولم يرضَ بعضه. ثم جاء الباقلاني، خطا خطوة كبيرة في إدارة الكلام عن إعجاز القرآن، واستعمل طريقة الجاحظ في محاولة التعبير عما يجده في نفسه. ثم جاء القاضي عبد الجبار الهمذاني، فحل المعتزلة وتكلم بكلام أثار حفيظة وأثار قريحة الرجل السابع وهو عبد القاهر، وهنا ترون كيف كانت البناء تقود لبناته إلى اكتمال جدار البلاغة وبيت البلاغة عند عبد القاهر في الأخير.
ثم جاء الرجل السابع، جاء أمة وحده، جاء ليضع ميسمه على علم قائم برأسه لم يسبقه إلى مثله أحد. ثم جاء من بعده ليتم عمله ببراعة واقتدار، ومع ذلك ظل عمله هو منفرداً بسجايا عن أعمالهم، وهذا يشير إلى أن مصنفات عبد القاهر: الأسرار والدلائل تظل لها ميزتها التي تفصلها عن المناهج أو عن الطرائق الأخرى، تفصلها في المنهج والفائدة عن سائر المصنفات في البلاغة؛ فلم تصر مجرد مراحل أولى للبلاغة التقريرية، وإنما ظلت الحاجة قائمة إلى دراستها من حيث كونها جنسًا مستقلاً من التصنيف البياني.
هو الإمام أبو بكر عبد القاهر بن عبد الرحمن الجرجاني، لعله أدرك أواخر القرن الرابع، ثم توفي في القرن الخامس سنة 471 من الهجرة. وعبد القاهر فقيه شافعي ومتكلم على مذهب أبي الحسن الأشعري، يعني سني، كان إمامًا في النحو واللغة والأدب، استوعب ما كان من علم أبي علي الفارسي وأبي الفتح بن جني وهؤلاء معتزلة. في العلم رحم واحد، لا تبحث عن شيء آخر، في العلم رحم واحد.
أعيب شديدًا على من يخفي عن طلبة العلم -وهو يتحدث عن رضي الدين شارح الكافية المحقق في العربية، وإذا قيل قال المحقق فهو رضي الدين، وشرحه هذا لعله أوسع وأجود الشروح المفصلة المحققة في علم النحو، شرح رضي الدين على الكافية- ابن الحاجب وما فيها من الشواهد العظيمة الكثيرة التي خرجها عبد القادر البغدادي، فصنف كتابًا ضخمًا ثمينًا ماتعًا جميلاً علميًا وأدبيًا هو كتاب خزانة الأدب لعبد القادر البغدادي؛ هذا الكتاب إداره على شواهد رضي الدين التي أوردها في شرحه على الكافية.
أقول: أعيب شديدًا ما يفعله بعض الأساتذة حين يكتمون أو حين لا يذكرون أن رضي الدين كان شيعيًا نزيل النجف، هو رضي الدين الاستراباذي نزيل النجف؛ نزل من بلاد فارس وعاش في النجف، وهو الذي صنف هذه الشروح، صنف شرحًا على الشافية في الصرف وصنف شرحًا على الكافية في النحو، وكان رحمه الله ورضي عنه شيعيًا. وهذا عبد القاهر هضم علم أبي علي الفارسي وعلم ابن جني وهؤلاء معتزلة، وكلهم في الجملة عالة على الجاحظ المعتزلي، بل محمود شاكر قال: إن الرماني يشبه أن يكون من طبقة أساتذة الخطابي، والخطابي أشعري سني والرماني معتزلي، وأبو سليمان الخطابي شافعي أشعري سني.
واستفاد من كل هؤلاء من جاء بعدهم، وهو أبو بكر الباقلاني وهو فحل الأشاعرة السنة، وشارك في ذلك الهمذاني فحل المعتزلة، ثم قرر هذه العلوم -علوم البلاغة- عبد القاهر الأشعري السني، وهضم في ذلك علم أبي علي الفارسي وعلم ابن جني وعلم سيبويه وهؤلاء معتزلة أو أكثرهم. فهذا كله لأن العلم رحم بين أهله يا إخوة، لا تقل لي: لا أطلب على كذا ولا آخذ، تعرفون هذا؛ هؤلاء كن عند أهل طائفتك فقط وستكون متخلفًا، لأن العلم رحم؛ بغير ذلك تأتي مبتسرًا، مبتسرًا يعني ناقصًا خديجًا، تأتي ناقصًا خديجًا.
وها نحن نرى تخلفهم العقلي، هم والحداثيون، نرى تخلفهم العقلي سبحان الله؛ على بعد ما بينهم في الظاهر مشتركون في المادة والماهية جدًا، وهو ضعف العقل الحداثي. وبمناسبة للاسف الشديد هؤلاء في كل طائفة، لا تحسبوا أن هذا في طائفة واحدة، لأن هذا مرض عقلي والمرض العقلي لم يقتصر على طائفة دون طائفة، هذا موجود في كل الطوائف، أنا رأيته في كل، وسبحان الله يشبه بعض، لا إله إلا الله.
والله يا إخوة، الأخ الذي يضع أبياتًا أو قطعة أدبية، أقول سبحان الله، والله يا إخوة يشبهون بعضهم في النظرة والشكل وشكل الرأس عجيب، أنا المشية والشكل سبحان الله، يشبهون بعضهم في كل الطوائف. هذا المتعصب الأرعن الجاهل الخفيف السطحي الذي لا آخذ إلا ممن يوافقني يشبه بعض؛ لأنها ملة غبية، يعني هو مثلاً ليس سلفي، ليس شيعي، ليس كذا، ليس نصيبي، هو في كل هذه الطوائف يوجد مجموعة كأنهم أقارب من علة واحدة.
سبحان الله، كنت قديمًا لما أرى من عنده المرض المنغولي، كنت فاكرهم عيلة واحدة، طلع مرض يا عيني بيخلي كل الناس شبه بعض، بيعمل أشياء في الوجه في العين في القفا في الرأس، شفى الله تعالى مريضنا. فإيضًا سبحان الله، ترى من يتكلم هكذا في كل طائفة تشعر أنهم من قبيلة واحدة مريضة، أنهم عندهم نفس الهيئة والمشية والكلام؛ لأن العقل هو العقل، والقلب سيدا البدن والروح، المتحكم في البدن والروح، فيصبغ على الإنسان هيئة واحدة إذا سار في اتجاه واحد، فتشعر أنهم أقارب على اختلاف بلادهم وطوائفهم. وأهل العلم أقارب بينهم رحم العلم.
قال: استوعب ما كان من علم أبي علي الفارسي وأبي الفتح بن جني. طبعًا لا تقل جني، أحيانا نخطئ وأحيانا أنا أخطئ أقول جني بحكم العادة واللسان، لكن هو ابن جِنِّي؛ لأنه ليس جنيًا نسبة إلى الجن يا إخوة، انتبهوا، قوله ابن جني ليس نسبة إلى الجن فتقول جني، لا، هذا هو جِنِّي، هذا اسم رومي كما هو جني، فالياء هنا لا تشدد.
استوعب ما كان من علم أبي علي الفارسي، لكن الفارسي نسبة إلى فارس تقول الفارسي، وأبي الفتح بن جني، وهو الذي تولى شرح كتاب الإيضاح في النحو لأبي علي الفارسي وسماه المغني، وهو في مجلد. كانت نشأة عبد القاهر في زمن يموج موجًا بالعلم، وبصراع بين المذاهب، وبعصبية صاحب كل بضاعة من العلم لبضاعته، وتناثرت أقوال غريبة وتضاربت؛ إذ كان الفساد قد دخل على الناس فأصاب منه حصته كل عالم وجاهل، وقد وصف بعض هذا عبد القاهر نفسه في أول كتابه دلائل الإعجاز، وأفرد منهم بالذكر طائفة ترى أن البيان هو الإفهام لا غير.
وأفرد منهم بالذكر طائفة ترى أن البيان هو الإفهام لا غير؛ أما ما يسمونه الفصاحة والبلاغة والبراعة، فلا معنى لها سوى الإطناب في القول، وأن غاية البيان أن تعرف أوضاع اللغة -أوضاع اللغة يعني النحو فقط- ومغزى كل لفظة، وأن تتجنب ظاهر اللحن في الإعراب، فإذا فعلت ذلك فأنت كامل الأداة، بالغ من البيان المبلغ الذي لا مزيد عليه، منته إلى الغاية التي لا مذهب بعدها؛ يعني أنت أتيت تمام الجملة نحويًا صحيح. بعض الإخوة الشعراء الآن هكذا، لكن هؤلاء الضعاف ليسوا الحداثيين، الحداثي ده متخلف، إنما بعض الإخوة الضعاف في الشعر، لا سيما المتأثرون بالاتجاهات الرومانتيكية، تأتي تكلمه.
هذا البيت ضعيف ومباشر، لا يتجاوز الدلالة الواضحة الصريحة الأولى. فيقول لك: لكن هذا يثيرني، وهذا يكفيني، وأنا أفهم وأشعر فيعجبني. هو يظن أن الشعر هو كل شعور مع أي بيان. أي شعور! هذه خلاصة مشكلة الشعر كله مع الناس بكل طبقاتهم، من الحداثي إلى الضعيف، يحسبون أن الشعر كل شعور مع كل بيان. خلاص، يعني يا سيدي أنا عندي معنى يثيرني، بقطع النظر هو شعر أو لا، موضوع يعجبني، يعني خلاص موضوع يعجبني، فيأتي ويقول: أنا قلت في هذا الكلام بيتاً. طيب قل البيت، فيقول البيت مباشراً، فتقول له: البيت مباشر، فيقول لك: بس الموضوع عاجبني. ما هو الموضوع عاجبك شيء، وفن القول شيء. الموضوع شيء، وفن القول شيء.
كهذا العماني الذي نادى على نفسه بالزراعة لما قال: أنا إذا قيل لي هذه قصيدة محكمة ألقيتها في القمامة، في الزبالة. هكذا قال، ويقول المعيار هو تأثر الجماهير، بس خلاص. طيب ما الجماهير تتأثر بالراقصة يا رجل! تطلع راقصة كده وتشدو وتهل، تعمل وتولع، وأنت تتبسط والناس تتبسط، ها، الراقصة يعني أنت بتنفس؟ لا والله، الراقصة أشعر منك، الراقصة أشعر منك، الراقصة أشعر منك، هكذا لو الجماهير الراقصة أشعر منك، خلاص، فعمرو دياب أشعر منك، يلا، عمرو دياب أشعر منك، بل شعبان عبد الرحيم أشعر منك. نعم، لحظة، طيب.
فهذا نادى على نفسه بما يعيبها، وبالأساس ليس كل شعور مع كل بيان. ولكن هذا الداء قديم، كان موجوداً عند بعض المتكلمين من المعتزلة، خلاص، كان موجوداً عند بعض المتكلمين من المعتزلة أهل العقول، ولذلك لا يستغرب الآن حينما أنقضّ بعض الأشاعرة، استمع الآن في عصرنا إلى بعض الفضلاء الأشاعرة، علماء المذهب الأشعري، يعني علماء ورأس متكلم، يعني رأس منطق، خلاص جميل، لكن أول ما يتكلم في البيان ضعيف جداً، وواضح من لغتهم عدم التمرس، وكلامهم عامي فيها، فأحياناً أحب أن أقول لبعض من يتكلم فيها، أقول لأخي: اسمع، أنا كلامك جميل في العلوم التي تتكلم فيها، العلوم العقلية، وأنت تتكلم في مسائل علم الكلام وأصول الدين، أما كلامك في البيان فضعيف جداً. نعم، فهذا موجود من قديم. يقول عبد القاهر -وهو طبعاً يفتح قوساً ينقل عن عبد القاهر-: يقول: فأنت كامل الأداة، بالغ من البيان المبلغ الذي لا مزيد عليه، منته إلى الغاية التي لم أذهب بعدها، التي لمن يفعل ماذا؟ من يعرف أوضاع اللغة فقط.
نعم، وهنا أسجل أن هذا الذي يفعلونه في مهازل أمير الشعراء أو غيره من نسبة الجمهور وكذا، كلام فارغ وتجارة وبزنس، ولا يمس التحكيم والنقد من قريب أو بعيد، ولذلك أقول لمن يفوز في هذه المسابقات: مبارك لك في المال، ولكن اعلم أنك لم تأخذ أية قيمة أدبية، ولا نعترف لك بأية رئاسة شعرية أو أدبية، بل إن فوزك في ذلك ينادي عليك بالسقوط أكثر مما ينادي عليك بالرفع. فوزك في هذا ينادي عليك بالسقوط أكثر مما ينادي عليك بالرفع، فلا تفرح بالجائزة كثيراً، انتفع منها على أنها بزنس كما هي بزنس عند من أعطوك إياها.
قال: وقد طعنت هذه الطائفة في شيئين: في الشعر، فليس فيه كثير طائل، وأنه ليس إلا ملحة أو فكاهة أو بكاء منزل أو طلل -كل هذا قرأناه- أو إسراف قول في مدح أو هجاء، وأنه ليس بشيء تمس الحاجة إليه في دين أو دنيا. وطعنت طائفة في النحو، فهو ضرب من التكلف، وباب من التعسف، وشيء لا يستند إلى أصل، ولا يعتمد فيه على عقل، وأن ما زاد منه على معرفة الرفع والنصب والجر وما يتصل بذلك مما تجده في المبادئ فهو فضل، أي زيادة لا يوجب نفعاً ولا يحصل منه على فائدة. يقول محمود شاكر: هكذا قال عبد القاهر، وأقول هذا كله -محمود شاكر يقول-: وأقول هذا كله شبيه بما يقوله جهلة زماننا عن الشعر وعن تبسيط النحو واختصاره، والبلاء واحد، ولكنه اليوم أخطر وأبشع وأخبث، لأن الحق اليوم أضعف ناصراً وأقل عدداً. يقول: نبدأ من هنا الكلام، وقفنا عند هذا الموضع في المرة الماضية.
يقول: وكان عبد القاهر نحوياً متكلماً، ولكنه استودع قدراً باهراً من تذوق البيان، وكان عبد القاهر نحوياً متكلماً، يعني الأصل فيه أنه نحوي ومتكلم، ولكن انظر لأن كونه نحوياً متكلماً لا يعني أنه متذوق للبيان، اتفقنا على هذا. بعض الجهلة في عصرنا يتعصب للعلم الذي فتح الله فيه عليه قليلاً، فيأتي ويقول: النحاة يفهمون شيئاً؟ لا أيها المغفل، لا أيها المغفل، وكم من نحاة لا يعرفون نقد الشعر! بل هذا الأصل، إلا أن يُعرف له نقد الشعر يمارسه ميراث العلم المستقل، لإجماع العلماء على أن نقد الشعر نقد الكلام علم مستقل، هكذا نص عليه.
وكان عبد القاهر نحوياً متكلماً، ولكنه استودع قدراً باهراً من تذوق البيان، فلم يطمس عليه صدى الكلام والمتكلمين، فلم يطمس عليه صدى الكلام والمتكلمين، وزاده تذوقه بصيرة في النحو. هذه العبارة من الخطورة بمكان، لأن فيها أن معرفة بيان الشعر تمد علم النحو نفسه، تمد علم النحو نفسه، وهذا شيء زائد على مجرد الشواهد، أن تعرف الشواهد على ما يجوز وما لا يجوز، وإنما هي بصيرة أعطاها علم النحو بصيرة، وأبواب ومسائل دقيقة أعطاها علم الشعر لعلم النحو، وحسبك مثالاً على هذا مسألة الحمل على المعنى ومسألة التضمين، وكذلك المسائل التي تفرع فيها عبد القاهر في الدلائل. وهي من هذا الكتاب، قال محمود شاكر: زاده النظر في الشعر بصيرة في النحو. طبعاً النحوي له نظر، له سقف محدود، له حد، أما الذي يخوض في الشعر فيزداد بصيرة في النحو نفسه، في مع النحو نفسه، والذي يقرأ الدلائل يعرف هذا. نعم، قال: وزاده تذوقه بصيرة في النحو، وقريب جداً أن يكون منذ نشأته قد شارك في معمعه الصراع بين الأشاعرة والمعتزلة في كل أبواب الكلام التي شغلوا بها وأسرعوا عليها. يعني هو محمود شاكر لا يستبعد أن يكون عبد القاهر قد شارك في هذه المعمعه. نعم، وهذه الصراعات، ولكن يظهر أن عبد القاهر -انظر انظر- ولكن يظهر أن عبد القاهر كان يجعل مشاركته هذه مشوبة دائماً بالحس المتذوق للبيان.
فلما استوى واشتد واتسع علمه بالأدب والشعر واللغة حتى صار فيها إماماً، كانت تشغله قضية إعجاز القرآن التي هي جزء من أجزاء علم الكلام. هذا يا إخوة صريح في أن عبد القاهر انتقل أيضاً إلى الحديث، كما قلنا في الأول، كلهم دخلوا من هذا الباب، انتقل إلى الحديث في إعجاز القرآن من الباب الكلامي. والسؤال الذي دائماً يلح على عقلي وقلبي -هذا السؤال دائماً يلح على عقلي وقلبي-: ماذا لو لم يكن الصراع الكلامي؟ ماذا لو لم يكن الصراع الكلامي؟ هل كانت ستضيع القضية البلاغية؟ هذا هو السؤال الذي دائماً يشغلني من قديم. ماذا لو لم يولج إلى البلاغة من طريق إعجاز القرآن والصراع الكلامي ومحاولة إثبات الوجه الذي كان منه القرآن معجزاً؟ صراع كلامي أصلاً، يعني شارك فيه الجاحظ وشارك فيه حتى النظام معه، شارك فيه الواسطي والرماني والخطابي والباقلاني والقاضي عبد الجبار وعبد القاهر، وكل هؤلاء متكلم، كل هؤلاء متكلم، يعني عالم كلام فولج إليها، والذي أفلح فيها هو من له ذوق ومساحة في النقد. فأسأله دائماً: هل كانت ستضيع؟ كنت أقول هنا: لا، ما كانت ستضيع. تعرفون لماذا؟ دعونا نتجاوز قضية أن الله كان سيحفظ كتابه بهذه الطريقة أو بأخرى، يعني سواء اختار المتكلمين لهذه المسألة أو اختار غيرهم، كانت ستحفظ، أنا أعرف هذا، لكن أبحث الآن في الأسباب.
لماذا؟ لو جاءني شخص وقال: لماذا كان الأدب سيحفظ على كل حال؟ فأقول: لأن الأدب يا رجل هو ركن كل أمة أصلاً، والعرب ركنها الأول الأدب، فلو لم يلجوا إليه من جهة الكلام في القرآن والإعجاز، كانوا ولجوا إليه من جهة الشعر، من جهة الشعر. ولهذا أخالف بشدة هؤلاء الذين يقولون إنه لولا القصد إلى الشواهد ونحو ذلك ما جمعت العرب الشعر ولا روته عن الأعراب، وأنهم رووا عن الأعراب ليأتوا بالشواهد، وهذا الكلام غير صحيح. تعرفون الدليل عليه؟ ماذا؟ لحظة، طيب. أقول والدليل على هذا أن نفس الرواة الذين رووا الأشعار التي يحتج بها رووا أشعاراً لا يحتج بها. صح، الأصمعي، أبو عمرو بن العلاء، المفضل الضبي، هؤلاء جميعاً رووا أشعاراً لمدين، لمدين! أبو عمرو بن العلاء روى لبشار بن برد ولأبي نواس، والأصمعي روى لأبي نواس، وهؤلاء لا يحتج بأشعارهم في اللغة، يعني لا يؤخذ منها النحو، فرووا أشعار القدماء للأدب وللنحو، ورووا أشعار المتأخرين للأدب، فالذي يقول لولا جمع الشواهد ما رويت الأشعار لا يفهم، لا يفهم ما معنى أشعار، ما معنى شاعر في كل أمة، لا يعرف ما هي الأشعار وما قيمة الأشعار في كل أمة. يقول لولا الشواهد ما جمعت، يا سلام! يعني هم جمعوها للنحو ونحن بالمرة استفدنا منها في الأدب، هذا غلط، كانوا سيرونها على كل حال. ولو كان الجمع للشواهد لاكتفى بالجمع، انظر إلى الشواهد في كتاب سيبويه وفي كتب النحو جميعاً، وانظر إلى الدواوين المجموعه، ما كانوا في حاجة إلى كل هذا البحر من الشعر الذي جمعوه لأجل الشواهد، ما احتاجوا إلى هذا، ما احتاجوا إلى هذا، لكن هم جمعوا للأدب، اه هذا يروي الشعر للقيس لابد أن نرويه، أن نسافر إليه، أن نشد الرحال، وأن نكتب عنه، نعم.
كتب أو أبيات الشواهد محدودة، تنسخها كتب النحو عن بعضها، لكن الفكرة في الأدب أيها الإخوة، جمعوها للشواهد وللأدب، واستمروا في رواية الشعر عند الشعراء أو عن الشعراء المولدين الذين لا يحتجون بكلامهم في العربية. نعم، فكذلك لو لم يلج المتكلمون إلى البلاغة لولج إليها غيرهم، بل أقول ربما كان غيرهم سيأتي جمعه أصفى وتحريره أصفى من ذلك، يعني كنا سنجنّب المشكلات التي وقعت بسبب علم الكلام. نعم، محمود شاكر في غير موضع ينبه إلى أن أولى الناس بفعل ذلك، والكلام في البلاغة وتفسير الشعر، كان الشعراء، العلماء الشعراء، الشعراء الكبار، قال: ولكن المشكلة أنهم شغلوا بالشعر عن ذلك أصلاً. نعم، وهذه حقيقة تاريخية فيما يبدو.
قال التي هي جزء من أجزاء علم الكلام، يعني إذاً عبد القاهر الخلاصة، عبد القاهر كان يشتغل بصراع المتكلمين، لكن كان يخص منها باب إعجاز القرآن، فكان فيه أو فكان منه فيه ما كان.
طيب، قال: فلما استوى واشتد واتسع علمه بالأدب والشعر واللغة حتى صار فيها إماماً، كانت تشغله قضية إعجاز القرآن التي هي جزء من أجزاء علم الكلام، وجزء مما اختلف فيه المختلفون من المتكلمين، وجزء مما اختلف فيه المختلفون من المتكلمين. وكتب عبد القاهر دلائل الإعجاز وأسرار البلاغة وبعض رسائله، وكلها تدل على أنه لم يفته شيء مما قاله الجاحظ وأبو عبد الله الواسطي والرماني والخطابي والباقلاني وعبد الجبار، لم يفته شيء. قال وكتب عبد القاهر دلائل الإعجاز وأسرار البلاغة وبعض رسائله، وكلها تدل على أنه لم يفته شيء مما قاله الجاحظ وأبو عبد الله الواسطي والرماني والخطابي والباقلاني وعبد الجبار، فوقف على ألفاظ الجاحظ الموحية المثيرة التي كان ينعت بها ما يجده في نفسه من تذوق القرآن، واستوعب ما زاد عليه فيها الباقلاني وهو يحاول أن يكشف الإبهام عن معنى البلاغة، وهو يحاول أن يكشف الإبهام عن معنى البلاغة.
وأنا أرجح -محمود شاكر يقول كلمة مهمة-: وأنا أرجح أن الذي أرّق -يعني إذاً عبد القاهر يا إخوة مجمع لمن سبقوه وكان يؤرقه الإبهام في البلاغة- طيب، يقول محمود شاكر: وأنا أرجح أن الذي أرّق عبد القاهر دهراً طويلاً منذ أول اشتغاله بالعلم والأدب هو ما قاله الخطابي في افتتاح كتابه، حيث ذكر أن البلاغة معنى مبهم غامض، وأن المتكلمين حين طلبوا وجه إعجاز القرآن اقترحوا أن يكون وجه الإعجاز هو البلاغة، وأن الناس قد جروا في تسليم هذه الصفة للقرآن على نوع من التقليد وضرب من غلبة الظن، وأنهم عاجزون عن تحديدها وتصويرها، وأن المتكلمين يتفاضلون بالعذوبة، فلا يقفون على العلة التي تجعل لأحدهما على الآخر فضيلة ومزية. إذاً محمود شاكر يقول: أرجح أن الذي يؤرق عبد القاهر من لحظته من أول ما اشتغل بالعلم والأدب هو كلام الخطابي، أن البلاغة كمعنى مبهم، فلا بد من الكشف عن هذا المبهم.
قال فلما جاء القاضي عبد الجبار، هذا فحل المعتزلة، إياك أن تستهين، اقرأ له، عندي له كتاب متشابه القرآن، انظر هذا الكتاب الضخم، هذا الكتاب الضخم متشابه القرآن للقاضي عبد الجبار بن أحمد الهمذاني، المتوفى سنة 415، تحقيق الدكتور عدنان محمد زرزور بجامعة دمشق، هذا مطبوع في جزئين، مجلد كبير من جزئين، متشابه القرآن، هذا رجل فحل كبير، لا تمزح معه، يعني هذا لم يجرؤ عبد القاهر أن صرح باسمه في الدلائل، لم يستطع، مع أنه نقل كلامه بالنص، نقل يعني مقاطع كبيرة بالنص بالنص، يعني تقطع فيها بأن هذا كلامه، لكن سبحان الله لم يستطع أن يصرح باسمه، ربما يعني.
كان فكر المعتزلة في هذا الوقت يسود بشكل كبير، ومن عباقرة التاريخ هذا القاضي عبد الجبار، وهذا القاضي أبو بكر الباقلاني، وأبو بكر الجرجاني، وعبد القاهر. لم يستطع عبد القاهر أن يصرح باسمه، لماذا؟ ليس سهلاً، ليس سهلاً، وظل يقول ويتبع الأقوال على أحجام قائليها، هو يعترف بحجمه الكبير لكنه خطير وحجمه كبير.
يقول محمود شاكر: فلما جاء القاضي عبد الجبار رأس المعتزلة حاول كشف الإبهام والغموض عن معنى البلاغة والفصاحة، وسلك في ذلك مسلك المتكلمين. ما هو لو عبد الجبار؟ أنا دائماً أشير إلى الكتاب لتفهموا إلى أين أشير، هذا كتاب متشابه القرآن لعبد الجبار، لو عبد الجبار ليس الذي سيسلك مسلك المتكلمين، فمن وسلك في ذلك مسلك المتكلمين فطرح الكلام صداه على ما كتب، ولم يستطع أن يزيد على ضروب من تشقيق الكلام. سبحان الخالق، أصل البيان ما له كبير، البيان لا كبير له، هذا العلم إما أن تفرغ عليه أو أن تزل فيه، لا يصح تزل فيه زلات كثيرة وكبيرة، ولم يستطع أن يزيد على ضروب من تشقيق الكلام تجعل البلاغة والفصاحة ضرباً من الكلام لا ذروة من ذرى البيان.
وظاهر أن أقوال القاضي عبد الجبار كانت مما دخل في نزاع المتكلمين وغير المتكلمين من الأدباء والشعراء. يا نهار أسود! يعني معناها أنه حتى في هذا الوقت في القرن الرابع والخامس كان هناك شعراء جهلة. أيوحد شعراء جهلة؟ نعم، ونعى عليهم ابن رشيق في العمدة قال: بعض الشعراء من أهل زماننا المتعالمين يخطئون في كذا وكذا لقلة علمهم وقلة تحصيلهم لعلم الشعر.
يقول: وظاهر أن أقوال القاضي عبد الجبار كانت مما دخل في نزاع المتكلمين وغير المتكلمين من الأدباء والشعراء. وأن عبد القاهر كان قد شارك الأشاعرة منذ نشأته في حوارهم وحديثهم وجدالهم وفي كل ما نازع فيه المعتزلة، يعني كان الصراع القائم بين المتكلمين من طائفتي الأشاعرة والمعتزلة، كان عبد القاهر مشاركاً في طائفة الأشاعرة.
يا سلام يا سلام! عبد القاهر؟ تقول لي ما فيش أي حد هو عبد القاهر؟ يا سلام يا أخي! أكثر اثنين في التاريخ أثراً هما عبد القاهر والزمخشري، سني ومعتزلي، شغال الاثنين، لا تهزني، مش هتخوفني أن معتزلي، يعني غباره ما زال على جسدي، فأنا مطعم أصلاً من سني ومعتزلي فعادي، وفي النحو مطعم من شيعة عادي أيضاً، شيعة ومعتزلي عادي، فريح رأسك، اشتري رأسك كثير اشتري رأسك.
شوف عبد القاهر والله أكثر اثنين في البيان أثراً، ستقول طب أين الجاحظ؟ الجاحظ منبع قديم كبير، أثر في الدنيا الجاحظ، علمه متسلل في الدنيا كلها، وفي عبد القاهر شديداً، وفي الزمخشري، والزمخشري تسلل فيه عبد القاهر والجاحظ وغيرهما. المقصود التأثير القوي الصانع، يعني المباشرة التي وقعت في التأثير، الأثر المباشر كان عندي من رجلين من عبد القاهر والزمخشري، تأسست على مصنفاتهما، يعني على كتابي عبد القاهر وكشاف الزمخشري، هذا أول ما أنبت اللحم وأنشز العظم عندي، إلى جوار الشعر، الشعر كان مادة تغذي، لكن الفكر والأفكار والتفسير كان عبد القاهر والزمخشري.
قال: وأن عبد القاهر كان قد شارك الأشاعرة منذ نشأته في حوارهم وحديثهم وجدالهم وفي كل ما نازع فيه المعتزلة، إلا أنه كان في خلال ذلك كله أديباً متذوقاً، قبل أن يكون أشعرياً متكلماً. ومع الأيام ظهر له قدر الفساد الذي أحدثه القاضي عبد الجبار ببعض ما قاله فيما حاول به كشف الإبهام عن الفصاحة والبلاغة، هذا فضلاً عما وصفه قبل من فساد الناس وفساد أقوالهم في الشعر والنحو.
كلام خطير، تعرفون لماذا هذا كلام خطير؟ لأنني قديماً وأنا أدرس دلائل الإعجاز كنت أرى عبد القاهر يبدي ويعيد في مسألة ظاهرة جداً، يعني في الثلث الأخير من كتابه مثلاً يثبت لك شيئاً عجيباً، وهو أن من يردد كلام الشاعر ليس بشاعر، فتشعر بأنه يرد على أناس قالوا القرآن ليس معجزاً من جهة النظم، لماذا؟ لأن القرآن لو كان معجزاً من جهة النظم لم نستطع أن نقوله. شوف لم نستطع أن نقوله، يعني آية الكرسي معجزة؟ آه معجزة، ركزوا في هذه المسألة خطيرة يا إخوة، آية الكرسي معجزة نعم معجزة. طيب كيف معجزة؟ أنا المفروض لو معجزة أنطق بها لا أستطيع إعجازها في النظم، طيب ها هي آية الكرسي بنظمها ﴿اللَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ ۚ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ ۚ لَّهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ۗ مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِندَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ ۚ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ ۖ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ ۚ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ ۖ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا ۚ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ [البقرة: 255] ها هي آية الكرسي، أين معجزة قلتها بنظمها؟
فيقول لك لو كان النظم معجزاً ما استطعت أن أقولها، هل أنا الآن أخلل بالنظم؟ لا، هل أخلل بالمعاني؟ لا، هل أخلل بالفهم؟ لا، طيب تعالى هي أشعار امرئ القيس تدل على براعته وأنه ينسب إليه دون غيره وكذا، آه طبعاً، أقول لك لا تعالى: وقد أغتدي والطير في وكناتها... بمنجرد قيد الأوابد هيكلِ مكر مفر مقبل مدبر معاً... كجلمود صخر حطه السيل من علِ كميت يزل اللبد عن حال متنه... كما زلت الصفواء بالمتنزلِ على العقب جياش كأن اهتزامه... إذا جاش فيه حمية غلي مرجلي أهذا هو مسح إذا السابحات على الونى... أثرنا الغبار بالكديد المركلِ يطير الغلام الخف عن صهواته... ويلوي بأثواب العنيف المثقلِ درير كخذروف الوليد أمره... تتابع كفيه بخيط موصلي له أيطل ظبي وساق نعامة... وإرخاء سرحان وتقريب تتفلِ ضليع إذا استدبرته سد فرجه... بضاف فويق الأرض ليس بأعزلِ كأن سراته لدى البيت قائماً... مداك عروس أو صلاية حنظلِ
ها أنا قلت، هل أخلل بالنظم؟ لا، فإذن هل أعسر علي فهمه؟ لا، إذاً لماذا تقول أنه يتفوق وينسب إلى الشاعر دون غيره وقد قدرت على هذا النظم؟ تخيلوا هذا القياس في وقته، شوف الأعمال الجدلي في وقتهم إلى أين وصل. فعبد القاهر أقام فصلاً كاملاً في كتاب الأسرار يشرح فيه الوجه الذي به ينسب الكلام إلى الشاعر أو المتكلم، تخيلوا يقول: حينما نسب إليه لم ينسب إليه من حيث كونه ألفاظاً أو أصواتاً، ألفاظاً مفردة أو أصواتاً، وإنما نسب إليه من حيث كونه هو الذي توخى معاني النحو بحسب ما يراد أو يؤم من الأغراض في نفسه. أما نسخ ذلك في الأداء فهو إحداث مثله في النفس بعد أن خلقه هو من العدم.
وبالتالي يبقى لنا ويسلم لنا، أو تبقى لنا سلامة الاستدلال بذلك على أن الإعجاز يقع في النظم، لأن النظم ليس المقصود أن تضع الكلام بجوار بعضه كيفما اتفق، وإنما النظم هو أن تتوخى أنت معاني النحو، أما الذي يعيد فهو لم يتوخ على غرض في نفسه، وإنما كان يتوخى كان يقول مثل الذي قاله الأول، ولم يتوخ الغرض من جديد، إنما الصعوبة والإبداع في أن تخلق على غير مثال سابق، أن توجده من عدم، بعد ذلك تكراره هو قول مثله ليس قوله، هذا قول كمثل القول وليس قولاً هو عين القول ابتداءً، إلا إذا توافقت ما وقع الحافر على الحافر كما يقولون شيء آخر.
شوف الكلام خطير، فأنت ترى أبواباً وفصولاً جولاً في الدلائل، مش محتاجة، ما هي واضحة، ما كل هذا التشقيق عصره كان كذلك، عصره كان كذلك، أنا لو جاءني الآن شخص يجادل بهذه الطريقة ليس عندي طول نفس، يا راجل امشي اقعد ساكت، اعمل شاي، أقول له أهو ترابيزة الشاي أهي يلا اعمل شاي ونشرب شاي، سيبك من الكلام الفارغ، سمعنا شعر سأهجد لك وأقول لك عبد القاهر خلص خلاص الموضوع، وعبد القاهر كان له عذره، ليس لي عذري، عبد القاهر كان له عذره وليس لي عذري، ما عنديش نفس أخلِ الأيدين، كما يأتي شخص الآن يقول لي ما رأيك فيما قاله طه حسين؟ يا دي النيل يعني طه حسين جتله كيف فرقع فرقعة عمل فقاعة، أنا أتشغل بيه ليه؟ رأسي وحياتي أغلى منه من وقته وفكره، هو لعب، هو حر، هذا لعبه هو، أنا أشغل نفسي في الرد على طه حسين في تراهات ظاهرة؟ لو فعلت هذا الآن أكون يعني مستس في فراغ، عايز أعمل نفسي زعيم يعني وبرد وبتاع، هو سهل أصلاً كلامه يترد عليه، ليس هذا ما يعسر الرد عليه، كلام طه حسين في الشعر الجاهلي لا سيما بعد أن كتب فيه الكثيرون ليس ما تظهر به فحولتك وبراعتك في الجدال، ليس هذا، كلام فارغ، هذه بضاعة من لا بضاعة له.
قال: ومع الأيام ظهر له قدر الفساد الذي أحدثه القاضي عبد الجبار ببعض ما قاله فيما حاول به كشف الإبهام عن الفصاحة والبلاغة، هذا فضلاً عما وصفه قبل من فساد الناس وفساد أقوالهم في الشعر والنحو، وقد هيج هذا كله تذوقه الذي كان يزداد على الأيام صقلاً، فعزم عندئذ على أن يقول قولاً في كشف هذا الإبهام الذي يكتنف الفصاحة والبلاغة. وقد دل عبد القاهر نفسه على صحة ما قلته في أول كتابه دلائل الإعجاز حيث يقول في فصل مهم جداً: ولم أزل منذ خدمت العلم أنظر فيما قاله العلماء في معنى الفصاحة والبلاغة، آه يقول هذا الذي توقعته عبد القاهر دلل عليه بكلام.
نعم، ولم أزل منذ خدمت العلم أنظر فيما قاله العلماء في معنى الفصاحة والبلاغة والبيان والبراعة، وفي بيان المغزى من هذه العبارات وتفسير المراد بها، فأجد بعض ذلك كالرميم، والإشارة في خفاء، وبعضه كالتنفس حث عنه ويخرج، وكما يفتح لك الطريق إلى المطلوب لتسلك وتوضع لك القاعدة لتبني عليها، وجدت المعول على أن هاهنا نظماً وترتيباً وتأليفاً وتركيباً وصياغة وتصويراً، قد تأثر فيها عبد القاهر بأبي عثمان الجاحظية التي هي حقيقة فيها.
ثم يقول عبد القاهر: ولا يكفي في علم الفصاحة أن تنصب لها قياساً ما، وأن تصفها وصفاً مجملاً وتقول فيها قولاً مرسلاً، بل لا تكون من معرفتها في شيء حتى تفصل القول وتحصل، وتضع اليد على الخصائص التي تعرض في نظم الكلام وتعدها واحدة واحدة وتسميها شيئاً فشيئاً، وتكون معرفتك معرفة الصنع الحاذق الذي يعلم علم كل خيط من الأبريسم الذي في الديباج، وكل قطعة من القطع المنجور في الباب المقطع، وكل أجراء من الأجر في البناء البديع، أنت بتصنع بيت الشعر أنت زي النقاش عارف ده فين وده فين.
يقول محمود شاكر: فالفقرة الأولى دالة على أن كلام الخطابي في إبهام البلاغة كان يشغله ويهمه، والفقرة الثانية تشير إلى محاولة القاضي عبد الجبار في كشف الإبهام لما قال: ولا يكفي في علم الفصاحة أن تنصب لها قياساً ما، وأن تصفها وصفاً مجملاً وتقول فيها قولاً مرسلاً. قال: والفقرة الثانية تشير إلى محاولة القاضي عبد الجبار في كشف الإبهام وما في محاولته من العيب فضلاً عن بعض أقواله الفاسدة التي أشار إليها عبد القاهر في مواضع من كتابه غير هذا الموضع.
بيد أن الذي يهمني هنا أن أشير إليه هو هذه الألفاظ الثمانية، هو هذه الألفاظ.
الثمانية التي وضعت تحتها خطاً في الفقرة الأولى، فهذه الألفاظ كما ترى وضعت تحت نظماً وترتيباً وتأليفاً وتركيباً، الله يرضى عليكم يا أم عبد الله، وصياغة وتصوير ونسج وتحبير.
فهذه الألفاظ كما ترى هي نفس ألفاظ أبي عثمان الجاحظ، ومن بعده القاضي الباقلاني. كان أبو عثمان ينعت بها ويبث لها ما كان يجده في نفسه من تذوق هذا القرآن العظيم، حين أفزعته النتائج التي أفضت إليها الصرفة من سلب القرآن كل فضيلة له. وهي أيضاً ألفاظ الباقلاني مع أخوات لها كان يفزع إليها الباقلاني حين يخامر قلبه الشك في إبهام هذه البلاغة ما هي، ولا يجد عند نفسه قدرة على الإبانة عنها، فيلجأ هو أيضاً عند ذلك إلى نعت ما يجد في نفسه من تذوق القرآن بألفاظ الجاحظ، وبألفاظ أخرى استخرجها ببيانه وبراعته.
وقد قلت آنفاً إن أبا عثمان قد استطاع ببراعته وبيانه وتدفقه أن يستخرج من أعماق لغته نعوت لأقصى ما يجده في أغوار نفسه من أثر تذوق القرآن الكريم أو القرآن العظيم، فجاءته ألفاظ عظيمة الوقع في النفوس بإبهام واستثارة في سياق كلامه، حاملة صدقه وإخلاصه وتدفقه ونفاذ تذوقه، فتألق تألقاً يثير كوامن الخواطر من مثل قوله: نظم القرآن وبديع تركيبه وغريب تأليفه. فهذه عبارة الجاحظ: نظم القرآن وبديع تركيبه وغريب تأليفه. فالذي لا أشك فيه أن هذه الألفاظ في كلام الجاحظ ومن بعده الباقلاني هي التي ظلت تقع في نفس عبد القاهر موقعاً بعد موقع.
فالذي لا أشك فيه أن هذه الألفاظ في كلام الجاحظ ومن بعده الباقلاني هي التي ظلت تقع في نفس عبد القاهر موقعاً بعد موقع، كما وصفها في الفقرة الأولى بأنها كالرميم والتنبيه على مكان الخبء، إلى آخر ما قال الشيخ الإمام، وصدق. وكان عليه أن يحل رموز هذه الألفاظ ويكشف عن خباياها، ويذهب المذاهب مع كل إيماءة وإشارة، فكانت تستجيب له مفاتيحها شيئاً بعد شيء، وذلك لأنها كانت تحمل صدق النعت ودقته عن إحساس مرهف صادق ببيان هذا القرآن العظيم.
ومن تأمل هذه النعوت الصادقة الدقيقة المعبرة عن أقصى الحقيقة في نفس أبي عثمان، وقد وصف هو نفسه ما بذله من الجهد فيها فيما سلف، استخرج عبد القاهر أصول كتابيه العظيمين «أسرار البلاغة» و«دلائل الإعجاز». وانفرد وحده في تاريخ آداب الأمم جميعاً بتأسيس علم لم يسبقه إلى مثله أحد. ولم يزل ما يتضمنه هذان الكتابان سامياً سامقاً، تعيا أقلام الدارسين والكتاب عن بلوغ بعض ذراه الشامخة.
وهذه الفقرة التي تكلم فيها عن ما أتى به الرجل السابع في هذه السلسلة هي الصفحة السادسة بعد التسعين. وبعد ذلك يبدأ كلاماً سيتحدث فيه بعد ذلك عن أمور، وسيعيد الكلام في شأن عبد القاهر وأشياء أخرى، فنقف هنا، وغداً إن شاء الله نلتقي بعد صلاة التراويح في وقت مبكر عن بدايتنا اليوم بساعة تقريباً إن شاء الله، أو أكثر من ساعة، قد نبدأ في الثامنة أو الثامنة والنصف، حتى نصلي التراويح في القاهرة أو قدراً منها مع الجماعة، ثم نبدأ معكم إن شاء الله. غداً نكمل في الكتاب وننتهي من هذه المجالس في رمضان إن شاء الله تعالى، ونبدأ في غيره إن شاء الله، شكراً لكم وجزاكم الله خيراً، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته، تقبل الله تعالى منا ومنكم أيها الإخوة.
الأستاذ أبو قيس محمد رشيد